Ch35 جبلها، بحرها
أنهت تشي تانغ واجباتها الصيفية قبل يومين من بدء الدراسة ——
في الواقع بقي لديها بعض الوقت لتلعب ألعاب الفيديو
وتشاهد البثوث المباشرة — { يا لها من تجربة جديدة وغريبة }
فتحت قروب الفصل الذي كتمت إشعاراته ، فرأت عدد
كبير من الطلاب يشتكون لأنهم لم ينهوا واجباتهم الصيفية بعد ،
وبعضهم يحاول دعوة أصدقائه إلى منازلهم لإنجازها
—- أي: نسخها —- وبصفتها شخصًا أنهى واجباته بالفعل،
اجتاحها شعور عارم بالرضا
احتفظت بهذا الرضا لنفسها ، ولم تقل شيئًا في ذلك القروب المليئ بالتذمّر والشكوى من الواجبات الصيفية
بل خرجت منه بهدوء واستمرت في اللعب — والآن بدت الألعاب التي تلعبها أكثر متعة من قبل
ومضى ما تبقّى من الوقت قبل بداية العام الدراسي الجديد في لمح البصر
ورغم أنه لم يعد لديها أي واجبات صيفية لتنجزها ، فإن تشي تانغ ما زالت تشعر بقلقٍ ضاغط يقترب منها ،
وكأن موعد تنفيذ حكمٍ ما يوشك على الحلول
لكن بغضّ النظر عن رغبات الطلاب ، كان موعد بدء
الدراسة سيأتي كما هو مقدّر ؛ وهكذا ستعود من جديد
دورة الحياة اليومية : الاستيقاظ باكرًا ، أداء التمارين
الصباحية ، قراءة الكتب الدراسية ، ثم حضور الحصص.
في يوم العودة إلى المدرسة للتسجيل ، لم يكن والد تشي تانغ قد عاد بعد
بل إن آخر رسالة أرسلها لها كانت قبل شهر كامل
ولو كان شخصًا آخر في مكانها ، لربما أصابه الذعر ، لكن
تشي تانغ اعتادت على هذا منذ زمن بعيد
ففي صغرها، سبق أن تركها والدها دون تواصل لشهرين
كاملين عندما ذهب للعمل في مشروع
لذا حملت حقيبتها بنفسها كعادتها ، واستقلت الحافلة بمفردها للتسجيل
والآن وقد أصبحوا في الصف الثاني الثانوي ،
فمع بداية العام الدراسي سيتم تقسيم الطلاب إلى مساري العلوم والآداب
وبعد هذا التقسيم ، سيُعاد أيضًا توزيع الفصول الدراسية وكذلك السكن الداخلي
قبل العطلة الصيفية ظلّ المعلّمون يوصونهم مرارًا وتكرارًا
بأن يعودوا إلى منازلهم ويتحدثوا حديثًا مطوّلًا مع والديهم
بشأن اختيار المسار : العلمي أم الأدبي
لكن تشي تانغ لم تذكر الأمر لوالدها أصلًا ، بل اتخذت القرار
بنفسها واختارت المسار العلمي مباشرةً
فهي في الحقيقة لم تكن تفضّل أحد المسارين على الآخر
أمّا يو يو فقد اختارت المسار العلمي منذ البداية
وقبل يوم التسجيل ، كان معلّمو الفصول قد دوّنوا بالفعل
اختيارات الطلاب المبدئية ، وقاموا بتوزيعهم على فصول مؤقتة
كان مجموع فصول الصف الثاني عشرين فصل
وقد وُزِّعت تشي تانغ في الفصل الثالث ، وكذلك يو يو
المدرسة الثانوية الأولى في نانلين تعتمد نظامًا يقضي
بتوزيع الفصول عبر اختيار معلّمي الفصول عشوائيًا ،
ثم ضمّ عدد من الطلاب وفق ترتيب درجاتهم ، لضمان
توازنٍ نسبي بين الفصول
ورغم أن هذا هو النظام نظريًا ، فإن هناك ضمنيًا ما يُعرف
بـ«الفصول الجيدة» و«الفصول الأضعف»، وكان
المعلمون يحاولون تحقيق قدر من التوازن بينها
في البداية لم تكن تشي تانغ في الفصل نفسه مع يو يو
لكن لاو فانغ هو من ساعدهما في حلّ الأمر بعد أن ذهبت إليه لتسأله عن ذلك
ورغم أن لاو فانغ كثير الكلام ، فإنه كان من أكثر المعلّمين
مسؤولية ممّن عرفتهم تشي تانغ
وللأسف فقد عُيّن في أحد فصول المسار الأدبي ، مما يعني
أنه ابتداءً من الصف الثاني لن يعود مشرف فصلهم بعد الآن
وصلت تشي تانغ باكرًا نسبيًا ، وما إن وصلت حتى استلمت رقم غرفتها الجديدة في السكن
ومع ذلك أخذت حقيبتها أولًا إلى غرفتها القديمة
وعندما دخلت ساحة المدرسة ، رأت عدد من الوجوه المألوفة ؛ فبعد عطلة صيفية كاملة ،
بدا أن الجميع قد تغيّروا قليلًا على الأقل
وعند دخولها مبنى السكن ، رأت كثيرًا من الطالبات يصعدن وينزلن على الدرج ،
وهنّ ينقلن أغراضهن إلى غرفهن الجديدة
و كانت أبواب العديد من الغرف مفتوحة ، وداخلها في فوضى عارمة ، بينما أُفرغت غرف أخرى تمامًا
وعندما دخلت تشي تانغ غرفتها القديمة في السكن ، لم تجد بداخلها سوى لوو تشنغلي
وبعد مشاحناتهما الأولى في بداية السنة الدراسية الأولى،
هدأت العلاقة بينهما، وأصبحتا الآن تتصرفان وكأن الأخرى غير موجودة
تلفّتت تشي تانغ في أرجاء الغرفة التي عاشت فيها فصلين دراسيين ،
ثم وضعت حقيبتها وجلست على السرير السفلي الذي كان أسفل سريرها — وهو أيضًا سرير يو يو —
وأخرجت هاتفها لتلعب ، متجاهلة تمامًا نظرات لوو تشنغلي
قالت لوه تشنغلي بنبرة غير ودودة :
“ أنتِ في الفصل الثالث أليس كذلك ؟
ألم تنتقلي إلى السكن الجديد ؟ ما الذي تفعلينه هنا بعد؟”
لكن تشي تانغ لم تُعرها أي اهتمام ، وتظاهرت كأنها غير
موجودة أصلًا ، مكتفيةً بالتحديق في شاشة هاتفها
استشاطت لوو تشنغلي غضبًا بعدما تم تجاهلها تمامًا،
فبدأت تُحدث ضجّة جديدة ، تضرب أغراضها وتلقي بها هنا وهناك
لكنها كانت تدرك في قرارة نفسها أنها ليست نِدًّا لتشي تانغ، لذا لم ترغب في بدء شجار معها،
فاكتفت بسحب أغراضها وخرجت وهي تتمتم باستياء
وسرعان ما وصلت بقية الطالبات إلى السكن ، فازدادت الأجواء صخبًا وحيوية
وباستثناء تشي تانغ ويو يو — توجد طالبة أخرى تحتاج إلى الانتقال أيضًا
كانت تلك الفتاة مقرّبة من لوو تشنغلي، فتعلّقت بذراعها متذمّرة:
“ أنا حقًا لا أريد الانتقال ! من يدري إن كانوا الفتيات في السكن الجديد لطيفات أم لا؟
بالكاد اعتدت على سكننا هذا ، والآن عليّ أن أنتقل مجددًا !”
وبما أن لوو تشنغلي وجدت من يساندها ، فقد ارتفع صوتها
قليلًا وهي تمسك بيد صديقتها قائلة:
“ سكنك الجديد في الطابق العلوي أليس كذلك ؟
انزلي إلينا عندما تكونين متفرغة ، ويمكننا أن نمضي الوقت معًا "
وفي هذه اللحظة ، وصلت يو يو مسرعة أخيرًا
وما إن دخلت ، حتى رفعت تشي تانغ نظرها عن هاتفها أخيرًا وحيّتها:
“ لم أرك منذ وقت طويل "
يويو “…” { ألم نلتقِي بالأمس ؟ }
وعندما رأت يو يو الابتسامة الخفيفة على وجه تشي تانغ لم يسعها إلا أن تبتسم أيضاً وتقول:
“ نعم ، لم أرك منذ وقت طويل ”
نهضت تشي تانغ وأخذت حقائبها قائلة :
“ هيا بنا. سكننا الجديد في الأعلى ، الغرفة 501 "
رتّبت يو يو سريرها بسرعة ، ثم غادرت مع تشي تانغ وهي تحمل أمتعتها الخاصة
وبعد مغادرتهما ، خيّم الصمت على الغرفة للحظة
فتحت رئيسة السكن فمها وكأنها تريد قول شيء ، لكنها في النهاية لزمت الصمت ،
واكتفت بمشاهدة الاثنتين وهما تبتعدان وهما تتحدثان وتضحكان
تمتمت لوو تشنغلي باستياء:
“ أقسم أنها تنظر إلينا من جبل ؟
لا بدّ أنها كانت تتلهّف للانتقال .”
قالت رئيسة السكن :
“ تجاهلي الأمر . لقد غادرت بالفعل ، فلا داعي للاستمرار في الكلام
على أي حال لن نكون في الفصل نفسه بعد الآن .”
لم تُعلّق لوو تشنغلي على ذلك
فحتى وإن كانت لا تُحبّ تشي تانغ ، ظلّ في داخلها شعور
غريب تجاه فكرة تفرّق الفصل
وفي الحقيقة لم يكن وضعها العائلي جيّدًا أيضًا
ففي غرفة السكن — الوحيدة التي تعيش في حالٍ أفضل منها هي يو يو
لكنها لم تكن مثل يو يو؛ لأن لوو تخرج كثيراً لشراء الوجبات
الخفيفة والملابس ، وخلال فترات الاستراحة تذهب إلى المراكز التجارية مع صديقاتها
طلاء الأظافر ، محدّد العيون ، وكل ما تراه لدى الآخرين
كانت ترغب في شرائه ، حتى لو لم تكن بحاجة إليه ،
ولم تكن مقتصدة أبدًا
عندما بدأ عامهم الدراسي الأول لتوّه ، كان يوجد عدد لا
بأس به من الطلاب القادمين من المناطق الريفية القريبة ، ولذلك كانوا يحملون معهم شيئًا من البساطة الريفية
ولم تكن لوو تشنغلي استثناءً من ذلك ، لكنها كانت ترغب
في أن تصبح أجمل وأكثر إشراقًا ، وأن تثير غيرة الجميع
ولهذا كانت دائمًا تكره يو يو —- التي كانت أفقر وأكثر
بساطة منها ، لكن درجاتها المذهلة جعلت المعلمين يفضّلونها دائمًا
كما كانت تكره تشي تانغ أيضًا ، التي كانت تشتري ما تشاء دون تردّد ، وكأنها فتاة مدلّلة من عائلة ثرية
حتى وإن تغيّرت يو يو كثيرًا الآن ، ولم تعد تبدو ريفية كما
في السابق بل مجرد فتاة بسيطة ،
وحتى وإن أدركت أن تشي تانغ في الحقيقة انطوائية فحسب
وليست متعالية عليهم ، فإن لوو تشنغلي ظلت تكره الاثنتين
كان هذا الشعور قد ترسّخ بداخلها حتى أصبح أشبه بالعادة
لكن الغريب أنه وهي تراهما تنتقلان بسعادة من الغرفة ، لم تشعر بسعادة تُذكر
………….
صعدت تشي تانغ ويو يو الدرج وهما تحملان أمتعتهما ،
نظرت يو يو إلى الخلف ، وتذكّرت كيف أنها حين انتقلت إلى
السكن القديم أول مرة ، لم تكن تملك تقريبًا شيء
كانت قد هربت من منزلها وجاءت إلى هنا بمفردها ، غير قادرة على الاندماج مع محيطها ،
ومع نظرات الاحتقار الصامتة أو المعلنة من زميلاتها في الغرفة ،
لم تجد مكانًا تستطيع أن تكون فيه على سجيتها
{ مرّ عام كامل منذ ذلك الحين } نظرت إلى تشي تانغ التي تصعد الدرج خلفها ببطء ،
فلانَت نظرتها كثيرًا وقالت:
“ من يدري كيف ستكون غرفتنا الجديدة ؟”
أجابت تشي تانغ بلا مبالاة :
“ أليست كل غرف السكن متشابهة ؟
لا بد أن يكون في كل واحدة بعض الخلافات
الأمر يعتمد على الحظ في ما إذا كنا سننسجم أم لا "
: “ همم، لكن حظي كان جيدًا اليوم.”
: “ أوه؟ وكيف ذلك؟”
: “ عندما ركبت الحافلة صباحًا، حصلت على آخر مقعد فارغ .”
رفعت تشي تانغ حاجبها قليلًا :
“ وتسمّين هذا حظًا جيدًا ؟”
ابتسمت يو يو بهدوء:
“ حتى أصغر قدر من الحظ يُعدّ حظًا .”
وبينما تتحدثان ، وصلتا إلى الغرفة
الغرفة تتسع لستة أشخاص —- وباستثناءهما — توجد فتاتان قد انتقلتا بالفعل ،
لكنهما لم تكونا من فصلهما القديم
و كانت الاثنتان منشغلتين بتفريغ الأمتعة وترتيب أغراضهما ،
لذا دخلت يو يو وتشي تانغ واختارتا سريريهما بهدوء
يو يو:
“ هل تريدين السرير العلوي أم السفلي ؟”
أجابت تشي تانغ فورًا :
“ لنُبقِ الأمر كما كان من قبل . لقد اعتدت على السرير العلوي .”
فهي لم تكن تحب السرير السفلي الذي يستطيع أي شخص الجلوس عليه بسهولة
وهكذا اختارت يو يو السرير السفلي ، بينما رمت تشي تانغ جميع أغراضها على السرير العلوي
يو يو التي اعتادت إنجاز كل شيء بكفاءة ، بدأت تُرتّب
الأغراض التي بيدها بسرعة ، ثم بدأت بتنظيم سريرها
أمّا تشي تانغ فجلست على السرير تعبث بهاتفها دون أن تتحرّك قيد أنملة
فتحت يو يو لحافًا قطنيًا خفيفًا وبدأت في ترتيب الفراش ،
فتزحزحت تشي تانغ قليلًا لتفسح لها بعض المساحة ، لكنها لم تنزل من السرير
—- لم تمانع يو يو ذلك ، بل واصلت انشغالها إلى جوارها بهدوء
ولم تنهض تشي تانغ إلا عندما احتاجت يو يو إلى فرش الملاءة ، وبعد أن انتهت عادت تشي تانغ للجلوس فورًا ،
وعيناها لا تفارقان الهاتف طوال الوقت ، دون أن تدرك مدى إعاقة حركتها
بعد أن أنهت يو يو ترتيب سريرها ، رأت أن السرير العلوي ما يزال على حاله ، فسألت :
“ لم ترتّبي سريرك بعد . هل أساعدك ؟”
: “ لا، سأرتّبه بنفسي لاحقًا.”
قالت يو يو بهدوء:
“ وكلمة لاحقًا تعني ليلًا عندما يحين وقت النوم .”
كانت تعرف تمامًا عادة تشي تانغ في التسويف
ألقت تشي تانغ هاتفها جانبًا بصمت ، ثم تسلّقت إلى سريرها العلوي لترتيبه
ساعدتها يو يو في إدخال غطاء الوسادة وتسوية أطراف الملاءة ، وسرعان ما أصبح السرير مرتبًا أيضًا
كانت الفتاتان الأخريان في الغرفة قد انتهتا من الانتقال كذلك ، وحين شاهدتا هذا المشهد شعرتا بفضول واضح
سألت إحداهما ، وكانت تضع شعرها في ذيل حصان:
“ أنتما كنتما في نفس الفصل من قبل، أليس كذلك؟”
كان واضحًا مدى قربهما
أجابت يو يو:
“ نعم، كنا في الفصل الثاني .”
قالت الفتاة ذات الشعر القصير ، التي بدت هادئة نسبيًا :
“ أنا أعرفكِ ، أنتِ صاحبة المركز الأول على مستوى الصف… يو يو صحيح؟”
أومأت يو يو:
“ نعم، أنا يو يو — وهذه تشي تانغ .”
استدارت تشي تانغ وأومأت برأسها نحوهما تحية
وفجأة ارتفع صخب من الخارج:
“ وصلنا ، وصلنا ! هذه هي! هذا هو سكنك الجديد !”
وبعد لحظات دخل زوجان وهما يجرّان فتاة معهما
كانت قصيرة القامة ، ولا تحمل سوى حقيبة ظهر ، بينما والداها هما من يحملان كل أمتعتها وأغراضها المتفرقة
قالت الأم بمرح وهي تبتسم :
“ ها قد وصلت زميلتكم الجديدة ! مرحبًا يا فتيات !”
ثم بدأت تساعد ابنتها في ترتيب أغراضها
بدت الفتاة انطوائية إلى حدّ ما، تراقب والديها وهما ينشغلان بمساعدتها دون أن تنطق بكلمة
كان واضح أن الوالدين لا يزالان قلقين على طفلتهما ، فبدأ يقدّمان الكثير من النصائح والتنبيهات ثم غادرا أخيرًا ،
ولم ينسيا أن يطلبا من الفتيات الاعتناء بابنتهما
ربما شعرت الفتاة الخجولة بالحرج من حضور والديها إلى الغرفة ،
فجلست على سريرها بصمت دون أن تتحدث مع أحد
لم يتكلم أي شخص —- وسرعان ما غمر الصمت الغرفة
أما آخر من وصلت إلى السكن فكانت فتاة مفعمة بالحيوية
دخلت وهي تحمل حقائبها، وما إن رأت يو يو حتى هتفت بدهشة :
“ واو ! مستحيل !
شويبا و المركز الأول في الدفعة في نفس غرفتي !”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق