القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch69 جبلها، بحرها

 Ch69 جبلها، بحرها



انقضى نصف العطلة الصيفية ، وحان الوقت تقريباً لتغادر تشي تانغ المستشفى ،


بما أن منزلها مسرح للجريمة ، فقد ظل مغلقاً بالشمع 

الأحمر ، ولم يكن بإمكانها العودة إليه مؤقتاً


والواقع أن الجميع ظنوا أنها لا ترغب في العودة إلى هناك أصلاً


وقبل خروجها ، زارتها المعلمة كي لتناقش معها أمر سكنها، 

واقترحت عليها أن تقيم في منزلها مؤقتاً كما فعلت يو يو


بالإضافة إلى المعلمة كي، جاءت الخالة نينغ لزيارتها 

وقالت : " تعالِ للسكن في منزلي ، ألم تستمتعي بالبقاء عندي خلال رأس السنة ؟ 

الأجواء في الصيف هناك أجمل ، والكثير من الناس 

يقصدون تلك المنطقة للسياحة ."


لم تعطِ تشي تانغ جواباً قاطعاً لأي منهما ، 

بل اكتفت بالقول إنها ستفكر في الأمر وستقرر بعد خروجها من المستشفى



باستثناء الأيام الأولى التي عانت فيها من آثار جانبية شديدة، 

بدأت تشي تانغ تتعافى تدريجياً


حتى يو يو شعرت أن صديقتها أصبحت بخير ، وأنها بدأت 

تخرج من ظلال ذلك الكابوس المروع


لكن —- وقبل خروجها الرسمي ، غادرت تشي تانغ 

المستشفى بمفردها فجأة ———


أنهت إجراءات الخروج بنفسها ، 

وأرسلت رسائل نصية لأصدقائها ومعلمتها تبلغهم فيها أنها 

ذهبت لتقيم مع والدتها ——


— [ لقد ذهبتُ لأمي ، سأبقى عندها لفترة وأعود مع بداية الفصل الدراسي ]


……….


يو يو قد ذهبت لمنزل المعلمة كي لإحضار بعض الأغراض، 

ولم تتوقع عند عودتها أن تجد سرير تشي تانغ فارغ


و في الحقيقة لم تصدق يو يو تماماً أن تشي تانغ ذهبت لوالدتها ؛ 

فقد رأت بعينيها طبيعة علاقتهما ، وكيف يسودها الجفاء 

والبرود ، فكيف لـ تشي تانغ أن تلجأ إليها فجأة ؟


لكن المعلمة كي كانت متفهمة للموقف : 

" هي والدتها في النهاية ، ووالدها الآن في السجن وهي لم 

تبلغ السن القانوني بعد ، فمن الطبيعي والأفضل أن تكون بجانب والدتها ."


وبسبب عدم رد تشي تانغ على الرسائل ، وعدم امتلاك يو يو 

لرقم السيدة تانغ يوي — أصرت يو يو على أن تقوم المعلمة 

كي بالاتصال بالوالدة للاطمئنان —- 

وكان رد السيدة تانغ 


: " نعم، تشي تانغ عندي بالفعل ."


لم تكن تلك كذبة تماماً ؛ فبعد خروجها سراً من 

المستشفى ، ذهبت تشي تانغ بالفعل لزيارة تانغ يوي، 

وأقامت في فندق قريب من منزلها لمدة يومين ، 

وتقابلتا مرتين


وبمجرد أن تأكدت أن كل من يبحث عنها عرف بوجودها عند والدتها ، قامت بتسليم غرفتها في الفندق وغادرت —-




أما تانغ يوي —- فلم تعر ابنتها التي حضرت وغادرت فجأة الكثير من الاهتمام


فمن وجهة نظرها ، تبدو تشي تانغ بحالة جيدة ، ورغم أنها 

لم تبلغ الثامنة عشرة بعد ، إلا أنها في السابعة عشرة ، 

وتملك هويتها الشخصية ومالها الخاص ، وقد اعتادت تدبير 

شؤونها بنفسها منذ الصغر ، فلا داعي للقلق عليها


وهكذا —- استقلت تشي تانغ حافلة متجهة إلى مدينة 

أخرى وهي تحمل حقيبتها على ظهرها


لا تعرف وجهتها الحقيقية ، فقد اختارت المكان عشوائياً

و كل ما كانت تريده هو أن تبقى بمفردها ؛ 


ألا تضطر للتظاهر بأن شيئاً لم يكن من أجل طمأنة من حولها —-

وألا تُجبر نفسها على الابتسام لتثبت للجميع أنها ' بخير ' —-



مغادرة نانلين فكرة طرأت على بالها فجأة وهي مستلقية 

على سرير المستشفى ، ثم بدأت تلك الفكرة تزداد إلحاحاً 

يوماً بعد يوم ، حتى نفذتها أخيراً


حملت حقيبة سحب صغيرة ، وارتدت حقيبة ظهرها ، 

واستقلت القطار السريع


جلست في مقعد بجوار النافذة ، وكان الركاب من حولها 

يضجون بالحركة ، بينهم الكثير من الشباب في مثل عمرها 

خرجوا للاستمتاع بالعطلة ، لكن معظمهم كانوا في 

مجموعات ؛ قلة منهم من كان وحيداً مثلها ، وبالتأكيد لم 

يملك أحد منهم مثل حزنها



حجز التذاكر ، ركوب القطار ، حجز الفندق .. قامت تشي تانغ بكل ذلك بمفردها


وما إن استلمت بطاقة الغرفة وأغلقت الباب خلفها بإحكام، 

حتى جلست في تلك الغرفة الغريبة وانفجرت في نوبة بكاء مريرة



إن التظاهر بأن كل شيء على ما يرام شعور خانق ومؤلم للغاية ، 

لم تعد قادرة على تمثيل الدور أكثر من ذلك  ،


في هذه المدينة — لا تعرف أحد


تمشي في الشوارع فلا يلقي أحد عليها نظرة ثانية ، وهذا الشعور بعدم الاكتراث منحها راحة نفسية ؛ 

إذ بإمكانها البقاء بوجه خالٍ من التعبيرات لفترات طويلة ، 

دون أن تنطق بكلمة واحدة ، أو الجلوس على مقعد في 

ساحة عامة أو منتزه طوال اليوم ، تراقب المارة وهم يأتون ويغادرون 



شارع المشاة هنا يكتظ بالناس والسياح ، ومعظمهم من الشباب


وبينما تشي تانغ تسير وسط هذا الصخب ، لمحت صدفة فتاة ترتدي نظارات


للحظة واحدة —- خُيل إليها أنها رأت يو يو


لكن حين دققت النظر اكتشفت أنها مجرد فتاة تشبهها قليلاً


و تذكرت يو يو .. { لقد اعتنت بي طوال تلك الفترة ، 

ورحيلي المفاجئ سيجعل يو يو قلقة وحزينة بالتأكيد ، 

ولكن...}


لم تعرف تشي تانغ ماذا تريد حقاً 


أثر جريمة القتل التي ارتكبها والدها أثّر عليها بشدة ، 

أثر قد لا يستوعبه الآخرون


و حتى الآن ، كلما تذكرت الأمر ، لا تستطيع مقاومة الارتجاف ، 

ويسري في قلبها برود قارس ، تشعر وكأن نظرات تشي 

تشانغ تلاحقها من كل زاوية ، رغم علمها اليقين بأن هذا 

الرجل قد قُبض عليه وفي السجن ، إلا أن الرعب الكامن داخلها لا يمكن كبحه


ومنذ تلك الحادثة ، لم تعد تجرؤ على أكل اللحم ، 

بل تشعر برغبة في القيء بمجرد رؤيته في الطعام



في أصعب أوقاتها ، كانت يو يو بجانبها

ويبدو أنها بلا وعي منها ، أصبحت يو يو هي الملاذ الدائم لها في كل لحظة حزن



قبل فترة قريبة استيقظت ليلاً من كابوس مرعب وهي تشعر بإعياء شديد ، 

فأمسكت يو يو بيدها ونامت بجانبها لتؤنسها


وبين الحلم واليقظة ، شعرت وكأن يو يو قد قبّلتها قبلة 

رقيقة على جبينها


{ كانت تلك الحركة تفيض بمعاني الطمأنينة ، 

لكن .. أليس من المفترض أن تكون الصداقة مختلفة عن هذا ؟ 


أو بالأحرى ،،،، تبدو يو يو كصديقة مختلفة تماماً عن وي شينغشينغ وبقية الفتيات. … }


حتى أن تشي تانغ شككت في أن يكون ذلك مجرد ضبابية حلم ؛ 

ففي ذلك الوقت كانت حالتها النفسية سيئة ، ورأت الكثير 

من الأحلام المشوشة ، و منهكة


لديها الكثير من الشكوك في قلبها ؛ حول العائلة ، الأصدقاء ، والمستقبل


لم تكن متأكدة مما تريده أو ما يجب أن تفعله ، 

و كل ما شعرت به هو إرهاق شديد وضيق لا ينتهي


{ لقد هزمتني أفعال والدي مرة أخرى ؛ فمنذ تلك التجربة 

المرعبة ، أشعر ….وكأني  أصبحت ضعيفة للغاية …


بكيت مرات عديدة بلا سبب واضح ، 

وكنت بحاجة دائمة لمواساة يو يو المستمرة... 

أمقت هذا الضعف حقاً ——- أمقت نفسي جداً }




حلّ الظلام ، وأضيئت المصابيح المتنوعة في الساحة


وعلى مسافة غير بعيدة ، بدأ أحدهم في إعداد وتركيب 

مكبرات الصوت والآلات الموسيقية استعداداً للعرض


دائماً يوجد مثل هؤلاء الموسيقيين في الساحات العامة ؛ 

أغلب الناس لا يتوقفون لأجلهم ، لكن بعض المارة قد 

يستقطعون لحظة للاستماع


جلست تشي تانغ هنا لفترة طويلة ، تراقب ذلك الشاب الذي لا يكبرها بكثير

 وهو يعبث بآلاته، ثم يغني أغنية تلو الأخرى


وبعد أن غنى بضع أغانٍ ، أخذ استراحة وجلس بجانب تشي تانغ



سألها الشاب: " يا صغيرة أراكِ جالسة هنا منذ وقت طويل.. ما الخطب ؟ 

هل تعاركتِ مع عائلتك ؟"


لو كانت تشي تانغ في السابق ، وتجرأ غريب على التحدث 

إليها ، لما ألقت له بالاً ولنهضت وغادرت على الفور


لكن الآن —- لم تكن تملك الطاقة حتى للنهوض ؛ لذا اكتفت بالجلوس في مكانها ونظرت إلى الشاب بنظرة 

صامتة دون أن تنطق بكلمة



ابتسم الشاب : " تبدين حزينة جداً

هل تجيدين الغناء ؟ لمَ لا تذهبين وتغنين أغنية ؟"

أشار إلى معداته وتابع : " حتى لو لم تكوني تجيدين الغناء فلا بأس ، اصرخي بأي شيء ، 

اعتبري الأمر كأنكِ في الكاريوكي "


لم تفهم تشي تانغ سبب دعوته المفاجئة ، وقالت بنبرة حذرة : " أنا لا أعرفك "


ضحك الشاب وهو يرى تعبير وجهها : " رأيتكِ تبدين تائهة 

وحزينة ، فجئتُ لأدردش معكِ قليلاً

رغم أنني قد أبدو الآن مثل منحرف يحاول التحرش بفتيات 

صغيرات ، إلا أنني حقاً لا أضمر سوءاً

ومع ذلك ، من الجيد أن فتاة في عمركِ تملك حساً عالياً من الحذر ."

{ ربما … هذه الفتاة لا تدرك ، لكن وجهها … لا يزال يحمل بعض آثار الندوب التي لم تلتئم تماماً ، 

وجلوسها وحيدة تراقب المارة جعل مظهرها يثير الشفقة حقاً }


لا تدري ما الذي دفعها ، ربما لأنها لم تغنِّ منذ فترة ، 

لكن تشي تانغ نهضت بالفعل واتجهت نحو المايكروفون 



اقترب الشاب ليقوم بتشغيل الموسيقى التصويرية وسألها عما تود غناءه


نظرت تشي تانغ إلى القائمة ، واختارت عشوائياً أغنية مألوفة بعنوان ' على ضفاف بحيرة بايكال ' ‼️


ومع بدء المقدمة الموسيقية ، ألقى بعض المارة نظرات 

فضولية نحوها ، وبمجرد أن غنت الجملة الأولى ، 

صاح الشاب بجانبها صيحة إعجاب وصفق بيديه بدهشة : 

" واااااااو —- غناؤكِ رائع حقاً !"




تدريجياً ، بدأ المارة يتوقفون حولها ، 

وشكلوا حلقة للاستماع


لم تحب تشي تانغ الغناء في مثل هذه المناسبات سابقاً ، 

تشعر بالحرج وعدم الارتياح ، لكن مشاعرها الدفينة كانت 

تفيض بداخلها ، فاحتاجت لمنفذ لتفريغها ؛ 

لذا لم تعد تهتم كثيراً وجلست هنا لتنهي أغنيتها بهدوء وسكينة


صفق لها البعض ، وهتف آخرون مطالبين بأغنية أخرى ؛ 

فمن جهة كان غناؤها عذباً حقاً ، ومن جهة أخرى ، كان رؤية 

فتاة شابة وجميلة مثلها تسر الناظرين


بمجرد انتهائها ، همّت تشي تانغ بترك المايكروفون ، لكنها سمعت الموسيقى التصويرية تبدأ من جديد


سألها الشاب الذي يقف بين الجمهور : " هل تعرفين أغنية 'الحلم الأول'؟"


أمسكت تشي تانغ المايكروفون مجدداً 


...

" ضع الدموع في قلبك ،

وستزهر زهور الشجاعة ،

وفي لحظات التعب ،

أغمض عينيك لتشم عطرها..."


أنهت الأغنيتين ، ثم وضعت المايكروفون وحملت حقيبتها لتغادر


لوح لها الشاب بيده قائلاً : " يا صغيرة ، كل الأمور ستمر بسلام ."


……..



غادرت تشي تانغ تلك المدينة وتوجهت إلى مدينة أخرى


ورغم أنها لا تزال تسير بلا هدف ، إلا أنها كلما سمعت شخص يغني في الشارع ، كانت تتوقف للاستماع


وعندما يتوقف المغني للاستراحة ، كانت تتردد قليلاً ثم 

تتقدم وتسأل : " هل يمكنني غناء أغنية ؟"


كان الأمر يفاجئهم ، لكنهم كانوا يوافقون برؤوسهم 



و في هذه الشوارع الغريبة ، كان أخذ المايكروفون من غرباء 

والغناء أمام غرباء تجربة جديدة كلياً بالنسبة لها ، 

لكنها بدأت تشعر بأنها أصبحت أفضل قليلاً



و بينما هي عائدة وحقيبتها على ظهرها ، استلمت رسالة جديدة من يو يو

ورسائل أخرى من وي شينغشينغ وصديقاتها؛ جميعهن 

يسألن عن حالها، ظناً منهن أنها لا تزال عند والدتها



كتبت بضع كلمات ، ثم فكرت قليلاً ومسحتها ، وأعادت هاتفها إلى جيبها


———-



معظم المغنين في الشوارع من الرجال ، لكنها صادفت مرة 

فتاتين تجلسان معاً، إحداهما بشعر طويل والأخرى بشعر 

قصير ، بدتا كـ صديقتين رائعتين تغنيان أغنية حب دويتو


وقفت تشي تانغ غير بعيد تراقبهما وهما تغنيان


وبما أن المارة كانوا يأتون و يذهبون ، كانت هي الوحيدة 

التي ظلت واقفة هنا لفترة طويلة، فلاحظتها الفتاتان


في منتصف العرض ، ذهبت إحدى الفتاتين لشراء شاي 

الحليب ، وعادت بكوب لكل منهما، وكوب ثالث لوحت به لـ تشي تانغ ——-

" هل تشربين شاي الحليب؟"


هزت تشي تانغ رأسها ؛ فهي لا تشرب أو تأكل أي شيء يقدمه لها الغرباء


رأت الفتاة رفضها فرفعت كتفيها بعدم اكتراث ووضعت 

الكوب جانباً ، ثم بدأت تدردش معها : " أنتِ تستمعين إلينا 

منذ وقت طويل ، ما رأيكِ ، هل غناؤنا جميل ؟"


أومأت تشي تانغ برأسها بصمت


بعد ذلك ، لم يتحدثن مجدداً ، وسرعان ما جمعت الفتاتان أغراضهما وغادرتا


كانتا تمسكان بأيدي بعضهما البعض، وتضحكان وتتمازحان 

وهما تسيران ، حتى أن إحداهما أسندت رأسها بدلال على كتف الأخرى 


يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي