Ch34 جبلها، بحرها
غرفة تشي تانغ واسعة إلى حدٍّ ما، لذا كان هناك فراغ كبير بين مكتبها وسريرها
وقد فُرشت فوقه سجادة زغبية شتوية — كان ينبغي
تخزينها مع حلول الصيف — لكن تشي تانغ أبقتها في مكانها ،
لأنها كانت تحب أحيانًا أن تستلقي بجانب سريرها وتغرق في شرودها
احتضنت اليوكوليلي، وخلعت نعليها، ثم وقفت حافية القدمين فوق السجادة
ومع عزفها اللحن الجميل والرشيق لأغنية “Por Una Cabeza”،
بدأت تدور في دوائر صغيرة على إيقاع الموسيقى
: “ انظري ! أستطيع العزف وأنا أرقص .”
كانت الفتاة حافية القدمين ، وشعرها منسدل ، ترتدي قميص نوم،
وعلى وجهها ابتسامة ممزوجة بفخرٍ متلهّف للظهور
وعندما كانت تدور في دائرتها الصغيرة ، كان لباسها يتسع حولها كزهرةٍ متفتحة
و ضوء المصباح المكتبي يُحجب أحيانًا أطراف الفستان ، ثم ينساب الضوء سريعًا من جديد
ومع انعكاسه على القماش ، بدا التوهّج أكثر دفئًا
و توجد أيضًا رائحة خفيفة لا يُعرف مصدرها ، لكنها امتزجت بحلاوة الكعكة ،
فتداخل العطران وانتشرا في أرجاء الغرفة
⸻
ارتمت تشي تانغ على السجادة ممدّدة أطرافها ، ووضعت اليوكوليلي فوق معدتها
: “ آهههخ … متعبة !”
جلست يو يو بجانبها ، ولاحظت أن أطراف أصابعها قد احمرّت
أمسكت بيد تشي تانغ وقرّبت أصابعها نحو الضوء لتتأملها عن كثب
: “ أطراف أصابعكِ احمرّت بالفعل . هل كانت الضمادات لهذا السبب ؟”
ثنت تشي تانغ إصبعها بكسل عدّة مرات وأومأت
ربتت يو يو على ظهر يدها وسألت:
“ أليست هناك أغطية للأصابع يستخدمها الناس عند العزف ؟
ما اسمها مجددًا…؟”
: “ واقيات الأصابع؟ لا أحتاجها ... بعد فترة ستتكوّن طبقة
قاسية ، وعندما أعتاد لن يؤلمني إطلاقًا ...
كان لديّ قساوة هنا من قبل ، لكن أصابعي أصبحت لينة
بعد أن توقفت عن التدريب طويلًا ، لذا عليّ البدء من الصفر من جديد .”
وأثناء حديثها ، بدأت تشي تانغ تضحك فجأة مجدداً :
“ الآن بعد أن فكرت في الأمر ، ما زال الأمر غريبًا قليلًا
لم أتوقع حقًا أنكِ ستشترين لي كاليمبا.”
يو يو:
“ لا أدري ، لكن في تلك اللحظة شعرتُ أنها تناسبكِ كثيرًا "
تشي تانغ:
“ ألم يخطر ببالكِ أنني ربما لا أستطيع العزف على هذه الكاليمبا التي اشتريتها لي؟”
فردّت يو يو مباشرةً :
“ وأنتِ اشتريتِ لي كل تلك كتب التمارين الخاصة بمواد الصف الثالث ثانوي ،
بل وحتى مجموعة كبيرة من مسائل أولمبياد الرياضيات
ألم تقلقي يومًا من أنني قد لا أستطيع حلّها ؟”
تذكّرت تشي تانغ أنه عندما اشترت تلك الكتب ، قد قالت
للبائعة بصراحة تامة إنها تريد ' أصعب المسائل الموجودة '
حتى إنها لم تستطع فهم معظم الأسئلة أصلًا ، ناهيك عن حلّها
ومع ذلك، لم يخطر ببالها قط ماذا ستفعل إن لم تستطع يو يو حلّها
وعندما فكّرت في ذلك ، نظرت إليها وألقت نظرة سريعة
على تعبير زميلتها في المكتب ، ثم قالت بنبرة فيها شيء من
الاستمالة لم تنتبه إليه هي نفسها:
“ أنتِ ذكية جدًا ، مهما كانت المسائل صعبة فستتمكنين من حلّها . إن لم يكن الآن ، فسيكون في المستقبل .”
أومأت يو يو برأسها :
“ هذا ما فكرتُ به أيضًا . كنت أؤمن أنكِ ستتمكنين بالتأكيد من تعلّم العزف على الكاليمبا.”
مرة أخرى ، تلك الثقة غير المبرَّرة
تشي تانغ:
“ هل نحن نجامل بعضنا فحسب ؟”
: “ على الأرجح لا. فليس مجاملة إن كان حقيقة .”
: “ حسنًا يا زميلتي، لنتوقف عن مدح بعضنا إذًا
سأطلب لنا وجبة خفيفة لمنتصف الليل ….” قالت تشي
تانغ وهي تزحف لتأخذ هاتفها وتطلب الطعام :
“ لم آكل كثيرًا اليوم ، والكعكة وحدها لن تكفي
سأعزمكِ على جراد البحر الحار .”
غرفتها تضم نافذة بارزة كبيرة ، ومع فتح الستائر بإمكانهما
رؤية الإنارات واللافتات من حولهما ، بل وحتى ألوان الأبراج البعيدة المتغيّرة
جلستا بجانب النافذة تتحدثان قليلًا ، حتى وصل طلب جراد البحر أخيرًا
وُضع وعاء الجراد أمامهما ، وانتشرت رائحة التوابل في
أنحاء الغرفة ، فقامتا بإطفاء المكيّف وفتح النافذة بدلًا من ذلك
الهواء المتدفق ما يزال دافئًا قليلًا ، لكنه أبرد بكثير من حرارة الظهيرة
تشي تانغ:
“ هل ستمطر ؟ الرياح قوية جدًا .”
يو يو:
“ التوقعات تقول إنها ستمطر .”
: “ تمطر كثيرًا حقًا في نانلين. لقد مضى عام تقريبًا منذ
جئت إلى هنا ، وأشعر أن معظم الأيام ماطرة .”
: “ إذًا عندما نذهب إلى الجامعة ، هل نختار مكانًا لا تمطر فيه كثيرًا ؟”
قالت يو يو ذلك بعفوية ، فكان ردّ تشي تانغ لا مباليًا :
“ لا بأس .”
كانت تشي تانغ سريعة جدًا وبارعة في تقشير جراد البحر ، بينما لم تستطع يو يو مجاراتها إطلاقًا
كانت بطيئة للغاية ، ولم تستطع حتى سحب الذيل كاملًا
ومع مراقبتها ، بدأت تشي تانغ تفقد صبرها ، فأخذت القطع التي قشّرتها ووضعتها في يد زميلتها وقالت:
“ سأنتهي من خمسة في الوقت الذي تقشّرين فيه واحدًا فقط ...”
ثم أمسكت بقطعة أخرى وأرتها الطريقة:
“ انظري ، اسحبي الذيل مباشرةً ، ثم اطويه قليلًا ، وبعدها اضغطي هكذا ... عندها يمكنكِ سحب الذيل كاملًا .”
“……."
: “ أنتِ ذكية جدًا عندما تحلّين الواجبات ، لكن لماذا أنتِ
سيئة جدًا في تقشير جراد البحر ؟”
“… لقد انتهيت .”
وعندما رأتْها أخيرًا تسحب ذيلًا كاملًا ، اجتاحت تشي تانغ موجة من الارتياح
{ ربما كان هذا هو الشعور الذي تحسّ به الشويبا عندما أنجح في حلّ مسألة
بعد أن تغرقني بكل تلك التلميحات والحلول }
وفجأة، وكأنها قرأت أفكارها، سألت يو يو:
“ آه، بالمناسبة ، كيف يسير واجبكِ الصيفي ؟”
: “ هءهءهءهءءه .”
فهمت يو يو على الفور :
“ لم تبدئي بعد ؟”
: “ لا داعي للتلطّف في السؤال . ليس سؤالًا أصلًا ، أنا ببساطة لم أبدأ .”
لم تقل يو يو الكثير بعد ذلك ، لكنها ذكّرتها بهدوء :
“ تبقّى خمسة أيام فقط ، لذا عليكِ أن تبدئي .”
أنزلت تشي تانغ رأسها وبدأت تنشغل بتقشير جراد البحر،
وكأن سمعها قد اختفى فجأة
كانت تعلم أن يو يو على حق، لكنها حقًا لم تكن تريد إنجاز واجبها
يويو : “ هل تريدين مني أن أساعدكِ ؟”
رفعت تشي تانغ رأسها : “ هل نحن صديقتان مقرّبتان إلى
هذا الحد لدرجة أنكِ ستسمحين لي بنسخ واجبكِ ؟”
: “ لا، لكنني أعرف طريقة للانتهاء من الواجب الصيفي بسرعة ، ويمكنني أن أعلّمكِ إياها .”
ورغم أنها لم تكن ترغب في أداء الواجب أصلًا ، وافقت تشي
تانغ بسهولة بدافع فضولها تجاه تلك ' الطريقة السريعة '
بعد أن أنهتا وعاء جراد البحر الكبير ، استحمتا لتغسلا العرق
ورائحة التوابل ، ثم جففتا شعريهما بالمجفف ، وجلسَتا
متقابلتين عند المكتب ، كلتاهما ترتديان قميص النوم ، وبدأتا العمل على الواجب
فتحت يو يو واجب تشي تانغ الفارغ ، وبدءًا من قسم الرياضيات ،
بدأت تُحدّد بسرعة بعض المسائل بقلم الرصاص
تشي تانغ المستندة على الطاولة ، تنظر إلى الدوائر التي بدت عشوائية
قالت يو يو وهي تسلّمها الدفتر:
“ ابدئي أولًا بالمسائل التي وضعتُ حولها دوائر "
ثم التقطت صفحة اختبار فارغة وبدأت تُحدّد مسائل أخرى بالطريقة نفسها
لم تقتنع تشي تانغ تمامًا ، لكنها أخذت الدفتر وبدأت الحل
وعندما انتهت يو يو من تصفّح جزء من أوراق التمارين،
جلست إلى جانب تشي تانغ تراقبها وهي تحلّ المسائل،
وتدوّن بعض الملاحظات بين الحين والآخر
وبعد أن انشغلت في حلّ الواجب مطيعةً لبعض الوقت ،
وضعت تشي تانغ قلمها جانبًا وارتشفت بضع رشفات من الكولا ... ثم قالت:
“ على الأقل هل يمكنكِ أن تخبريني ما القاسم المشترك بين
كل المسائل التي وضعتِ حولها دوائر ؟”
أشارت يو يو إلى دفترها وقالت:
“ انظري ، هاتان المسألتان متشابهتان جدًا في الحقيقة —
لقد غيّروا الأرقام فقط في هذه ، لذا وضعت دائرة حول واحدة لتقومي بحلّها .”
ثم تابعت :
“ يبدو أن عدد المسائل كبير ، لكنها في الغالب تدور حول النقاط نفسها
وضعوا هذا الكمّ فقط لضمان أن الطلاب يتذكرونها
إذا فهمتِ المفاهيم جيدًا ، فلن تحتاجي إلى حلّ البقية . سأتكفّل أنا بها .”
تابعت تشي تانغ شرحها بعينيها —- وبالفعل، بدا الأمر كما
قالت — كل المسائل التي حلّتها ، وكل المسائل المحددة
من بحر الواجبات الهائل ، كانت تتناول مفاهيم مختلفة
أما ما كانت يو يو تعمل عليه فكان حلولًا لمسائل متشابهة
يو يو:
“ سأشرح لكِ المسائل التي تجدينها صعبة ، ثم تحلّين مسألة مشابهة
إذا استطعتِ حلّها ، فلن تحتاجي حقًا إلى حلّ البقية .”
سكتت تشي تانغ
{ هل هكذا يبدو العالم في نظر الشويبا ؟ }
استمرت يو يو في وضع الدوائر مسألةً بعد أخرى ، وأضافت :
“ لكن حتى لو كانت من النوع نفسه ، إن لم يكن أساسكِ قويًا ، فعليكِ أن تحلّيها كلها .”
ومع هذا الترتيب ، خفّ عبء الواجب بشكل ملحوظ ؛ إذ لم
يتبقَّ على تشي تانغ سوى عدد أقل بكثير من المسائل
لكن ما ظلّ يزعجها هو المقالات العشرة
تمتمت تشي تانغ شبه غارقة في الشكوى دون وعي :
“ لم ألمس المقالات العشرة بعد —- أنا متعبة جدًا…”
كانت يو يو تكتب شيئًا ورأسها منخفض ، لكنها ما إن سمعت ذلك حتى قالت:
“ سأكتبها عنكِ إذًا . مقالاتكِ دائمًا جيدة ، لذا لن يضرّ إن تخطيتِ هذه .”
شهقت تشي تانغ:
“ حقًا ؟ أنتِ طيبة جدًا معي!
أقسم لكِ بنفسي ، عقلًا وجسدًا وروحًا !”
شعرت وكأن زميلتها تشعّ بهالة من نور المُنقِذ البوذي
ضحكت يو يو على تصرّفاتها ، وعندما رفعت رأسها إليها ، كانت عيناها اللامعتان منحنِيَتَين كقوس هلال
“ فقط أنجزي واجبكِ .”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق