Ch52 جبلها، بحرها
لطالما اتسمت تشي تانغ بالحسم والسرعة في اتخاذ القرارات ؛
فبمجرد أن تعزم على فعل شيء، تبدأ في تنفيذه فوراً ...
رأت إعلان تشانغ منغ في الليلة السابقة ، وأرسلت لها رسالة
قصيرة للاستفسار ، وفي صباح اليوم التالي ، وقبل أن
يستيقظ والدها و سيو ، قد سحبت حقيبتها وغادرت المنزل بالفعل
أرسلت لوالدها رسالة تخبره فيها بأنها ستذهب للإقامة
لدى زميلة لها لبضعة أيام بعد أن استقلت الحافلة المتجهة
إلى منطقة لو يوان السياحية
وكما توقعت — وبخها والدها واصفاً إياها بكثيرة المشاكل،
ثم كفّ عن الاهتمام بأمرها
لقد أصبح الآن أقل اكتراثاً بها كابنة ؛ ففي السابق ، عندما
كان يظن أنها ابنته الوحيدة ، كان يهمل رعايتها ، فما بالك
الآن وابنه الذي طال انتظاره يقبع في بطن سيو ؟
لم يعد لديه ذرة اهتمام يمنحها لها
توالت الرسائل الجديدة على هاتفها ، وكلها كانت من تشانغ منغ
فمنذ أن تواصلت معها تشي تانغ ليلة أمس لتخبرها برغبتها
في الإقامة بفندق عائلتها ، غمرت تشانغ منغ المفاجأة
والسرور ، وأرسلت لها بحماس عدد لا يحصى من الرسائل،
واستمر الحديث بينهما حتى منتصف الليل
بعد قضاء فصل دراسي كامل معاً ، لم تعد تشانغ منغ تلك
الفتاة ' الباردة والمنعزلة ' كما بدت في أول لقاء
فبعد أن توطدت علاقتهن ، تغيرت تشانغ منغ تماماً أمامهن؛
وفي الجلسات الخاصة ، كانت تتحول إلى فتاة ثرثارة تطلق
تصريحات مفاجئة ومذهلة ، مظهرةً أن برودها السابق لم يكن سوى قناع
[ هل انطلقتِ؟ هل انطلقتِ ؟ ]
[ بمجرد نزولكِ من الحافلة اتصلي بي فوراً ،
سآتي أنا وخالي لاصطحابكِ ….
لا تستقلي أياً من سيارات الأجرة العشوائية التي تعرض
خدماتها ، فكثير منها سيارات غير مرخصة ،
ولن يكون الأمر آمناً وأنتِ بمفردكِ ]
[ هل أحضرتِ معكِ ملابس ثقيلة ؟
الجو هنا أبرد بكثير من وسط المدينة .
لا بأس إن لم تحضري ، إذا شعرتِ بالبرد يمكنكِ ارتداء ملابسي ]
[ آآآآه! أنا متحمسة جداً ! يا إلهي ! ستأتين للعب في منزلي ،
سآخذكِ في جولة داخل المنطقة السياحية ! ]
……….
كان حماس تشانغ منغ وسعادتها بزيارة صديقتها المفاجئة واضحين تماماً ،
وهذا الترحيب الذي يكاد يفيض من شاشة الهاتف جعل
مزاج تشي تانغ يتحسن كثيراً ——
لم تكن تشي تانغ موضع ترحيب في ذلك المنزل؛
فمضايقات المرأة التي لقبها سيو المتعمدة ، وتجاهل
والدها المتزايد لها ،
كلها أمور جعلتها تشعر وكأن هناك غصة في حلقها
وبدلاً من البقاء في المنزل ، كان من الأفضل الخروج والابتعاد عنهما
و خلال رحلة الحافلة اليوم ، عانت تشي تانغ كعادتها من
دوار السفر ، لكنها لم تستسلم للنوم ، بل اكتفت بإغلاق
عينيها لتريح أعصابها
فعندما تسافر بمفردها ، لا تجرؤ حقاً على الغرق في نوم عميق
و حين خرجت الحافلة من المنطقة السكنية وبدأت الجبال
الخضراء والأشجار تظهر على الجانبين ، أصبح مسار السيارة متعرجاً ومهتزاً؛
أخرجت تشي تانغ زجاجة مياه معدنية وشربت رشفة لتكتم
شعور الغثيان في صدرها، ولم يسعها إلا أن تتذكر يو يو
في المرات السابقة التي استقلت فيها الحافلة ، كانت
تجلس بجانب يو يو —- وحينها فقط كانت تجرؤ على النوم بسلام
ومع تذكرها لـ يو يو —- أخرجت هاتفها وأرسلت لها رسالة صوتية
بسبب دوار السفر ، كان مجرد النظر إلى شاشة الهاتف
يصيبها بالدوار ، لذا أرسلت الرسالة الصوتية بسرعة ولم
تعد تلتفت لأي إشعارات أخرى ، وعادت لإغلاق عينيها
….
في تلك الأثناء ، كانت يو يو تستعد للذهاب إلى الدرس،
وبمجرد نهوضها استلمت الرسالة ، فضغطت عليها
ووضعت الهاتف على أذنها لتسمع
— " أنا في الحافلة الآن ، متوجهة إلى منزل تشانغ منغ "
{ إلى منزل تشانغ منغ؟ } ذهلت يو يو — وأعادت سماع الرسالة مرة أخرى بدقة
كان صوت تشي تانغ مبحوح قليلاً ، وفي الخلفية ضجيج
محرك الحافلة ؛ { إنها فعلاً في الطريق
لو كان كل شيء على ما يرام ، فلماذا تذهب تشي تانغ فجأة إلى منزل تشانغ منغ؟
هل حدث شيء في بيتها ؟
هل ضربها والدها مجدداً ؟
هل تشاجرت مع عائلتها ؟ }
امتلأ قلب يو يو بالقلق في لحظة ، وأرسلت عدة رسائل لكن الطرف الآخر لم يرد
فكرت يو يو قليلاً ، ثم اتصلت بـ تشانغ منغ مباشرةً لتسألها عن أمر تشي تانغ
استقبلت تشانغ منغ هذا الاتصال غير المتوقع ، وأجابت
على أسئلة يو يو بنبرة يسودها الارتباك : " تشي تانغ قادمة
للإقامة في فندق عائلتنا ، أتوقع وصولها قريباً وسأذهب لاستقبالها
مم ؟ هل حدث شيء في منزلها ؟ لا علم لي
أليست قادمة لأنها تشعر بالملل وتريد الترفيه عن نفسها هنا ؟
على أي حال ، هي لم تقل شيئاً ، لذا يفترض أن الأمور بخير ."
بمجرد سماع ذلك —- ازداد قلق يو يو — وأوصت تشانغ منغ: "ربما تكون تشي تانغ قد تشاجرت مع عائلتها
حاولي أن تسأليها بلطف حين تصل ، لكن إذا بدت منزعجة،
فتوقفي عن السؤال فوراً ."
تشانغ منغ: " فهمت ، اطمئني . حتى لو كانت متشاجرة مع
عائلتها ، فالمجيء إلى هذه المنطقة السياحية لتغيير
الأجواء سيكون جيداً لها ."
ارتاحت يو يو قليلاً لسماع كلام صديقتها ، لكن خطرت
ببالها تفاصيل أخرى : " أيضاً تشي تانغ تصاب بدوار السفر ،
ومن المؤكد أنها ستكون متعبة جداً عند وصولها
بما أنكِ ستذهبين لاستقبالها ، خذي معكِ بعض البرتقال ،
واطلبي من السائق فتح النوافذ ."
تشانغ منغ: " حسناً، أعرف ذلك . أنا نفسي أصاب بالدوار ،
وعادةً أفتح النوافذ تماماً في السيارة ."
واصلت يو يو وصاياها : " من المؤكد أن مزاج تشي تانغ سيئ ،
إذا لاحظتِ أي تصرف غير معتاد منها ، اتصلي بي فوراً ، حسناً ؟"
تشانغ منغ: " حسناً ، لا تقلقي ."
بينما تستمع لهذه الوصايا التي لا تنتهي ، شعرت تشانغ منغ
بشعور خفي لا يوصف ؛ وبينما توافق على كل شيء، سمعت
صوتاً من خلف الهاتف يقول : "يو يو الدرس سيبدأ ، ألن تذهبي بعد ؟"
أجابت يو يو بـ "نعم"، ثم قالت عبر الهاتف : "بمجرد وصولها ، أرسلي لي رسالة ."
قلبت تشانغ منغ عينيها بملل وقالت : " ما الخطب ؟
أنتما تتصرفان وكأنكما حبيب وحبيبة لا يطيقان الفراق !"
يو يو: ".…….."
ساد الصمت من جهتها، وفجأة رنّ جرس الحصص بحدة من خلال الهاتف
قالت يو يو أخيراً: " أعتذر عن إزعاجكِ، سأغلق الخط الآن ."
أخيراً انقطع الخط ، فسارعت تشانغ منغ بإرسال رسالة إلى تشي تانغ تقول فيها :
[ لقد اتصلت بي يو يو للتو ، وظلت توصيني بكِ وكأنها تكتب وصية !
أشعر وكأنكما حبيب وحبيبة متخاصمان ؛
أحدهما لا يرد على الهاتف ، والآخر يضطر للاتصال
بالأصدقاء ليرجوهم الاعتناء بشريكه ]
حين نزلت تشي تانغ من الحافلة واستعادت توازنها ،
فتحت هاتفها لتفقد الرسائل ، وعندما قرأت شكوى تشانغ منغ — ارتسمت على وجهها تعابير غامضة للحظة ؛
{ يبدو أن تشانغ منغ قد أفرطت حقاً في قراءة الروايات الرومانسية } ردت عليها بعفوية:
— [ لقد وصلت ]
— [ وأيضاً لسنا متخاصمين ]
وقفت تشانغ منغ خارج المحطة بجانب خالها وهي تنظر
إلى الرسالة بعجز عن الرد { لقد نفيتِ الخصام ، لكنكِ لم
تنفي تشبيهكما بالحبيبين!
أرأيتِ ؟ أنتِ نفسكِ تشعرين بالتشابه ، أليس كذلك ؟ }
بمجرد استقبال تشي تانغ ، بدأت تشانغ منغ تثرثر معها
كعادتها ، بينما تولى خالها -وهو رجل في منتصف العمر ،
قوي البنية وأسمر البشرة - وضع حقيبة ملابسها في
صندوق السيارة ، ثم دعاهما للركوب
كانت نوافذ سيارة الميكروباص مفتوحة بالكامل ،
ورغم برودة الجو قليلاً ، إلا أن هذا النسيم البارد طرد
الإزعاج الناجم عن دوار السفر
وضعت تشانغ منغ كيس من البرتقال على ركبتي تشي تانغ وقالت :
" تفضلي ، هذا البرتقال طلبت مني يو يو أن أحضره لكِ
كما طلبت مني أن أرسل لها رسالة لأطمئنها فور وصولكِ ، لكنني أشعر بالكسل ، أرسلي لها أنتِ ."
التقطت تشي تانغ صورة للبرتقال وأرسلتها لـ يو يو
— [ وصلت ]
جاء الرد سريعاً من الطرف الآخر
يويو : [ حسناً ، انتبهي لنفسكِ ]
اقتربت تشانغ منغ لتقرأ رسائلهما ، وضحكت بسخرية مع
قليل من الذهول : "هذا هو نوع الرسائل التي ترسلها لي والدتي عادةً !"
خلال هذه الرحلة بالسيارة ، غطت رائحة البرتقال العطرة
على أي روائح ، وكانت النوافذ تسمح بدخول هواء نقي تفوح منه رائحة الأشجار
و ظلتا تتبادلان الحديث دون أن تشعرا بدوار يذكر ، حتى
وصلتا بسلاسة إلى فندق ليمون
صاحبة فندق ليمون هي والدة تشانغ منغ — وهي امرأة
تدير هذا الفندق الصغير بمفردها منذ طلاقها ،
وتتمتع بشخصية حيوية ومنطلقة .. وهي سيدة ممتلئة القوام
أنزل الخالُ ابنةَ أخته وزميلتها أمام باب الفندق ، ثم انطلق
بسيارته مجدداً نحو البلدة لشراء الخضروات ، بينما
استقبلت والدة تشانغ منغ تشي تانغ بابتسامة عريضة وقادتها إلى الداخل
: " يمكنكِ مناداتي بـ 'الخالة نينغ'
نادراً يأتي زملاء ابنتي منغ منغ للهو هنا ، لذا لا تعاملي هذا
المكان كفندق ، اعتبريني أستضيف ابنتي الثانية
أخبريني — كم يوماً تنوين البقاء ؟
رأس السنة اقترب ، وإذا قررتِ العودة فعليكِ إخباري مبكراً،
لأنه إذا سقطت الثلوج الكثيفة وأغلق الجبل سيصعب
العثور على سيارات ، وحينها سأرتب لكِ وسيلة نقل
لكن إذا كنتِ متفرغة ، فلا داعي للعجلة ، يمكنكِ البقاء
والاستمتاع مع منغ منغ ، فأنا أرحب بكِ بشدة !"
كانت شخصية والدة تشانغ منغ تشبه إلى حد ما وي شينغشينغ؛ فهي ودودة للغاية ، لكن أسلوبها في الكلام
المتلاحق كطلقات الرصاص جعل تشي تانغ تشعر بالعجز عن المجاراة
لم تكن تشي تانغ تجيد التعامل مع هذا النوع من الكبار ،
ولم تجد حتى فرصة للمقاطعة ، فاكتفت ببعض الهمهمات المختصرة ،
تعرف تشانغ منغ طبيعة والدتها ، وعندما رأت تشي تانغ وقد
تسمرت في مكانها من كثرة الكلام ، سارعت بسحبها إلى
الغرفة لتنقذها من ' الاهتمام القاتل ' الذي تبديه نساء منتصف العمر
: " تعالي بسرعة ، ستسكنين في هذه الغرفة ... هذه ليست
للزبائن ، بل هي غرفة الضيوف الخاصة بعائلتنا
انظري ، الأغطية تم تعريضها للشمس ، والشراشف غيرتها بنفسي هذا الصباح ..."
وبصفتها المضيفة ، قامت تشانغ منغ بواجبها في تعريفها بمرافق الفندق
تشي تانغ: " لم أسجل دخولي بعد ، ولم أدفع رسوم الغرفة ."
لوحت تشانغ منغ بيدها : " لا داعي ، ألم تقُل أمي إنها
تستضيف صديقتي؟ لا حاجة للمال ."
تشي تانغ: " إن لم أدفع فلن أبقى ، وسأرحل بعد الظهر ."
تشانغ منغ: " بعد أن وصلتِ إلى هنا ، هل تظنين أنكِ
تستطيعين الرحيل ؟ لا سبيل لذلك ."
تشي تانغ: "... هل فندقكم هذا وكر للعصابات ؟"
تشانغ منغ: " على أي حال لا تكوني عنيدة هكذا
ألا تعتبرينني صديقتكِ ؟"
تشي تانغ: " أسلوب الاستفزاز هذا لا ينفع معي !
سأدفع رسوم الإقامة والطعام ، وإلا سأشعر بالحرج من البقاء ."
في هذا العمر يشعر معظم الأبناء بالإحراج عند الحديث عن
المال ، لكن تشي تانغ لم تكن كذلك
وعندما رأت تردد تشانغ منغ، قالت بعفوية : "ما رأيكِ أن تعطيني خصماً؟ 'سعر الصداقة'."
لم تجد تشانغ منغ مفراً من الموافقة وهي تعبث بوجهها :
" حسناً، سأخبر أمي ." كانت تعلم أنها لن تستطيع إقناع
والدتها ، تماماً كما لن تستطيع تشي تانغ ذلك
نزلت تشانغ منغ الدرج مسرعة ، بينما فتحت تشي تانغ
النافذة الكبيرة وخرجت إلى الشرفة
الشرفة تطل مباشرةً على الجبل ، وتوجد بها أصيصان من نبات الأوركيد
اقتربت لتتفحصهما، فوجدت أن البراعم قد تشكلت وتوشك على الإزهار
التقطت صورة للنبات بعفوية ، وأرسلتها لـ يو يو —-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق