Ch61 GM
أخرج الراهب عدة عملات من روح الجبل ورماها بظهر يده
لتسقط فوق رقعة الشطرنج محدثة رنيناً موسيقياً
حدق في شكل النبوءة ، وظل صامتاً لا يتكلم
لم يسأل هوا بوتشنغ مو تشينغ باي يوماً عن سبب نفيه من الجبل ،
فإن مو تشينغ باي لم يتقصَّ أبداً السبب الذي جعل الآخر يلازم جناح السيف كل هذه السنين
قبل أكثر من مئتي عام ، عندما كان هوا بوتشنغ قد أنهى لتوّه مراسم التتويج -
فاز بالمركز الأول في 'مؤتمر اختبار السيوف ' ودخل إلى مكتبة الكتب المقدسة
حينها، سأله معلمه السؤال نفسه : "ما الذي تسعى إليه ؟"
أنزل هوا بوتشنغ رأسه وفكر ملياً ، ثم أجاب: " لا أعلم."
في ذلك الوقت ، كان أمهر تلاميذ بنغلاي موهبة ،
وبلغت مهارته في السيف ذروتها ، لكنه لو سُئل لماذا يحمل السيف ، لما وجد إجابة
بدا الأمر وكأنه حمل السيف منذ أن بدأت ذاكرته ،
فانساق مع التيار ، وواصل الطريق هكذا
كان الجميع في الطائفة يقولون إنه يكدّ في التعلم والممارسة ، لكن الحقيقة أنه بخلاف التدرب على السيف،
لا يعرف ما الذي يمكنه فعله ،
أو بعبارة أدق، ما الذي يريد فعله
لقد فكر يوماً أنه لو وجد ما يبتغيه حقاً ، فلن يأسف أبداً على ترك السيف والرحيل
السيف كصاحبه ؛ يكمن خلف حدته نوع من البرود والانفصال
قلبٌ بارد ، وطبعٌ جاف ، لا يعرف للمشاعر سبيل
في اليوم التالي ، وبأمر من معلمه ،
دخل هوا بوتشنغ جناح السيف للزهد والتطهر
—- وفي ذلك اليوم نفسه — زار تيانسوانزي جبل بنغلاي طالباً من شخص واحد أن ينزل إلى العالم
بعد مئة عام ونصف ، دخل مو تشينغ باي مكتبة الكتب المقدسة وأعطى الإجابة نفسها التي أعطاها هوا بوتشنغ
لكنهما كانا على طرفي نقيض تماماً
أحدهما لا يعرف ما يريده ، بارد القلب والطبع
والآخر يريد الكثير ، وحواسه غارقة في كدّر الدنيا
كان على كل منهما أن يجتاز محنته الخاصة ؛
فمن لا يعرف العاطفة عليه أن يتعلم كيف يشعر ،
ومن يفيض عاطفة عليه أن يتعلم الزهد واللامبالاة
تذوُّق العواطف السبع ، واجتياز المعاناة الثماني ،
ثم العودة في النهاية إلى جوهر القلب الحقيقي..
ذلك هو الكمال
وعندها فقط يكون الارتقاء والوصول إلى ' الداو ' ( طريق الزراعة ' وهو ' التحرر الأكبر'
قبل دخول هوا بوتشنغ لجناح السيف ، لم يحدد له معلمه مدة للتدريب ،
بل قال له إنه متى أراد ، يمكنه النزول من الجبل
من لا يملك قيوداً أو تعلقاً يظل بارد القلب ،
ومتى رغب في النزول من أجل شيء ما، فقد أصبح لديه 'تعلق'
يعرف مرارة القلق ، ويذوق طعم الحزن والفرح ، ويدرك العاطفة ؛
عندها يذوب الجليد وينصهر الثلج ، وبعدها يفيض الطوفان العظيم
و بهذا فقط، يبلغ المرء ' المرتبة العليا '
نظر تشانغشنغزي إلى الشخص الساجد تحت الدرج ،
وتنهد طويلاً : " لقد اجتزتَ محنة قلبك ."
ظل هوا بوتشنغ ساجداً لا يرفع رأسه ، مكرراً جملة واحدة : " أرجو من زعيم الطائفة أن ينقذه "
تشانغشنغزي : " طريق السعي خلف 'الداو' طويل وشاق ،
تنقضي محنة فتولد أخرى ،" نظر إلى مو تشينغ باي وتنهد
مجدداً : "هو محنتك الجديدة "
أجاب هوا بوتشنغ : " أعلم ."
: " يجب أن تدرك ماذا يعني خروجك من جناح السيف
ونزولك من قمة الجبل ."
: " أعلم."
: " لا يحق لأحد استخدام 'باي يويي' سوى زعيم طائفة بنغلاي."
: " أعلم."
: " يبدو أنك أدركت كل شيء."
: " نعم،" رفع هوا بوتشنغ رأسه ، بنظرة يملؤها الإصرار :
" مو تشينغ باي تجرأ على استخدام قواه لقطع عروق التنين ،
وهو ما يعد خرقاً لقوانين الطائفة
وتلميذكم مستعد لتلقي العقوبة نيابةً عنه ."
خرج الراهب من القاعة وقال: "سيد هوا هل أنت متأكد مما تنوي فعله ؟"
التقطت عينا هوا بوتشنغ عيني الراهب : " بصرف النظر عن هذا ،
هل يملك تيانسوانزي وسيلة أخرى لإنقاذه ؟"
صمت الراهب للحظة ثم قال: " لا "
تقضي قوانين بنغلاي بأنه إذا نزل التلميذ إلى العالم البشري،
يجب عليه سدّ مسالك طاقته ،
وإذا استخدم قواه عمداً للتدخل في شؤون البشر ،
فإنه ينال 'عقوبة كسر العظام '
و هناك نوعان من هذه العقوبة : الأول كسر 'عظام الجوهر' والقوى ، ليصبح الشخص بعدها كالبشر العاديين تماماً
والثاني كسر 'عظام القلب'والتعلق ، ليتخلى الشخص عن كل صلاته وماضيه
مغزى كلمات تشانغشنغزي واضح : لكي يتمكن هوا بوتشنغ
من استخدام دواء باي يويي لإنقاذ شخص ، يجب عليه أن يرث منصب زعيم الطائفة
وبقواه الحالية ، لن يجد صعوبة في نيل المنصب ، لكنه إذا أراد تلقي العقوبة بدلاً من مو تشينغ باي
فلن يكون أمامه سوى خيار كسر 'عظام القلب'
كان هذا ، من منظور ممارسته الروحية ، أمراً جيداً ؛
فلقد اجتاز محنة قلبه وتفتحت مشاعره لأول مرة ،
وما كان يتجاهله من 'الرغبات الست ( الشهوات ) والمعاناة الثماني ( المشاعر ) ' سيهجم عليه الآن ،
مما يجعل طريقه محفوفاً بالمخاطر
كسر عظام القلب هو أسرع وسيلة للوصول للخلود
من "اللاجفاء" إلى "العاطفة"، ومن "العاطفة" إلى "الزهد المطلق".. و هكذا يكتمل المسار
وما يدعو للإعجاب حقاً هو أنه يفعل ذلك بكامل إرادته
—————
في اليوم التالي ،
تنحى زعيم بنغلاي، وسلم منصب تشانغشنغزي إلى هوا بوتشنغ
الراهب : " يجب أن تدرك ماذا يعني هذا ،
حتى لو استيقظ مو تشينغ باي، فإنه لن يشكرك على ما فعلته اليوم ."
: " لن يشكرني ، لكنه سيفهمني ،" أخرج هوا بوتشنغ دواء باي يويي من صيدلية البرج :
" تيانسوانزي لدي طلب أرجو منك تنفيذه ..." و أخرج عملة روح الجبل :
" منذ سنوات طويلة ، وضع هذا الشيء في عهدتي للحفاظ عليه ،
واليوم يعود الأمر لصاحبه الأصلي ."
تنهد الراهب ؛ فقد فهم ما يطلبه هوا بوتشنغ
هز الراهب رأسه: " وصول الأمور إلى هذا الحد هو خطئي،
طلبي يختلف عن طلب تشانغشنغزي السابق ؛
أنا أسعى إلى عالم يسوده السلام ، وهو يسعى إلى الارتقاء والخلود
أنت والسيد مو تملكان قدراً سماوياً ، لكني تجرأتُ وجررته إلى عالم الفناء البشري
ظننتُ أن خطتي محكمة ، لكنني أخطأتُ التقدير في خطوة واحدة ،،
لقد وافق السيد مو على طلبي بالدخول للعالم لإنقاذ الناس ، وكان شرطه ألا يلحق بك أي أذى ."
عبس هوا بوتشنغ بحاجبيه: " هو لم يكن يوماً عبئاً عليّ "
تنهد الراهب: " صحيح ، كلاكما فعل ما فعل بكامل إرادته ،
في مباراة الشطرنج هذه مع تشانغشنغزي السابق يبدو أنني
الخاسر في النهاية .
منذ الآن سيصبح مو تشينغ باي تلميذاً في طائفة تيانشوان "
أخذ عملة روح الجبل وانحنى باحترام : " بصفتي معلمه ، سأحميه طوال حياته ."
وفقاً لقواعد المدارس السبع ، لا يجوز سرقة فنون المدارس الأخرى ، ولا أخذ تلاميذها
ولكي تضم طائفة تيانشوان مو تشينغ باي، كان عليها دفع ثمن معادل
الراهب : " منذ هذه اللحظة ، تدين طائفة تيانشوان
لـ بنغلاي بشخص واحد ،
وبعد أربعين عاماً، سيعود هذا الحق ."
( وبكذا عرفنا ليش راح الأخ الأكبر لين جوانشينغ وصار من طائفة بنغلاي )
———
في يوم توليه منصب زعيم بنغلاي، استخدم هوا بوتشنغ دواء باي يويي لإنقاذ مو تشينغ باي
حمل الوعاء الخزفي ، وكانت حركاته بطيئة للغاية وهو يسكب الدواء قطرة بقطرة في فمه
كان مو تشينغ باي غائباً عن الوعي بسبب إصابته البالغة،
وقد تحول شعره من الأسود الفاحم إلى الأبيض الثلجي
الخالد يمسح على رأسي .. والشعر الأبيض ينال الخلود
في اليوم التالي ، تلقى هوا بوتشنغ العقوبة ،
فكُسرت عظام قلبه ، وتولى رسمياً منصب تشانغشنغزي
ظل مو تشينغ باي في غيبوبة لمدة خمس سنوات
وعندما استيقظ ، كانت جراحه قد شُفيت ،
لكنه أصيب بعرج في ساقه ؛ لا سيف سيحمله بعد اليوم ،
ولا عمر كعمر البشر العاديين سيناله
بعد عشر سنوات أخرى ، سقطت السلالة الحاكمة ،
وفارق تيانسوانزي الحياة ، ليرث مو تشينغ باي عملات روح الجبل
اختار مدينة قديمة جميلة تحيط بها الجبال والأنهار ؛
خارج المدينة جبل ، وفوق الجبل معبد ،
حيث المكان الذي ترهّب فيه الراهب الشاب قبل أن يصبح تيانسوانزي
اشترى قطعة أرض في المعبد ، وطلب من طائفة موزي
بناء حديقة له وزرع فيها الكثير من أشجار الجنكة
في يوم اكتمال بناء الحديقة ، أرسلت بنغلاي عربة محملة بالخشب
قال التلميذ المسؤول عن النقل إن هذا كان أمراً من زعيم الطائفة منذ يوم توليه المنصب :
" إذا تولى تيانسوانزي الجديد منصبه ، فأرسلوا له مظلة جناح ."
سأل مو تشينغ باي التلميذ عما إذا كان يعرف أصل هذا الجناح
ذهل التلميذ ، وفكر للحظة قبل أن يجيب:
" عندما تولى زعيم الطائفة منصبه ، خضع لعقوبة كسر عظام القلب
وأثناء استئصال العظام ، استُدعي الابتلاء السماوي
فهبطت الصواعق على قمة الجبل مسببة حريقاً هائلاً التهم
نصف جناح السيف ." عبث برأسه وتابع: "في ذلك الوقت،
هرع الكثيرون لإطفاء الحريق، ليكتشفوا أن جناح السيف لم
يكن يضم سيوفاً أسطورية كما كانت تقول الروايات ،
بل كان مليئاً بمجلدات الكتب
وهذا الجناح الخشبي احترق أيضاً حينها،
لكن لحسن الحظ، كان الخشب المصنوع منه ثميناً جداً فلم يتلف تماماً ، وبقيت عليه آثار الحرق فقط ."
نظر التلميذ بفضول إلى تيانسوانزي؛
فهو لم يفهم أبداً لماذا أمر زعيم الطائفة بهذا،
فكنوز بنغلاي لا تُعد ولا تُحصى، ومع ذلك أصر على إرسال جناح خشبي محترق
لكنه تذكر أن زعيم الطائفة كان في غاية الجدية والهدوء عندما أوصاه :
" حتى لو نسيتُ أنا هذا الأمر مستقبلاً ،
فلا تسأل ، وعليك التأكد من وصول هذا الجناح ."
ابتسم مو تشينغ باي الجالس على كرسيه المتحرك ،
وقال بصوت خافت: " شكراً لك "
---
تأسست أكاديمية الجنكة وتعاقبت الأجيال
في السنة الثانية لتأسيس أكاديمية الجنكة — وجد مو تشينغ باي طفلاً يتيماً في الغابة ، وأطلق عليه اسم لين جوانشينغ
لاحقاً ، توفيت موزي وتركت ابنها الصغير في عهدة مو تشينغ باي ليرعاه
وفي العام نفسه ، دخل وريث طائفة ياو إلى الأكاديمية ليتلقى تعليمه الأول
بعد عامين ، توفي ووتشانغزي ( والد زيشيو ) وكان آخر عمل قام به هو إرسال ابنه الوحيد للدراسة في أكاديمية الجنكة
وبعد ثلاث سنوات أخرى ، نزل مو تشينغ باي من الجبل في رحلة نادرة ،
واستخدم حلوى تانغ هولو ليغوي طفلاً ويأخذه معه ( مو جينشينغ )
تولى مو تشينغ باي منصب تيانسوانزي لمدة أربع وعشرين سنة ،
وكان الأقصر عمراً بين جميع من تقلدوا هذا المنصب عبر التاريخ
عند وفاته ، حضروا جميع المدارس السبع لتقديم العزاء، إلا تشانغشنغزي
ولم يلتقِ الاثنان بعد ذلك أبداً …
---
تغيرت المشاهد في الوهم بسرعة خاطفة ،
ثم تجمدت الصور في النهاية لتصبح مثل لفافة رسم طويلة لا تنتهي
مشى مو جيشينغ وسط هذه الذكريات ، كأنه يشاهد عرضاً عابراً ،
وساد عليه صمت نادر وهو ينهي كأسه ببطء
تشابكت المشاعر في صدره ، حتى تلاشت في تنهيدة طويلة :
" المعلم الذي أعرفه.. كان في الحقيقة رجلاً أضاء عتمة الليل بصلابة روحه وفطرته الأدبية ...
الآن أدرك ،،، أنه قضى النصف الثاني من حياته يعيش ما كان يعيشه هوا بوتشنغ قديماً ."
لم يجبه أحد — فالتفت مو جيشينغ حوله منادياً : "سانجيو ؟"
المكان المحيط به خالي تماماً، وتشاي شوشين قد اختفى في ظروف غامضة
رمش مو جيشينغ بعينيه ، متسائلاً إن كان قد أفرط في الشرب
فجأة —- ، انبعث صوت عميق من أعماق الوهم وهو ينشد ببطء :
" في الحياة لا نلتقي ، كحركة نجمي 'تسان' و'شانغ'..
غداً تفصلنا الجبال العالية ، وشؤون الدنيا تغمرنا بالضباب والنسيان ."
توقف مو جيشينغ عن الحركة: " من هناك؟"
ضحك الطرف الآخر : " يجب أن تميز صوتي ،
ألم تعتاد عليه بعد كل هذا الوقت ؟"
و خرجت قامة من أعماق الوهم ، مرتدية معطف الرهبان ، يحمل بيده وعاء خزفي و ضم أصابع يده الأخرى أمام صدره
نظر الراهب الشاب إلى مو جيشينغ وابتسم ابتسامة رقيقة :
" أيها التلميذ العاصي.. ألا تنادي 'جدك المعلم'؟"
ذهل مو جيشينغ للحظة ، ثم استدار فوراً ليغادر :
" يبدو أنني سكرتُ حقاً "
: " انتظر! انتظر!" صرخ الراهب الشاب وهو يحاول اللحاق به : " أيها العاصي ! استمع لمعلمك حتى النهاية !"
ركض مو جيشينغ بعيداً وهو يقول بحزم: " لا أسمع ! لا أسمع ! رهبان يقرؤون السوترا !
سواء كنت حقيقياً أم لا — فبناءً على أخلاق وطباع سلالة تيانشوان .. لا بد أن ما سيأتي بعد ذلك هو مصيبة محققة !"
رغم كلامه ، إلا أن مو جيشينغ بذكائه وقوة بصيرته كان
يعلم أن هذا الوهم لا يمكنه خداعه ؛ وإذا لم يكن خدعة ، فلا يوجد سوى احتمال واحد—
هذا الشخص هو بالفعل تيانسوانزي الأسبق
{ يا تُرى ، ماذا يريد ' الجد المعلم ' من حفيده في قلب هذا الوهم ؟ }
صرخ الراهب وهو يرفع عملة نحاسية : " سأعطيك مالاً !"
وكانت المفاجأة أنها عملة روح الجبل : " أتريدها؟"
توقف مو جيشينغ عن المشي فجأة
: " اشترِ واحدة واحصل على الثانية مجاناً !
بداخلها أيضاً تلك الذكريات التي تبحث عنها !"
قفز الراهب في مكانه : " فقط استمع لما سأقوله ، وسأعطيك إياها !"
التفت مو جيشينغ، وضيق عينيه وهو يتفحص العملة في يد الآخر: " لماذا هذا الشيء معك ؟"
: " بعد موتك ، تفرقت عملات روح الجبل في كل مكان . إحداها كانت في عهدة موزي وانتهى بها المطاف مخزنة في برج السراب "
تنهد الراهب لاهثاً من كثرة القفز: " كلانا تجاوز المئة عام ،
ألا يمكننا الجلوس واحتساء كوب من الشاي بهدوء ؟"
فكر مو جيشينغ قليلاً ثم قال على مضض: "حسناً إذاً."
اقترب وجلس القرفصاء ليساوي نظره بنظر الراهب :
" ما الذي تريده حقاً ؟"
وقف الراهب على أطراف أصابعه ، وتفحص مو جيشينغ من رأسه حتى قدميه ،
ثم علق قائلاً : " أيها الحفيد.. لا تؤاخذني ، لكنك تبدو أكثر بؤساً مما تخيلت ."
أحنى مو جيشينغ رأسه ليسمح للآخر بلمسه : "ماذا تقصد بذلك ؟"
أمال الراهب رأسه : " ذكرياتك ناقصة ، وجسدك المادي قد دُمر ..
وقوفك هنا الآن يعني أن شخصاً ما قد أبقى روحك قسراً في عالم البشر ،
من الرائحة التي تنبعث منك.. هل هذا من صنع طائفة ياو ؟"
لم يعرف مو جيشينغ كيف يشرح الأمر بدقة في هذه اللحظة : " تقريباً ،
بالمناسبة ، كيف ظهرتَ هنا ؟ هل هذا الوهم من صنعك ؟"
: " يمكنك اعتبار الأمر كذلك .
رغم أن هذه الذكريات تخص مو تشينغ باي إلا أن لي نصيباً فيها ."
: " وما هو غرضك؟"
ابتسم الراهب : " إيصال رسالة ،
لكن تنفيذها قد يكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه ."
مو جيشينغ خبير بأساليب طائفته ولم ينخدع:
" الكلام بهذه الطريقة متعب ؛ لا تطل الأمر بالمراوغة .
كلانا من طائفة تيانشوان ولا أحد منا يستطيع خداع الآخر ،
قلها مباشرةً ؛ تركك لهذا الوهم هنا لم يكن بالتأكيد لمجرد
فضح تاريخ معملي 'الأسود' القديم.. ما الذي تريده ؟"
حك الراهب برأسه : " هذا يعود بنا إلى زمن بعيد جداً ،
قبل وفاتي بسنوات ، قمتُ بعمل نبوءة ، كانت تخص مصير المدارس السبعة ..." تنهد : " أو بعبارة أدق ،
كانت عن 'جذر البلاء' للمدارس السبع
في ذلك الوقت ، كان العالم في فوضى عارمة ،
ولم أستطع الموت بسلام ؛ أردتُ معرفة كم سيعاني تلميذي في ذلك الزمان الغابر
حساب قدر الأوطان يستنزف العمر ، فقررتُ حساب شيء أبسط.. قدر المدارس السبعة ."
ارتعش جفن مو جيشينغ: " وماذا كانت النتيجة ؟"
قال الراهب ببطء: " انقطاع الإرث ….
ألم تلاحظ ذلك ؟ الآن طائفة الين -اليانغ و تتلاشى ،
و طائفة مو انقطع تسلسلها ،
و طائفة تشو اعتزلت العالم البشري ،
وحتى أنت بصفتك تيانسوانزي — لست سوى روحٍ تصارع للبقاء ،
قديماً كانت المدارس السبعة إذا تقدمت حددت مصير الكون ، وإذا تراجعت حفظت السلام ؛
أما الآن ، فحتى ووتشانغزي يضطر لمداهنة فنغدو ،
ألم تفكر أبداً لماذا تدهور حال المدارس السبع إلى هذا الحد ؟"
مو جيشينغ: " فكرتُ في الأمر ، ربما لأن القوانين بعد تأسيس الدولة تمنع الكائنات من التحول إلى شياطين
أو خالدين ،
لقد مِتّ منذ زمن طويل ، ولم يتسنَّ لي الوقت للتكيف مع العصر الحديث بعد ."
: "... حقاً إن شخص متفائل ."
فكر مو جيشينغ في كلمات الآخر : " أشكرك على المديح ،
لكن يبدو الآن أن الأمر ليس بالبساطة التي تخيلتها ،" ثم
تذكر شيئاً فجأة : " صحيح، لقد أغفلتَ ذكر طائفة واحدة ؛
رغم ضعف المدارس السبع ، إلا أن طائفة ياو حالها جيد ،
ووريثة لينغشوزي القادمة توشك على تولي المنصب ،
وهي فتاة نابغة وواعدة ."
صمت الراهب للحظة : "لماذا تظن أن إرث لينغشوزي لا يزال مستمر ؟"
: "... ماذا تقصد؟"
" أقصد أن إرث طائفة ياو قد انقطع بالفعل ،
لن يكون هناك لينغشوزي آخر أبداً .
آخر لينغشوزي هو تشاي شوشين، وهو يحمل 'اللعنة السماوية' على عاتقه ؛
وحتى هالة 'اللوتشا' القاتلة لا يمكنها إبطالها
لقد ارتكب أمراً يخالف إرادة السماء، وكان ثمن تلك اللعنة هو انقطاع إرث لينغشوزي للأبد .
بمجرد خروجك من هذا الوهم يمكنك التحقق بنفسك ؛ 'عظام سلحفاة بان غينغ' لن تعترف بسيدٍ جديد ،
طائفة ياو قد انتهت منذ زمن ."
رفع مو جيشينغ يده فجأة مقاطعاً إياه :
" تمهل ، تمهل قليلاً —
لا يمكنني تصديق هذا بمجرد سماعه منك،
وهناك ثغرة كبيرة في كلامك ؛ فحتى لو استُخدمت جميع عملات روح الجبل ،
فمن المستحيل التنبؤ بأمور المستقبل بهذه الدقة .
لقد فارقتَ الحياة منذ مئة عام ،
فكيف علمتَ بكل ما حدث لاحقاً
بما في ذلك ما فعله سانجيو؟"
بدا أن السؤال قد أربك الراهب قليلاً، ثم رد :
" يبدو أن ذاكرتك قد تلاشت وتناثرت حقاً ."
: " لماذا تقول ذلك ؟"
: " من المعروف للجميع أن الـ تيانسوانزي لا يدخل دورة التناسخ بعد موته ، لكن أين تذهب روحه بالضبط ؟
لا أحد في المدارس السبع يمكنه الإجابة بوضوح ،" تنهد الراهب وتابع: " لكن هذه مجرد أقاويل لإخافة الغرباء ،
أما داخلياً فنحن نقدم الحقيقة
لا بد أن مو تشينغ باي أخبرك بذلك ، لكن يبدو أنك نسيت تماماً .
عملات روح الجبل التسع والأربعون، كل واحدة منها تحتوي على قوة هائلة.. ألم تتساءل يوماً من أين تأتي هذه القوة ؟"
الإجابة هي أنه بعد موت الـ تيانسوانزي، تبتلع عملات روح
الجبل روحه وتحولها إلى طاقة ؛
ولهذا السبب تنتقل العملات من جيل إلى جيل دون أن تُستهلك ، بل تزداد قوتها وعمقها .
أما أنا فكنت استثناءً ؛ فقد دخلتُ الخلود في منتصف العمر بعد أن كنت راهباً بوذياً ،
لذا كانت جذوري مختلفة قليلاً ،
لهذا السبب ، بعد موتي ، لم تبتلعني العملات بالكامل ،
وبقيت لي ذرة من الوعي مكنتني من إدراك بعض ما يحدث في العالم الخارجي ؛
مثل استخدامك لعملة روح الجبل لشراء حلوى تانغ هولو ،
أو اقتحامك لـ 'بوابة غرب المدينة' مع زعيم طائفة ياو "
مو جيشينغ: "………."
وضع الراهب عملة روح الجبل في يد مو جيشينغ:
" هذه العملة تحتوي على جزء من أحداث الماضي التي وقعت بعد موتك ،
يمكنك أن ترى بنفسك ما الذي حدث آنذاك ."
وما إن أنهى كلامه ، حتى اهتز الفضاء المحيط بهما بعنف ،
وأصدر صوتاً مزعجاً كأن شيئاً ما يتحطم
: " لا يمكنني إبقاؤك هنا لفترة أطول ، اللوتشازي يملك سيف شيهونغ ولن يصعب عليه اختراق هذا المكان ،" نظر
الراهب باتجاه مصدر الصوت وتابع: " أعلم أنك قد لا تتقبل
الأمر للوهلة الأولى ، لكنك لست غبياً ولن تعجز عن فهمه.
فمنذ عودتك للحياة ، كانت لديك شكوك حول كل ما حدث،
لكنك لم تفصح عنها .
أنا رجل ميت ، وأنت الآن الـ تيانسوانزي الحالي ؛
القرار لك في ما ستفعله لاحقاً ، ولا يمكنني إجبارك .
لكن أرجو أن تتذكر نصيحة واحدة .
اللوتشازي هو الكيان الغريب والمختلف بين المدارس السبعة ، وهو بداية الفوضى العظمى ."
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق