Ch70 جبلها، بحرها
في المساء ،
أرسلت يو يو رسالة أخرى إلى تشي تانغ
لم تتحدث عن أي أمر محدد ، بل اكتفت بسؤال بسيط : [ هل قضيتِ يوماً سعيداً اليوم ؟ ]
وكالعادة ، لم يأتِ أي رد
لكن يو يو تعلم أن تشي تانغ قرأت الرسائل ؛ كانت تظهر
عبارة "جاري الكتابة..." على الشاشة كثيراً ، ثم تظهر
وتختفي مراراً وتكراراً ، ثم تظل واجهة المحادثة خالية
فقط الرسائل التي أرسلتها هي
مضى نصف شهر تقريباً منذ غادرت تشي تانغ المستشفى
تقيم يو يو حالياً في منزل المعلمة كي بصفة مؤقتة ؛
تقضي نهارها في إعطاء دروس خصوصية لبعض الأطفال في الجوار ، وفي المساء تجلس على كتبها في غرفتها
ورغم أن الصف الثالث ثانوي لم يبدأ بعد ، إلا أنها انتهت
بالفعل من دراسة معظم مناهج العام القادم
كان زوج المعلمة كي وأطفالها يعاملونها بلطف واحترام،
وبدورها حاولت يو يو ألا تثقل عليهم ؛ فكانت هادئة ومهذبة ، تساعد في أعمال المنزل
ورغم إصرار المعلمة كي بلطف على ألا تفعل شيئاً ،
إلا أن يو يو كانت تصر على غسل الأطباق وكنس الأرض،
وأحياناً تشرح الدروس لأطفال المعلمة
إقامتها هنا مريحة ، والبيئة جيدة ، والمعاملة طيبة ،
ومع ذلك كانت يو يو تشعر بحنين أكبر لغرفة السكن في المدرسة
فرغم أنها هناك لا تملك سوى سرير واحد ، إلا أنه كان ملكاً لها حقاً
باتت تتوق أكثر فأكثر لامتلاك مكان تعود إليه دائماً ، مكان يمنحها الطمأنينة
وكلما فكرت في هذا ، تذكرت تشي تانغ —-
فـ تشي تانغ أيضاً لم يعد لها مكان تذهب إليه
حتى قبل وقوع حادثة القتل ، كانت يو يو تشعر دائماً أن
تشي تانغ مثلها تماماً .. مشردة بلا مأوى حقيقي
والآن ، ورغم قولها إنها عند والدتها ، إلا أن القلق لا يزال
يساور يو يو؛ فبشخصية تشي تانغ، من المستحيل أن تعتبر
منزل والدتها بيتاً لها
{ هي مثلي ، لا تحب إزعاج الآخرين ، فكيف تعيش بحرية
وراحة في منزل شخص آخر ؟ }
مع بعد المسافة وانقطاع التواصل ، لم تكن يو يو تعرف إن
كانت حالة صديقتها قد تحسنت أو لا ؛
{ هل تستطيع الأكل جيداً ؟ هل تنام بسلام ؟ }
غرفة الضيوف في منزل المعلمة كي صغيرة ، تحتوي على سرير ،
مكتب أمام النافذة ، وخزانة ملابس ، بينما يتسلل ضوء أعمدة الإنارة من الخارج
ومن خلف الباب ، يُسمع صوت أطفال المعلمة وهم يشاهدون التلفاز ،
وصوت المعلمة وزوجها وهما يتجاذبان
أطراف الحديث بصوت منخفض
جلست يو يو خلف المكتب ، وما إن وضعت هاتفها حتى شعرت باهتزازات متتالية
ظنت للوهلة الأولى أنها رسالة من تشي تانغ، لكنها حين
رفعت الهاتف اكتشفت أن المرسل ليس تشي تانغ، بل شيا يوانيوان
خلال العطلة كان فتيات الغرفة يتحدثن باستمرار ،
لكن معظمهن في القروب
كانت يو يو تظهر نادراً لتقول جملة أو جملتين ، أما تشي تانغ فلم تظهر أبداً
هذه المرة أرسلت شيا يوانيوان رسالة خاصة ،
و كانت متحمسة للغاية وأرفقتها بالكثير من علامات التعجب : [ يو يو!
اذهبي بسرعة لرؤية رسائل القروب !
لقد شاركتُ فيديو ! ادخلي لمشاهدته فوراً !!! ]
ردت يو يو عليها بكلمة [ حسناً ] ثم دخلت القروب كما طُلب منها لتتفحص الرسائل
وي شينغشينغ والفتيات قد أرسلن الكثير من الرسائل بالفعل ،
ومن خلال متابعة تدفق النصوص ، أدركت يو يو أن الأمر
يتعلق بـ تشي تانغ —-
لم تعد تهتم بقراءة ما قالوه ، بل استمرت في سحب الشاشة للأعلى
حتى وصلت أخيراً إلى الفيديو الذي شاركته شيا يوانيوان ——
كان المشهد في شارع لا تعرف ماهو ، ساحة مثلثية صغيرة ،
ومصابيح شوارع على شكل أزهار ، والمارة يتوقفون من حول تشي تانغ
و تشي تانغ تقف هناك —- ممسكةً غيتاراً وتغني ؛
تغني تلك الأغنية المألوفة ' أزهار الأمس '
نفس الأغنية التي غنتها سابقاً بناءً على طلب شيا يوانيوان
و رغم ضجيج الشارع وأصوات الناس ، ولم تكن جودة الصوت في الفيديو بتلك الدقة ، إلا أنه كان من الممكن
الشعور بتلك النبرة الصوتية الصافية والمؤثرة
عثرت شيا يوانيوان على هذا الرابط في تعليقات فيديو
الأغنية القديم لـ تشي تانغ
ورغم انتهاء المسابقة ، إلا أن يوانيوان كانت لا تزال تتصفح
التعليقات والرسائل من حين لآخر ، وتشاركها مع صديقاتها بسعادة
وهذه المرة ، بينما كانت تتصفح ، رأت شخص يضع هذا
الرابط متسائلاً إن كانت ' الآنسة ' التي تغني في الشارع في
هذا الفيديو هي نفسها صاحبة صوت الأغنية الشهيرة ،
نظراً للتشابه الكبير بينهما
و بما أن تشي تانغ لم تظهر وجهها في الفيديو الأصلي ،
لم يكن الغرباء متأكدين ، لكن من يعرفها يدرك هويتها من
النظرة الأولى ؛ وهذا هو سبب حماس شيا يوانيوان وصديقاتها ——
ظلت وي شينغشينغ تعبر عن دهشتها : [ منذ متى لم تظهر ؟
ظننتُ أنها اعتزلت الدنيا لتصبح من الخالدين ! ]
أما شيا يوانيوان فسألت : [ هي عند والدتها ، أليس كذلك ؟
الغناء في الشارع حركة احترافية حقاً ! ]
تشانغ منغ: [ تبدو حالتها جيدة ، الآن اطمأن قلبي ]
فقط يو يو كانت تدقق النظر
شاهدت الفيديو عدة مرات ، ثم تتبعت المصدر الأصلي
للفيديو لتعرف الموقع الجغرافي لناشر المقطع
وفي النهاية توصلت إلى استنتاج : { تشي تانغ ليست عند
والدتها كما ادعت ، بل هي في مدينة أخرى تماماً }
أرادت يو يو في تلك اللحظة أن تسأل تشي تانغ عن مكانها ، وإن كانت وحيدة في الخارج
لكنها كبحت جماح نفسها { تشي تانغ تعمدت إخبارنا بأنها
عند والدتها لكي لا نقلق أو نكثر من الأسئلة
وحتى لو سألتها الآن ، فليس من المؤكد أن تشي تانغ ستجيب }
جلست يو يو خلف المكتب ، نزعت نظارتها ، وأسندت جبهتها على يدها ،
وأغمضت عينيها وهي تعد للرقم مئة بصمت لتستعيد هدوءها
ثم أعادت ارتداء نظارتها ، وبدأت تتصفح المقاطع الأخرى التي نشرها صاحب الحساب ——
كان الناشر نشطاً على تطبيق آخر مخصص للمقاطع
القصيرة العفوية ، ومعظم منشوراته كانت لفيديوهات غناء
في الشارع لأشخاص مختلفين
وسرعان ما وجدت يو يو مقطع آخر تظهر فيه تشي تانغ؛
و بدا أنه صُوّر في نفس اليوم ، لأن الخلفية والملابس
متطابقة ، لكن الأغنية مختلفة
سمعت صوت تشي تانغ يغني :
> " لقد قبلتُكِ للتو ، وأنتِ أحببتِ ذلك أيضاً ، أليس كذلك ؟
وإلا، لِمَ لا تزالين ممسكة بيدي ولا تتركينها ؟"
استمر صوت تشي تانغ ينساب في الفيديو ، وهي تغني كلمات تفيض بالنعومة والغزل :
> " سأحبكِ ببطء ،
نتقارب ببطء ،
نتحدث عن أنفسنا ببطء ،
وأمشي معكِ ببطء ،
> وببطء أريد أن أنسجم معكِ ،
وأهبكِ نفسي ببطء ..."
>
لا تعرف يو يو هذه الأغنية ؛ لذا دونت الكلمات وبحثت عنها في الإنترنت ،
عرفت أن اسمها ' أحبكِ ببطء '
( Man Man Xi Huan Ni)
عادت لتبحث بدقة في جميع مقاطع الفيديو التي نشرها ذلك الشخص ،
لكنها لم تجد لـ تشي تانغ سوى هذين المقطعين
تصفحت التعليقات ، ووجدت أحدهم يسأل
[ هذه الآنسة التي تغني جميلة وصوتها عذب ،
أريد التعرف عليها ، هل يملك صاحب الحساب وسيلة للتواصل معها ؟ ]
أجاب ناشر الفيديو : [ لقد قابلتها قبل يومين صدفة ،
غنت أغنيتين ثم غادرت —- هي ليست مغنية دائمة هناك ، وأنا لا أعرفها ]
العالم صغير جداً؛ فمن خلال تعليقات بضعة غرباء، استطاعت يو يو رؤية الشخص الذي تشتاق إليه وتقلق عليه
لكن العالم كبير أيضاً ؛ ففي طرفة عين ، يمكن لهذا
الشخص أن يختفي مجدداً في زحام البشر
فتحت يو يو المحادثة مع تشي تانغ مرة أخرى ،
كتبت ومسحت ، وفي النهاية أرسلت جملة واحدة :
[ لقد أمطرت في نانلين مجدداً اليوم ، ماذا عن المكان الذي أنتِ فيه ؟ ]
—————
تشي تانغ { هل أمطرت في نانلين مجدداً ؟
المكان هنا مشمس ، والجو في هذا الوقت شديد
الحرارة ، والشوارع مزدحمة بالناس } كانت تنظر إلى
الرسالة في هاتفها ، وبعد فترة ، ناداها أحدهم بجانبها: "هل ستغنين ؟"
أعادت الهاتف إلى جيبها وتقدمت قائلة : " سأغني ."
الشخص: "ماذا ستختارين؟"
تشي تانغ: "أغنية 'يوم ممطر' (Yu Tian) لـ ستيفاني صن " ( في بداية الفصل )
وقفت تضبط المايكروفون ، وبينما تستمع إلى إيقاع الموسيقى ، فكرت فجأة :
{ رغم أنني في مكان مشمس
إلا أن المطر لا يتوقف عن الهطول داخل قلبي }
بمجرد انتهائها ، همّت بالرحيل ، فسألها الشخص الذي كان
يغني معها : " هل ستأتين غداً ؟"
هزت تشي تانغ رأسها : " لن آتي ."
: " أوه، هل ستعودين إلى منزلك ؟"
: " لا، سأذهب لاستكشاف أماكن أخرى ."
————————-
في أشد أيام شهر أغسطس حرارة ، يو يو ترتدي قميص
وبنطال طويل ، تجلس عند نافذة منزل أحدهم تراقب
طفلة وهي تحل واجباتها
الفتاة صغيرة — تدرس في الصف السادس ، تعقد حاجبيها
بضيق أمام الدفتر ، بينما أشعة الشمس في الخارج ساطعة
جداً ، وصوت مكيف الهواء في الغرفة يصدر طنيناً خفيفاً
: " يا جيجي ، أنا لا أعرف حل هذه المسألة ."
سحبت يو يو نظراتها التي شردت لا إرادياً ،
وأخرجت ورقة مسودة لتبدأ بشرح المسألة للطفلة بجانبها
……………..
تحت نفس الشمس ، وفي نفس الحرارة اللافحة ،
توقفت تشي تانغ وهي تحمل حقيبة صغيرة أمام متجر للآلات الموسيقية
ومن خلال واجهة العرض ، لمحت الغيتارات المصطفة في الداخل ؛
دخلت المتجر ، ولم يمضِ وقت طويل حتى خرجت وهي
تحمل غيتاراً على ظهرها
الشارع ليس مزدحم هنا، ربما لأن الجو كان حاراً جداً في
هذا الوقت ، مما جعل الناس يلوذون ببيوتهم
توقفت تشي تانغ تحت ظل شجرة وارفة ، وأخرجت الغيتار من حقيبته
تجيد عزف اليوكوليلي لذا كان انتقالها للغيتار سريعاً وسهلاً
تعلمت بعض الأشياء خلال الأيام الماضية من مغني الشوارع ،
ومن الواضح أنها تملك موهبة حقيقية في هذا المجال ؛
إذ بدأت تعزف وتجرب الأوتار ببراعة وحدها
لم تعرف ماذا تغني ، فجلست على حافة أحوض الزهور
وبدأت تترنم بكلمات عشوائية
أشعة الشمس تتسلل من بين أوراق الشجر لتسقط كبقع
ضوئية صغيرة على حذائها ، بينما صرصور الليل يغرد على الشجرة خلفها
الجو حار حقاً؛ وبمجرد جلوسها لفترة قصيرة ، شعرت
بالعرق يتصبب من جسدها
لم يمضِ وقت طويل على عزفها حتى اقترب طفل من
المنازل المجاورة بفضول ، كان يقود دراجة صغيرة حمراء ،
ويمسك بيده قطعة من البطيخ يلتهمها بنهم ، وقد تلطخ
وجهه بالكامل بعصيرها
أمام هذا ' الجمهور ' الواحد ، غنت تشي تانغ عفوياً شارة
الرسوم المتحركة الخروف الجميل ( Pleasant Goat).
ورغم أنها لا تذكر الكلمات جيداً ، إلا أن دندنتها كانت كافية
أبدى الطفل تفاعلاً كبيراً وابتسم بسعادة صارخاً :
" إنه الخروف الجميل!"
غنت تشي تانغ مقطع قصير ثم نهضت ؛ فقد استنشقت
رائحة البطيخ في يد الطفل، وبدت شهية جداً لدرجة أنها شعرت بالجوع فجأة
طوال الفترة الماضية لم تكن تملك شهية للأكل ، حتى أنها لم تتناول الغداء اليوم
لكن رائحة البطيخ وسط هذا الحر أيقظت بداخلها رغبة مفاجئة في الطعام
اتجهت نحو متجر فواكه ، واشترت نصف بطيخة مثلجة كان صاحب المتجر يضعها في البراد
……………
دخلت والدة الطفلة التي تدرسها يو يو وهي تحمل طبقاً من البطيخ وتدعوها للأكل :
" لقد تعبتِ ، تفضلي ، تناولي قطعتين من البطيخ واستريحي قليلاً ."
شكرتها يو يو وذهبت مع الطالبة للاستراحة وتناول البطيخ
البطيخ بارد ومنعش وحلواً جداً
وبعد لقمة واحدة ، ودون أن تدرك تماماً سبب فعلتها ،
أخرجت يو يو هاتفها والتقطت صورة للبطيخ وأرسلتها لـ تشي تانغ
……..
تشي تانغ قد أخذت ملعقة بلاستيكية من صاحب المتجر
وتهمُّ بأكل البطيخ حينها استلمت الرسالة
نظرت إلى صورة اليد التي تمسك بقطعة البطيخ ، والتي
يظهر في ركنها طرف ورقة امتحان على الطاولة ، فابتسمت تشي تانغ لا إرادياً
………..
مر الوقت سريعاً ،
واقتربت العطلة الصيفية من نهايتها ——
وقبل أيام قليلة من العودة للمدرسة ، حلّ يوم ميلاد تشي تانغ دون أن ترد منها أي أخبار
أرسلت لها يو يو رسالة في الموعد المحدد :
[ تشي تانغ عيد ميلاد سعيد ]
{ أين أنتِ الآن ؟
وهل أنتِ سعيدة اليوم ؟ }
[ متى ستعودين ؟
المدرسة ستفتح أبوابها قريباً ، والأخت وي والبقية يقلن
إنهن اشتقن إليكِ ]
{ وأنا اشتقت إليك أيضاً }
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق