Ch29 GM
غرف الراهب ذو الرداء الأبيض دلو ماء من البئر ،
ثم صعد الدرج الجبلي الطويل بخطوات رتيبة
في نهاية الدرج يقع معبد بايشوي، حيث تنبعث أصداء أجراس الصلاة
يُعد معبد بايشوي ديراً عتيقاً ، تدوي أجراسه منذ مئات السنين دون انقطاع
ورغم حلول عصر الساعات ، إلا أن معظم سكان المدينة ما
زالوا يحافظون على عادة تنظيم حياتهم وفقاً لصوت
الأجراس ؛ فالفجر والغسق ، وفتح المتاجر وإغلاقها ،
وأدخنة المطابخ في البيوت ، وصيحات الباعة في الشوارع ،
كلها تتردد أصداؤها مع رنين الأجراس الطويل ….
جلس مو جيشينغ في الجناح المائي ، بينما غلف صوت
الأجراس أكاديمية الجنكة بالكامل
شرد ذهنه قليلاً ، وتذكر سنة وضع فيها حانة ممر نصف القنر قانون يمنع فتح الأبواب إلا بعد السادسة مساءً
لكنه ولاو إير لم يطيقا صبراً لسماع الألحان الجديدة،
فمازحا الراهب الصغير المكلف بقرع الأجراس وسبقا
الموعد بساعة كاملة ،
فما كان من المدينة إلا أن اضطربت ، وهرع الناس
يضبطون ساعاتهم في مشهد يعج بالحيوية
أحياناً يسهل كسر هدوء الحياة ؛
رآى ذلك في رقعة الشطرنج أمامه وهو يضع حجرًا
قد يكون الكاسر رنيناً لجرس ، أو طلقة رصاص
أقيمت مباراتان في الجناح المائي ؛ واجه مو جيشينغ بمفرده كلاً من هوابوتشنغ ( تشانغشنغزي) و تشو بايجي
اتسم اللعب بالسرعة ، ولم يمضِ نصف ساعة حتى بانت ملامح النصر والهزيمة ؛
فاز مو جيشينغ في جولة وخسر في أخرى ، ليتعادلا
انتشرت أخبار تصرفاته في منزل عائلة تشاي بين المدارس السبعة ،
وعلم الجميع أن تيانسوانزي الحالي يرفض قراءة الطالع
وبعد أيام ، تلقى رسائل من بنغلاي وعائلة تشو ، تحدد زماناً ومكاناً ، وتطلب جولة شطرنج
أدرك مو جيشينغ أن هذا اختبار وتنبيه ؛
فـ هوا بوتشنغ و تشو بايجي ليسا بالشخصين الهينين ،
ولاو وو لا يزال صغير
لم يفكر منذ البداية في مواجهة بنغلاي وعائلة تشو
بل تمنى وقوفهما على الحياد ، فالحرب على الأبواب ولا يريد مزيداً من التعقيدات
بذل قصارى جهده في المباراتين ، وبالكاد انتزع فوزاً واحداً؛
حيث اشتبكت أحجار الصندوق الأسود طويلاً قبل أن تظفر بمخرج للحياة
قال هوا بوتشنغ ببرود : " مقبول ،
مهارتك لا تقل عن سيد أكاديمية الجنكة ،
بنغلاي تعترف بك تيانسوانزي — لكن دون عرافة ، لن نشارك في الحرب ."
مسح تشو بايجي لحيته الطويلة : " وعائلة تشو كذلك ."
: " توقعت هذا ،" أومأ مو جيشينغ برأسه: " ما أفعله يعد تمرداً ،
وتسامح تشانغشنغزي والشيخ تشو معي وعدم منعي يعتبر كرماً ."
نظر هوا بوتشنغ إلى الرقعة : " أنت تيانسوانزي — لا داعي لمناداتنا ككبار سن،
حركاتك تنضح برغبة القتل ، حتى لو أردنا منعك — فلن نستطيع ."
مو : " مهارة تشانغشنغزي تفوقني."
نهض هوا بوتشنغ ونفض منفضة الغبار: " مجرد حظ
فأنا لا أفوز على معلمك في كل مرة ،
انتهت المهمة هنا ، وسأوصل رسالتك إلى لين جوانشينغ."
أضاف تشو بايجي: " شينغشيوزي ( لاو وو ) ينعم بالأمان في منزل عائلة تشو ، وربما يحضر اجتماع المدارس السبع القادم ."
مو جيشينغ : " رافقتكما السلامة ،" حرك يده مبعثراً أحجار
الشطرنج : "في انتظار المستقبل."
—————————-
و تحت سقف ممر نصف القمر ، انبعثت ألحان البيبا ——-
جلست العمة تشاو بجانب النافذة تضبط أوتار الآلة
ارتدت تشيباو أبيض سادة ، وتسرب ضوء الشمس عبر
النافذة المزخرفة ليرسم ظلالاً متفرقة على الحرير
كانت تجرب لحناً جديداً ؛ فمنذ انضمامها لـ ممر نصف القمر —— ينتظر سكان المدينة ألحانها الموسمية بلهفة،
ويمتلئ المكان بالضيوف فور صعودها المسرح
لكنها لا تزال تلتزم بعادتها القديمة ؛ فقبل الكشف الرسمي
عن أي لحن ، ترتدي رداءها الأبيض وتعزف وحدها عند النافذة
بعد انتهاء اللحن ، أزاحت العمة تشاو ستار اللؤلؤ وقالت :
" أتريان ذلك الفندق المقابل ؟
يعرف أهل المدينة عادتي في تجربة الألحان هنا ،
ففتح صاحبه غرفاً فاخرة مقابلة لنافذتي تماماً
في أوقات الذروة يكون ثمن مأدبة واحدة هناك يعادل ثمن منزل ريفي ..." وضعت البيبا ورتبت شعرها :
" لكن ذلك كان منذ سنوات ."
اليوم يفتقر الفندق المقابل للزبائن ويكاد يغلق أبوابه،
وليس هو فقط ؛ فالمدينة بأكملها غارقة في السكون، والمارة قليلون
قبل أيام أعلنوا قوات الدفاع تراجع الجبهة ، ولم تعد المدينة آمنة ، فشدّ الكثيرون رحالهم نحو بلاد غريبة
أخبار سقوط المدن تتوالى ، ولن يمضي سوى أيام قليلة
حتى تتحول هذه الأرض إلى ساحة معركة
جلس سونغ وينتونغ جانباً يمسح سيفه :
" لا داعي لبقائك هنا ،
لا يزال الوقت متاح للرحيل ."
ردت العمة تشاو بهدوء : " أجراس الصلاة في معبد بايشوي تدق بوتيرة متسارعة مؤخراً ،
الرهبان هناك لم يغادروا بعد ، فلماذا أرحل أنا؟"
قال سونغ وينتونغ بجدية : " أنتِ لستِ زاهدة في الدنيا يا عمة تشاو
لا تزال هناك ألحان كثيرة لم تعزفيها بعد ."
ابتسمت العمة تشاو: " وفقاً لكلامك ، بين الأوتار الأربعة آلاف الأنغام ، وأخشى أن عمراً واحداً لن يكفي لعزفها جميعاً ..."
انحنت تداعب الأوتار برفق: " لكن أحياناً ،
تعزف لحناً واحداً وتشعر أنه كافٍ
سنوات من تعلم الفن تُختصر في لحن واحد ، وهذا يكفي ."
لم ينطق سونغ وينتونغ، واكتفى بالنظر إلى هذه المرأة الفاتنة التي غزا الشيب شعرها و التجاعيد أطراف عينيها ؛
فكل ذكرى بالنسبة لها هي رحلة ذوبان
العمة تشاو : " أذكر شتاء منذ سنوات بعيدة ، كان يشبه هذا الشتاء لكنه أكثر صخباً ،
والفوانيس الحمراء تملأ المدينة
كان يوم إطلاق لحن جديد في ممر نصف القمر ، لكني انزلقت على الدرج المتجمد وأصيبت يدي ، وساد الذعر بين الجميع ،،
وبينما كنت أستعد للعزف رغم إصابتي ، أحضرت أعز صديقاتي شخصاً يستعير البيبا مني وقالت إنها تستطيع المحاولة ،،
ممر نصف القمر هو ساحة للموسيقى ،
والألحان هنا ليست للهو ،
فسألتها عن سنوات دراستها، فقالت إنها لم تدرس أبداً، وتعرف لحناً واحداً فقط
وجدت الأمر عبثياً ، فطلبت منها العزف أمامي فوراً
كنا عند هذه النافذة ،
عزفت هي اللحن ، ورقصت صديقتي -أجمل جميلات ممر نصف القمر - على أنغامها …." نقرت وتراً أحدث صوتاً رناناً :
" لعلك حزرت ، تلك كانت والدتك ."
فكر سونغ وينتونغ ثم قال: " لم أكن أعلم أن أمي تجيد العزف ."
: " هي لا تجيده حقاً ، تعرف لحناً واحداً فحسب .
قالت إنها تعلمته خلسة من صديق قديم ؛
كان سراً عائلياً لا يُفشى ، لكنه علمها إياه بعد أن خسر
أمامها في مسابقة شرب خمر ،" ضحكت العمة تشاو بخفة: " منذ تلك الليلة ، اعتبرتها توأم روحي ،،
و بعد وفاة الجميلة ، اختفت والدتك لفترة ، ثم عادت وهي تحملك .
لكنها لم تكن خبيرة في رعاية الأطفال ؛ فبدل أن تحمل بين ذراعيها ، علقتك على سيفها وحملتك ،
حينها رأيتك تتأرجح خلف ظهرها ظننتك مجرد حزمة ملابس ،،
عقدنا اتفاقاً آنذاك ؛ تعلمني ذلك اللحن ، وأتولى أنا وموظفاتي رعايتك
استغرق تعلمي خمس سنوات ، وفور إتقانه ، اختفت هي."
تمتم سونغ وينتونغ : " لقد هربت مع حبيبة قلبها "
تنهدت العمة تشاو : " عهدت والدتك إليّ برعايتك ،
لكنك كنت صاحب رأي مستقل ، فذهبت للدراسة عند سيد أكاديمية الجنكة ، وربما لا نراك لعام كامل ،
لا عجب أنك نشأت هكذا ؛
فتى نشأ بين مساحيق التجميل لكنه شرس كأنه هارب من مسلخ ،
لا أدري ماذا يعلمك سيد الأكاديمية ، أحياناً أشعر بالتقصير
تجاه والدتك ، لكني أراك تشبهها تماماً ."
: " أأشبه أمي حقاً ؟"
: " تشبهها في الشخصية ،" حدقت العمة تشاو في سونغ :
" لكن يا صغيري ، لا تظن عمتك تهذي ، فأنت وسيم كجميلة ممر نصف القمر ."
: " أوه، أهكذا الأمر،" لم يبدِ سونغ وينتونغ رد فعل كبيراً:
" لا عجب أني لم أعرف أبداً من هو والدي ."
ضربت العمة تشاو سونغ بخفة : " كفّ عن العبث ،
اذهب لغرفة الآلات واختر بيبا ."
: " ماذا ستعزفين؟"
: " لست أنا من سيعزف ، بل سأعلمك أنت ،" قالت العمة تشاو: " اختر ما يروق لك "
: " لكني لا أجيد العزف يا عمة ،
أخبرتيني في صغري إنني أخطئ في النغمة حتى وأنا أتبول "
صعقت العمة تشاو ثم نظرت إليه بنظرة حادة :
" لا يهمني ذلك ، هذا عهد بيني وبين والدتك ،
يجب أن أعلمك هذا اللحن ."
بدت الحيرة على وجه سونغ وينتونغ: "لماذا لم تعلميني إياه من قبل ؟
استغرق الأمر منك خمس سنوات ، فكم سأستغرق أنا؟"
العمة تشاو: " قالت والدتك إنني لست من عائلتها ،
وكان من المستحيل أن أتمكن من عزفه ، لكني خبيرة لذا تعلمته ،،
أما أنت ، فالأمر مفروغ منه . والدتك لم تكن تعزف ، ومع
ذلك أتقنت هذا اللحن تحديداً ."
فكر سونغ وينتونغ ملياً : " هل قالت أمي شيئاً آخر؟"
أجابت العمة تشاو: " قالت إنك ابنها ، و هذا هو الإرث ."
: " إذاً سأتعلمه حتماً،" أومأ سونغ وينتونغ برأسه: " ما اسم هذا اللحن؟"
احتضنت العمة تشاو البيبا، وضربت وسطه ضربة قوية أحدثت صوتاً كتمزق الحرير
" بلا رداء " ( بمعنى بلا حماية = الموت )
———————-
تصاعدت أدخنة البخور في دوائر ملتوية
جلس وو زيشيو في منتصف غرفة داخلية مستديرة ،
تحيط بها طاولات من الجهات الأربعة ، وعليها طبقات من الألواح الجنائزية
تجمع الدخان فوق الألواح وتجسد في أشكال بشرية
و من يقف أقرب إلى وو زيشيو كانوا عشرة عجائز يرتدون تيجاناً وأردية قديمة ، يطوفون فوق الغرفة
: " نرى أن الخيار الأمثل هو الانسحاب ."
: " تيانسوانزي تمرد أولاً ، وبما أنه لا توجد عرافة ، فلا
نتحمل مسؤولية الطاعة ."
: " يوجد اضطرابات من الجنود الأشباح في الخارج ، ولا ينبغي مغادرة فنغدو "
: " هذه المعركة خاسرة لا محالة ."
: " بصفتك ووتشانغزي، عليك أن تكون قدوة..."
جلس وو زيشيو شاداً كميه ، مطأطئاً رأسه ينظر إلى أعواد
البخور أمامه وكأنه غارق في التفكير
امتلأت الغرفة بالهمسات التي تحولت إلى ضجيج ثم صخب ،
حتى صاحت كل الأطياف بصوت واحد : " ليتخذ سيد العائلة قراره بسرعة."
صمت وو زيشيو لحظة ، ثم قال: " فيما يخص شؤون عالم البشر ، لن تشارك طائفة الين-يانغ."
تنفست الأطياف الصعداء ، وانحنى أحدهم قائلاً :
" إذاً فليعد ووتشانغزي إلى فنغدو ، فقد شهدت بوابة غرب
المدينة اضطراباً قبل أيام ، وهناك أمور كثيرة تنتظر قرارك."
تغيرت نبرة وو زيشيو: " لكن — لن أعود "
ذهل الطيف : " ماذا ؟"
وو زيشيو : " بصفتي سيد عائلة وو — أديت واجبي تجاه أحداث بوابة غرب المدينة ،
وباقي الأمور يمكن لكبار العائلة البت فيها ،
سأبقى هنا، وموعد عودتي غير محدد ."
: " أستساعد تيانسوانزي؟"
: " هذا غير مقبول."
. " بصفتك ووتشانغزي، هذا التصرف لا يليق ."
: " نرجو من سيد العائلة إعادة التفكير."
: " شؤون فنغدو عالقة ، نرجو العودة سريعاً ."
حين خفتت أصوات الاعتراض ، قال وو زيشيو بهدوء حازم : " من يساعده هو وو زيشيو — وليس ووتشانغزي
اتخذت قراري ، ولا داعي لاعتراض الكبار ."
انحنى وأطفأ بخور القرابين ، فبدأت الأطياف تتلاشى ،
وصاح أحدهم بإصرار : " سيد العائلة لا يزال شاباً
لا تخسر الكبير من أجل الصغير..."
قبل أن ينهي كلامه ، اندفع باب الغرفة بقوة ، وانهال دلو ماء ليخمد الرماد تماماً ، وتختفي الأطياف كلياً
قالت القادمة بضجر : " كفى ثرثرة ، أزعجتوني !
كل واحد منكم ليس بذلك العمر الكبير ، ومع ذلك كلامكم كثير ."
تبلل وو زيشيو تماماً ، وقال بيأس :
" فقط تايسوي ( ووني ) من تجرؤ على وصف عجائز العائلة بالشباب ."
القادمة هي ووني —فتحت الستائر المحيطة فأنارت القاعة ،
ونظرت حولها قائلة : " لم أزر منزل عائلة وو في عالم الأحياء منذ قرن تقريباً ،
لا تزال هذه القاعة جامدة ومملة ."
ابتسم وو زيشيو: " كبار العائلة متمسكون بالقديم ،
وأنا وحدي في المنزل لذا لا أهتم كثيراً ،
شكراً لـ تايسوي على مساعدتي ،
هذه أول مرة أقوم فيها بعمل متمرد كهذا ،
لست معتاداً بعد ."
لوحت ووني بيدها : " لا بأس ، المرة الأولى صعبة والثانية سهلة .
حين طلبت مني فتح التشكيل آنذاك ، توقعت وصولنا لهذا اليوم ،" قالت بجدية :
" لكن هذا ليس أمراً هيناً ،
هل فكرت كيف ستواجه الجنود الأشباح ؟"
هز وو زيشيو رأسه : " ليس بعد ،
جيش لاو سي يحمي ساحة المعركة خارج المدينة ،
أما مواجهة الجنود الأشباح داخل المدينة...
فلا أملك يقيناً تاماً .." نظر إلى ووني وأكمل :
" لكن بما أن تايسوي هنا ، فلا بد أن لديكِ حل ."
رفعت ووني حاجبها : " أحسنت يا فتى ،
بدأت تتعلم كيف تستغلني ."
: " لا أجرؤ —- هذا ما قاله لاو سي."
سخرت ووني : " علمت أنه هو — هذا الفتى يأكل كل شيء إلا الخسارة ،
لنذهب ."
: " إلى أين يا تايسوي ؟"
: " معي إلى فنغدو،
هناك أشياء يجب أن أعلمك إياها لا يمكن تطبيقها في عالم الأحياء ، وإلا سقطت المدينة قبل أن تبدأ المعركة ."
استغرب وو زيشيو: " قلتُ للتو إنني لن أعود لفنغدو —-
فنغدو مليئة بأهل الين-يانغ، والعودة تعني الانكشاف ."
دحرجت ووني عينيها : " من تظنني ؟ أعجز عن إدخال طفل مثلك ؟
أعلم ما تقوله ، لكن في هذه اللحظة ، هناك مكان في فنغدو سيكون هادئاً حتماً ، ولن تجد فيه طيفاً واحداً."
فكر وو زيشيو للحظة ، وفجأة لمعت عيناه وكأنه تذكر شيء
ابتسمت ووني : "بوابة غرب المدينة، أرض الجحيم الأبدي
الآن كل الجنود الأشباح محبوسون في درج الين-يانغ،
وأرض أبيهي تعرضت لتطهير شامل من الجنود والجنرالات
الأشباح قبل أيام ، وهي الآن نظيفة تماماً
وحتى لو وجد بعض الناجين ، فسيكونون مادة جيدة لتدريبك ،
لنذهب ، الأمر مضمون ."
ذهل وو زيشيو: " بوابة غرب المدينة منطقة محظورة ،
حتى على تايسوي ... هل يمكن دخولها؟"
: " تعرضت البوابة لاضطراب مؤخراً والرقابة عليها ضعيفة،
الدخول ليس صعباً، لكن لا أحد يملك الجرأة.
حتى في الأوقات العادية، الدخول ليس مستحيلاً تماماً ."
: " ماذا تقصدين؟"
: " ألم ترغب دائماً في معرفة مكان والدك؟"
ارتجف جسد وو زيشيو ورفع رأسه فجأة
: " منصب ووتشانغزي يتطلب تاريخياً أن يكون صاحبه يتيماً ،
لكن طائفة الين-يانغ لا تخشى الموتى ؛ فحتى لو ماتوا،
يمكنهم العيش جيداً في فنغدو ،" تابعت ووني بهدوء :
" لكن ووتشانغزي استثناء ؛
فمن بين كل أفراد العائلات في فنغدو ، لا أثر لوالديك ،،
أنت تعرف أمر والدتك ؛ وو تشانغزي يولد بجسد نصف جنائزي ،
وأثناء الحمل يتركز فيه سواد شديد ،
فيأكل غاز الأشباح جسد الأم تدريجياً حتى تُبتلع روحها ،
دخول فنغدو يشترط موت الجسد مع بقاء الروح .
أما والدك ، فلا تدّعي الجهل ، فحقيقة مصير آباء ووتشانغزي المتعاقبين تعد لغزاً بين المدارس السبعة
يظن البعض أن أرواحهم تتبدد مثل تيانسوانزي ولا تدخل التناسخ ،
لكن الأمر ليس كذلك ."
أنصت وو زيشيو بكل جوارحه وكرر لا إرادياً : " ليس كذلك ؟"
: " اتبعني ،" خرجت ووني من الباب : "سأخبرك أين ذهب والدك ."
——————-
ضجيج عارم يملأ القاعة الرئيسية
على عكس هدوء المدينة ، غرق قصر عائلة تشاي بالناس،
حتى ضاقت القاعة بهم فوضعت مقاعد في الممرات
هذا مشهد نادر في عائلة تشاي؛ فرغم كثرة الاجتماعات،
لا يشارك فيها هذا العدد الكبير
فروع العائلة كثيرة ، ولا يحق للبعض دخول المنزل إلا في الأعياد
جلس تشاي شوشين في القاعة ، وأمامه طاولة صغيرة
لم ينتهِ من بعض الأعمال بعد، فنقل مكتبه إلى هنا
وبالرغم من الضجيج حوله، كانت يده التي تمسك القلم ثابتة ،
يرتدي قفازات حريرية بيضاء مطرزة بغصن ميموزا بخيوط فضية
يعلم ما يتداوله الناس ؛ فالجميع ينتظر ، انتقلوا من السكون إلى الضجيج ،
ومن الرزانة إلى القلق الحارق، ينتظرون قراره
أنهى كتابة آخر كلمة بهدوء ، وضع القلم ، وقال :
" لن ننسحب "
انفجر الحشد كمرجل يغلي ،
وقف أحدهم صائحاً : " ماذا قلت ؟"
رفع تشاي شوشين عينيه وكرر : " قراري هو —
حماية المدينة وعدم الانسحاب ."
دوت نوبة سعال قوية ، ووقف رجل مسن ذو مكانة رفيعة
في العائلة ، فهدأ الضجيج قليلاً
العجوز: " يا سيد العائلة اجتمع الجميع اليوم لتقرير مصير ومستقبل عائلة تشاي، نرجو منك التفكير ملياً."
تشاي شوشين : " بقدر ما تشاجرتم ، فكرتُ أنا ،،،" كرر:
" قلتُ ، لن ننسحب ."
صاح العجوز : " منذ سنوات اخترت تسخير قوة العائلة
لمساعدة الجيش رغم معارضة الجميع ، والآن يتضح أن
ذلك لم يكن خياراً صائباً ،
لذا هذه المرة ، نرجو من سيد العائلة ألا يتفرد بالقرار ."
نظر تشاي شوشين إليه بنظرة سريعة : " الحرب لم تنتهِ بعد ،
وليس هذا وقت الحكم على صوابية القرار ،
إذا كنت لا تصدقني ، فلا بأس .
عائلة تشاي هي الأكثر تمسكاً بالتقاليد والتراتبية بين
المدارس السبع ، وأعلم أن صغر سني يثير عدم رضاك ."
كان كلاماً صريحاً وجريئاً بشكل غير متوقع من تشاي شوشين؛
فهو بطبعه بارد لكنه يحترم الآداب دائماً،
مما جعل الناس يظنون أن سيد عائلة تشاي يملك روحاً نبيلة
والآن حين كشف عن وجهه الآخر ، ذهل العجوز وشعر أن
تشاي شوشين أصبح شخصاً مختلفاً، كلامه حاد كالسيف
جلس هناك ، لكن شجاعته كانت كالجليد ، و ردائه الأبيض ينضح بالتمرد
لكن لم يكن الوقت مناسباً للتفكير في ذلك ،
نظر العجوز حوله وقال بصوت عالٍ: " بما أن عائلة تشاي تعتمد على إقناع الجميع ،
وأنت مغرور إلى هذا الحد..."
أكمل تشاي شوشين الجملة ببرود : "... فلا أستحق منصب سيد العائلة ،،،"
وكأنه سئم سماعها ، ثم نظر إلى الحشد
المذهول وسأل: " هل لديكم ما تقولونه أيضاً ؟"
ظن البعض أن تشاي شوشين قد فقد صوابه ، لكنه تابع :
" حين توليت المنصب كنت صغيراً وقليل الخبرة
ورغم اجتهادي لسنوات ، لا تزال الهمسات تطاردني .
الآن تغيرت أحوال المدينة ، واخترت عدم الانسحاب ،"
ببرود: " أعلم أن معظمكم يعارض ."
سخر العجوز: " يمكن لعائلة تشاي أن تغفر النزوة الأولى، لكنها لن تتسامح مع الطيش الثاني ،
إذا أراد سيد العائلة البقاء طويلاً ، فعليه وقف الخسائر فوراً ."
نهض تشاي شوشين : " أجل ، حان الوقت ،"
خلع قفازاته ورماها في موقد النار
ساد الاضطراب ؛ فالجميع يدرك معنى هذا التصرف —-
تردد صوت تشاي شوشين في القاعة :
" بدءاً من اليوم ، أتنازل رسمياً عن منصب سيد عائلة تشاي
وأشطب اسمي من سجلات العائلة طوعاً."
---
خرجت الأخت تشاي ريندونغ من الممر ذو التسع التواءات،
وسمعت ضجيج النقاش العارم القادم من القاعة
" من الآن، من سيتولى منصب سيد العائلة ؟!"
رغم بعد المسافة إلا أنها ميزت نبرة الحماس والنشوة المكبوتة في الأصوات
ابتسمت بسخرية ؛ فعائلة تشاي هي الأكثر اندماجاً في عالم
البشر من بين المدارس السبعة ،
وتشبه العائلات العادية في صراع السلطة والمؤامرات وقلة احترام الكبار...
{ لا عجب في ذلك ، فرغم كونهم من المدارس السبع،
إلا أنهم لا يملكون عمراً طويلاً ، ولا دماءً غريبة ،
ولا توريثاً غامضاً أو قدرات فطرية خارقة ،
بل مجرد مهارة طبية تفوق الأطباء العاديين بقليل
لذا فهم أكثر تعلقاً بالدنيا …
ربما يكون منصب سيد عائلة تشاي هو الأكثر عادية
والأصعب من بين السبعة ، وقد رأيت بعيني كفاح أخي لسنوات }
نظر تشاي شوشين ببرود للشخص أمامه وقال :
" وفقاً لقانون العائلة ، يجب أن ينتقل المنصب عبر سلالة
تشاي المباشرة ، أنت من فرع العائلة ، لا تستحق ."
كلمة واحدة أصابت الهدف ،
فامتلأ وجه الآخر غضباً : " بما أنك تنازلت ، فقد انقطع
النسل المباشر ، فمن غير ذوي المكانة المرموقة يمكنه تولي المنصب ؟"
قبل أن ينهي كلامه ، فُتح باب القاعة ودخلت قامة قائلة :
" أنا هنا "
كان صوتها قوياً هزّ أركان القاعة —-
ترتدي تشاي ريندونغ تشيباو بلون أخضر داكن ،
ووضعت دبوس من اليشم الأبيض على شكل زهرة الأوركيد في شعرها
تملك عينين واسعتين تبدوان عادة ضعيفتين ومليئة بالدموع
أما الآن فقد تبددت هذه الغشاوة ، ووقفت في القاعة كجبل راسخ
ذهل العجوز : " السيدة الكبرى ؟" ثم ضحك :
" الآنسة الكبرى تعاني من المرض منذ سنوات ،
وبسبب ضعف طاقتك تولى شقيقك الأصغر المنصب
فما هذا العرض الآن ؟"
: " حالتي الصحية لا يقررها قولك يا جدي ،" ابتسمت تشاي
ريندونغ وقالت : " أين المسؤول الطبي ؟"
المسؤول الطبي منصب خاص في عائلة تشاي،
يتولاه الأبرع طبياً بغض النظر عن القرابة
دخل شخص يرتدي ثياباً سوداء يحمل حقيبة طبية وانحنى لها: " الآنسة الكبرى ."
مدت تشاي ريندونغ يدها : " افحص ."
: " حاضر،" خلع المسؤول قفازه ، ووضع منديلاً ناعماً على معصمها وفحص نبضها بدقة
وبعد لحظات انحنى وقال : " جسد الآنسة الكبرى لا يختلف
عن الأصحاء ، شُفيت من مرضها القديم ، وتستطيع تولي
منصب سيد العائلة "
صاح العجوز بانفعال : " هراء ! مستحيل !
أنتم متواطئون ! اسحبوه للخارج !"
منعت تشاي ريندونغ تقدمه وقالت ببرود : " إذاً افحص بنفسك يا جدي ، لا بأس في ذلك ،
أخشى فقط أن مهارتك الطبية لا تكفي ."
: " هذا مستحيل ! فحص المسؤول الطبي مرضك آنذاك ،
ومن المستحيل أن تُشفي !"
نظرت إليه تشاي ريندونغ بهدوء : " مرض مستحيل الشفاء—
أن تخرج هذه الكلمات من فم أحد أفراد عائلة تشاي لهو أمر مضحك ،
أم أنك تعرف جيداً طبيعة المرض الذي أصابني آنذاك ؟"
: " أنتِ!"
: " مرضتُ فجأة وبقوة ، ولم أستطع مغادرة السرير .
لولا جهود والدي في تركيب الدواء لي لما حييت لليوم ،
ورغم مهارته ، لم أنل سوى البقاء على قيد الحياة دون قدرة
على ممارسة حياة طبيعية ، فعشت في الممر لسنوات .
أظن أنني في قلبك يا جدي لا أختلف عن الموتى ؟"
لم يتوقع أحد في القاعة شفاء تشاي ريندونغ؛ فقد اختفت طويلاً وعاشت في عزلة تامة حتى في الأعياد،
فنسي الكثيرون وجود آنسة كبرى لعائلة تشاي
وفي الماضي لم تكن شهرة تشاي ريندونغ مقتصرة على
جمالها فحسب ، بل كانت عبقرية فذة ذاع صيتها في العاصمة
نظرت تشاي ريندونغ للحضور بملامحهم المتباينة
تذكرت الليلة الماضية حين طرق تشاي شوشين بابها وسلمها صندوق خشبي ——-
و فهمت مقصده فور فتحه —— ؛
كان يحتوي على زوج من القفازات
و تحت ضوء المصباح ، قالت له بصوت خافت :
" لدي ما أعطيك إياه أيضاً ،" وأخرجت كيس صغير
فتحه تشاي شوشين ليجد ورقة مكتوب عليها بخط كثيف:
" ما هذا ؟"
ابتسمت قائلة : "وصفة هوتبوت ييبين "
تربطهما رابطة دم، ولا حاجة لكثير من الكلام ——
ارتدت تشاي ريندونغ القفازات أمام الجميع ،
وتلاشت عنها آثار المرض ، ورفعت شعرها الطويل لتبرز ملامح فكها الحادة والجميلة
نظرت تشاي ريندونغ إلى تشاي شوشين ، وتلاقت أعينهما : " بدءاً من اليوم ، تنسحب طائفة ياو —-
لينغشوزي تشاي شوشين تم شطب اسمه طوعاً ،
ويتنازل عن منصب سيد العائلة ،
لكن سيبقى هنا ولن ينسحب ."
انحنى تشاي شوشين انحناءة كاملة حتى لامست جبهته الأرض : " شكراً لسيدة العائلة على تحقيق ذلك ."
عند ملامسة جبهته للأرض ، تذكر فجأة حديثاً دار بينه وبين المعلم منذ سنوات
آنذاك سأله المعلم عن رأيه في مو جيشينغ
استقام ، ورفع رأسه ليرى ضوء الشمس يشرق أمامه
{ ' قلب نقي كقلب طفل ، وشجاعة متهورة ،
ودفء كفحمة في الثلج ، ونور كشمس الشتاء '
كلها أشياء مضحكة وثمينة في آن واحد }
——————————-
دوى رنين الأجراس طويلاً
جلس مو جيشينغ في الجناح المائي طويلاً حتى حضر رئيس المعبد
: "تيانسوانزي، لقد تأخر الوقت ."
نهض مو جيشينغ: " حان وقت العودة ، سأنتظر حتى ينتهي هذا الرنين ."
مشى نحو الماء ، يراقب الأمواج التي أحدثها اهتزاز الأجراس : " حين أتيت للأكاديمية أول مرة ، كان صوت
الأجراس يمنعني من النوم ، ثم اعتدت تدريجياً النوم على أنغامه .
حين سافرت للدراسة قبل سنوات ، كنت أستيقظ منتصف الليل ولا أستطيع النوم ،
والسبب هو غياب صوت الأجراس،
شعرت دوماً بنقص ما."
الراهب : " الحياة متقلبة ، تيانسوانزي شخص يحن للماضي ."
: " ' يصعب التخلي عن المشاهد القديمة ،
وأحلام الجبال المتبقية هي الأصدق' ،،،"
و أصابته نوبة سعال ، فمباريات الشطرنج استنزفت طاقته،
خاصةً وأنه بذل كل جهوده لضمان التعادل
فأخرج زجاجة دواء من جيبه وتناولها بسرعة ؛
فإصابته لم تشفَ تماماً وكان عليه الراحة ،
لكن الحرب على الأبواب والكل يسابق الزمن
تابع مو وهو يسعل : " يا معلم ألن تغادر مع الرهبان؟
الحرب قادمة وهذا المكان لن يكون آمناً ."
: " لا تقلق يا تيانسوانزي،" ضم الراهب كفيه وتلا عبارة بوذية : " الأوراق تعود لجذورها ."
: " إذا احتجت شيئاً ، فاتصل بي، المعسكر العسكري في ضواحي المدينة وقريب جداً من معبد بايشوي ."
: " كل شيء بخير في المعبد ، نصلي ليل نهار ، فحافظ على صحتك الغالية ."
ابتسم مو جيشينغ: " معبد بايشوي يصلي للمدينة كلها ،
وأنا أشكركم بالنيابة عنهم ،
أما أنا، فلا بأس بي "
نظر بعيداً نحو شمس الغروب الممتدة ، والجبال والوديان الواسعة ، والأرض الشاسعة
: " ' هذا الخشب للتدفئة ، وأنا وقوده —
إن غابت المشاعل مستقبلاً ، سأكون أنا الضوء الوحيد ' "
---
بعد ستة أيام ،
سقطت الجبهة الأمامية ، وتراجعت ساحة المعركة مجدداً
وفي الوقت نفسه ، ثار الجنود الأشباح وحطموا الختم
قاد مو جيشينغ ثلاثة آلاف جندي في معركة حياة أو موت
أما في المدينة ، فلم يواجه الجنود الأشباح سوى بضعة أشخاص فقط —
يتبع
زاوية الكاتبة :
الأبيات الشعرية "يصعب التخلي عن المشاهد القديمة، وأحلام الجبال المتبقية هي الأصدق"
مقتبسة من مسرحية مروحة خشب الخوخ
· "إن غابت المشاعل مستقبلاً، سأكون أنا الضوء الوحيد" مقتبسة من أقوال الأديب لوشون
تم ترجمة الفصول 29 لـ 32 بواسطة أكيرا
التدقيق : Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق