Ch20 GM
لم يكد ينهي كلامه حتى ركل وو بي يو الكرسي ،
ونهض مغادراً الغرفة ، مغلقاً الباب خلفه بضربة مدوية
عندما سقط الهاتف داخل قدر الطعام ،
تناثرت بقع الزيت في كل مكان ، ومضت الشاشة عدة مرات ثم انطفئت تماماً وتحولت إلى السواد
ظل القدر يغلي ويصدر فقاعات ، بينما خيّم صمت ثقيل على الغرفة
كانت كلمات وو بي يو بمثابة صاعقة في سماء صافية،
تركت آن بينغ في حالة من الدوار الذهول،
واحتاج لبعض الوقت ليستعيد صوته :
" ما الذي كان يقصده... للتو ؟"
أمسك مو جيشينغ بكوب الشاي ، وبدت ملامحه هادئة تماماً : " المعنى الحرفي للكلام ."
: " ماذا ؟!"
: " لا أتذكر ..." هز مو جيشينغ كتفيه وتابع: " ذاكرتي بها
فجوات ، فقدت أجزاءً مهمة جداً منها ،
وهناك الكثير من الأمور التي لا أستطيع ربط أسبابها بنتائجها
لكن وفقاً لما قاله الأحفاد ، فقد ارتكبتُ خطأً في الماضي ،
وتسبب ذلك في الكثير من المتاعب للآخرين .
جحدت فضل عظيم ،
وخسرتُ أصدقاء ومعلمين في الحياة والموت ..." ارتشف كمية من الشاي وتابع : " لا أستطيع التذكر "
ثم وضع كوب الشاي جانباً : " لا ينبغي أن نتحدث عن أشياء تعيق الهضم أثناء الأكل ..."
مد عيدانه والتقط الهاتف من داخل قدر المرق الحار : " هذا القدر لم يعد صالحاً للأكل،
لنطلب منهم تغييره ."
سُرعان ما وُضع قدر جديد ، لكن آن بينغ كان يأكل دون أن يشعر بطعم الطعام
وضع له مو جيشينغ قطعة من أحشاء العجل :
" اسأل عما تريد معرفته ، لا تأكل بوجه عابس ،
ولا تكن مثل ابنتي المنحوسة التي تكتم كل شيء في قلبها ؛
فالحمل على كتفيها ثقيل جداً ، ولا عجب أنها لم تزدد طولاً ."
التقط آن بينغ القطعة وأكلها ، فاندفعت الحرارة إلى أنفه،
مما جعله يكاد يذرف الدموع : " يا النبي بخصوص هذا الأمر... لا زلت أريد السؤال ."
: " أعرف ، لقد نسيتُ حقاً أموراً بالغة الأهمية ." سحب مو جيشينغ منديل وأعطاه له: "آن بينغ إلى أين وصل حلمك مؤخراً؟"
: " إلى وقت إقامة تشاي شوشين، أو بالأحرى 'لينغشوزي'، في أكاديمية الجنكة."
: " إذاً اقتربت النهاية ..." حسبها مو جيشينغ وقال:
" جاء سانجيو في الشتاء ، ومع بداية ربيع العام التالي ،
ودعتُ معلمي ونزلت من الجبل
دعني أتذكر ... غبتُ لأربع سنوات تقريباً ."
اندهش آن بينغ وسأل: " لماذا ؟"
ابتسم مو جيشينغ : " للدراسة في الخارج ، كان هذا هو
الرائج في ذلك العصر ،،
قبل أن أنضم لتلمذة المعلم ، قال والدي له إن إصلاح النفس هو الخطوة الأولى فقط لتحقيق السلام في العالم.
أنا من سلالة آل مو — ولم يكن بإمكاني البقاء تحت رعاية المعلم للأبد ."
أدرك آن بينغ الأمر وقال: " لا عجب أنك لم تنقل عني واجب اللغة الإنجليزية أبداً ."
: " لقد كان أفضل الأزمان ، و أسوأ الأزمان ..." نطق مو جيشينغ هذه العبارة بالإنجليزية بلهجة ' أكسفورد ' متقنة ،
ثم أكمل: " تلك السنوات الأربع قد لا تراها في أحلامك ،
ولم يحدث خلالها الكثير من الأمور ، باستثناء أمر واحد فقط
يُفترض أن ذلك كان في عامي الثالث بالخارج ،
كنت حينها في موسكو — وكانت الجامعة تقع على بُعد كيلومتر واحد من نهر نيفا .
حين استلمت رسالة لاو إير كان الشتاء قد حل،
وضفاف النهر مغطاة بالثلوج
ذكر في الرسالة أن المعلم قد فارق الحياة ."
نهض آن بينغ من شدة صدمته ، مما أدى إلى قلب كوب الشاي على الطاولة ؛ دوى صوت تكسر الخزف وسال الشاي على الأرض
: " إنها أمور قديمة حدثت منذ سنوات طويلة ، لِمَ كل هذا
الانفعال يا آن بينغ ؟" صب مو جيشينغ له كوب شاي جديد وتابع : " ترك المعلم وصية قبل وفاته ، قال فيها إن بإمكاني
العودة للبلاد لحضور الجنازة ، لكن بمجرد انتهاء 'الأيام السبعة الأولى'، يجب عليّ المغادرة فوراً …
المسافة بين البلاد وموسكو آلاف الأميال، وحين وصلتني رسالة لاو إير ، كان أسبوع الحداد قد انقضى منذ زمن
وبما أن أمر المعلم يجب تنفيذه ، لم أعد إلى البلاد ،
ولم أذهب للسجود أمام قبره إلا بعد أن أنهيت دراستي ."
هز مو جيشينغ رأسه وهو يتحدث ، ثم ضحك بهدوء :
" لقد أصبحتُ مشرداً لفترة طويلة ."
{ حتى وإن عدتُ ، فكل ما مر في حياتي، لا يطاق استحضاره.
أعدُّ أحبابي في الآفاق ، فكم من أهلٍ بقوا ، وكم من بيتٍ صمد ؟ }
———————
ظل آن بينغ شارد الذهن حتى عودته للمنزل
اغتسل واستعد للنوم على عجل ، لكنه ظل يتقلب في سريره عاجزاً عن النوم
{ لا أفهم .. }
حين أوصله مو جيشينغ للمنزل ، بدا وكأنه لاحظ ثقل أفكاره ، فربت على كتفه قائلاً : " كلها أمور مضت ،
مجرد حلم ، اعتبره فيلماً سينمائياً فحسب ."
ربما بسبب الإفراط في تناول الطعام الدسم والحار،
شعر آن بينغ بجفاف في حلقه، فنهض وأعد لنفسه ظرف من شاي الأعصاب الذي أهداه إياه مو جيشينغ
وبما أنه فقد الأمل في النوم ، قرر السهر وبدأ بمراجعة دروسه
كانت الواجبات تتراكم كالجبال ،
والدراسة بالفعل وسيلة جيدة للهروب من الهموم
فأخرج آن بينغ ورقة بيضاء وبدأ في تدوين الخط الزمني للتاريخ الحديث :
عام 1937 ميلادي ، العام السادس والعشرون للجمهورية.
· أُجبرت حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية على الاستقالة، واستمر الاضطراب السياسي في فرنسا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
· وقعت يوغوسلافيا وإيطاليا معاهدة عدم اعتداء وتحكيم، وانضمتا إلى محور روما-برلين.
· قفز إجمالي ناتج الإنتاج الصناعي للاتحاد السوفيتي ليحتل المرتبة الأولى في أوروبا والثانية عالمياً كقوة صناعية.
· حادثة المنطاد الألماني "هيندنبورغ"، التي أخرجت المناطيد من ساحة الطيران التجاري للأبد.
· في السابع من يوليو، شنت اليابان حرباً شاملة لغزو الصين، وبدأت المقاومة الوطنية الصينية الشاملة.
اشتد سواد الليل ، وعقرب الثواني يتقدم خطوة تلو أخرى.
وبينما آن بينغ ينظر إلى الورقة المليئة بالكلمات ،
شعر بموجة من النعاس تغمره ، فوضع القلم واستعد لإراحة رأسه على الطاولة قليلاً
[ تمضي أمور الدنيا كما يجري الماء ، ويُحسب العمر كأنه حلم عابر ]
بائع الصحف يقف عند المرفأ ويصيح : " صحف ! صحف ! عقد اجتماع الدفاع الوطني في السابع من أغسطس !
اشتروا الصحف! النسخة بخمسة قروش فقط!"
الميناء من أكثر الأماكن صخباً في المدينة ؛
السفن تدخل المرفأ ، صافراتها تدوي طويلاً ،
والركاب يتدفقون على الدرج ،
شابة أنيقة ترتدي ثياباً على الموضة وتحمل حقيبة من جلدية ، ووقع حذائها ذو الكعب العالي يصدر صوتاً رنين
لمحها بائع الصحف بذكاء وتقدم نحوها بحماس :
" يا آنسة ، هل تشترين صحيفة؟"
بدت الشابة وكأنها في عجلة من أمرها ، فأشاحت بيدها قائلة : " لا أريد ، لا أريد ، ابتعد عن طريقي ."
: " اشتري واحدة، الأوضاع مضطربة مؤخراً ، معرفة الأخبار تجلب الطمأنينة..."
امتدت يد فجأة بين الاثنين ——
: " أعطني صحيفة من فضلك."
رفع بائع الصحف رأسه ليرى شاباً فارع الطول،
يرتدي بدلة من الكتان،
ويحمل في يديه حقيبة جلدية ومظلة ذات مقبض طويل
صاح بائع الصحف بامتنان : "شكراً لك يا سيدي!"
وأخرج له صحيفة بسرعة : "خمسة قروش للنسخة."
قدم الشاب عملة فضية : " لا داعي للفكة ."،
وأشار إلى فتاة تبيع الزهور على مقربة منهما : " أتذكر أن
تلك الفتاة هي شقيقتك ، أليس كذلك؟
أريد زهرة كاميليا حمراء لتقديمها لهذه الآنسة ."
قال هذا وهو يبتسم للشابة الواقفة بجانبه :
" الأطفال الذين يسعون وراء لقمة عيشهم في المرفأ
حياتهم ليست سهلة ، وقد يندفعون قليلاً في طلب الرزق، فلا تؤاخذيه "
ذهل بائع الصحف للحظة ، ثم ركض مسرعاً ليغلف زهرة كاميليا ويقدمها للشابة : " أعتذر منكِ يا أختي
أرجو أن تقبلي اعتذاري !"
تحول غضب الشابة إلى سعادة ، واحمرّ وجهها قليلاً ،
ثم شكرت الشاب بصوت خافت ،
وأخذت الزهرة وانصرفت تاركة وراءها نفحة من عطرها الفواح
نظر بائع الصحف شياو فينغ إلى الشاب السخيّ ،
وبينما يهم بشكره ، رفع الشاب يده لبصفعه بخفة على رأسه :
" مرت بضع سنوات فقط ، كيف أصبحت تفتقر للذكاء هكذا يا شياو فينغ ؟
تلك الآنسة هي الابنة الثانية لصاحب شركة الملاحة،
إذا أسأت إليها ، فكيف ستستمر في العمل بهذا المرفأ ؟"
ترنح شياو فينغ من أثر الصفعة الخفيفة ، ثم بدأ يتفحص
الشاب بدهشة : "... مَن أنت؟"
: " هذا أنا !! ..." خلع الشاب نظارته ورفع حاجبيه قائلاً:
" هل غبت بضع سنوات فقط حتى تعجز عن معرفتي ؟"
تجمد شياو فينغ مكانه ، ثم ارتمى فجأة عليه وهو يصرخ:
" ابن عائلة مو الرابع ؟! مو جيشينغ ! لقد عدت أخيراً !"
تعانق الاثنان ، وكان مو جيشينغ أطول من الآخر برأس كامل
ظل شياو فينغ متشبثاً به ويرفض تركه : " أخ مو لقد عدت أخيراً ...
يا أخ منذ كم يوم لم تغسل شعرك ؟
لماذا هو دهني هكذا ؟"
: " اللعنة عليك هذا يسمى 'مثبت شعر'." ربت مو جيشينغ
على كتفه وتابع: " أتذكر أن عائلتك كانت تملك محلاً للخياطة ، لماذا تبيع الصحف هنا؟"
: " الأوضاع مضطربة والتجارة سيئة ،
ووالدي مرض منذ فترة فاضطررنا لإغلاق المحل.
خرجت أنا وأختي الصغيرة لجمع بعض القروش لسد احتياجات المنزل ." مسح شياو فينغ أنفه وأكمل:
" أخ مو لقد افتقدتك كثيراً في هذه السنوات ."
كان مو جيشينغ في مراهقته يُلقب بـ ' ملك الفوضى '
فكلما نزل من الجبل ، جمع الأصدقاء من كل حدب وصوب ، ولم يكن يتكبر على أحد
تابع شياو فينغ: " في غيابك ، لم تعد الشوارع ممتعة كما كانت ،
حتى الأخ سونغ لم يعد يبحث عن أحد ليقاتله ،
وحين توفي معلم أكاديمية الجنكة قبل سنوات ذهب الجميع للتعزية ، لكننا لم نرك تعود..."
مو جيشينغ : " لقد عدت الآن . أنت شاب يافع ، يجب أن
تقف شامخاً ولا تدمع عيناك لأي سبب —
بما أن والدك مريض ، لماذا لم تذهب به إلى عائلة تشاي؟"
مسح شياو فينغ عينيه : " السيد تشاي هو من فحص نبضه،
ولولا صيدلية آل تشاي لما استطاع والدي تحمل تكاليف العلاج أبداً
يا أخي كم ستبقى هذه المرة؟"
ابتسم مو جيشينغ : "لن أغادر ثانيةً .
الليلة ستقام مأدبة استقبال في منزل الأخ سونغ،
وسيكون الطعام وفيراً، تذكر أن تحضر شقيقتك معك."
عبث شياو فينغ برأسه بخجل: "لقد كنت أتناول الطعام عند
الأخ سونغ كثيراً مؤخراً ..." تابع بقلق: "أخي الجميع يقولون
إن الحرب ستبتلعنا، لماذا لم تبقَ في الخارج لتتجنب العاصفة ؟
لماذا عدت الآن ؟"
ربت مو جيشينغ على كتف الفتى : " انظر إلى ما تقوله
حتى الأوراق المتساقطة تعود إلى جذورها،
هذا بيتي، هل يعني نشوب حرب ألا أعود ؟"
أومأ شياو فينغ برأسه مراراً : " أخي على حق ،،
إذاً يا أخي هل حقاً لن ترحل مجدداً ؟"
مو جيشينغ: " لن أرحل — إذا واجهت أي خطب فلا
تتحامل على نفسك ، تعال وتحدث معي في أي وقت ."
ابتسم شياو فينغ : " بهذه الكلمات منك ، لم أعد أخشى شيئاً ،،
أخي لقد عدت للتو ، إلى أين تنوي الذهاب ؟
ما رأيك أن أدلك على الطريق ؟"
ضحك مو جيشينغ شاتماً إياه بمودة : " اغرب عن وجهي،
هل تظن أنني ضللت الطريق لأنني غبت لبضع سنوات ؟
إذا أردت أن تدلني ، فاحمل حقيبة أخيك ، ولنذهب إلى ممر ضوء القمر "
: " أمرك!" فهم شياو فينغ المقصد على الفور :
" لا يعلى عليك يا أخ مو أنت فعلاً صاحب واجب،
بمجرد عودتك تسرع لرؤية الحبيبة!"
: " أي حبيبة ؟" قال مو جيشينغ بتكاسل: " أخوك سيأخذك إلى الصالة لنستمع إلى بعض الألحان."
———————
أربع سنوات مضت ،
والمشاهد القديمة كما هي؛
توسعت حانة ممر ضوء القمر طابقين إضافيين ،
وانساب العطر الزكي في الردهة المذهبة
في النهار لا يستقبل المكان زوار السهرات ،
بل يعمل كمقهى للشاي والاستجمام
وحين دخلا، تصادف بدء عرض لـ البينغتان —
جلست معلمتان على منصة العرض ،
واحدة عن اليمين تحمل آلة سانشيان وأخرى عن اليسار
تمسك الـ بيبا
وفي المنتصف شاب وسيم كاليشم، يحمل مروحة بيضاء،
يغني مقطوعة ممر وينتشاو
" لا أبالي بآلاف الأميال من الصقيع والجبال الوعرة—"
صوت الـ بيبا ينساب كاللآلئ ، والشاب يسرد القصة ،
بصوت يجمع بين العذوبة والوقار الثقافي
طلب مو جيشينغ مقعداً في الردهة العلوية ،
ونظر للأسفل مبتسماً : "المقاعد كلها ممتلئة بالنساء
اللواتي جئن لسماع القصة— لا عجب أنه نجم مشهور ،
يفتن الفتيات لدرجة تجعلهن يزورون الحانة لسماعه ، أمر مذهل حقاً ."
تقدمت نادلة بابتسامة وقدمت الشاي :
" صوت السيد وو من الطراز الأول ، والحصول على تذكرة
لعرضه في الأيام العادية أصعب من نيل المستحيل
اليوم عرض صباحي ، لذا حالفك الحظ بوجود غرفة شاغرة،
يبدو أن بينك وبين المكان قدراً ونصيباً ."
ضحك مو جيشينغ بصوت عالٍ: " ليس قدراً فحسب ،
بل ديون ونزاعات قديمة لسنوات ."
ذهلت النادلة ، وغطت فمها قائلة: "هل السيد على معرفة سابقة بالسيد وو؟"
: " لقد رأيتكِ من قبل، ألسْتِ الأخت التي ربتها الخالة
تشاو؟" غمز لها مو جيشينغ : " ألم تعودي تعرفينني؟"
قاطع شياو فينغ الحديث: " هيا، من الغريب أن تعرفكِ أصلاً
انظري إلى هيئتك هذه ، تبدو كالأجانب المزيفين ."
تفحصت النادلة الشاب من أعلى لأسفل ،
وفجأة تذكرت شيئ ، وقالت بصدمة : " أنت.. أنت السيد الشاب مو؟!"
. " يسعدني أنكِ لا تزالين تذكرينني يا أختي ..." رد مو جيشينغ بابتسامة : " مضت سنوات ، والأحباب والمكان كما هم
تجارة العمة تشاو أصبحت أفضل من ذي قبل،
لدرجة أنها استطاعت إقناع لاو سان بالصعود للمنصة ."
الشاب الذي كان يحكي القصة على المنصة لم يكن سوى وو زيشيو
منذ حوالي عامين تلقى مو جيشينغ رسالة من موطنه بينما كان في أوروبا
سونغ وينتونغ لا يحب الثرثرة في رسائله ، بل يكتب كلمات
معدودة تركز على المهم فقط ،
لكن تلك الرسالة ضمت أوراقاً عديدة بشكل نادر ،
وكتب فيها عن أمر واحد فقط— أن وو زيشيو أصبح
حكواتي بينغتان في ممر نصف القمر
لم تكن القصة معقدة ؛ فقد سحب سونغ وينتونغ وو زيشيو إلى الحانة للعب الورق ، وكالعادة خسر وو كل ما يملك
لكن هذه المرة لم تقبل العمة تشاو تأجيل الدفع،
واحتجزته بقوة، وأجبرته على الصعود للمنصة لغناء بضع مقطوعات
كان صوت وو زيشيو هبة من السماء ،
وبمجرد أن فتح فمه نال استحسان الجميع
استغلت العمة تشاو الموقف ، وأبقت عليه ليغني وفاءً
لديونه ، بل وتولت تدريبه بنفسها على طبقات الصوت،
وافتتحت له عروضاً صباحية
ولم تمضِ بضع عروض حتى اشتهر صيته في كل مكان،
وعلمت المدينة بأكملها أن حانة ممر نص القمر يملكون السيد الشاب وو صاحب الصوت الفائق الجمال الذي لا
تُنال تذاكره إلا بشق الأنفس
سدد الديون في وقت قصير ، لكن المستمعين رفضوا رحيله ،
مما اضطر العمة تشاو للذهاب بنفسها إلى قصر آل وو لدعوته
لم يستطع وو زيشيو التملص ، ومع الوقت استمر في الغناء
لم تكن طائفة الين-يانغ تهتم كثيراً بشؤون عالم الأحياء،
ولم يتدخل أحد من قبيلة آل وو في شؤون زعيمهم الشاب
الذي يرتاد الحانات يومياً ،
ومع مرور السنوات زادت شهرته ، حتى أطلق عليه
المعجبون لقب ' الشاب ذو وجه اليشم '
ضحك مو جيشينغ وهو يهز رأسه :
" مَن هذا السيد الشاب الذي يفيض دلالاً على المنصة ؟
رغم أنني سمعت الخبر من لاو إير ، إلا أن رؤيته بعيني كانت صدمة
مَن كان يتخيل أن لاو سان — الذي يحمر وجهه خجلاً عند
رؤية الفتيات قبل سنوات ، سيصبح هكذا ؟"
قالت النادلة بابتسامة عريضة : " سمعتُ من الأخ سونغ قبل أيام أن السيد الشاب مو سيعود قريباً
بما أننا جميعاً عائلة واحدة ، فلا داعي للبقاء هنا في الطابق العلوي ، هل أصطحبك إلى الكواليس ؟"
نهض مو جيشينغ قائلاً : " تفضلي يا أختي ، لقد مضت سنوات ، وحان الوقت لألقي التحية على العمة تشاو."
أنهى وو زيشيو عرضه على المنصة ،
ثم رفع الستار ودخل إلى الكواليس، ليجد الجميع ملتفين في دوائر متراصة
صوت العمة تشاو يصدح عالياً ببهجة: " يا إلهي يا بني
أنت حقاً بار بوالديك ، لم يضع حبي لك هباءً !"
جاء صوت ضحكة من وسط الزحام
: " هذه مستحضرات تجميل رائجة مؤخراً في فرنسا،
لا أفقه فيها كثيراً ، فاشتريت الأنواع التي نصحني بها زملائي.
استخدميها يا عمة تشاو ، وإذا أعجبتكِ ، سأطلب من
أصدقائي إرسال المزيد ."
رغم أن صوت الشاب أصبح أكثر رزانة مما كان عليه ،
إلا أن وو زيشيو عرف تلك الضحكة تمام المعرفة ،
فتهلل وجهه وصاح عالياً : " لاو سي! متى عدت؟"
نهض مو جيشينغ، وشق الزحام ليخرج : " لاو سان!
هل انتهيت من عرضك ؟"، وتعانق الاثنان على الفور
ضحك مو جيشينغ وهو يربت على كتفه : " أحسنت يا فتى!
من يراك اليوم يرى شخصاً مختلفاً تماماً، مرت سنوات
لتصبح نجماً مشهوراً !"
: " مجرد تسلية ، والجمهور يحب تشجيعي، لستُ بمستوى
المحترفين الدارسين ..." رد وو زيشيو بفرحة غامرة، وتابع
متسائلاً: " متى عدت ؟ سمعت من لاو إير أنك تأخرت في
حجز تذكرة السفينة ، ألم يكن من المفترض أن تعود بعد بضعة أيام ؟"
غمز له مو جيشينغ: " خدعته ، فلو علم أنني سأعود اليوم لذهب ليحاصرني في المرفأ
ألم أسرع للعودة لأسمع غناء السيد وو؟"
: " كفاك سخرية مني بمجرد عودتك ..." دفعه وو زيشيو
بخفة ثم جذبه إليه ثانيةً : " الوقت لن يسعفنا لإعداد مأدبة
غداء لاستقبالك ، لكن في المساء سنقيم لك عدة طاولات ليجتمع الإخوة جميعاً
انتظرني حتى أنهي العرض التالي ، ثم نذهب لنأكل عند لاو إير"
صفق مو جيشينغ بيده : " رائع ! في الخارج كنت آكل
الوجبات الباردة يومياً ، وكنت أتطلع للعودة لأجعل لاو إير
يفلس من كثرة ما سآكل ."
تنهد وو زيشيو ضاحكاً : " أنت لا تتغير .
لاو إير سيفرح لدرجة لا تُوصف ، حتى لو طلبت منه مأدبة
الملوك 'مان هان تشي شي'، فسيسعد بالطبخ لك بنفسه."
ثم تفحصه بدقة من أعلى لأسفل وأضاف: " ملابسك هذه
تبدو عصرية جداً، هل هي بضاعة غربية ؟"
لوح مو جيشينغ بيده : " لا تذكر ذلك ، هل لديك أردية إضافية ؟ أعرني طقماً أولاً — العمة تشاو صرخت في وجهي
بمجرد رؤيتي ونعتتني بالأجنبي المزيف ."
نظر إليه وو زيشيو ضاحكاً: " تبدو متصنعاً بعض الشيء فعلاً ،،
لكنك زدت طولاً يا لاو سي لا أدري إن كانت ملابسي ستناسبك ."
صاحت العمة تشاو: " إن لم تناسبه سنعدلها فوراً !
أحضروا الرداء الفضي الطويل الجديد !"
ثم ابتسمت للاثنين قائلة : " وصل هذا الرداء قبل أيام فقط،
كان من المفترض أن يرتديه شياو وو في عرض 'الضحكات الثلاث' الأسبوع المقبل ، إنه تصميم رائع يتناسب مع آلة
السانشيان، يبدو أنك محظوظ يا فتى."
" العمة تشاو تدللني دائماً ..." تذكر مو جيشينغ أمراً وسأل
وو زيشيو: " ماذا ستغني في العرض التالي ؟"
أجاب وو زيشيو: " سأستمر في 'ممر وينتشاو'
لماذا ؟ هل هناك قصة معينة تود سماعها ؟"
قال مو جيشينغ على الفور: " حين ودعتني قبل سنوات ، غنيت لي مقطوعة 'وداع الجناح الطويل' عند المرفأ
والآن بما أن الصديق القديم عاد من الغرب ، فلنقدم عرض 'الذهول بالجمال'."
وافق وو زيشيو دون تردد : " لك ذلك ، أتذكر أنك كنت تهوى 'قصة الغرفة الغربية' منذ صغرك .
وبما أن ملابسك غريبة بالفعل ، اصعد معي إلى المنصة ."
رفض مو جيشينغ: " كلا ، هذا لن يحدث ، لا أحفظ نصوص البينغتان جيداً،
لا أعرف سوى بضع جمل من أوبرا كونتشو
و الجمهور جاء لسماع الحكايات ، لا يمكننا تغيير البرنامج هكذا ، قد يطالبون باسترداد أموالهم ."
قالت العمة تشاو بابتسامة : " لا بأس — أنا صاحبة المكان وأعطيك الإذن ، غنِّ كما تشاء ."
" يا عمتي العزيزة ..." لوح مو جيشينغ بيديه مراراً :
" لقد قضيت سنوات في الخارج ، ونسيت المقامات والألحان تماماً ."
وو زيشيو: " لا تحاول خداعي ، لقد كنت تطلب من لاو إير أن يرسل لك الأسطوانات الغنائية ،،
لا تظن أنني لا أعرف ؛ كنت تأتي مع لاو إير إلى حانة ممر نصف القمر كل ثلاثة أيام ، وحين يرتفع مزاجك كنت تصعد
لتأخذ مكان المغنيات— ويُقال إنك عزفت السانشيان لـ لينغشوزي ذات مرة ؟"
( لينغشوزي هو الطبيب تشاي شوشين )
علق مو جيشينغ بيأس: " انتهى الأمر ،
لا بد أن لاو إير هو من وشى بي "
بدأ وو زيشيو يدندن بلحن خفيف بابتسامة: " في هذه الليلة
الجميلة والمناسبة السعيدة ، إذا خرجت عن اللحن سأساندك — تفضل يا سيدي—"
كان مو جيشينغ يُلقب في شبابه بـ "الفاسد المدلل"؛
لم يتعلم الكثير من الفنون الرفيعة في أكاديمية الجنكة ،
لكنه أتقن المقامات والألحان من كثرة ارتياده لأماكن اللهو .
كان المعلم يحب أوبرا كونتشو، ويطلبه في الأعياد ليؤدي بعض المقاطع ،
خاصةً من ' قصة الغرفة الغربية '
وكان يصف أداءه بـ " الديون العاطفية المليئة بالشغف"
ارتدى مو جيشينغ الرداء الطويل ،
وتقاسما الأدوار ؛ وو زيشيو في دور ' تشانغ شنغ '
ومو جيشينغ في دور ' هونغ نيانغ '
واستدعيا موظفة لتؤدي دور 'ينغ ينغ '
( تعتبر المسرحية زي الرواية الكامله — مقسمة اجزاء
مالقيت الجزء الي بالضبط يغنونه بس زي كذا العرض : )
قالت الموظفة بابتسامة عذبة : " أنا محظوظة اليوم لأنني سأقابل سيدين وسيمين ."
بدأت الأوتار تعزف على المنصة ،
حيث التقت ينغ ينغ وتشانغ شنغ في قاعة المعبد ،
ومن نظرة عين واحدة انساب العشق
صرخ تشانغ شنغ : " يا إلهي، مَن كان يظن أنني سأقابل جنيّة
في هذا المعبد— إنها المواجهة المقدرة منذ ديون الهوى قبل خمسمائة عام !"
فتح هونغ نيانغ فمه بصوت مفعم بالحيوية: " يا للسماء !
السماء لا تيسر للناس مرادهم ، وتتركني أعاني وجداً لا ينطفئ ، فكيف السبيل للبقاء ؟
آه يا آنستي، لقد أثرتِ في قلبه اضطراباً لا يهدأ ،
فتاه لُبّه بين يديكِ !"
"لقد جعلتِ العين تحار واللسان يعجز، والروح تحلق في أعالي السماء."
أدار "تشانغ شنغ" مروحته الورقية قائلاً: "وا حسرتاه.. لقد قتلتِني—"
لم تكن مقطوعة الذهول بالجمال طويلة ،
لكن الحماس جرفهما فاستمرا في الغناء حتى الظهر
تفرق الجمهور ولم يبقَ في القاعة سوى شخص واحد،
قال بنبرة هادئة: "بمجرد عودتك تسرع للصعود إلى المنصة والتمثيل، أي خُلق هذا ؟"
مو جيشينغ قد بدأ لتوه برفع الستار ، فتوقف فجأة عند سماع الصوت ، والتفت ليرى المتحدث ، وفي اللحظة
التالية قفز من فوق المنصة نحو الأسفل صارخاً :
" لاو إير! متى أتيت ؟"
: " أتيتُ منذ مدة طويلة ، رأيتك غارقاً في دورك لدرجة أنك لم تعرفني طوال الوقت ."
: " هذا لأنك زدت جمالاً، ظننتُ أن ملاكاً من السماء هو من يجلس في الأسفل !"
: " كفاك تملقاً ..." سونغ وينتونغ يرتدي رداءً طويلاً باللون
الأحمر القاني، وقد أصبح شاباً ممشوق القوام وطويلاً
ربت على رأس مو بيده قائلاً: " مثبت شعر جيد ، هل هو بضاعة غربية ؟"
: " كفاك سخرية، لقد نلتُ نصيبي منها طوال الصباح ."
ربت مو جيشينغ على شعره وتابع: " أتيتَ في الوقت المناسب ، كنتُ على وشك الذهاب إليك—
ماذا سنأكل في الغداء ؟"
نهض سونغ وينتونغ وهو يعدل رداءه: " لننتظر خروج لاو سان ،
سآخذكم لتناول الطعام في مطعمي."
سونغ وينتونغ قد ذكر في رسائله أنه افتتح مطعماً لـ هوتبوت الحار وأطلق عليه اسم [يي شوي تشو هوا]
كان بارعاً في فن الطبخ ويحب الطعام الحار ،
وكانت نكهة المرق التي يبتكرها لا تُعلى عليها،
لدرجة أن الحصول على طاولة في مطعمه أصبح أمراً صعباً
بعد وقت قصير من الافتتاح
شم مو جيشينغ الرائحة القوية من بعيد وقال :
" أتذكر أنك كنت تحب إعداد الهوتبوت الحار في كل انقلاب شتوي ؛
تقلّب الفلفل الأحمر والثوم والزنجبيل مع دهن البقر ،
فتفوح رائحة تجعل الرهبان الصغار في معبد بايشوي
يستيقظون في منتصف الليل ليدقوا الأجراس من شدة الجوع ."
: " لاو وو لا يأكل الطعام الحار ، لذا قللت من صنعه بعد وصوله …." اصطحب سونغ وينتونغ الجميع إلى الداخل
نحو الطابق الثاني في غرفة خاصة : " اطلبوا ما تشتهون."
ضحك وو زيشيو قائلاً: " وااو واو ! صاحب المطعم كريم جداً اليوم ."
ألقى سونغ وينتونغ نظرة عليه : " تتحدث وكأنني احتلت على أموالك ، ولا أعلم مَن الذي يأتي كل بضعة أيام ليأكل بالمجان
استضافة شخص حي مثلك لا بأس بها ، لكنك تحضر معك حتى أرواح فنغدو إلى مطعمي ."
رمى مو جيشينغ قائمة الطعام وشمر عن ساعديه قائلاً:
" إذاً لن أكون رسمياً — أحضر لي قائمة الطعام كاملة ، بالترتيب ، ولا ينقص صنف واحد !"
يتبع
زاوية الكاتبة :
1. [ لقد كان أفضل الأزمان ، وكان أسوأ الأزمان ] — تشارلز ديكنز، قصة مدينتين .
2. [ تمضي أمور الدنيا كما يجري الماء ،
ويُحسب العمر كأنه حلم عابر ] — لي يو .
تعليقات: (0) إضافة تعليق