Ch27 جبلها، بحرها
بعد عيد تشينغمينغ، حلّ شهر مايو —-
مايو في نانلين ما يزال يتميّز بأيام متتالية من الغيوم والمطر ، لكن درجة الحرارة ارتفعت
وعلى الرغم من هطول المطر ، اختفى ذلك البرد المتغلغل في كل مكان ، فأصبح الجو مريحًا نوعًا ما
النوافذ مفتوحة ، تسمح بنسيم خفيف يتسلل إلى داخل الصف
بطاقة المعلومات الشخصية ليو يو — التي قد انتهت لتوّها
من استخدامها ، انزلقت لتطفو على مكتب تشي تانغ
أما يو يو فكانت منحنية فوق المكتب تملأ الورقة ، بينما ألقت تشي تانغ نظرة لا شعورية عليها
سألت تشي تانغ : “ همم؟ عيد ميلادك في 10 مايو ، هل هو بالتقويم القمري أم الميلادي ؟”
: “ الميلادي.”
: “ إذًا هو قريب؟”
اقترب قائد الصف ليجمع البطاقات على عجل ، فوضعت تشي تانغ بطاقتيهما فوق بعضهما وسلمتهما،
بينما بدأت تفكر إن كان ينبغي لها أن تشتري هدية ليو يو في الأيام القادمة أم لا
عيد ميلاد تشي تانغ في أغسطس — و هي عادة لا تحتفل به —
فوالداها لم يتذكرا عيد ميلادها أبداً ، كما أن أغسطس يصادف العطلة الصيفية
و زملاء الفصل نادرًا يتذكرون أعياد الميلاد التي تقع في
العطلات الصيفية أو الشتوية ، ناهيك عن تقديم الهدايا
وهي نفسها لم تكن ممن يقدمون الهدايا كثيرًا ، لذا لم تكن
تعرف حقًا ماذا ينبغي أن تشتري أصلًا
{ ربما هاتف ؟
…لا، سيكون مكلفًا جدًا .. ومن المؤكد أن يو يو لن تقبله
ماذا عن بعض الملابس ؟
…سيبدو الأمر وكأنني انظر بازدراء إلى ملابسها المعتادة
أم ربما بعض مستلزمات الحياة الأساسية ؟ }
بعد عصف ذهني طويل دون نتيجة ، ألقت تشي تانغ نظرة لا شعورية نحو زميلتها في المكتب وفكرت :
{ أنا فقط أبالغ في التفكير… هذا وذاك كله يبدو غير مناسب .}
شعرت يو يو بنظرة زميلتها ، فرفعت رأسها ونظرت إليها بحيرة
دفعت تشي تانغ رأسها بإيماءة خفيفة نحو كومة كتبها ،
كأنها تأمرها بصمت أن تواصل المذاكرة
أما هي — فاستمرت في التفكير في مسألة هدية عيد الميلاد
بعد غد سيكون عطلة نهاية الأسبوع — نظرة سريعة إلى التقويم في هاتفها أخبرتها بذلك —
{ ربما سيكون من الأفضل أن أخرج حينها واقرر ما الذي اشتريه }
………
حلّت عطلة نهاية الأسبوع ، فتوجّهت تشي تانغ إلى المركز التجاري الذي اعتادت الذهاب إليه
وفي النهاية خرجت وهي تحمل طقمين من الأحذية — ومن باب السهولة اشترت طقمين من نفس التصميم تمامًا
واحد هدية عيد ميلاد ليو يو، والآخر اغتنمت الفرصة لتشتريه لنفسها
كلاهما أبيض ، لكن أحدهما برباط أزرق سماوي والآخر برباط أخضر
بعد أن أنهت مهمتها ، وكانت تنوي العودة مباشرةً ، لمحت مكتبة أخرى تروّج لكتب المراجعة ،
إذ كان إعلانها كبيرًا ولافتًا للنظر
تذكّرت فجأة أن يو يو قد استعارَت من قبل دفاتر تمارين من قو ييتشون —- وبما أنه خسر أمامها في منافستهما
الصغيرة ، ولم يعد قادرًا على التفوق عليها في الاختبارات
اللاحقة ، فقد توقّف عن إعارتها كتبه بكرم كما في السابق
كانت يو يو تحب حلّ مسائل التمارين بشدّة ، وغالبًا تبحث
عن مسائل من خارج المنهج لتتمرّن عليها — حتى أنها
كادت تنهي جميع الدفاتر التي أعطاها المعلمون
وفي الفصل الثاني حيث كان معظم الطلاب يرمون أقلامهم فور الانتهاء من الواجب ،
كانت زميلة تشي تانغ في المكتب تبدو مميزة بشكل واضح
وبينما تفكّر في هذا ، دخلت تشي تانغ المكتبة
لم تتوقّع حقًا يومًا أنها ستدخل مكتبة طوعًا لشراء كتب
تمارين ، لكن بعد أن تذكّرت أنها تشتريها لشخص آخر لا
لنفسها ، شعرت بشيء من الارتياح
لم تكن تشي تانغ تعرف أيّها أفضل من غيره ، لذا اشترت
مجموعة كاملة بناءً على توصية صاحبة المتجر ،
ثم اختارت بعض الدفاتر الإضافية المنفردة
وسرعان ما تحوّل الأمر إلى كومة ضخمة على صندوق الدفع
ابتسمت صاحبة المتجر وأثنت قائلاً :
“ تدرسين بجدٍ هكذا — لا بد أن درجاتك ممتازة ! أحسنتِ.”
بدأت تشي تانغ تندم على قرارها
وهي تحمل كيسين ممتلئتين بالكتب وتشعر بحرقة في
ذراعيها ، بدأ ندمها يتراكم بسرعة أكبر — { لماذا هي ثقيلة إلى هذا الحد ! }
لم ترغب حقًا في حمل هذه الكتب إلى المنزل ، فقرّرت
ببساطة أن تستقل سيارة أجرة وتعود إلى المدرسة ، مستعدة لتسليم ثقل هذه المعرفة إلى صاحبته الشرعية
———————
بدت يو يو متفاجئة بسعادة بعد أن فتحت الباب لها ورأت الكيسين المليئين بالكتب : “ هذا…؟”
هزّت تشي تانغ معصميها المتعبين ، وحين رأت الفرح على وجهها ، تبخّر ندمها بالكامل في لحظة
وبشيء من الرضا عن نفسها قالت :
“ أجل ، تمامًا كما تظنين .”
: “ لقد اشتريتِ كل هذه الدفاتر… هل قررتِ أخيرًا أن تجتهدي في الدراسة ؟”
تجمّدت تشي تانغ للحظة ، وأدركت أن زميلتها أساءت الفهم ، فكادت تقفز من مكانها قائلة:
“ لا! بالتأكيد لا
هذه ليست لي إطلاقًا !
إنها لكِ — هذه هدية عيد ميلادك !”
: “… آوه "
تانغ { حسنًا ، إن لم تكن لي فهي ليست لي —- لماذا ارتبكت إلى هذا الحد ؟
فليس من المعقول أن تُجبرنط يو يو على حلّ كل تلك التمارين أصلاً }
ثم أخرجت تشي تانغ الحذاء الذي اشترته ليو يو وقالت:
“ وهذا أيضًا .”
“ شكرًا على الهدية . ما هذا ؟”
: “ هدية مجانية.”
: “ ماذا ؟”
: “ هدية مجانية عند شراء الكتب .”
: “ تشتري كتب وتحصل على أحذية مجانًا؟”
: “ كما ترين صاحبة المكتبة كانت تبيع الأحذية في السابق،
لكن تجارتها بدأت تفشل ، فصارت تبيع الكتب بدلًا منها،
وبقيت بقية الأحذية كأنها هدايا مجانية .”
قالت ذلك وكأن الأمر حقيقي تمامًا
أمسكت يو يو علبة الحذاء ، وشعرت ببعض الحرج في
داخلها ، لكنها أيضًا كانت تكاد تضحك
{ كلام سخيف إلى هذا الحد — هل كانت تشي تانغ تمزح أم تحاول خداعي بجدية ؟ } : “ حسنًا، فهمت. شكرًا لكِ.”
بعد أن تخلّصت تشي تانغ من الثقل الذي كانت تحمله، استرخَت أخيرًا، فرمت حذاءها الخاص تحت السرير، ثم غادرت وهي تلوّح بيدها
راقبتها يو يو وهي تخرج من السكن ، ثم من بوابة المدرسة
أخرجت الكتب وبدأت تتصفحها واحدًا تلو الآخر — كان عددها اثنين وثلاثين كتاب ، وهو عدد كبير جدًا بالفعل
{ وثقيلة أيضًا… ألم تتعب وهي تحمل كل هذا ؟ }
ثم فتحت علبة الحذاء ، فوجدت حذاءً رياضي أبيض برباط أزرق سماوي
جلست يو يو على السرير ، خلعت حذاء القماش الذي كانت ترتديه داخل السكن ،
وارتدت الحذاء الجديد ، ثم ربطت رباطه
كان خفيفًا ومريحًا على قدميها
جلست تحدّق في قدميها بصمت — قدم بحذائها القماشي القديم ، والأخرى بالحذاء الجديد
بعد لحظة ، ثنت ساقيها وأسندت رأسها على ركبتيها ، تحتضن نفسها ، لتشعر بملمس حمالة الصدر التي ترتديها
تجمّدت مجددًا — فعندما دخلت سن المراهقة ، كانت أول حمالة صدر حصلت عليها أيضًا هدية من تشي تانغ
في ذلك الوقت لم تكونا قريبتين من بعضهما بعد، لذا كانت قد صُدمت حقًا يومها
أما الآن فقد أصبحتا صديقتين ، ومع ذلك وهي تتلقى هاتين الهديتين اليوم ، ما زالت تشعر بالمفاجأة…
أو ربما لم تكن مفاجأة بالضبط ، بل شعورًا بالامتنان ،
أو بشيء يكاد يفيض من لطف الطرف الآخر
تشي تانغ قد أعطتها أشياء كثيرة بالفعل، حتى إن يو يو كانت تشعر أحيانًا بالذنب
فهي لا تملك شيئًا أصلًا ، ناهيك عن أن تملك ما تردّ به لها
الأخذ دون عطاء كان يجعلها دائمًا تشعر بعدم الارتياح
—————————
تشي تانغ حسن رأت زميلتها تبدأ بحل دفاتر التمارين الجديدة التي اشترتها لها ،
وتكدّس كتابًا فوق كتاب على المكتب ، قررت فجأة أن ألعاب الهاتف التي لديها أكثر إثارة للاهتمام بكثير
و بعد أن تنتهي يو يو من حلّها ، كانت الملاحظات والنقاط الأساسية التي تدوّنها أكثر تفصيلًا ،
وكأنها نسخة مطوّرة من ملاحظاتها السابقة
: “ تفضّلي، لكِ. يمكنكِ إلقاء نظرة عليها إن كان لديكِ وقت .”
“ لا أريدها . احتفظي بها .”
خلال هذا الفصل الدراسي بأكمله ، بدا وكأنها تخلّت عن
عاداتها القديمة وعادت نحو النور
مقارنة بالفصل الماضي ، صارت تتأخر عن الحصص أقل بكثير ،
ودرجاتها في الرياضيات تتحسن بثبات ،،
حتى شرودها في الصف أصبح نادرًا
كانت يو يو قد قالت إنها لن تُجبرها على الدراسة ، لكن العبقرية المقيمة كشفت مجددًا عن حقيقتها
من المقعد أمامهما ، التفتت لين شيانغمينغ ونظرت نحوهما :
“ يو يو، لماذا لا تدعينني أستعير ملاحظاتكِ ؟
تشي تانغ لا تريدها على أي حال .”
تشي تانغ وقد ارتسم الرفض بوضوح على وجهها مدت يدها
فورًا وأخذت الملاحظات
تانغ { حتى لو لم أنوي النظر إليها ، فلن أسلّمها بالتأكيد إلى لين شيانغمينغ !!!
هذه الفتاة دائمًا تغار من درجات يو يو —- أو تبدأ بالتعليق
على ما ترتديه أو ما تأكله
لقد سمعتها مرارًا تثرثر وتسيء الكلام عنها من وراء ظهرها،
ثم تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث — و أنا أكره هذا النوع من الأشخاص أكثر من أي شيء !! }
حين رأت لين شيانغمينغ أن تشي تانغ تتعمد معاكستها ، رمقتها بنظرة استياء
تشي تانغ ممسكة بالملاحظات بيد ، والأخرى مستندة على الطاولة ، حدّقت بها بنظرة أشد حدّة
استدارت لين شيانغمينغ إلى الأمام ، ودَفعت مكتبها قليلًا
للأمام ، وكأن أفعالها تقول إنها لا تهتم بهما
عندها حرّكت تشي تانغ مكتبها للأمام بلا خجل أيضًا ، قائلة:
“ آههخ ما أوسع المكان !”
لم تستطع يو يو كتم ضحكتها ، وهذا أغضب لين شيانغمينغ حقًا ، فتمتمت:
“ على أي غباء تضحك هذه ؟”
مدت تشي تانغ في كلامها قائلة :
“ أنتِ من قلتِها ، نحن فعلًا نضحك على غبائك .”
غطّت يو يو فمها بقبضتها ، محاولة ألا تضحك بصوت مسموع
لم تكن تحب شخصيًا الشجار مع الآخرين حول هذه الأمور،
ولم تكن تُعير اهتمامًا كبيرًا لمن يضايقها، فضلًا عن نشر الشائعات أو الثرثرة
لكن تشي تانغ لم تكن كذلك ؛ إن أُهينت ، فإنها ترد بالمثل دون تردد
حدود ما تحب وما تكره واضحة جدًا لدى تشي تانغ —-
ولم تستطع يو يو إلا أن تشعر أن هذه الصراحة بدأت تبدو لطيفة أيضًا
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق