Ch76 JM
{ نالين مفقود ؟
هل ذهب ليبحث عن حجر اللهب وحدث له شيء ؟
أم أنه جاء لـ غاكسيا ليبحث عني لأنني أخلفت وعدي ؟ }
قلبي كان يحترق من القلق ،
فاستعجلت وركبت العربة متوجهاً إلى المدينة الملكية
……
عند وصولي ، لاحظت الجنود يتجولون في الشوارع والأزقة،
و بوضوح يبحثون عن نالين
خشيةً أن يلتفت أحدهم إلي ، لم أجرؤ على الصعود إلى
جبل خلف المدينة نهارًا وخططت للبقاء عند متجر الرسم حتى يحل الظلام
طرقت باب متجر الرسم ، وعندما رأى الرسام العجوز وجهي ابتسم وقال:
“ لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك فيها
هل وجدت حجر اللهب؟
في نهاية هذا الشهر سأبدأ رحلتي .”
هزّيت رأسي : “ ليس بعد .
هل يمكنني البقاء هنا نصف يوم ومشاهدتك ترسم ؟”
: “ مي جياااا !”
فجأة، جاء صوت مألوف من الداخل ———
فزعت ونظرت إلى الداخل
الشاب الذي يرسم مروحة قابلة للطي لم يكن سوى الأمير العاشر
“ آ-لوو!” هرعت إلى الداخل وسحبته إلى متجر الرسم،
وهمست: “ هل رأيت أخاك التاسع هذه الأيام؟
لقد اختفى
هل تعرف أين هو؟”
نظر الأمير العاشر إلى الخارج وخفض صوته :
“ كنت أنوي الخروج للبحث عنه ،،
ظننت أن اختفائه قد يكون له علاقة بك — لذا كنت أنتظر هنا
ألا تعرف أين هو أنت أيضًا ؟”
{ اختفاء نالين كان بالفعل مرتبطًا بي }
لم أجرؤ على إخباره بالاتفاق الذي بيني وبين نالين،
فهززت رأسي ببساطة : “ لا… لا أعرف.”
رفع يده برفق على غرتي ، ومرت على شفتيّ
تراجعت برقبتي للخلف — ونظرت إليه ،
فوجدته يحدق بي بوجه مملوء بالشفقة
نالوو : “ مي جيا ما الأمر ؟ هل تعرض أحد لإيذائك ؟
شفتيك متورمتان أيضًا .”
بعد كل هذه الاضطرابات ، وقلة الطعام ، وعدم النوم
الكافي ، بدا أن وجهي قد تدهور إلى أقصى حد
وظهرت لدي عدة تقرحات مؤلمة عند زوايا فمي
{ لكن هذا شأن يتعلق بمنزلي ، وهو — أمير مهمَل
لا يمكن أن يساعدني } هززت رأسي بصمت ،
لكن معدتي خانتني بصوت عالٍ من الجوع
و على الفور — شدّ معصمي بينما كان ممسكًا به وقال: “ تعال معي !”
: “ إلى أين ؟”
………
سحبني دون كلمة إلى محل النودلز بجانب متجر الرسم وجعلني أجلس
وُضع أمامي وعاء من شوربة النودلز الساخنة ،
فتجمّدت في مكاني ، مندهش، ونسيت كل شيء آخر
و غرّست رأسي في الوعاء ، وأكلت النودلز بسرعة ،
وشربت كل الشوربة ، لكني أكلت بعجلة فاختنقت وسعلت بلا توقف
“ تمهّل ، لا تتسرّع ، يمكننا طلب المزيد !”
منديله المطرّز بخيوط ذهبية لمست شفتيّ برفق وهو يمسحهما ،
فاحمرّت وجنتاي وخفت أن يرانِي محرَجًا ، فأدرت وجهي بعيدًا غريزيًا متجنّبًا لمسه
: “ شكرًا… كنت جائعًا جدًا . لا بد أنني أحرجت نفسي .”
يده معلقة في الهواء ، وعيناه البنيتان الفاتحة بدت وكأنهما قد خفتت قليلًا
عبس وهو يحدق بي وسأل : “ كم يومًا مضى منذ آخر مرة أكلت فيها ؟
لماذا أنت جائع هكذا ؟
ألا يعطونك الطعام في المنزل ؟”
وخزني أنفي ، و أنزلت عيني ، وأجبرت نفسي على حبس الدموع
: “ أنا… خرجت للبحث عن نالين منذ الصباح الباكر ،
وعندما اكتشفت أنه مفقود ، لم أفكر في الأكل .”
سكب كوبًا من شاي الحليب ووضعه أمامي، وقال بلطف:
“ لابد أن الأخ التاسع وجد أن كونه السيد المقدس أمر صعب جدًا ولهذا هرب ،،
لو كنت مكانه ، لما أردت أن أكون السيد المقدس أيضًا .
إذا نجح في الهروب ، فذلك سيكون خيرًا له ،
كصديقه وأنا كأخٍ أصغر له — يجب أن نسعد من أجله
أليس كذلك ؟”
شعرت بالقلق والتوتر ، ولم أرغب في الكلام كثيرًا ،
فأجبت بشكل غامض : “ نعم… نسعد من أجله .”
: “ إذا لم يعد ، سأقضي وقتًا أطول معك ، حسنًا ؟”
: “ سيعود !”
شعرت بوخز في قلبي وقلت ذلك بلا وعي
وما أن نطقت ، التقيت بعينَي الأمير العاشر وتوقفت عن الحركة
نظرته كانت غريبة ، تشبه إلى حد ما نظرة نالين
بالرغم من بطئي في الإدراك ، بعد أن أحببت نالين —
تعلمت فهم بعض المشاعر
{ نظرات نالوو — لم تكن نظرة صديق } — قلبي تخطّى نبضاته ، شعرت بالذعر ووقفت سريعًا
لكن قبل أن أتحرك ، أمسك بيدي بقوة
انقلبت الطاولة ، وتحطّم الوعاء على الأرض بصوتٍ عالٍ، وتبعثر القطع
نالوو : “ مي جيا أنت وأخي التاسع أكثر من مجرد أصدقاء أليس كذلك ؟”
تسارعت دقات قلبي بشدة ، وقلت في ذعر :
“ نحن مجرد أصدقاء… ما الذي يمكن أن نكونه غير ذلك بين رجلين ؟”
أمسك نالوو بيدي بإحكام : “ في تلك الليلة في الحانة
رأيت الأمر
لقد ضغطك على السرير وقبّلك… أنت وهو —”
سرعان ما غطّيت فمه وسحبته إلى زاوية الدرج : “ توقف !”
: “ مي جيا !” أبعد يدي بعيدًا ، و تحدث بسرعة :
“ أنا معجب بك . منذ أول مرة التقيتك في محل الرسم ،
أعجبت بك من النظرة الأولى
عندما كنت ترسم ، كانت عيناك تتلألأ ، وتبدو مشرقاً ،،
لم أرى أحد بقدر جمالك ،
كالنجم الذي يضيء عالمي…
إذا لم يعد الأخ التاسع هل ستكون معي؟ أرجوك ؟”
: “ ومن قال إنه لن يعود !” شعرت بالقلق والارتباك ،
فسحبت يدي فجأة حتى صفعته عن غير قصد ،
وتعثرت إلى الخلف عدة خطوات
غطى وجنته ، وبدأت عيناه تحمران
: “ أ-آسف !”
اجتاحني شعور بالذنب وأنا أدير وجهي وأهرب من محل النودلز
سمعت اسمي يُنادَى من خلفي ،
لكنني لم أستطع التوقف وأسرعت في السير، تاركًا إياه بعيدًا
——————-
انتظرت في الغابة حتى حلّ الظلام ،
ثم صعدت الجبل ، سائرًا على الطريق المعتاد الذي يؤدي
إلى الشجرة قرب مقر زراعة نالين
بما أنه مفقود ، بالتأكيد لن يكون هنا ، لكن لا أعلم أين أبحث عنه
لم يكن أمامي سوى الأمل أن أدخُل المكان لأجد بعض الأدلة
ما إن تسلّقت الشجرة ، حتى لاحظت شيئًا معلقًا على غصن يمتد نحو السور
عندما نزعتُه ، وجدت أنه لفافة صغيرة مربوطة بريش أحمر
ارتفعت معنوياتي ، عالماً أنها رسالة من نالين
فتحت اللفافة بسرعة ، لتكشف عن رسم بسيط
الرسم يصور شجرة ، منزل ، وقمر في الغرب ، مع طائر يحلق نحوه
{ هذا هو المكان }
فهمت الرسالة فورًا وتوجهت نحو اتجاه القمر ،
متوغّلًا أعمق في الجبل
بعد عبور القمة ودخول الوادي ، لم أمشِ كثيرًا حتى
سمعت صوت طائر يرفرف بجناحيه ، واضحًا ومميزًا
رفعت نظري ، ولحظة برّاقة من اللون الأبيض ظهرت على قمة الشجرة فوقي ——-{ أليس هذا باي ها'إير ؟ }
تبعت باي ها'إير عبر الوادي لبعض الوقت ،
عابراً جدول صغير
و بعد سير قليل ، أطلق باي ها'إير فجأة نداءً
و فورًا ، سمعت صوت ناي مألوف يردّ عليه ،
كأن طائرًا وحيدًا ينادي رفيقه ، مليء بالحزن والحنين —-
{ هذا نداء نالين لي! } خفق قلبي بشدة ،
وقفزت في الهواء حوالي متر تقريبًا ، ثم ركضت بجنون نحو مصدر صوت الناي
وصلت إلى جدار جبلي ، وظهر أمامي كهف طبيعي ضيق
عندما أزحت الكروم المعلقة عند المدخل ،
أُمسكت يدي فجأة بقوة ، وفي اللحظة التالية ، وُضعت في حضن دافئ
نالين : “ أين كنت هذه الأيام ؟ لماذا أخلفت وعدنا ؟”
تردد صدى صوته المبحوح العميق البارد في أذني ،
وارتجف قلبي
و بطبيعة الحال ، تمسكت به بقوة
وما إن استعدت نفسي ، حتى غمرت الدموع وجنتاي ، مبللة عنقه وشعره
: “ لماذا تبكي؟ هل ضربك أحدهم ؟”
لمست أصابعه الطويلة وجنتي برفق ،
مجبراً إياي على رفع وجهي
وعندما رأيت وجهه بوضوح ، خفق قلبي بقوة
بعد أيام من الغياب …. { عينا هذا الشاب النبيل …
السيد الشاب القديس ،،، تحملان هالات داكنة
وكأنه مرّ بمرض شديد .. وبدا ضعيفًا للغاية }
عضيت شفتي بإحكام ، وهززت رأسي ،
لكن الدموع استمرت في الانهمار بلا توقف
شعرت كما لو أن كل الألم والظلم والغضب المكبوت في
قلبي لأيام ، والذي لم يجد منفذًا ، اندفع نحوَه في هذه اللحظة ،
محطمًا الجدران المتينة التي بنيتها منذ الطفولة ،
كسيل من الفيضانات
لكنني لم أستطع السماح لذلك
{ … هذا شيئًا يجب أن أحمله وحدي …
هو الأقرب إلى قلبي ، الشخص الذي يجب أن أرفعه عاليًا ،
أحميه داخل حدودي لأشارك معه الفرح والضحك ،
لا لأغرق معه في مستنقع المعاناة نفسه }
“ لقد… اشتقت إليك " مسحت دموعي وابتسمت له :
“ خلال الأيام القليلة الماضية ، حدثت بعض الأمور في
المنزل أبقتني مشغولًا . آسف .”
: “ مي جيا حجر اللهب … لقد وجدته .”
خفف قبضته عليّ قليلًا وأدخل يده في ياقة ملابسه
تجمدت في مكاني ، واتسعت عيناي عندما رأيت كفه الممدودة
في كفه حجر أبيض بحجم بيضة ، يبدو عاديًا للوهلة الأولى ،
لكنه تحت ضوء القمر أطلق توهجًا أرجوانيًا أحمر ،
كأنه قلب الشاب الذي أعزّه ، ينبض بالحياة والحرارة
حضنت قلبه بحذر بين يديّ ، لكن عندما فعلت ذلك ،
لاحظت أن يده بدت مجروحة
وما إن أدرك أنني أراقبها ، سحبها بسرعة داخل كمه
أمسكت يده لأتفقدها عن كثب ، وصدمت عندما رأيت أن يديه ،
التي كانت ناعمة وخالية من العيوب كاليشم،
أصبحت مغطاة بخدوش وتقرحات وتصبغات حمراء
متورمة بسبب البرد ، و بعضها على وشك التعفّن
{ لابد أنه صعد جبلًا عالٍ وباردًا ليحفر حجر النار بيديه }
شعرت وكأن قلبي قد صُدم بشدة ،
ولم أستطع إلا أن أرفع يده إلى شفتي ، أُقبّلها مرارًا وتكرارًا ،
حتى غمرت دموعي الكف المتضرر والموجوع
“ نالين أنا معجب بك ، معجب بك حقًا… هل تعرف ذلك ؟”
احتضنني نالين بشدة ، يقبّل جبيني وقلبي ،
ودموعنا امتزجت معًا
: “ هل يمكننا المغادرة الآن ؟
لا أريد أن أكون السيد الشاب القديس ،
لا أريد أن أكون أمير ،
أريد أن أكون معك ، لنرى البحر معًا .”
… { لنرى البحر
كان ينتظرني ، ينتظر أن أفي بوعدي ، أن آخذه بعيدًا من هنا،
إلى أماكن بعيدة ….
لكن أمي، أمي المريضة على فراش الموت .. لا تزال تنتظرني }
شعرت وكأنني سقطت في سرداب جليدي ،
وكأنني أستيقظ من حلم ،
شديت أصابعي خلفه ، غارقاً في شعره
و تسرب الدم من شفتيّ بينما تمكنت من إخراج صوت خافت : “ نالين .. سمعت أن دمك له قوى معجزة ،
و قادر على شفاء المرضى المحتضرين هل هذا صحيح؟”
صمت نالين للحظة ، ثم قال: “ نعم . لماذا تسأل؟”
{ إذاً .. هل سيتم إنقاذ أمي ؟ } لم أستطع كبح حماسي،
وأخذت نفسًا عميقًا: “ هل يمكنك أن تعطيني بعض دمك؟
أمي… أمي مريضة جدًا
إذا تمكنّا من شفاءها، يمكننا المغادرة معًا من هنا .”
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق