Ch49 ESST
بعد انتهاء عطلة رأس السنة ، استؤنفت الدراسة
خلال العطلة كان شاغل المعلمين الأساسي هو الواجبات—
هل أنجزها الطلاب بجدية ، أم أنهم اكتفوا بالتحايل ؟
—
أما المستشفى بعد رأس السنة ،
فلم يكن أقل انشغالًا
في قسم فانغ شي يو —- توجد مريضة تعاني من استسقاء شديد ، وفشل في الكبد والكلى
ارتفعت مستويات البيليروبين لديها،
فظهر عليها اليرقان
لم تعد ترغب في مواصلة العلاج ،
لكن أبناءها، الواقفين بجانب سريرها، لم يستطيعوا التخلي عنها
قرب الظهر وبعد مناقشة بين عدة أطباء ،
وموافقة العائلة ، وصف فانغ شي يو مسكنات لتخفيف الألم
عندما يصبح ' إنقاذ ' المريض
مجرد إطالة لعملية الموت… لا يبقى له سوى المعاناة
بعد أن أعطتها الممرضة الدواء،
دخلت المريضة في حالة شبه غيبوبة
ارتخت ملامحها بشكل واضح
في هذا الصباح ، لا تزال تمسك بيد فانغ شي يو بيأس،
وتتوسل:
“يا طبيب… دعني أموت .”
لكن بعد أن هدأ الألم ،
سألت بصوت خافت ، بين النوم واليقظة :
“ هل بدأ العام الجديد ؟”
أجاب أبناؤها : “ نعم —- بدأ العام الجديد.”
—
في المساء ،
فانغ شي يو في عيادة الاستشارات العامة
في الأيام العادية كان يتناول الغداء في كافتيريا المستشفى،
ثم يستريح قليلًا في غرفة الاستشارة ،
ثم ينادي المريض التالي
لكن اليوم لم يكن لديه شهية
و جلس في مكتبه لفترة طويلة ،
دون أن يتحرك
لم يستطع حتى الذهاب لتناول الطعام
درس الطب عشر سنوات ،
وعمل لسنتين ،
وقضى عامًا في تقديم المساعدة الطبية في التبت
هو نفسه ، و البروفيسور غو وزملاؤه—
كانوا جميعًا يرونه شخصًا قويًا
إحدى عيوب الأطباء الشباب — أنهم يتعاطفون بسهولة
ليس فقط لقلة الخبرة ، بل لأن التقدم الطبي الكبير ،
ونسب الشفاء المرتفعة ، توهمهم بأن ' لا يوجد مرض لا يمكن علاجه '
قبل رأس السنة مباشرةً قد أجروا عملية زراعة شريان أبهر
و في كل مرة تنجح فيها عملية معقدة كهذه ،
يعزز داخله شعورًا خفيًا— بأنه لا يوجد ما لا يمكن شفاؤه
حتى الأمراض النادرة جدًا ،
بنسبة حالة واحدة لكل مئة ألف في آسيا،
لم تكن تُعد ' غير قابلة للعلاج '
لأنه في النهاية… يوجد دائمًا خيار زراعة الأعضاء —-
كان فانغ شي يو يحاول منذ فترة أن يضبط نفسه ،
وألا يتورط عاطفيًا مع مرضاه
فمثل هذه الحالات ، التي لا يمكن فعل شيء حيالها…
ستصبح أكثر مع مرور الوقت
في السابق ، كان تحكمه بنفسه نوعًا من الهروب ،
طريقة لعدم التفكير بعمق
لكن هذه المرة كانت مختلفة
ربما لأنه وصل إلى حدّه أو لأنه هو من استقبل هذه المريضة بنفسه
أو لأن هذه هي المرة الأولى التي تمسك فيها مريضة بمعصمه ، وترجوه بصوت مرتجف—
أن يسمح لها بالموت
أخذ نفسًا عميقًا،
ثم شرب بعض الماء،
وأجبر نفسه على ابتلاعه
الساعة 11:35 صباحًا —-
أدرك أنه لا يستطيع الاستمرار هكذا
{ لو استمريت ، فسيؤثر ذلك حتمًا على استشاراتي بعد الظهر }
في الحقيقة في كل مرة يفتح فيها هاتفه ، تكون نافذة
محادثة المعلم شو نانهنغ أول ما يظهر أمامه
كان يريد بشدة أن يتصل به… أن يطلب منه أن يأتي ليتناول الغداء معه
لكنه لم يستطع الذهاب بنفسه
موعد عيادته يبدأ تمامًا عند الساعة الثانية ، ولم يكن هناك وقت كافٍ للذهاب والعودة
أما المعلم شو نانهنغ، فكان لديه الحصة الثالثة، ثم جلسة الدراسة المسائية
ومع الأخذ في الاعتبار المسافة بين تشاويانغ وهايديان،
لم يشأ الطبيب فانغ شي يو أن يجعل المعلم شو يركض ذهابًا وإيابًا عبر مدينة كبيرة مثل بكين
والأهم من ذلك… لو التقيا ، فسيكون في حالة فوضى
من ناحية عقلانية ، كانا بالفعل معًا ، ومهما كانت حالته ،
كان ينبغي أن يُظهرها للآخر بصدق
لكن من ناحية عاطفية ، لا يزال الطبيب فانغ شي يو يشعر بشيءٍ من…الخوف
{ طوال الوقت ، سواء في التبت أو بعد عودتهما إلى بكين ،
كنت أنا الطرف الأكثر نضجًا بيننا …
بدا وكأني قادر على التعامل مع كل شيء
مشاعري دائمًا مستقرة
حاسم ، جريء بما يكفي لإجراء عمليات في غرف طوارئ تفتقر إلى التجهيزات ،
ومتطوع على ارتفاع خمسة آلاف متر ،
وأظهر كأني معجزة في الليالي العاصفة
لذا في نظر المعلم شو نانهنغ أنا شخص قوي بما يكفي
ومع ذلك… لا يزال هذا الطبيب فانغ شي يو رجلًا عاديًا ،
أريد أن أبدو طويلًا ووسيمًا في عيون من أحب فقط }
في النهاية… أجرى الاتصال ——
كان المعلم شو نانهنغ متفرغًا اليوم
بعد أن أنهى تصحيح الواجبات ، كان يتصفح تطبيقات طلب
الطعام على هاتفه ، لذا ردّ فورًا
: “ فانغ دايفو .”
لم تأتِ عبارة ' اووه شو لاوشي ' المألوفة
بل جاء صوت الطبيب فانغ شي يو منخفضًا وهو يقول:
“ نانهنغ ”
: “ ما الأمر؟” أنزل المعلم شو نانهنغ ساقيه وجلس باستقامة
فانغ شي يو:
“ هل لديك وقت لتأتي وتتغدى معي ؟”
: “ بالتأكيد .” و كاد شو نانهنغ أن يسأل ما الذي حدث،
لكنه أدرك سريعًا أنه لا حاجة للسؤال عبر الهاتف :
“ أرسل لي موقعك ، سآتي حالًا .”
————————
المطعم عبارة عن مكان صغير بالقرب من المستشفى
و انتظره فانغ شي يو عند المدخل
ظهر المعلم شو نانهنغ مرتديًا نفس السترة الرمادية
الفضية التي يرتديها في الصباح
رآه فورًا ولوّح له
بعد أن جلسا وطلبا الطعام ،
قال فانغ شي يو أخيرًا:
“ آسف لأنني جعلتك تأتي كل هذه المسافة ، لكن…
لم أستطع أن آكل دون أن أراك .”
قال شو نانهنغ وهو يمسح يديه بمنشفة مبللة:
“ لماذا لا تزال رسميًا معي؟
لم يكن من السهل أن آتي كل هذه المسافة ، لذا دع الـ لاوشي خاصتك يواسيك جيدًا .”
لم يستطع فانغ شي يو إلا أن يضحك
و شرح بإيجاز ما حدث في الجناح صباحًا :
مريضة قد أدخلها ، تدهورت حالتها فجأة بشكل متسارع،
و تعاني معاناة لا تُحتمل بسبب فشل عدة أعضاء ،
أرادوا العائلة الاستمرار في العلاج ، لكن المريضة لم ترغب في ذلك
و الألم الناتج عن العلاج يفوق رغبتها في العيش …
وفي النهاية ،،،، تم إعطاؤها مسكنات لتخفيف الألم
بعد أن أنهى حديثه ، ترددت نظراته قليلًا ،
ثم نظر إلى شو نانهنغ وسأله:
“ هل أنا… عاطفي أكثر من اللازم ؟”
مدّ شو نانهنغ يده ، وأمسك معصمه فوق الطاولة
: “ يوجد ديوان شعر لـ براين باتن بعنوان «مدة البقاء».
كتب فيه أن الإنسان يعيش… طالما بقي في ذاكرة أحدهم .”
نظر فانغ شي يو إليه و تابع المعلم شو نانهنغ:
“ أعرف أنك لست منزعج بسبب مهاراتك الطبية ،
ولا ترى نفسك ‘فاشلًا’ كطبيب…
أنت فقط لا تستطيع تحمّل مشاهدة شخص يموت أمامك،
حتى عندما تعلم أن تلك اللحظة لم تأتِ بعد .”
أومأ فانغ شي يو برأسه
في هذه اللحظة أحضر النادل الأطباق
قبل خمس دقائق فقط ، كان بالكاد يستطيع ابتلاع الماء ،
لكن الآن ، وهو ينظر إلى الطبقين أمامه…
شعر أخيرًا بشيء من الجوع
ابتسم ابتسامة خفيفة
“ شكرًا… حقًا "
قال شو نانهنغ وهو يلتقط العيدان :
“ الآن هذا ما أسميه عاطفية .”
وضع قطعة من لحم الخنزير المقلي في وعاء فانغ و أضاف :
“ هل تعرف كيف يُعرَّف الإنسان ؟”
نظر إليه فانغ شي يو باستغراب :
“ تقصد طبيًا أم فلسفيًا ؟”
صبّ شو نانهنغ كوب من شاي الشعير ، وأمسكه بين يديه، ثم قال:
“ يوجد كتاب يعرّف الإنسان بأنه كائن قائم على الكربون ،
يعتمد على النظام الشمسي ، محدود بالمعرفة ،
عرضة للأخطاء… ومصيره الموت .
هذا هو الإنسان . و لا أحد استثناء .”
في هذه اللحظة… فهم الطبيب فانغ شي يو فجأة
{ شو نانهنغ يفهمني جيدًا … بما يكفي ليخترق كل مشاعري ببضع كلمات فقط }
أضاف نانهنغ وهو يمدحه :
“ كونك تواصلت معي… يعني أنك لاحظت أن هناك شيئًا غير طبيعي ، واخترت أن تواجهه
فانغ دايفو … أنت حقًا شخص مميز .”
شعر فانغ شي يو بشيء من الحرج :
“ ليس تمامًا… في الواقع ، ترددت لفترة طويلة ...
كنت خائفًا من أن أبدو ضعيفًا…
وألا أظهر بمظهر جيد أمامك .”
رفع شو نانهنغ عينيه إليه بعد أن وضع كوب الشاي :
“ وماذا عني أنا ؟”
: “ ماذا تقصد؟” سأل فانغ شي يو باستغراب
شو نانهنغ:
“ عندما جاء الضابط تسيوانغ إلى القرية ، واضطررتُ لإجراء اختبار مخدرات…
كان بإمكانك تمامًا أن تطلب من طبيب لا أعرفه أن يدخل الحمام ويراقبني أليس كذلك؟
لماذا لم تقلق حينها من أنني ‘لن أبدو بمظهر جيد’؟”
تجمد فانغ شي يو للحظة، ثم بدا عليه بعض الدهشة :
“ ما زلت تحمل ضغينة بسبب ذلك؟”
أومأ شو نانهنغ : “ نعم.”
تنهد فانغ شي يو بخفة ، ثم اعترف:
“ في الحقيقة… فعلت ذلك عن قصد .
كنت أريد مضايقتك .”
ابتسم شو نانهنغ ابتسامة خفيفة :
“ كنت أعلم . أنت… خبيث فعلًا .”
بعد الغداء كان على المعلم شو نانهنغ أن يعود مسرعًا إلى المدرسة
و رافقه الطبيب فانغ شي يو حتى مدخل المترو ، حيث تبادلا عناقًا قصيرًا كحبيبين في علاقة بعيدة
و قبل أن يغادر تأكد المعلم شو نانهنغ مرة أخرى من حالته
فأجاب فانغ شي يو:
“ أفضل بكثير .”
أحيانًا لا تكون المواساة إلا إلى جملة أو جملتين ،
وكان المعلم شو نانهنغ دائمًا يعرف أي جملتين يقول
فانغ شي يو وهو يشاهد نانهنغ يختفي داخل محطة المترو { هذا الرجل يعرف حقًا كيف يصيب أعمق نقطة فيّ مباشرةً }
——————-
بعد سلسلة طويلة من التنقلات بين خطوط المترو ،
اشترى المعلم شو كوب قهوة في طريق عودته إلى المدرسة
ما إن صعد ووصل إلى باب مكتبه،
حتى رأى المعلمة سو يو واقفة عند المدخل ، كأنها حارسة باب
تقدم المعلم شو نانهنغ نحوهـا : “ المعلمة سو؟
هل تتم معاقبتكِ بالوقوف هنا ؟”
لم تكن المعلمة سو يو تعمل في نفس المكتب ، لذا تفاجأ قليلًا
ترددت لحظة قبل أن تقول:
“ لا تدخل الآن . المعلم داي في الداخل… يلقي محاضرة .
طلب مني أن أحرس الباب .”
“ أوه ؟ إلى هذه الدرجة ؟”
لم يدخل المعلم شو نانهنغ، بل مال نحو النافذة ليلقي نظرة :
“ من الذي يُوبَّخ ؟ أحد طلاب فصلي الخامس عشر؟”
نظرة واحدة كانت كافية —— طالبان من الفصل الخامس عشر
فتح قهوته وارتشف رشفة :
“ آه، هذان الاثنان… مذهل . أحدهما حصل على 127 في اختبار الرياضيات الشهري،
والآخر 27.
ماذا فعلا ليغضبا المعلم داي هكذا ؟”
هزّت المعلمة سو يو رأسها:
“ لا تسأل .”
في هذه الأيام ، ومن أجل حماية خصوصية القاصرين ،
أصبح من المعتاد التحدث معهم بشكل فردي
و المعلم شو نانهنغ قد سأل بشكل عابر فقط
لكن حينها…
من الداخل ، ارتفع صوت المعلم داي جيميان فجأة بغضب:
“ نعم ، المجتمع أصبح أكثر تقبلًا للمثلية ، لكن المواعدة لا تزال مخالفة لقوانين المدرسة !
لا تعطوني كلام التمرد على الأعراف ،
طالما أنتم في المدرسة… عليكم اتباع القوانين !”
لحسن الحظ كان المعلم شو نانهنغ قد ابتلع رشفة القهوة بالفعل
وإلا لاختنق بها حتمًا
تنهدت المعلمة سو يو:
“ الآن فهمت لماذا لا يمكننا الدخول .”
هذه المرة ، صُدم المعلم شو نانهنغ حقًا
التفت إليها وقال:
“ يا إلهي… إنهم في السنة الأولى من الثانوية فقط…
لم يبلغوا السادسة عشرة بعد، صحيح؟
أطفال هذه الأيام فعلًا…”
رفعت المعلمة سو يو كتفيها:
“ لا يمكنك مقارنتهم بنا في الماضي .
لقد تعرضوا للإنترنت منذ صغرهم .
أصبح هذا طبيعيًا الآن .
انظر، حتى في المبنى المقابل ، المعلم تشو من الصف 3-9 يوبّخ اثنين لنفس السبب .”
: “ لا تمزحي معي.” و نظر المعلم شو نانهنغ نحو المبنى المقابل — لم يرَ شيئًا بوضوح،
لكنه تنهد وهو يحتسي قهوته:
“ في المدارس الأخرى ، الطلاب يتفتحون كالبراعم بعد المطر
أما عندنا… أقواس قزح بعد المطر ؟؟؟”
“……” صمتت المعلمة سو يو
نظر المعلم شو نانهنغ مرة أخرى نحو المبنى الآخر
وفجأة، شقّ هدوء الحرم المدرسي صوت حاد لزجاج يتحطم على الأرض
من يدري إلى أي مرحلة وصلت محاضرة المعلم تشو
شد شفتيه { لحسن الحظ أنني لم ألتقِ بـ الطبيب فانغ شي يو في أيام دراستي
بهذا الإيقاع… وبهذه الحدة ،
لما كان أيٌّ مننا ليدخل الجامعة }
ثم عاد وفكّر قليلًا… { ربما ليس بالضرورة ...
فالاندفاع الحالي جاء لأننا الآن بالغان ومستقران ،،،
لو التقيا في وقت أبكر…
فغالبًا ، كنا سنقفز إلى سيارة معًا و ننطلق مباشرةً نحو التبت }
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق