Ch23 GM
بزغ الفجر ، وضرب الرهبان جرس الصباح ،
فتردد رنينه العميق والطويل في أرجاء المدينة ——-
في أكاديمية الجنكة ، توجد بركة مياه مزروعة بزنابق الماء ،
وفوقها جسر طويل بني من خشب الأبنوس يؤدي إلى جناح مائي في نهايته
حين كان المعلم على قيد الحياة ، كان يحب الاستجمام هنا،
حيث تحرك النسمات الستائر، فتملأ المكان برودة هادئة
الجناح المائي ( مهم وسيُذكر كثيراً \ مالقيت جناح بستائر للأسف هذي صورة تقريبية فقط )
وقف وو زيشيو على الممر الطويل ينظر إلى الجناح المائي البعيد : " أتذكر أن المعلم حين كان حياً، أطلق على هذا
الجناح اسم 'فان تشيو شنغ' (صدى الخريف العائم)
حين كنت صغيراً لم أفهم ، فهذا المكان مخصص بوضوح
في الصيف ، فلماذا سُمي باسم الخريف ؟
لاحقاً عندما كبرت قليلاً ، ظننت أن المعلم قد عاش تقلبات الدنيا كلها ، لذا كانت عيناه لا ترى إلا برودة الخريف "
ثم ابتسم برقة متابعاً : " كنت في صغري أخمن ذلك للتسلية ، ولم أسأل المعلم لأستوضح منه ،
والآن أصبح الأمر لغزاً لا حل له
أرجو ألا تسخر مني أيها الموقر ."
كان يقف بجانب وو زيشيو راهب ، وهو رئيس معبد بايشوي
ردد العجوز عبارة بوذية بصوت خافت وقال :
" أميتابها .. يبدو أن هذا الـ ووتشانغزي لا يعلم الحقيقة ."
: " أوه؟ تفضل بإرشادي أيها الموقر ."
بدأ رئيس المعبد يحكي ببطء : " حين بُنيت أكاديمية الجنكة لأول مرة ، كنت لا أزال شاباً
و في ذلك الوقت كان الموزي من الجيل قبل الماضي لا يزال حياً ،
وقد أشرف بنفسه على بناء الأكاديمية بالكامل
وعندما أوشكت على الانتهاء ، وصلت عدة عربات محملة بأخشاب متفحمة إلى معبد الجنكة
طلب موزي من الرهبان المساعدة في بناء هذا الجناح
المائي وسط البركة بتلك الأخشاب
كنت واحداً منهم ، وسمعت موزي حينها يقول إن هذا
الجناح بُني في مكان آخر ، واسمه الأصلي هو فان تشيو شنغ."
: " هكذا إذاً ..." أدرك وو زيشيو الأمر وتابع: " لقد ذكرت
أيها الموقر أنها كانت أخشاباً متفحمة ،
هل يعني ذلك أن الجناح قد تعرّض للحرق سابقاً ؟"
رد رئيس المعبد : " لا أعلم يقيناً ، لكنها كانت سوداء متفحمة حين وصلت .
وبفضل مهارات موزي الإعجازية ، استطاع ترميمها وإعادتها لما هي عليه .
بعد سنوات طويلة من الرياح والأمطار ، لم يعد من السهل
رؤية ملامحها الأصلية المتفحمة ."
فكر وو زيشيو لحظة ، ثم انحنى باحترام للراهب :
" شكراً لك أيها الموقر على توضيح هذا اللبس ."
وضع رئيس المعبد كفاً على كف وقال: " الإنسان في حياته
غالباً يقابل العقبات الذهنية ، فلا تتردد في الكلام —
مرت عشرات السنين ، والمرة الأخيرة التي اجتمع فيها زعماء العائلات السبع في الأكاديمية كانت منذ زمن بعيد."
نظر وو زيشيو إلى الجناح المائي بابتسامة مريرة:
" صحيح ، في المرة السابقة عند وفاة المعلم ، تعذر حضور تشانغشنغزي من بنغلاي وبالحساب الدقيق ،
منذ أن توليت منصب ووتشانغزي — لم أرَى اجتماع الزعماء السبعة مكتملاً أبداً ."
واليوم شينغشيوزي ( لاو وو ) لم يحضر ،
و لاو سي أيضاً قد لا يأتي."
وو زيشيو يرتدي اليوم زي تقليدي ؛ رداء أبيض وجوارب بيضاء ،
بأكمام واسعة وفضفاضة ، وهو الزي التقليدي لهذه الاجتماعات
أما الجناح المائي في البعيد ، فقد توسع أضعاف حجمه المعتاد ؛
حيث فُتحت تروس آلية في الأرضية لتمتد نحو الخارج ،
حتى احتلت نصف البركة تقريباً
وُضعت على الأرضية الخشبية سبع ستائر من الورق الأبيض
صُفت على شكل دائرة ، وأمام كل ستارة طاولة بخور ومبخرة نحاسية
ثلاث مباخر نحاسية قد أشعلت بالفعل بخور الإشارة ، ليتصاعد منها دخان خفيف
يجلس أمام كل ستارة شخص يرتدي الرداء الأبيض نفسه ،
تماماً مثل وو زيشيو
وخلف الستائر ، وقف الكثير من الأتباع في صفوف ،
مطرزة على ياقاتهم شعارات عائلاتهم
تشانغشنغزي من بنغلاي ، هوا بوتشنغ
كبير عائلة تشو ، تشو بايجي
لينغشوزي من طائفة ياو ، تشاي شوشين
راقب وو زيشيو الموقف للحظة ، ثم هز رأسه ودخل الجناح المائي
نهض الثلاثة الآخرون لتبادل التحايا ، وبعد الاطمئنان على
أحوال بعضهم البعض، جلس وو زيشيو أمام ستارته ،
وأخرج عود بخور الإشارة من كمه ، وأشعله ثم وضعه في المبخرة
انتشر الدخان ، وبعد لحظات ، ظهر من خلف ستارة عائلة
وو شخصان ؛ قاضٍ يرتدي الرداء الأخضر يحمل لوحاً عاجياً ،
وفتاة صغيرة بشعر مصفف على شكل عقدتين وتضع قناعاً
أبيض لوجه بشري ، وهي تايسوي عائلة وو — ووني
حين رأى تشو بايجي ذلك ، مسح على لحيته البيضاء وقال:
" اليوم هو يوم اجتماع العائلات السبع ، فلماذا يظهر قاضٍ
من فنغدو هنا؟"
قبل أن يفتح وو زيشيو فمه ، ردت ووني وهي تتثاءب
بوقاحة : " أوه يا الأخ العجوز ، لم تمت بعد ؟"
يُعد تشو بايجي واحداً من أقدم العجائز في سلالة
طائر العنقاء ويمتلك قرابة ألف عام من القوة السحرية
أما ووني فهي أيضاً تايسوي، استقرت في فنغدو قبل أكثر من تسعمئة عام
كلاهما يُعتبران من الأكبر سناً بين العائلات السبع
تشو بايجي نحيف ومشرق الوجه، وعلى جبهته وشم أحمر
نظر ببرود إلى ووني المتكئة على الستارة وقال بهدوء :
" يبدو أن جسد الأخت الكبرى بصحة جيدة ."
: " أبداً ، لا يمكن مقارنتي بقوامك الشامخ كشجر الصنوبر
وعظامك القوية كالكركي.
لو خرجت للناس الآن ، لظنوا أنني حفيدتك ."
: " لا أجرؤ على التطاول على مكانة الأخت الكبرى."
راقب وو زيشيو حوارهما وتنفّس الصعداء سراً —- ووني لا
تحضر اجتماعات العائلات السبع عادةً ؛ فهي تجدها مزعجة ومملة
لكن شينغشيوزي ( لاو وو ) لا يزال صغير ، لذا تشو بايجي حضر نيابةً عنه في المرات الأخيرة
تشو بايجي صاحب مكانة رفيعة ونادراً يبتسم ، وحتى
معلم الأكاديمية كان يعامله باحترام
وبما أن مو جيشينغ لا يعرف للوقار حدوداً ،
خشي وو زيشيو أن يتصادم معه ، لذا دعا ووني خصيصاً؛
فاختيار أهون الشرين يضمن ألا يغضب تشو بايجي من الصغار بوجودها
كان الحوار بين ووني و تشو بايجي دائماً مادة للضحك في
العائلات السبع ؛ فكلاهما طاعن في السن لدرجة لا يمكن حساب عمرهما بدقة
أصر تشو بايجي على أن ووني أكبر منه سناً، رافضاً أن يخطئ
في مخاطبتها باللقب الصحيح (الأخت الكبرى)،
بينما لم تكن ووني تطيق ذلك؛ فأن يناديها رجل عجوز بـ 'أختي' يجعلها تشعر وكأنها عجوز شمطاء.
لم يتنازل أي منهما ، فصار كلاهما ينادي الآخر ' الأخ' و'أختي'
رغم أنهما يبدوان كجد وحفيدته ، وهو مشهد مثير للضحك حقاً
لكن من بين العائلات السبع كلها، ووني وحدها هي من
تجرؤ على صد الناس بهذا الأسلوب
تضع قناع ورقي أبيض يغير تعبيراته كل لحظة ؛
فمرة يبتسم و مرة يبكي ، و مرة يتحول لوجه شيطان مضحك ،
وهي تبرز أسنانها وتمد لسانها لتشو بايجي في صخب غريب
كُسر الهدوء في الجناح المائي قليلاً ، وهدأ التوتر
تلفت وو زيشيو حوله ، فالتقت عيناه بعيني تشاي شوشين
الذي حوّل نظره مشيراً إلى بخور الإشارة أمامه
المبخرة وبخور الإشارة لهما نظام خاص ؛
فكلما وصلت عائلة ، فُتحت مبخرتها وأُشعل البخور ،
ويستمر ذلك حتى ينتهي بخور العائلة الأخيرة
إذا انتهى البخور ولم يحضر أحد ، يُعتبر غائباً
كان وو زيشيو قد تماطل طويلاً خارج الجناح ، ورأى أن بخور تشاي شوشين كاد ينتهي ، فدخل ببطء
لكنه لم يستطع التأخير كثيراً ؛ فعود البخور الواحد لا يدوم أكثر من ساعة تقريباً
تنهد وو زيشيو وهز رأسه للآخر ؛ فهو لا يستطيع الجزم فعلاً
ما إذا كان مو جيشينغ سيوافق على المجيء أم لا
——————————-
في هذه الأثناء ،
كان مو جيشينغ في ضواحي المدينة يدرب الجنود
لقد أدخل أساليب تدريب من الكليات العسكرية الغربية ،
ورغم أنها متطورة ، إلا أنها جديدة ، وكان الضباط والجنود
بحاجة لوقت للتكيف معها
ورغم أن القائد مو أمره بحراسة المدينة ، إلا أنه ألقى على
عاتقه فعلياً إدارة شؤون المدينة كافة ؛
فكان يقضي يومه بين تدريب الجنود والتعامل مع أكوام من
الوثائق ، يعمل من الفجر حتى الليل
ولحسن الحظ لم تكن هذه الأمور غريبة عليه ،
وكان في المعسكر الكثير من الرفاق القدامى الذين يعرفهم،
لذا فرغم التعب ، أتقن المهمة بسرعة
انتهى مو جيشينغ للتو من مراقبة التدريب ، وأعطى تعليماته ، ثم ذهب للاستحمام
وما إن خرج حتى رأى سونغ وينتونغ واقفاً عند الباب، يحمل في يديه رداءً أبيض
: " ماذا تفعل؟" نظر مو جيشينغ إلى ما يحمله الآخر: "من
الذي مات؟ أتيت في الصباح الباكر لتنوح؟"
: " لنذهب إلى أكاديمية الحنكة ."
: " لنذهب بعد بضعة أيام ، أنا مشغول جداً هذه الأيام ،
وهناك كومة من الملفات بانتظاري...
صحيح يا لاو إير إن لم تكن مشغولاً ، ساعدني في تدريب الجنود ،
هناك بضعة مجندين جدد لا يطيعون الأوامر ،
اذهب واضربهم حتى الموت ."
ظل سونغ وينتونغ واقفاً مكانه دون حراك، يكتفي بالنظر إليه بصمت
لم يجد مو جيشينغ مهرباً من نظرته ، فعبث برأسه قائلاً: " حقاً ؟
لقد تقاتلنا قبل أيام ، وظهري لا يزال أزرق من الكدمات ،
أسنتقاتل مرة أخرى ؟"
فتح سونغ وينتونغ فمه أخيراً : " أعلم أننا تقاتلنا قبل أيام ... لقد فزت أنت ."
: " يا لاو إير لا تكن مهذباً هكذا ، لست معتاداً على ذلك..."
قاطعه سونغ وينتونغ: " لقد فزت ، لذا سأرافقك —- أنت تفهم جيداً ، فلا تدعي الغباء اللعنة عليك ."
بقيت الكلمات عالقة في حلق مو جيشينغ، وظل ينظر إليه بعناد
تلاقت الأعين
وفي النهاية —— مو جيشينغ هو من استسلم أولاً وتنهد :
" من يعرفني يقول إنني مهموم، ومن لا يعرفني يتساءل ماذا أريد …." ثم نظر إلى سونغ بابتسامة مريرة :
" لقد هزمتني ، أنت الوحيد يا لاو إير الذي يستطيع فعل
هذا بي رغم علمك بأنني لا أريد الذهاب ."
سونغ وينتونغ بهدوء : " الذهاب من عدمه شيء ،
وتولي منصب طائفة تيانشوان شيء آخر ...
بصفتي موزي ، مسؤوليتي هي إيصالك إلى هناك فقط
أما البقية، فإذا حاول أحد إجبارك على شيء ،
فعليه أولاً أن يواجه السيف الذي في يدي ."
: " حسناً ..." سحب مو جيشينغ الملابس من يد سونغ
وينتونغ وبعثرها بلامبالاة : " سنغير ملابسنا عند سفح الجبل .
ارتداء هذا الزي في المعسكر يجعلني هدفاً سهلاً كأنني
وضعت دوائر حمراء على صدري ."
———————
في الجناح المائي ،
كاد بخور وو زيشيو أن ينتهي ، فقال هوا بوتشنغ:
" لقد حان الوقت ."
هوا بوتشنغ هو تشانغشنغزي الحالي وزعيم بنغلاي
أهل الزراعة لا تشيخ وجوههم بسرعة ، لذا يرتدي رداءً أبيض وتاجاً قديماً ،
بمظهر شاب ونظرة خالية من الحزن أو الفرح ، كأنه كركي أبيض وسط الثلوج
عائلة بنغلاي يفتخرون بمكانتهم كطائفة سماوية ،
وهوا بوتشنغ هو الأكبر سناً بين الورثة الحاليين ،
ويكاد يسيطر بمفرده على الموقف
لكنه كان دائماً هادئاً و متواضع ، ونادراً يظهر في العالم لسنوات طويلة ،
حتى إنه لم يحضر لتقديم العزاء عند وفاة معلم الأكاديمية ،
هذه هي المرة الأولى التي يراه فيها وو زيشيو
ولم يستطع تخمين نواياه ، حتى ووني التزمت الصمت
وتحول قناعها لوجه أبيض ساكن
لكن تشاي شوشين هو من تحدث :
" بقيت سبع دقائق ونصف "
بدت ملامح تشو بايجي مستاءة : " المعلم توفي ولم يحضر العزاء ،
والعائلات السبع تجتمع وهو يتأخر...
هذا الـتيانسوانزي..."
قال هوا بوتشنغ بنبرة هادئة : "هو ليس زعيم تيانشوان بعد."
وعقّب تشاي شوشين: " البخور لم ينتهِ ، لذا لا يُعتبر متأخراً ."
: " كلام لينغشوزي صحيح ." دخلت قامة بخطوات واسعة
إلى الجناح المائي ؛ إنه سونغ وينتونغ ——
يرتدي الرداء الأبيض ، ولا يزال يحمل سيف شيهونغ على ظهره
غرس بخور الإشارة في المبخرة بقوة وقال : " عائلة مو وصلت ،
أرجو من الجميع الانتظار لنصف ساعة أخرى ."
اختلفت تعبيرات الورثة ، وترددت همسات خلف الستائر
سحب سونغ وينتونغ أكمامه وجلس أمام طاولته
عائلة مو تنتقل بالتوارث لشخص واحد في كل جيل ،
بلا أقارب أو أتباع ، لذا هو الوحيد الذي خلف ستارته فراغ تام
نظرت ووني إلى المشهد ، وتحول قناعها لوجه ضاحك بصوت عالٍ
دخل مو جيشينغ وسونغ وينتونغ أكاديمية الجنكة معاً، وهو الآن في قاعة البخور
لا يزال الوقت صيفاً، وأشجار الجنكة خارج النافذة لا تزال خضراء ،
وصوت حفيف الأوراق يصل عبر النافذة
يتسلل ضوء الشمس عبر الإطارات الخشبية ،
والغبار الخفيف يسبح في الهواء ، وظلال الأشجار مبعثرة
أشعل مو جيشينغ عود بخور باحترام وقال:
" معلمي ، عود بخور الإشارة هذا سأشعله هنا عندك ،
ولن آخذه معي إلى الجناح المائي .
حين كنا في الأكاديمية ، كان الجميع يظن أن أخي الأكبر
أكثر كفاءة مني بكثير
كنت أعلم أن بقائي في الأكاديمية لن يطول ، لذا اعتبرت
تلك السنوات مجرد وقت مستقطع للراحة ،
ولم أسعَ أبداً للتقدم
طيش الشباب يمضي بمضيه ، وفي المستقبل حين أسكر
تماماً ، سيكون ذلك حلماً جميلاً نادراً .
لم أتوقع حقاً أنك ستورثني منصب تيانشوان
أنت تعلم أن الجندي يصارع القدر بحياته ، والجند لا يؤمنون بالقدر أصلاً
تلك العملات التسع والأربعون المنقوشة بروح الجبل ،
تلميذك لا يجرؤ على استلامها لخجله منها .
في ذلك العام حين وصلتني رسالة لاو إير وعلمت بوفاتك ،
كنت أستيقظ من أحلامي في منتصف الليل وأتذكر كلماتك
حين قبلتني في مدرستك لأول مرة .
لا أطلب منك فهماً عميقاً للعدالة ، بل أتمنى أن يكون ضميرك مرتاحاً .
الآن العالم مضطرب ، وأنا أزن خطواتي واحدة تلو الأخرى،
وأعترف بعجزي عن الحكم على الخطأ والصواب .
آلاف الكلمات ، تختصرها صرخة واحدة من أجل الوطن ."
——————
بعد فترة وجيزة ،
سُمع صوت غناء مرتفع وقوي من خارج الجناح المائي :
" يا صاحب الياقة الخضراء ، قلبي بك معلق ويهفو إليك ."
وصل شاب بخطوات رشيقة ، يلف نفسه برداء أبيض ذي أكمام واسعة تطير مع الرياح
بدا كمتنزه عاد لتوه من نزهة ربيعية ، اغتسل بالماء وراقص الرياح وغنى في طريق عودته
ساد الصمت فجأة ، وتركزت أنظار الجميع في نقطة واحدة
دخل الشاب الجناح المائي ببطء ،
ووقف أمام ستارة تيانسوانزي — وانحنى سجوداً ، ثم التفت
نحو الجميع ملوحاً بيده كتحية ، وابتسم بهدوء
تبادل الجميع التحايا ، وبدأ تشو بايجي الكلام :
" لماذا لا يجلس السيد مو في مكانه ؟"
: " هذا مكان المعلم الرفيع ، والتلميذ لا يجرؤ على الجلوس فيه ." سونغ وينتونغ قد أخبره من هم الحاضرين
في الجناح مسبقاً ، لذا أدى مو جيشينغ تحية المتأخر
وتابع : " أرجو من الشيخ تشو المعذرة ."
لم يراوغ تشو بايجي ودخل في صلب الموضوع
: " إذاً منصب تيانسوانزي ألا تريد استلامه؟"
: " الأمر ليس أنني لا أريد ، بل الحقيقة هي أنني لا أستطيع."
تحدث هوا بوتشنغ: " أنت الوريث الذي حدده معلم الأكاديمية قبل وفاته
التلميذ الذي اختاره لا يمكن أن يكون 'غير قادر '"
ضحك تشو بايجي بسخرية : " أخشى أنه 'لا يرغب' فقط."
وجّه مو جيشينغ حديثه لهوا بوتشنغ: " يا تشانغشنغزي أخي الأكبر لين يقيم في بنغلاي
قدراته تفوق قدراتي بأضعاف ، وهو حقاً الخيار الأنسب لهذا المنصب ."
رد هوا بوتشنغ بهدوء : " لين جويشنغ أصبح الآن من أتباع بنغلاي ،،
لقد جئت هذه المرة ، وطلب مني أن أنقل لك رسالة — ' أطع أمر المعلم ' ."
تدخل سونغ وينتونغ فجأة: " بما أنه أصبح من أتباعك
فأي أمر معلم يطيع ؟
أمر المعلم ، أم أمرك أنت ؟"
هوا بوتشنغ: " لا فرق بينهما —-
في ذلك العام ، جاءوا بنعلاي لطلب شخص من أكاديمية الجنكة ، وتم الاتفاق على مدة عشر سنوات لا يخرج فيها من الجبل
وتيانسوانزي الذي يحسب كل شيء بدقة ، يستحيل ألا يكون قد توقع هذا الأمر ."
عبس سونغ وينتونغ بحاجبيه : " ماذا تقصد؟"
: " لقد درست يا موزي في بنغلاي أيضاً ،
وأنت ذكي بما يكفي لتفهم ..." نظر هوا بوتشنغ إلى سونغ وينتونغ ثم جالت نظرته على الجميع في الجناح :
" في العام الذي وُقع فيه الاتفاق بين بنغلاي وأكاديمية الجنكة ، كان معلم الأكاديمية قد حدد بالفعل هوية تيانسوانزي القادم ."
—- لكنه لم يقل ذلك صراحةً فقط
كان لدى مو جيشينغ شكوك في هذا الجانب ، لكنه لم يرغب في التفكير كثيراً
والآن حين طُرح الأمر فجأة ، أصيب بالذهول للحظة
كان يتذكر بوضوح ذلك اليوم الذي قرأ فيه الطالع أمام معبد يويلاو —- وكان يوماً مباركاً للسفر
لكن في ذلك اليوم نفسه ، غادر لين جويشنغ، وجاء شينغشيوزي إلى أكاديمية الجنكة ،
ونزل الجميع من الجبل باستثناء المعلم
ما حدث في الأكاديمية ذلك اليوم، لم يسمعوا عنه إلا لاحقاً من المعلم
{ ماذا حدث حقاً في ذلك اليوم ؟ ( ch11 / 12 )
كل تلك الأحداث وقعت في يوم واحد ،
وأنا لم ألاحظ ذلك أبداً
هل فعل المعلم ذلك عمداً ؟
وإذا كان الأمر كذلك ، فما هي اللعبة التي كان يدبرها ؟}
استعاد مو جيشينغ وعيه بسرعة ؛
( ليس هذا وقت التفكير في تلك الأمور ،
المهم الآن هو الهرب من منصب طائفة تيانشوان }
شد ظهره وقال بقوة : " لا بد أنكم جميعاً تعلمون أنني من عائلة مو
وعائلتنا توارثت الخدمة العسكرية لأجيال ."
تشو بايجي: " ليس كذلك —-
لقد اطلعت على شجرة عائلتك ، وقبل تسعة عشر جيلاً ،
كانوا عائلة مو يعملون في التدريس."
صمت الجميع ،
مو جيشينغ: ".………"
تدخلت ووني : " يا أخي العجوز في ذلك الوقت كنت أنت لا تزال صوصاً صغيراً ، أليس كذلك ؟
أمر حدث قبل مئات السنين ، لِمَ التدقيق ؟"
ابتسم مو جيشينغ { العجوز تشو يعلم الكثير ، ولا بد أنه يدرك وضعي الحالي }
: " لقد عدت من الخارج هذه المرة لألقي بنفسي في ساحة المعركة ،
إذا ورثت منصب العائلات السبع بتهور ، فالحرب لا ترحم ،
وإذا قُتلت ، فأخشى أن يتسبب ذلك في مشكلة أكبر لكم ."
تشو بايجي: " هذان الأمران لا يتعارضان ،،
لم يكن نادراً أن ينخرط أسلاف 'تيانسوانزي' في الجيش ،
وأنت تلميذ في هذه الطائفة ، ويجب أن تدرك ذلك ."
أومأ مو جيشينغ برأسه : " أفهم ذلك تماماً ..."، ثم غير
نبرته : " الجيل السابع من تيانسوانزي كان من عائلة نبيلة ،
وخرج مع الجيش في حملة هزم فيها العدو ،
وظل يحرس الحدود البعيدة منذ ذلك الحين .
و الجيل السابع عشر كان من أسرة فقيرة ، انضم للجيش في شبابه وأصبح وزيراً و جنرال .
الجيل الثالث والعشرون دخل المعسكر كمستشار ،
ثم خان الدولة وانضم لجيش آخر وقتل معلمه بيديه .
الجيل السادس والعشرون كان يعلم أن الدولة ستنهار ولم يتخلَّ عن الإمبراطور ، فقُتل تحت خيل المتمردين..."
تحدث مو جيشينغ بلا توقف ،
فأسلاف طائفة تيانشوان الممتدون لمئة جيل والذين انضموا للجيش ،
سردهم واحداً تلو الآخر ، فساد الصمت المكان، ولم يُسمع إلا صوته القوي
أخيراً تنهد وقال ببطء : " ومع ذلك ، إذا عددنا الأسلاف السابقين ،
سواء تقدموا أو تراجعوا ، هاجموا أو دافعوا ،
أخلصوا أو خانوا ، فإن دافعهم لم يتجاوز كلمة —
' القدر'
كل تلك القرارات كانت تُتخذ بناءً على ما تظهره عملات روح الجبل ."
تشو بايجي: " تيانسوانزي يحسب القدر — أين المشكلة في ذلك ؟"
هوا بوتشنغ: " العائلات السبع امتدت لآلاف السنين، وتتخذ من القدر مرشداً ،
وتتخذ القرارات في اللحظات الحاسمة لتقود البشرية ،،
هذا هو جوهر العائلات السبع ، وتوقعات تيانسوانزي لا يجرؤ أحد من العائلات السبع على مخالفتها ."
ابتسم مو جيشينغ: " أنت على حق —-
هذا هو جوهر العائلات السبع ، لكنه ليس جوهر الجندي .
تيانسوانزي يحسب القدر ويسير معه ،
أما الجندي فلا يؤمن بالقدر ، ولا يستسلم له "
تغيرت ملامح تشو بايجي بغضب : " أيها الوغد !
كفّ عن الهراء !! ."
رد الطبيب تشاي شوشين بهدوء :
" مو جيشينغ من عائلة مو —- إنه يقول الحقيقة "
مو جيشينغ: " ما أقوله صادر من أعماق قلبي —-
إذا حسبت القدر يوماً ما وأمرني بخيانة رجالي والهروب ،
فلن أستطيع فعل ذلك أبداً !
حياة عشرات الآلاف من الناس لا يمكن أن تقررها تسع وأربعون عملة "
لوح هوا بوتشنغ 'بالمنشة' (التي يحملها الرهبان) وقال بهدوء: "إذا لم يحن وقت السماء ،
فلا ضوء للشمس ولا القمر ؛
إذا لم يحن وقت الأرض ، جفت أشجارها ؛
إذا لم يحن وقت الماء ، هاجت أمواجه ؛
إذا لم يحن وقت الإنسان ، فلا نجاح ولا توفيق .
إنه الوقت ، والقدر ، والحظ — أنت لا تزال شاباً جداً ."
رفع مو جيشينغ صوته: " أرجو ألا يسخر مني تشانغشنغزي
تلميذك هذا شاب وطائش ، لذا يجرؤ على المغامرة ."
و تحت أشعة الشمس ، نفض الشاب أكمامه ،
وخلع الرداء الأبيض ليلقيه بعيداً ، كاشفاً عن بدلته العسكرية
في هذه اللحظة ساد صمت تام ،
ثم انفجر صخب هائل من خلف الستائر ———
لوح هوا بوتشنغ بمنشته، فانتشر صوته كتموجات الماء لمسافة بعيدة : " اصمتوا جميعاً …."
ثم نظر إلى مو وقال: " مناصب الزعماء لا يمكن فرضها أبداً ،
وإذا أصررت على موقفك ، فلا يمكننا إجبارك ."
كاد مو جيشينغ أن يتنفس الصعداء ، لكنه سمع الآخر يكمل :
" أمثالك لم يخلُ منهم تاريخ طائفة تيانشوان
لكن منصب تيانسوانزي لم يظل فارغ أبداً —
ليس لعدم وجود خيار آخر ، بل لأن أولئك الأشخاص عادوا في النهاية إلى مسار قدرهم .
كل شيء قدر ، ولا يملك المرء من أمره شيئاً " نهض هوا بوتشنغ ليقف في مستوى نظر مو وتابع:
" أحياناً ثمن الطيش لا يكون مجرد دموع ودماء بسيطة
إذا أردت مصارعة القدر ، فعليك أن تستعد ."
ابتسم مو جيشينغ — ولم يتراجع خطوة واحدة ،
وحياهم قائلاً : " تلميذكم يفهم "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق