Ch71 جبلها، بحرها
بمجرد انتهاء العطلة الصيفية وبدء الفصل الدراسي الجديد ،
بدأت مرحلة الصف الثالث الثانوي ،
بما أنهم زملاء قضوا عاماً كاملاً معاً ، بدأ الجميع بتبادل
التحايا والدردشة بمجرد اللقاء
وفي غضون كلمات قليلة ، تلاشت الغربة التي خلفها غياب شهرين
رن جرس الحصة مرتين ، لكن الضجيج داخل الفصل لم يتوقف
الفصل مكتظ بالطلاب ، ولم يبقَ سوى المقعد المجاور لـ يو يو شاغراً
الكثير من زملاء تشي تانغ في الفصل لم يكونوا على دراية بما حدث في منزلها ،
وكانوا يشعرون ببعض الفضول فقط حول سبب غيابها حتى
هذا الوقت ، ظناً منهم أنها تأخرت فحسب
أما بالنسبة لـ يو يو وصديقاتها المقربات اللواتي يعرفن
الحقيقة ، فقد كان منظر المقعد الفارغ يبعث غصة في قلوبهن
المعلمة كي ظنت طوال الوقت أن تشي تانغ عند والدتها،
لكن مع اقتراب موعد التسجيل وانقطاع الاتصال بها،
اكتشفت أن تشي تانغ غادرت منزل والدتها منذ زمن،
ولم يكن أحد يعرف أين ذهبت
فتاة في هذا العمر تكون في قمة الحساسية وصعوبة المراس ،
لكن والدتها مهملة لها بشكل مفرط ،
وبعد مكالمة بين المعلمة والسيدة تانغ يوي — بدأت
المعلمة بمحاولة الوصول لـ تشي تانغ —-
ولولا أنها تلقت رداً في النهاية ، لكانت قد تواصلت مع الشرطة للبحث عنها ——-
بعد عشر دقائق من رنين جرس الحصة الثانية ،
وصلت المعلمة كي أخيراً
ألقت نظرة شاملة على الفصل ، ورأت وجوه طلابها المألوفة ،
وتوقف بصرها قليلاً عند المقعد الفارغ بجانب يو يو ثم تحدثت :
" مع بداية هذا الفصل ، أصبحتم طلاباً في الصف الثالث ثانوي
بعد قليل سننتقل إلى مبنى 'تشي يوان' المخصص للثالث ثانوي في الخلف
هذا العام سيكون الأهم في حياتكم..."
وفجأة ——- ظهر شخص عند الباب
بدى ظل نحيل بعض الشيء ، تحمل حقيبة ظهر وحقيبة آلة موسيقية ، وبدا عليها أثر السفر الطويل
وقفت عند الباب وقالت : " تقرير " ( تطلب الإذن بالدخول )
توقفت المعلمة كي عن الكلام ، وعندما رأت الطالبة الواقفة عند الباب ،
ارتاح قلبها ، لكنها حافظت على صرامة وجهها
أرادت أن توبخ هذه الفتاة الجريئة ، لكنها حين فتحت فمها لم يخرج سوى :
" يا الزميلة تشي تانغ لقد تأخرتِ ، عودي لترتيب مقعدكِ والجلوس بسرعة ."
خطت تشي تانغ خطوتين داخل الفصل المألوف ، وفجأة ،
في هذا الفصل الهادئ ، دويّ صوت صرير حاد لكرسي
وطاولة يُدفعان بقوة ——
يو يو — الشويبا — التي كانت تلتزم الصمت دائماً ،
وقفت فجأة بغير عادتها ، وأسرعت نحو باب الفصل ،
واحتضنت زميلة مقعدها التي فقدت الكثير من وزنها بقوة
نظر طلاب الفصل 3 باستغراب إلى تأخر تشي تانغ، لكنهم
حين رأوا تصرف يو يو، أصيبوا بذهول أكبر
وبسرعة ، رأوا وي شينغشينغ وتشانغ منغ والبقية ينهضن
ويهرعن نحو الباب ليحتضنّ تشي تانغ
اجتمعت الفتيات في عناق جماعي بين دموع وضحكات
لم تجد المعلمة كي بداً من الانتظار ، وبعد أن هدأت فورة
مشاعرهن ، صفقت بيديها قائلة : " حسناً ، حسناً ، بدأت الحصة ،
عُدن لمقاعدكن، ولنتحدث في وقت الاستراحة !"
بعد أن عاد الهدوء للفصل ، تابعت المعلمة كي حديثها السابق :
" أيها الطلاب ، منكم من بلغ سن الرشد ومنكم من هو على وشك ذلك
عليكم أن تبذلوا قصارى جهدكم في هذا العمر الثمين ،
لتكون نتائجكم بعد عام من الآن هي هدية بلوغكم سن الرشد .
يوجد طلاب متفوقون ، ويوجد من يعانون دراسياً
آمل من المتفوقين الاستمرار وعدم التهاون ،
ومن المتعثرين أن يحاولوا اللحاق بالركب في هذا العام ؛
فـالوقت لم يفت بعد ، لا يزال بإمكانكم الكفاح لكي لا
تندموا في المستقبل .
لقد علّمتُ الكثير من الطلاب ، وودعتُ دفعات كثيرة من الخريجين .
وعندما يعودون لزيارتي ، أكثر ما يقولونه هو: 'معلمتي، أنا نادم جداً لأنني لم أدرس بجد في الثانوية '
أعلم أن الكثير منكم لا يعرف لماذا يدرس
هل من أجل دخول جامعة أفضل والحصول على وظيفة أرقى ؟
من منظور واقعي ، نعم هذا صحيح .
لكنني أرى أن دراستكم بجد هي من أجل امتلاك زمام
مستقبلكم ، ومن أجل القدرة على اتخاذ خياراتكم بحرية لاحقاً .
إذا لم تستطع كبح كسلك ، ولم تملك العزيمة لتصبح أفضل ،
واستسلمت عند أول عقبة ، فستقضون حياتكم تائهين بلا اتجاه ،
يسوقكم الآخرون كما يشاءون
لذا، من أجل أنفسكم ، ومن أجل من تحبون ، اجتهدوا ..
ثم اجتهدوا !"
—————
بعد الانتقال إلى المبنى الجديد ،
بدا طلاب الثالث ثانوي الجدد وكأنهم يعيشون في جزيرة معزولة ،
بعيداً عن صخب وضجيج الصفوف الأخرى
لقد تسلل الشعور بالضغط والارتباك إلى رؤوسهم منذ اليوم الأول
لكن رغم ذلك ، ظل الفضول يراود الجميع بشأن تشي تانغ،
خاصةً بعد أن استدعتها المعلمة كي إلى المكتب
لم تكن قضية قتل والدها سراً ؛ فقد نُشرت أخبار الجريمة
في صحف نانلين، وتداول الجيران والحي الحكاية في جلساتهم
لكن لا أحد تخيل أن تلك الجريمة البشعة لها صلة بزميلة
تجلس معهم في نفس الفصل،
لذا عاد الموضوع ليصبح مادة خصبة للنميمة من جديد
تلاشت هذه الهمسات فجأة بمجرد ظهور تشي تانغ ؛
ساد هدوء مؤقت في الفصل
لم تبالِ تشي تانغ ، وعادت إلى مقعدها ، وعندما رأت يو يو
تراقبها ، ابتسمت لها ابتسامة هادئة
بمجرد رؤية تلك الابتسامة ، استرخت يو يو قليلاً ،
واقتربت منها هامسة : " هل أنتِ متعبة ؟ إذا كنتِ كذلك،
سأخبر المعلمة لتذهبي للسكن وترتاحي.. لقد رتبتُ لكِ سريركِ بالفعل ."
أطلت وي شينغشينغ من الخلف وقالت بصوت منخفض:
" لقد ساعدتُها بالأمس في ترتيب السرير والتنظيف ،
كنا نظن أنكِ ستعودين بالأمس ."
نظرت تشي تانغ إليهن واحدة تلو الأخرى وقالت :
" شكراً لكم."
ثم وجهت كلامها لـ يو يو: "... أنا آسفة لأنني لم أرد على
رسائلكِ طوال الوقت ."
هزت يو يو رأسها ، وبينما تهم بقول شيء ما، دخلت
المعلمة كي وهي تحمل أوراق الاختبار ——- فقرتها
السنوية المعتادة : امتحان مفاجئ مع بداية الدراسة
أمام قسوة الاختبارات ، تتبخر كل المشاعر المعقدة
للمراهقة وتتحول فوراً إلى دموع واقعية
أمسكت تشي تانغ بورقة الامتحان ،
وتذكرت عطلتها الصيفية التي قضتها دون أن تفتح كتاباً واحداً لقرابة شهرين
لمحت بطرف عينها يو يو وهي تكتب بسرعة وسلاسة ؛
{ من الواضح أنها لم تتوقف عن الدراسة لحظة واحدة
خلال العطلة ، ومن المرجح أنها ستحافظ على مركزها الأول هذا العام أيضاً }
لاحظت يو يو نظراتها ، فترددت لثانية ، ثم دفعت ورقتها
قليلاً ناحية تشي تانغ
تشي تانغ: "………..."
غمرها شعور معقد ؛
{ ما الذي يجعل شخص يصرّ دائماً على أن يحل الآخرون
واجباتهم بأنفسهم ويمنع الغش ، أن يبادر اليوم بتقديم ورقته لأنقل منها ؟ }
وقعت نظرات المعلمة كي الحادة عليهما ، فوضعت تشي
تانغ يدها على جبهتها وصرفت نظرها عن ورقة صديقتها،
مثبتةً عينيها على ورقتها الخاصة ، وبدأت تحل ببطء
————
توقعت تانغ أن تكون النتيجة كارثية مقارنةً بامتحانات نهاية
الفصل الماضي ، لكنها تمنت أن تتفهم المعلمة كي وضعها
وألا تستدعيها لنقاش آخر
بعد انتهاء الوقت ، جمعت يو يو الأوراق ، وكانت ورقة تشي تانغ هي الأخيرة
ألقت نظرة سريعة عليها ، فرأت الكثير من الأخطاء
تشي تانغ: " ضعي ورقتي في الأسفل ، لا تتركيها في الأعلى ."
{ فوضْعُها في المقدمة سيكون محرجاً حقاً }
امتثلت يو يو لطلبها ووضعت الورقة في الأسفل ،
خلف ورقتها مباشرةً ، وقالت بصوت خافت : " سأساعد
المعلمة كي في تصحيح الأوراق، سأصحح لكِ ورقتكِ ."
ارتابت تشي تانغ في أن صديقتها قد ' تستغل نفوذها '
لتعطيها درجات وهمية ؛ { فبعد عامين من الزمالة ،
يبدو أن مبادئ يو يو الصارمة تنهار عاماً بعد عام ~~
وهذا العام يبدو أنها ستحطم رقماً قياسياً جديداً في التنازلات ،
لدرجة أنها مستعدة للسماح لي بالغش ! }
بمجرد أن استلمت تشي تانغ ورقتها المصححة ،
أدركت أنها ' أساءت الظن ' بمبادئ صديقتها ؛
فكل الأخطاء كانت محاطة بدوائر حمراء واضحة ،
ولم تزدها يو يو درجة واحدة مجاملة
بل إن التصحيح كان أدق من تصحيح المعلمة نفسها ،
مع ' لطف ' بسيط في خصم الدرجات ؛
إذ أعطتها كل درجة مستحقة ، وتجاوزت عن الخصم في الحالات التي تحتمل التقريب من الاجابات الصحيحة
لكن الشيء الأكثر تميزاً هو أن يو يو قامت بتصويب جميع
الأخطاء بالقلم الأحمر نيابةً عنها
{ أيُّ زميلة هذه التي تصحح الاختبار وتتطوع بحل الأخطاء أيضاً ؟ }
تأملت تشي تانغ الورقة ، وفجأة داهمها الإلهام ،
فأخرجت دفتر صغير وبدأت تخبش وترسم وتكتب كلمات أغنية جديدة
وبمجرد عودة يو يو إلى المقعد ، دست الدفتر بسرعة داخل درج الطاولة ،
———————
انتهت الحصص ، وحان وقت العودة للسكن ——-
وقبل أن تبدأ تشي تانغ في تسلق سلم سريرها العلوي ،
شعرت بأيدي وي شينغشينغ وتشانغ منغ تلتف حول
خصرها وساقيها ويسحبونها بقوة إلى الأسفل
ثم دفعوها لتسقط فوق سرير يو يو في الطابق السفلي
" ياااااه ! ماذا كنتِ تفعلين طوال الصيف ؟!"
" هذا كثير جداً ! لماذا لم تردّي على رسائلنا ؟!"
" اتفقنا على الألعاب حتى ولم تعيرينا اهتمام ، لا بد من تلقينكِ درساً !"
و بدأت الفتيات في دغدغتها ، وظلت تشي تانغ تكافح
وتحاول الانكماش في زاوية السرير وهي تصرخ ضاحكة ،
بينما حاولت يو يو التدخل لحماية سريرها وإيقاف هذه المأساة الكوميدية
يويو : " حسناً ، حسناً ، كفى! لا تضايقنها !"
حاولت يو يو المنع ، فما كان منهن إلا سحبها أيضاً لتنضم
للمعركة فوق السرير
و سادت الضحكات والضجيج حتى خرجت فتيات الغرف
المجاورة لاستطلاع الأمر ~~
وبعد أن هدأ الصخب ، أخرجت وي شينغشينغ زجاجة كبيرة من الكوكا كولا
وسكبت للجميع ، وجلسن جميعاً فوق السرير يرتشفن المشروب بمتعة
جلست تشي تانغ على سرير يو يو ومع مذاق الكولا
وإحساسها بوجود الشخص الذي بجانبها ، بدأ جسدها يسترخي تدريجياً
في المدرسة ، بدا أن لا شيء تغيّر ؛ وكأن تلك الحادثة المروعة لم تقع أبداً
لكن، لحظة الحقيقة تظهر فقط في ' المقصف المدرسي '
حين تقف كل منهن أمام طبقها ، وتحمل تشي تانغ طعاماً
خالياً تماماً من اللحم ، هنا فقط يدرك الجميع أن تلك
الحادثة تركت ندبة غائرة وواضحة على روحها
يو يو أول من لاحظ محتوى طبق تشي تانغ —- شدّت يدها
على طبقها الخاص ، وحاولت إخفاء ملامح الحزن التي
اعتلت وجهها للحظة
أما تشي تانغ، —- فلم تظهر أي تأثر ؛ و ظلت تأكل بصمت
وتستمع لضحكات الأخريات ، لكنها أكلت كمية أقل مما اعتادت عليه بكثير
يويو { إنه … شعور مؤلم }
عندما لاحظت تشي تانغ أن يو يو لم تلحق بهن ، التفتت
ومدت يدها نحوها قائلة : " أسرعي للفصل ،
ألم تطلب منكِ المعلمة كتابة الأسئلة على السبورة ؟"
أسرعت يو يو الخطى وأمسكت بيدها بقوة
سارت وي شينغشينغ والفتيات في المقدمة متشابكات
الأيدي ، بينما سارت تشي تانغ ويو يو في الخلف ممسكتين
بأيدي بعضهما ، وكأن كل شيء عاد كما كان
—————————
بعد ثلاثة أيام من بدء الدراسة ،
حلّت عطلة نهاية الأسبوع
بعد دخول الثالث ثانوي لم يتبقَّ لهن سوى يوم واحد من الإجازة أسبوعياً ،
ويُقال إنها ستتقلص لنصف يوم في الفصل القادم
لذا كانت هذه العطلة بمثابة ' العشاء الأخير ' للراحة
عادت وي شينغشينغ والبقية لمنازلهم ، ولم يبقَ في السكن سوى يو يو وتشي تانغ
خلال اليومين الماضيين ، كان السكن يعج بالحركة
والضحك ، فلم يلاحظ أحد شيء
لكن اليوم ومع بقائهما وحيدتين ، ساد صمت أثقل من المعتاد
بعد الاستحمام والاستلقاء على السرير وإطفاء الأنوار ،
لم ينطق أحد بكلمة
تشي تانغ مستلقية على ظهرها ، وبعد فترة ، انقلبت على
جنبها وأنزلت يدها من حافة السرير العلوي ، وحركتها بخفة
في الأسفل —- ، لمست يويو يدها بلطف
أمسكت تشي تانغ بذلك الإصبع ، وسألت وهي تحدق في الظلام : " هل نحن صديقتان ؟"
يو يو: " نعم ."
: " وهل أنا مثل الأخت وي (وي شينغشينغ) بالنسبة لك ؟"
: "... لا، لستِ كذلك ."
: " هل أنا مثل تشانغ منغ؟"
: " لا "
: " هل أنا مثل يوانيوان؟"
: " لا "
: " إذاً من أنا... بالنسبة لك ؟"
: " أنتِ جزء مني وأنا جزء منك "
في تلك اللحظة ، شدّت اليد التي كانت تمسك بإصبعها قبضتها ،
وأمسكت بيدها بقوة لا تتقبل الإفلات ———
يتبع
يعني اعترفوا إنه مشاعرهم مو مشاعر صداقة
تعليقات: (0) إضافة تعليق