Ch2 GM
آن بينغ: “كنت أدعو لسلامة إحدى زميلاتنا.
نحن في نفس الفصل—قد لا تتذكرها،
لكنها ممثلة الفصل. أصيبت فجأة بمرض غريب قبل بضعة أسابيع، ومنذ ذلك
الحين لم تعد إلى المدرسة .”
بدت على وجهه ملامح تذكّر ، ثم تابع : “مرضها كان غريبًا جدًا .
كانت دائمًا بصحة جيدة، ولم أسمع من قبل أنها تعاني من أي أمراض مزمنة…”
قال مو جيشينغ وهو يجلس على عتبة الباب ، يكسر أقراص
النودلز ويلقيها في وعائه المطلي : “ ليس سيئًا، يبدو أنك تعرف الكثير ….” ثم أضاف بنبرة عابرة :
“ هل هي تعجبك ؟”
احمرّ وجه آن بينغ فورًا : “ لا، لا تتكلم بهذا الشكل !”
ثم تابع بجدية: “ المهم أنها في إجازة مرضية منذ فترة .
هذه ثانوية المدينة الأولى ، ولن تسمح المدرسة أبدًا لطالبة أن تغيب كل هذه المدة !”
قال مو جيشينغ بلا اكتراث ، وشوكة بلاستيكية تتدلّى من فمه :
“ وما الصعب في ذلك ؟ عدد غياباتي ربما يساوي القوة التاسعة لغيابات ممثلة الفصل .”
لم يعرف آن بينغ كيف يرد { هل اتفق معه ؟
أم اضحك على أن هذا المتنمّر الأسطوري — الذي أعاد
سنواته حتى صار حكاية ، و يعرف حتى ما هي القوى التاسعة ؟ }
ما حدث له هذا المساء لم يمكن وصفه إلا بالواقعية السحرية. أولًا ،
اكتشف أن زميله يعيش في معبد إله المدينة ؛
ثم جُرّ إلى إشعال البخور وقراءة الطالع ؛
وبعدها أُرسل لشراء نودلز كقربان… والأكثر غرابة من كل
ذلك أن المتنمّر الأسطوري في ثانوية المدينة الأولى كان
دجّالًا—ومن الطراز القديم أيضًا
أخذ آن بينغ يتفحص مو جيشينغ ، مفكرًا أنه مختلف تمامًا عما سمعه عنه
{ لم يكن سهل المعشر فحسب ، بل اجتماعي أيضًا ..
رغم أنني أعجز عن الرد بعد بضع جمل ، إلا أن هذا التناقض الغريب منحني شعور بالقرب والواقعية
ومع ذلك ، هذا الطبع غير المألوف بالذات هو ما يجعل
الآخرين يرخون حذرهم بسرعة …. }
ظل هذا الأمر يشغل بال آن بينغ لفترة طويلة ،
ولم يجد من يتحدث معه عنه ،
فاندفع يفرغ ما في صدره دفعة واحدة : “ عادةً ، إذا مرض
أحد بهذه الشدة ، فإن الفصل كله سيتحدث عن ذلك .
لكن هذه المرة ، لم يتحدث أحد ، وحتى المعلمون كانوا
يتجنبون الموضوع… خذ توصيل الواجب مثالًا
كنت أنوي أن أوصله لكما معًا ، لكن معلم الفصل أوقفني
ورفض تمامًا أن أزورها .”
مو جيشينغ : “ مثير للاهتمام جدًا ….” ثم تناول لقمة من النودلز سريعة التحضير :
“ فيه ماء كثير… هل مرضت ممثلة الفصل أثناء الحصة ؟ كيف كان الوضع وقتها ؟”
فكّر آن بينغ قليلًا ثم قال: “ كان ذلك وقت الاستراحة .
كانت جالسة في مقعدها ، تأكل وعاء نودلز ، ثم فجأة
انهارت على الطاولة ولم نستطع إيقاظها مهما ناديناها .
في النهاية اتصل المعلم بالإسعاف ، وحملوها على نقالة .”
مو : “ جالسة في مقعدها وتأكل وعاء نودلز…”
بدا وكأنه غارق في التفكير ... ثم نظر إليه قائلًا :
“ أنت تتذكر التفاصيل بهذه الدقة…
متأكد أنه ليس لديك إعجاب بها؟”
آن بينغ { أرجوك يا صاح ، لنلتزم بالموضوع !}
بعد أن انتهى من استفزازه قليلًا ، قال مو جيشينغ أخيرًا شيئًا
منطقيًا : “ هل تتذكر نوع النودلز التي كانت تأكلها ؟”
قال آن بينغ بعد تفكير ، وهو ينظر إلى وعاء مو جيشينغ المطلي بالمينا : “ ليس بدقة… أعتقد أنها كانت مرسلة من أمها .
و كانت رائحته قوية ، وفيها ملفوف مخلل أيضًا .”
قال مو جيشينغ فجأة بابتسامة : “ صدفة جميلة .”
ثم نهض وهو يحمل وعاءه : “ لا وقت نضيعه . هيا بنا
آن بينغ إير "
توقّف آن بينغ لحظة ، مذهولًا من النداء الجديد
كان نطق مو جيشينغ للكلمة الأخيرة خفيفًا وممتدًا ، كزغب الصفصاف في الهواء
آن بينغ : “ هاه ؟ إلى أين ؟”
مو جيشينغ : “ نعود إلى المدرسة . ثانوية المدينة الأولى .”
——————
مهما كانت المدينة ،
فإن أي مدرسة تُسمى الثانوية الأولى تُعد عادة مدرسة رئيسية على مستوى المقاطعة
وثانوية المدينة الأولى هي الأفضل في الحي القديم ،
و تقع قرب الجبال والأنهار ، وبجوارها عدة مواقع تاريخية محافظ عليها
بُنيت قبل قرن تقريبًا ، وكانت مشهورة بأنها تصنع نخبة الطلاب
أما القبول فيها كل عام فكان شديد التنافس، حيث يتقاتل المتقدمون لدخولها
أما شخص مثل مو جيشينغ ، الذي أعاد سنواته
حتى كاد أن يصبح سلحفاة دراسية فقد يكون حالة فريدة في تاريخ المدرسة الممتد لمئة عام
المدرسة بنظام النهار ، ومع الإجازة الأخيرة كان عدد الطلاب قليلًا جدًا
تبع آن بينغ مو جيشينغ ، يراقبه وهو يرتدي فوق ملابس النوم
سترة مدرسية واسعة ، و يرتب شعره بسرعة ،
ثم يدخل بوابة المدرسة بثقة وهو يحمل وعاءه المطلي
بالمينا وكأنه شيء طبيعي تمامًا
قال آن بينغ باستغراب : “ انتظر… كيف تلبس هذا ولم يوقفك الحارس ؟ هل أكلت لائحة القوانين ؟”
كان وجه مو جيشينغ شاحبًا قليلًا ، وتحت عينيه هالات
خفيفة توحي بالإرهاق ، لكن تصرفاته لم تُظهر أي علامة مرض
وفي هذه اللحظة ، كان انطباع آن بينغ عنه قد تغيّر تمامًا—
فهذا الشخص إما محتال قديم يحاول العودة ، أو مجرد كاذب عظيم
قال مو جيشينغ بلا خجل : “ أنا أنادي الحارس بـ‘العم’ منذ ست سنوات ، نحن تقريبًا عائلة واحدة ،
لا داعي لكل هذه الرسمية بيننا ...” ثم أضاف بلامبالاة: “ وبالمناسبة ، عمي يحب تدخين هوانغتاشان ،
إذا احتجت يومًا للخروج من المدرسة ، أعطه علبتين وسيُدخلُك فورًا .”
ارتعشت زاوية فم آن بينغ وهو يستمع : “ إلى أين نذهب الآن ؟”
قال مو جيشينغ وهو يلوّح بيده كأنه مشرف قديم :
“ نعود إلى الفصل —فصلنا —- آن بينغ إير أنت قد الطريق .”
آن بينغ بحيرة : “ ألسنا ذاهبين إلى فصلنا ؟ لماذا أقدّم الطريق ؟”
أجاب مو جيشينغ بجدية : “ ' خرجت صغيرًا ، وعدت كبيرًا ' ~
كثرة الإجازات المرضية جعلتني لا أتذكر مكانه .”
( من قصيدة «العودة إلى مسقط رأسي» )
آن بينغ: “……”
مباني ثانوية المدينة الأولى تُسمى المباني ثمانية الزوايا
تصميمها فريد ، فكل صف له ثماني زوايا ، على شكل مثمن غير منتظم
و فصلهم في الطابق الثاني ، ونوافذه تطل على الشارع
وعندما دخلا، المساء قد حل تقريبًا ، وأضواء الشارع ظاهرة من النافذة
أشعل آن بينغ الضوء ، وتوجه نحو أحد المقاعد : “ هذا مقعد ممثلة الفصل .”
المقعد بجانب النافذة ، و بدا أنه مقعد طالب مجتهد،
مليء بكتب المراجعة وأوراق الأسئلة
أخرج مو جيشينغ الكرسي وبدأ يفتش في الدرج قائلاً: “ ينقصه شيء .”
سأله آن بينغ بسرعة : “ ينقصه ماذا ؟”
مو جيشينغ : “ أليست ممثلة فصل ؟
كيف لا يوجد حتى نموذج إجابة لـ‘خمسة-ثلاثة’؟”
ثم قلب الدرج : “ أعرف أن المعلمين يجمعون النماذج ،
لكن هل هم بخيلون لهذه الدرجة ؟
حتى ممثلة الفصل لا يُسمح لها بنسخة ؟”
لم يعد آن بينغ يحصي عدد المرات التي فقد فيها القدرة على الرد — فقال أخيرًا :
“ أرجوك يا غا ، أتوسل إليك أن نبقى في موضوع واحد فقط…
بعد أن ننتهي ، سأدعك تنقل إجاباتي .”
قال مو جيشينغ بسرعة : “ اتفقنا ! ” ثم أخذ وعاءه المطلي بالمينا وبدأ يأكل النودلز :
“ هيا نبدأ العمل آن بينغ إير عدّل الساعة ...”
و أشار إلى الساعة فوق السبورة : “ هل تتذكر وقت حادثة ممثلة الفصل ؟
اضبطها على ذلك الوقت .”
نظر آن بينغ إلى النودلز في وعاء مو جيشينغ ، وبدأ يفهم شيئًا : “ تريد إعادة المشهد؟”
مو جيشينغ : “ صحيح . استراحة ، مقعد بجانب النافذة ،
وأكل نودلز ..” ثم شرب النودلز مجددًا : “ انهض يا سيدي الشاب ، وإلا سأُنهي هذا قبل أن تتحرك .”
توجه آن بينغ لتعديل الساعة ، بينما صوت ارتشاف مو جيشينغ يملأ الفصل — و قال دون قصد : “ ليس تنبيهًا ،
لكن يجب أن تأكل ببطء قليلًا ، إن حدث شيء فعلًا على
الأقل يكون لدينا وقت للتصرف…” ثم مد يده الطويلة وأزال
الساعة بسهولة وضبطها على الساعة 6:30 مساءً
أعاد الساعة إلى مكانها ، ثم التفت—وفجأة تجمّد في مكانه، مذهولًا تمامًا
المكان الذي جلس فيه مو جيشينغ قبل لحظات فارغ الآن
و لم يبقَ سوى الوعاء المطلي بالمينا
ومع ذلك…
كان صوت ارتشاف النودلز ما يزال يتردد في الفصل ——
آن بينغ — الذي نشأ تحت نظام التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات ،
وُلد في الصين الجديدة ونشأ تحت الراية الحمراء ،
لم يسبق له أن واجه أي شيء خارق للطبيعة —
شعر فروة رأسه بالخدر فورًا من شدة الخوف
و كان رد فعله الأول أن يلتقط كتاب الفكر السياسي : المادة الإلزامية 2 من المنصة ،
ويبدأ في تلاوة المادية الماركسية بعزم شديد
ارتفع صوته كأنه جرس ، يقرأ المبادئ والمنهجيات وكأنها تعويذة لطرد الأرواح
النقاط الأساسية والصعبة في المنهج الدراسي بالنسبة لكل طالب ثانوي تشبه شيئًا واحدًا :
تجعلك تتعذب بشدة ، لكنها في الوقت نفسه تبدو وكأنها تعالج كل شيء ؛
يمكنها أن تُميت الأحياء وتُحيي الأموات ، وتجعلك في حالة من النشوة المؤلمة والعذاب الممتع الذي لا يمكنك التوقف عنه ،
و آن بينغ في هذه اللحظة من الفئة الأخيرة .
و بينما يردد سلسلة من النقاط المهمة ، شعر بأنه أصبح أكثر يقظة
وبالرغم من رغبته الشديدة في الهرب ، أجبر نفسه على التهدئة
{ إنسان اختفى أمام عيني …
على الأقل يجب أن أعرف ما الذي حدث .}
ظل صوت ارتشاف النودلز يتردد في الفصل ——-
أخذ آن بينغ نفسًا عميقًا ، ثم أدرك أن الصوت لم يكن
صادرًا من فراغ ، بل من مكبرات الصوت— متكرر وآلي، بلا أي توقف
{ كم هو حجم فمه؟ يأكل كل هذا الوقت دون توقف…
ألا يخشى الاختناق ؟}
شعر بقشعريرة تسري في جسده ، لكنه استمع قليلًا دون أن يفهم شيئًا
فكّر في كل ما حدث، ثم اتخذ قرارًا—أن يعيد ما فعله مو جيشينغ
أعاد ضبط الساعة إلى 6:30 مساءً،
ثم توجه إلى مقعد ممثلة الفصل، وجلس هناك، ورفع وعاء المينا، وأخذ لقمة من النودلز
وفجأة… توقف صوت الارتشاف القادم من مكبرات الصوت
رفع آن بينغ رأسه، ليكتشف أن الفصل أصبح ممتلئًا بالناس
الخوف… شيء يتعود عليه الإنسان بعد عدة مرات
و آن بينغ أكثر هدوءًا هذه المرة—أو هكذا ظن
و في الواقع —- صرخ أولًا كقطّ داس أحدهم ذيله ، ثم غطى فمه بسرعة ، يرتجف كمنخل معطّل
لم يعرف من أين جاء هذا الفصل المليء بالناس
و كأنهم ظهروا من العدم ، وكل شيء فيهم كان يوحي بالنحس
مسح آن بينغ الفصل بعينيه و كان الجميع يرتدون الزي المدرسي ، أجسادهم مستقيمة ومتيبسة،
لكن الغريب… أنه لم يستطع رؤية وجوه أي منهم
بناءً على خبرته في تمرير الملاحظات داخل الفصل ، كان يعلم أنه مهما كان مكان جلوسك ، فلا بد أن ترى بعض
الوجوه بشكل واضح—كان من المستحيل أن تكون جميع الوجوه مخفية بالكامل
لكن في هذه اللحظة…
كان من حوله إما يخفون وجوههم تحت ياقة الزي المدرسي ، أو يغطونها بشعر طويل متدلٍ
كلما نظر آن بينغ أكثر ، ازداد خوفه —-
{ هل يمكن أن يكون هذا فصل مليئًا بالأموات ؟}
لم يحتمل أكثر ، فنهض فجأة ، مما أدى إلى صرير حاد من المقعد تحته
الشخص الذي أمامه استجاب للصوت ، واستدار ببطء وبحركة متيبسة
— دمية ورقية
عنقه ملتويًا بزاوية 180 درجة ، كاشفًا عن وجه أبيض من الورق،
ملامحه مرسومة بمادة مجهولة ، وفمه أحمر كأنه مغمور بالدم
والأكثر رعبًا من ذلك…
أن كل شيء فيه بدا صناعيًا ، لكن الشعر كان حقيقيًا بشكل مخيف،
كما لو أن فروة رأس بشرية قد لُصقت فوق الورق الأبيض
انفرج فم الدمية الورقية بابتسامة نصفية مرعبة تجاه آن بينغ
ثم ضحك ضحكات “خخخخ” تشبه صوت خدش الأظافر على السبورة
وكأن ذلك لم يكن كافيًا،
فبمجرد أن ابتسمت هذه الدمية، استدارت جميع ' الأجساد ' في الفصل
وجوههم كانت جميعها بيضاء من الورق ، لكن بتعابير مختلفة :
سعيد ، غضب ، حزن ، سرور ، طمع ، كراهية ، هوس ، استياء …
مشاعر متداخلة ، مشوهة ، وعبثية ، حطمت ما تبقى من عقل آن بينغ
{ انتهت القضية : هذا ليس صفًا مليئًا بالأموات…
بل صف مليء بالدمى الورقية !}
لم يجد آن بينغ وقتًا حتى للصراخ
اندفع نحو النافذة بجانبه ، وفتحها وقفز دون تفكير
منذ القدم كان الطابق الثاني مفضلًا لدى ' الأبطال' الذين يقفزون من النوافذ عند أول منعطف
النافذة قريبة من الأرض ، وتحتها شجيرات كثيفة
و الطلاب الذين يسوء أداؤهم في الاختبارات يختارون هذا ' الطريق التقليدي' للهروب بكل فخر ~
كان آن بينغ مألوفًا بهذا الطقس ، وخطط للهروب بنفس الطريقة
لكن بمجرد أن فتح النافذة …
استقبله سيل هائل من أصوات الطيور ، حادّ وصاخب ،
يشبه بكاء طفل في ليلة مظلمة ، وكاد يدفعه للعودة إلى الداخل
هذا الجانب من الصف يطل على الشارع،
وثانوية المدينة الأولى مبنية في الحي القديم، حيث تصطف أشجار الدلب على الطرقات
في الصيف تكون خضراء كثيفة،
لكن في الشتاء تمتلئ بالأعشاش
ومن أكتوبر حتى العام التالي ،
لا يتوقف صراخ الطيور ليلًا ونهارًا
زقزقة طائر أو اثنين قد تكون لطيفة،
لكن آلاف الطيور معًا تتحول إلى عويل يهز الأرض،
حتى بدا أن الشارع كله مغطى بقبة من الضجيج
هبط آن بينغ بطريقة غير أنيقة على الأرض ،
وقبل أن يتمكن من تثبيت نفسه ،
أمطر بشيء أبيض يتساقط من السماء
بطبيعة الحال، حيثما وُجدت الطيور وُجدت فضلاتها
وحيثما توجد آلاف الطيور… كان هذا ' مطرًا سماويًا ' من فضلات الطيور '
( الكاتبة تقتبس هنا من المثل الصيني « حوريات السماء ينثرن الزهور من السماء » )
كلما كان الإنسان في يومٍ سيئ الحظ ، بدا وكأن كل شيء يعاكسه
و آن بينغ قد ارتعب حتى النخاع بسبب الدمى الورقية ،
ثم سقط من النافذة ،
والآن يتعرض لوابل من فضلات الطيور ،
حتى بدا وكأنه أصبح عجوز في لحظة واحدة
كاد آن بينغ ينهار تمامًا ، وقلبه ممتلئ بالخوف والضيق،
متمنيًا أن يصرخ في السماء { ما هذا الجحيم؟!}
لكن حتى الصراخ لم يكن خيارًا ، إلا إذا أراد فمه أن يمتلئ بفضلات الطيور
وفي اللحظة التي كان على وشك فقدان صوابه تمامًا،
أُلقيت عليه فجأة سترة مدرسية لتغطي رأسه
“ ماذا تفعل واقفًا هكذا ؟ هل تنوي الاستحمام هنا ؟”
كان صوت… مو جيشينغ ——
لم تتح لآن بينغ فرصة حتى للإمساك به وسؤاله أين كان،
حتى أُمسك بياقة قميصه وسُحب بسرعة في جريٍ جنوني
وعندما توقّفا أخيرًا،
نزع آن بينغ السترة عن رأسه بسرعة : “ ما هذا المكان أصلًا؟”
كانا مختبئين داخل خزانة تخزين في أحد الممرات، محاطين بالمكانس وصناديق القمامة
سأله مو جيشينغ بدلًا من الإجابة : “هل ترى الطيور في الأشجار ؟”
كان الجواب بديهيًا —- بالطبع يراها، ليس أعمى
مو جيشينغ : “ معظم شوارع الحي القديم مزروعة بأشجار الدلب ،
ومن الطبيعي أن تتجمع الطيور فيها في الشتاء .
محيط ثانوية المدينة الأولى ليس استثناءً
لكن في السنوات الأخيرة ، كانت المدينة تقوم بإصلاحات
وتعتبر صوت الطيور مزعجًا للبيئة الدراسية ، فتم طردها
عدة مرات ، وتناقص عددها تدريجيًا ، حتى تم نقل معظمها
إلى الجهة الشرقية من المدينة .”
أدرك آن بينغ فجأة أن كلام مو جيشينغ صحيح
كان عدد الطيور حول المدرسة قد تقلّص فعلًا خلال السنوات الأخيرة
وعندما دخلوا بوابة المدرسة قبل قليل، لم يرَ تقريبًا أي طيور
لكن ذهنه كان مضطربًا ، فافترض تلقائيًا أن الوضع كما كان قبل عامين ، حين كانت أسراب الطيور المزعجة هي القاعدة
{ إذًا… هذه الطيور التي ظهرت فجأة… من أين جاءت؟}
نظر إليه مو جيشينغ وقال: “ لديك تخمين .”
استعاد آن بينغ هدوءه بصعوبة ، وقال بعدم تصديق:
“ هل يمكن أن… نحن الآن في ثانوية المدينة الأولى من قبل عدة سنوات ؟”
أومأ مو جيشينغ برأسه:
“ صحيح .
نحن ما زلنا في ثانوية المدينة الأولى ، لكن ليست نفس الثانوية التي كنا فيها قبل قليل
مع هذا العدد الكبير من الطيور حول المدرسة ، فهذا يعود إلى ما قبل سنتين على الأقل .”
قال آن بينغ محاولًا التمسك بما تبقى من واقعه المتحطم :
“ كيف يكون ذلك ممكنًا ؟
هل يمكن أننا انتقلنا إلى زمان ومكان مختلفين ؟”
أجاب مو جيشينغ بلا اكتراث :
“ يجب أن تقرأ الكوميكس أقل… هل تعرف قصص الأشباح المدرسية القديمة ؟
مثل أن هناك غرفة سكن حدثت فيه وفاة ، أو حمام مسكون —
هذه الشائعات شائعة جدًا في المدارس .”
ثم تابع وكأنه يتحدث عن أمر عادي:
“ بعضها صحيح فعلًا . مثلًا ، بعض المدارس تُبنى فوق
مقابر قديمة ، جزئيًا لأن الأرض رخيصة ، وجزئيًا لأن طاقة
الشباب تكون أقوى ، فتستطيع قمع الأرواح الشريرة .”
ارتجف آن بينغ:
“ لا تقل لي أننا داخل مقبرة الآن…”
مو جيشينغ :
“ تقريبًا .” ثم نظر إلى وجه آن بينغ المرتبك وقال بهدوء:
“ الحي القديم هنا يمتلك تاريخًا يمتد لمئة سنة ،
ويوجد العديد من المباني القديمة قرب ثانوية المدينة الأولى ،
هذه المنطقة كانت مزدهرة منذ عهد الجمهورية ،
وخلال الحروب أيضًا كان عدد الوفيات هنا الأعلى
من الصعب على الأرواح الحاقدة أن تتلاشى خلال بضعة عقود فقط
صحيح أنها ليست مقبرة ، لكن طاقة الين و الشا تشي ( الشر) هنا لا تقل عنها .”
كادت عينا آن بينغ أن تنقلبا من شدة الخوف ، وصوته خرج متقطعًا:
“ هاه … ماذا يعني ذلك؟”
مو جيشينغ :
“ رغم أن طاقة الظل هنا قوية ، إلا أن طاقة البشر أيضًا قوية .
وهذا التصادم بينهما يجعل من السهل تشكّل شق بين عالَمَي الين واليانغ — ويبدو أننا وقعنا داخل هذا النوع من الفراغ .”
ثم أضاف:
“ هذا الصدع يُسمّى أيضًا ‘صدع العوالم الثلاثة’
يوجد بين العوالم الثلاثة : السماء ، وعالم البشر ، وعالم ما بعد الموت .
إنه أرض الـ لا أحد ، منفية من الآلهة والأرواح معًا ،
وتوجد فيها كائنات ليست حيّة تمامًا ولا ميتة تمامًا .”
توقف لحظة ثم تابع:
“ تصدعات العوالم الثلاثة منتشرة ، تطفو في فراغات الين واليانغ ،
لكن نادرًا يقع فيها البشر العاديون .” ثم التفت إلى آن بينغ وقال:
“ هل رأيت الدمى الورقية المشوهة ؟”
ابتلع آن بينغ ريقه بصعوبة : “ نعم… ما هي؟”
مو جيشينغ :
“ تُسمّى دمى الكوابيس ، وهي نوع من شياطين الأحلام . منطقياً ، لا ينبغي أن تكون داخل صدع العوالم الثلاثة .
يبدو أنها أُحضرت إلى هنا بواسطة ممثلة الفصل .”
فتح باب خزانة التخزين قليلًا وقال:
“ ممثلة الفصل على الأرجح تحمل في قلبها عقدة عميقة وثقيلة لم تُحل منذ زمن ،
وهذا ما جذبها إلى صدع العوالم الثلاثة ...”
ثم أضاف بصوت أخف:
“ العقدة في القلب مثل السجن ، تحبس صاحبها وتحبس من حوله .
وبما أنها لم تستيقظ بعد ، يبدو أن روحها ضاعت هنا
علينا العثور عليها وإعادتها .”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق