Ch26 جبلها، بحرها
أصابع تشي تانغ بيضاء وطويلة ،
وعلى جانب معصمها شامة صغيرة ،
حتى عروقها الزرقاء واضحة فوق نتوء عظم المعصم
و حين ترتدي هذه الساعة السوداء الرفيعة ،
كانت يو يو تراها جميلة على نحو خاص
أما الآن، وقد أصبحت الساعة في يدها فبدت وكأنها لا تناسبها
لم تكن أصابع يو يو قصيرة أو ممتلئة ،
بل كانت خشنة وقاسية
مفاصلها بدت ملتوية قليلًا ،
وقد أفسدتها برودة الشتاءات في صغرها ،
إلى جانب بعض الندوب الرفيعة التي خلّفتها إصابات قديمة
{ تبدو يداي غير متناسقتين مع هذه الساعة ،
بل كأني حمقاء ولستُ أنيقة }
الساعة بعد نزعها مباشرةً ما تزال تحتفظ بشيء من الدفء
أمسكتها يو يو في كفّها،
وهي تراقب عقرب الثواني يتحرك ثلاث خانات متتالية
أرادت أن ترفض ،
لكنها رأت وجه تشي تانغ —
عيناها مغمضتان ،
وحاجباها معقودان ،
كأنها تحاول كبح انزعاجها
{ لو أزعجتها بشيء كهذا الآن ،
ستشعر بسوء أكثر .}
و بعد تردد قصير ،
ربطت يو يو الساعة بعناية حول معصمها ،
ثم سحبت كمّها إلى الأسفل لتخفيها
توقفت الحافلتان في موقف السيارات عند سفح الجبل
وبعد النزول ،
اصطف كل فصل في طابوره ،
واستمعوا إلى التذكيرات الأخيرة من المعلمين
في نظر المعلمين لا بد من تكرار كل شيء ثلاث مرات،
وإلا فإن الطلاب الحالمين شاردِي الذهن لن يتذكروا شيء
سواء كان الأمر يتعلق بالدراسة بجد ،
أو بعدم فعل شيء معين ،
كان عليهم تكراره مرارًا وتكرارًا
ولم ينتهِ لاو-فانغ من ثرثرته
إلا بعد أن بدأ معظم الطلاب يشعرون بالضجر ،
فطلب من قائد الفصل والطالب الرياضي توزيع زهور الأقحوان معًا
ثم بدأوا الصعود إلى الجبل ،
وكل واحد منهم يحمل زهرة أقحوان بيضاء في يده
اليوم غائم ،
ورغم أن الوقت تجاوز العاشرة صباحًا ،
ظل الجو معتمًا قليلًا
عند سفح الجبل ،
امتد درج حجري طويل يقود إلى قبور الشهداء
وعلى الجانبين ،
كانت غابات السرو الكثيفة ،
بلونها الأخضر الداكن ، تضفي على اليوم برودة موحشة
لكن هذا الجو الكئيب لم يدم طويلًا
فأحاديث الطلاب الصاخبة سرعان ما بددت السكون
كان المراهقون مفعمين بالحيوية والطاقة ،
وسرعان ما تحولت خطواتهم على الدرج إلى فوضى صاخبة
في عيد تشينغمينغ هذا ، لم يكن الفصل الثاني فقط من
جاء لتقديم الزهور عند قبور الشهداء — فقد وصلوا بقية الفصول تباعًا أيضًا
و أمامهم الفصل الثالث ، الذي وصل أبكر من الجميع
كانوا قد انتهوا بالفعل من تقديم الزهور ، وبدأوا ينزلون من الجبل مارّين بهم
في البداية كان الفصل الطويل منظمًا إلى حد ما، لكن
سرعان ما تحوّل إلى كتلة فوضوية، كأنهم سرب من الأسماك
و كان قائد الصف في المقدمة يحاول جاهدًا الحفاظ على
النظام ، وهو يصرخ مطالبًا الجميع بالبقاء في الصف :
“ لو وي! لا تدخل غابة السرو ! هذا خطير !”
“ هاهاها ! لو وي قائد الصف يقول لك لا تدخل الغابة! اخرج من هناك !”
“ ما الخطير في غابة صغيرة كهذه ؟ مستحيل أن يكون فيها ثعابين ، أليس كذلك ؟”
“ وكيف ستكون هناك ثعابين في هذا الطقس أصلًا ؟”
تعالت الضوضاء بين الطلاب ، وفجأة ركض أحد الأولاد ذوي
النوايا السيئة ثلاث درجات إلى الأمام، ولوّح بغصن من الغابة المجاورة وهو يصرخ : “ ثعبااااااان !”
صرخت الفتاتان خلفه فزعًا ، ثم بدأتا توبخانه بغضب وهما تضربانه : “ تشن جيران هل جننت ؟!”
ابتسم الصبي بمكر ، ثم ركض مبتعدًا ، مستغلًا طول ساقيه ليلحق بمقدمة المجموعة
لم يستطع قائد الفصل إلا أن يصرخ : “ تشن جيران!
انتبه ولا تركض على الدرج !”
أما ضجيجهم فكان شأنهم وحدهم ؛ و كانت تشي تانغ ويو
يو تمشيان بهدوء في آخر المجموعة
وعندما رأت تشي تانغ محاولة تشن جيران إخافة الآخرين،
دحرجت عينيها وتمتمت : “ يا له من أحمق ممل.”
اقتربت يو يو منها وسألت مستغلة الفرصة : “ هل تحسّن دوار الحافلة ؟”
همهمت تشي تانغ موافقة — فالهواء النقي أخيرًا خفف من انزعاجها
يو يو: “ إذًا لنمشِ ببطء أكثر .”
لم تكن تشي تانغ في أفضل حالاتها بعد ، لذا لم تقل شيء ،
بل هزّت الزهرة في يدها علامة على الموافقة و سارتا ببطء،
ومع مرور بعض الطلاب بجانبهما من حين لآخر ، وجدتا نفسيهما سريعًا في آخر الفصل تمامًا
و في هذه اللحظة كان الجميع قد تفرقوا ، واستسلم قائد الفصل لفكرة التنظيم ولم يعد يصرخ على أحد
ولبرهة، لم يكن على الدرج الحجري سوى القليل من الطلاب الآخرين ينزلون من الجبل، وكلهم بعيدون عنهما
الضوضاء قد صعدت إلى أعلى الجبل ، فبقي لهما بعض الهدوء
و أشجار السرو تبعث رائحة نظيفة ومنعشة ، ترافقها زقزقة طيور بعيدة
وعلى الدرج الحجري تناثرت بتلات ساقطة ، لعلها تركت خلفها من قِبل بعض الطلاب المشاغبين ، حتى إن زهرة
مكسورة الساق كانت عالقة على أحد أغصان السرو إلى الجانب
تنهّدت تشي تانغ : “ هم بالتأكيد ليسوا هنا لتقديم الزهور — لقد فقدوا زهورهم بالفعل
ربما من الأفضل لهم أن يقدموا أنفسهم في الخدمة .”
بعيدًا أمامهما على الدرج ، كان فتى يلوّح بستراته لإزعاج بعض الفتيات
سخرت تشي تانغ : “ و من بعيد قد تعتقد أنهم مجرد مجموعة من القرود البرية "
“ ههههههههههه .”
عند سماع كلامها، لم تستطع يو يو إلا أن تضحك
كانت تشي تانغ حقًا أحيانًا مشاغبة جدًا ، وعندما تكون
مستاءة تكون نكاتها أكثر كثافة
سألت يو يو وهي ترفع عينيها نحو السماء : “ هل ستبدأ الأمطار ؟”
: “… يبدو كذلك. لنسرع في المشي .”
بدأت تشي تانغ تخطو بدرجتين في كل مرة ، لكن بعد بضع
خطوات ، نظرت خلفها لتجد أن يو يو قد تأخرت عنها :
“ سيري بسرعة أيضًا.”
ابتسمت يو يو ونظرت إليها : “ حسنًا، سأكون خلفك مباشرةً .”
{ تشي تانغ وهي تتسلق الدرج بهذه الطريقة ، ستكون معرضة لأي شيء مفاجئ إذا تعثرت على الأقل ..
خلفها سأكون قادرة على الإمساك بها }
وصلت الفتاتان إلى القمة ، وكانت قبور الشهداء قد أحاطت بها دوائر من الزهور بالفعل
وضعتا زهورهما المحفوظة بعناية بين الآخرين ، كأنهما
لبنتين إضافيتين في بناء سور عظيم
كان بعض الطلاب قد أنهوا تقديم زهورهم وقرروا الركض والعبث ،
لكن معظمهم اختاروا إلقاء نظرة داخل النصب التذكاري للشهداء
بما أنهما عليهما كتابة مقال ، دخلت يو يو وتشي تانغ أيضًا
لكن بعد التجول داخل النصب ، بدأت الأمطار تهطل في الخارج
وقفت الفتاتان تحت الشرفة مع باقي الطلاب ، تراقبان
المشهد المهيب للقبر وأشجار السرو الشامخة
“ يبدو أن هذه الأمطار لن تتوقف قريبًا "
“ هل لدى أحد مظلة ؟”
“ لقد أحضرت بعض الوجبات الخفيفة فقط .”
“ لننتظر حتى تهدأ .”
نقرت تشي تانغ على هاتفها — فقد نسيت إحضار سماعات
الأذن ، فكانت تشغل موسيقاها بأقل مستوى صوت ممكن.
و يو يو الواقفة بجانبها مباشرة ، استمعت عن كثب إلى الصوت الخافت
سألت يو يو : “ ما هذه الأغنية؟”
تشي تانغ تحب الاستماع للموسيقى، وقد تعلّمت منها أسماء العديد من الأغاني ، و كل ذلك دون أن يلاحظ أحد ،
كانت تدونه في دفاترها الصغيرة
شغلّت تشي تانغ شاشة هاتفها وأرَتْها اسم الأغنية مكتوبًا
ببعض الحروف اليابانية
: “ تُترجم إلى ‘يوم صيفي واحد’، من فيلم الانمي Spirited Away.” ( في مقدمة الفصل )
ومع انتهاء هذه الأغنية ، بدأ تشغيل التالي تلقائيًا ،
فأوضحت تشي تانغ أيضًا : “ هذه أيضًا ، تُسمى ‘يوم النهر’ "
أومأت يو يو برأسها : “ كلها تبدو جميلة، لكنني لم أر هذا الفيلم .”
نظرت تشي تانغ إلى زميلتها التي لم يكن لها أي هوايات أو
اهتمامات لبضع ثوانٍ شاعرةً بشيء من الأسى ، ثم أوقفت
الموسيقى على الفور ، وفتشت عن الفيلم ، وسحبت يو يو
لتجلس على درجة قريبة
تانغ : “ دعينا نشاهده الآن إذًا
سيكون من المؤسف أن تفوتي عملًا فنيًا بهذه الروعة !”
بإمكان يو يو أن تدرك مدى إعجاب تشي تانغ بهذا الفيلم
: “ أحب جميع أعمال ذلك العجوز هاياو ميازاكي.”
اقتربا ، يشاهدان فتاة تُدعى تشيهيرو تُسحب أثناء ركضها،
و تشاهدان دموعها وهي تأكل كرات الأرز ،
و تراقبانها وهي تصعد إلى القطار الذي يسير على الماء ،
بينما تتحرك المناظر الخارجية خلفها إطارًا تلو الآخر
تلاشى صوت المطر والحديث حولهما ببطء
ومع ذلك، جلستا هناك، حتى أنهيا مشاهدة الفيلم معًا
: “ هل أعجبك؟”
: “ نعم.”
: “ ذوقك رائع. المرة القادمة سنشاهد Howl’s Moving Castle.”
: “ أيضًا جيد ؟ ما قصته ؟”
: “ ستعرفين عند مشاهدته — التلميحات تفسد المتعة ...
اقتربنا من الساعة الواحدة ، دعينا ننزل ونأكل شيئًا .”
نزلا معًا على الدرج المبلل
: “ تشي تانغ هل وجد هاكو تشيهيرو بعد ذلك ؟”
: “ أظن أنهما سيريان بعضهما بالتأكيد مرة أخرى.”
: “ هذا جيد.”
توجد حديقة صغيرة عند قاعدة الجبل ، وسوق الحديقة
الصغير مليء بالطلاب الذين يشترون هذا وذاك
معظم الطلاب أحضروا معهم بعض الخبز والوجبات
الخفيفة — يو يو أيضًا أحضرت بعض الخبز ، لكن تشي تانغ لم تحضر شيء
اشترت بعض الماء والنقانق في السوق ، و وضعت ثلاثة منها أمام يو يو
: “ طالما تحبين Spirited Away، فأنتِ جيجي ( أختي )
اليوم نستخدم هذه النقانق الثلاثة بدل البخور ، ونقسم بذلك …”
سمعت يو يو كلامها المفاجئ الغريب ، فبدأت تضحك بلا
توقف ، فانتهزت تشي تانغ الفرصة و أدخلت نقانق في فمها
أوقفت يو يو ضحكها أخيرًا وهي تضغط النقانق بشكل
محرج ، لكن الضحك في عينيها كان لا يزال قويًا
{ تشي تانغ… كيف هي مثيرة للاهتمام هكذا ؟ }
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق