القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch81 JM

 Ch81 JM


لا أعلم كم من الوقت قد مضى وأنا أرسم ، حتى سمعت فجأة صوت ناي خافت ——-


كان الصوت يأتي من النافذة الغربية ، 

نغماته مثل نسر وحيد يدور عاليًا في السماء ، 

بعيد عن الطيور الأخرى ، و يصدر صرخات طويلة


كان الصوت باردًا ووحيدًا ، وبدا وكأنه يخترق الغيوم ويشق العاصفة والرعد ،

 ينظر إلى الأرض اللامتناهية والمحيط الواسع ، 

مرة تلو الأخرى ، يبحث عبثًا عن شيء ما —-


لم أستطع إلا أن أنجذب إلى صوت الناي ، فذهبت إلى النافذة وفتحت الإطار الخشبي —— 


الضباب والغيوم تتلاطم خارج النافذة ، 

وتحت نافذتي يمتد فراغ السماء الواسع


وعلى بُعد عشرات الأمتار ، استطعت أن أرى قصر على جرف مقابلي


موقعه أعلى بكثير من الغرفة التي أنا فيها


و شجرة ضخمة تشبثت بالجرف الحاد ، 

وظلالها الكثيفة وأزهارها الحمراء المتفتحة تحجب رؤيتي

ومع ذلك — ومن خلال تداخل الأغصان والأوراق، استطعت 

أن ألمح بشكلٍ ضبابي جناح على قمة الجرف ، حيث يقف شخص مرتدٍ الأبيض


لم أستطع تمييز ملامحه ، لكنني رأيت أطراف ثيابه ترفرف تحت ضوء القمر ، 

تنساب برشاقة كأنه كائن سماوي


اضطرب قلبي ، وغمرني شوق لرؤية وجه عازف الناي الحقيقي ورسمه


ولم أستطع المقاومة ، فناديت : “ياااااااا !”


توقف صوت الناي فجأة ——


سخنت أذناي ، وشعرت بشيء من الحرج


كان صوتي مبحوح ، فحلقي قد تضرر قبل أربعة عشر عامًا، 

وصار كناي مكسور يتسرب منه الهواء


والدي بالتبني قد أخذني إلى طبيب ، فقال إن حلقي تضرر 

بسبب الصراخ ، وربما له علاقة بذاكرتي المفقودة


وإضافةً إلى ذلك، أصبت بنزلة برد شديدة وسعلت طويلًا، 

ولم أُشفَ منها تمامًا


{ من الإهانة حقًا أن يقطع صوتٌ قبيح كهذا نغمة ناي جميلة كهذه }


“ من هناك ؟”


و ظهر صوت صافٍ بارد من الأعلى ، كأنه شظايا قمر مكسور تتناثر


{ يا له من صوت جميل … }


تجمدت للحظة ، ولم أجرؤ على الإجابة


أردت أن أغلق النافذة سريعًا وأختبئ في الداخل ، 

لكنني لم أستطع

تمسكت بحافة النافذة ونظرت إلى الأعلى ، وقلت : 

“ أنا… أنا رسام جديد في القصر "


ساد صمت طويل ، ولم يردّ ذلك الشخص


لم أستطع إلا أن أسخر من نفسي


{ ذلك الشخص يقيم في ذلك القصر العالي ، ومكانته بلا شك نبيلة وعالية


كيف يمكن لشخص مثله أن يهتم برسام وضيع مثلي ؟ 


إن تصرفت بتهور هكذا ، فماذا سيحدث لو أسأت إلى هذا الشخص النبيل أو الملكي ؟ }


وبينما كنت مترددًا ، لا أدري إن كان عليّ الانسحاب إلى الداخل ، تحدث ذلك الشخص فجأة 


: “ ما اسمك ؟”


تجمدت لحظة ، ولم أجرؤ على التهاون :

“ تاي شيوي — هذا التابع يُدعى تاي شيوي "


ساد صمت آخر من الأعلى 


: “ هل هذا… اسمك الحقيقي ؟ هذا قصر امبراطوري 

إن كان هناك أي خداع…”


سارعت بالدفاع عن نفسي : “ لا أجرؤ على الكذب !

اسمي حقًا تاي شيوي — هذا صحيح تمامًا و لن أجرؤ على الكذب أبدًا . لِمَ تسأل يا سيدي؟ 

هل أنت… ربما تبحث عن شخص ما؟”


ساد صمت طويل ، ثم سأل:

“ كيف عرفت ؟”


“ إنه… صوت نايك . هناك شيء فيه ، لا أستطيع وصفه جيدًا ... 

أنا… سمعت من قبل نداءات طيور فقدت رفيقها أو تاهت 

عن سربها في الغابة ، و… وهو يشبه كثيرًا صوت نايك .”


بعد أن انتهيت من الكلام ، ساد الصمت مجددًا


لا أعلم إن كنت قد قلت شيئًا خاطئًا ، وامتلأ قلبي بالقلق


لم أعد أحتمل التوتر ، وتمنيت لو أستطيع سحب كلماتي


{ إن كنت قد أخطأت في كلامي ، فقد أموت في يومي الأول في القصر ! 

ولن يرى والدي بالتبني وجهي مرة أخرى ! … 

كم سيكون ذلك مؤلمًا ؟ }

“ أنا… أخطأت في الكلام ، أرجو المعذرة يا سيدي .”


وبمجرد أن فكرت في ذلك ، سارعت إلى الركوع ، غير متأكد إن كان من في الأعلى يستطيع رؤيتي أم لا


فانحنيت وطرقت رأسي على حافة النافذة



وفجأة ، وصل إلى أذني صوت خفيف


رفعت رأسي ، فرأيت شريط طويل يتدلى أمامي ، 

مطرزًا بالذهب والفضة — ومرصع بأحجار دقيقة تشكل نمط الشمس والقمر والنجوم


بدا كحزام ، لكن نهايته معقودة ليشكل دائرة


حدقت في تلك الدائرة ، وابتلعت ريقي بتوتر


{ هل… هل يعقل أن هذا السيد يريد أن يحكم عليّ بالموت 

ويأمرني بأن أشنق نفسي ؟} : “ يا-يا سيدي

اعفُ عن حياتي !”

من شدة هلعي ، بدأت أنحني مرارًا نحو هذا الحزام ، 

لكن إحساس بارد تسلل إلى عمودي الفقري


: “ ضعه حول خصرك ، واربطه بإحكام .”


{ هاه ؟ } تجمّدت في مكاني ، أحدّق في الحزام المتأرجح أمامي ، وفكرة غير منطقية تومض في ذهني 

{ هل يمكن أن الشخص في الأعلى يريد رؤيتي ، ويستخدم هذا ليسحبني إليه ؟ 


هذا… }


ألقيت نظرة على السماء الواسعة خارج النافذة ، 

وشعرت بقشعريرة في فروة رأسي

وبصوت مرتجف قلت:

“ إذا أراد سيدي استدعائي ، يمكنه أن يأمر خدم القصر بإحضاري

لماذا… لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا ؟”


: “ افعل ما يُقال لك.”


عندما أصبح الصوت في الأعلى باردًا ، لم أجرؤ على العصيان

فمديت يدي نحو الحزام ، وكنت على وشك لفّه حول خصري ، حينها دوّى فجأة ضحك آخر من الأعلى


“ أكان السيد القديس هو من كان يعزف الناي قبل قليل؟”


بدا ذلك الضحك شابًا أيضًا


{ السيد القديس ؟ هل يمكن أن عازف الناي هو السيد القديس لطائفة توشينغ؟ } تجمّدت يدي، وغمرني شعور 

غامض بعدم الارتياح


جاء الرد بصوت بارد : “ لماذا خرج جلالتك وحدك ؟” 


رفعت الحزام إلى الأعلى ، لكن عندما أفلتّ يدي — 

لم أشعر بأي وزن يشدّه فسقط الحزام فجأة أمامي بصوت وووش —- ارتعبت 

ولم أعرف ما الذي عليّ فعله ، فأمسكت بسرعة بذلك الحزام الثمين ونظرت إلى الأعلى


و من خلال ظلال الشجرة ، استطعت أن أرى بشكلٍ باهت هيئة الشخص الآخر الذي تحدث


كان أقصر من السيد القديس ذو الأردية البيضاء ، ويرتدي رداءً أرجوانيًا ، وعلى رأسه تاج ذهبي


{ جلالته ؟

هل يمكن أن يكون هو الأمير العاشر الشاب الذي اعتلى العرش قبل أربع سنوات ؟


سيد قديس ، وملك… في أول ليلة لي هنا ، أي نوع من الحظ هذا الذي وقعت فيه ! }


( للتذكير الأمير العاشر هو نالوو ( الي اتوقع إنه تجسيد مينغ لوو ——

و الأمير التاسع هو نالين ) 


تعرّقت عرقاً بارداً من الرعب ، وسارعت لإغلاق النافذة ، 

لكنني رأيت الشخص ذو الرداء الأرجواني والتاج الذهبي ينحني للأمام وينظر إلى الأسفل


لا أعلم إن كان قد رآني ، فتراجعت بسرعة وأغلقت النافذة


: “ أظن أنني سمعت السيد القديس يتحدث للتو —-

هل كنت تتحدث مع الشخص في الأسفل ؟”


: “ كنت أصلّي للقمر ، وأدعو لجلالتك ولجميع الناس .”


: “ أوه؟ الشنغزون في عزلة زراعية ولم تخرج بعد ،

يبدو أن السيد القديس يعمل بجد

بما أنه لا يوجد أحد آخر هنا ، هل يمكنني… أن أناديك بالأخ التاسع ؟”


“ سواء كان يوجد أحد أم لا، يجب على جلالتك أن يراعي مكانته . 

إن لم يكن هناك أمر آخر ، فسأعود إلى عزلتي للزراعة .”


: “ الزراعة الروحية… أيها الأخ التاسع بعد كل هذه السنوات من الممارسة ، 

لا بد أنك أصبحت تمتلك جسدًا قريبًا من جسد الآلهة ، خالدًا لا يُفنى ، أليس كذلك؟ 

بعد كل هذه السنوات ، لم تتقدم الشنغزون في العمر ولو قليلًا ، وأظنك أنت أيضًا كذلك . 

في يوم ما، عندما أرحل ، أيها الأخ التاسع ستظل شابًا وبصحة كما أنت الآن . 

أحيانًا لا أستطيع إلا أن أتساءل، ما جدوى وجودي كملك ؟ 

يا الأخ التاسع أخبرني — بعد بضع سنوات، هل سأصبح مثل الأخ الثامن والآخرين ، أمرض وأموت ؟”


: “ يا جلالة الملك تذكّر أن تتناول دواءك في وقته ، 

ولا تُكثر من التفكير . 

لقد تأخر الوقت ، يُرجى العودة للراحة .”



———-


عندما سمعت خطوات الأقدام في الأعلى تتلاشى ، 

ولم يعد أحد ينتبه إليّ ، أدركت أنني نجوت لتوّي من كارثة


تنفست الصعداء ، لكنني ، وأنا لا أزال أمسك بالحزام ، لم أعرف أين أضعه


نظرت حولي، وشعرت أن الاحتفاظ بهذا الشيء لن يجلب إلا المتاعب ، فدفنته على مضض تحت ملاءات سريري




في الليل ، كنت في حالة شرود ، ورأيت حلمًا لم أره من قبل


في الحلم ، كان هناك شاب ذو عينين زرقاوين ، 

جماله لا يُضاهى

و كنا نعانق بعضنا ونقبّل بعضنا تحت شجرة مليئة بالأزهار الحمراء المشتعلة 


كان ظل الشجرة منخفض ، وفي الظلام ، كانت شفاهنا تحترق ، وأنفاسنا ترتجف


أجسادنا متشابكة كالأغصان، متقاربة بشدة


و قلوبنا تخفق بعنف وجنون ——


عندما أيقظني صوت الجرس ، كان قلبي لا يزال يخفق بسرعة


و ملابسي الداخلية مبللة ، وحتى سروالي مبتل


{ في أول ليلة لي في القصر… رأيت حلمًا شهوانيًا 


وكان الحلم عن شاب غريب لم ألتقِ به من قبل }



في صباح اليوم التالي ، طُرق الباب


سارعت بالنهوض وذهبت لفتحه


كانت الكاهنة التي أحضرت لي الطعام بالأمس تقف في الخارج


وعندما رأتني، اتسعت عيناها بصدمة، كأنها رأت شبحًا


عندها أدركت أنني لم أضع قناعي


خشيت أن أفزعها ، فعُدت سريعًا إلى الغرفة ، أخذت القناع وارتديته


“ آسف ، لم أقصد إخافتك . 

كنت مستعجلًا عندما استيقظت للتو .”


: “ كيف حصلت على هذه الندبة في وجهك؟”


فاجأني سؤال الكاهنة — كان صوتها خشنًا مبحوحًا ، كأنه احترق بالنار


نظرت إلى وجهها ، ورغم أن ما يظهر منه فقط عيناها وحاجباها ، 

إلا أنني استطعت تمييز آثار حروق على بشرتها


لم أستطع تحديد عمرها بدقة ، لكن من هيئتها ، بدت في الأربعين أو الخمسين من عمرها


: “ أنا… سقطت "


لم تسأل المزيد ، وأمرتني أن أغتسل وأبدّل ملابسي ، قائلة إن الملك يريد رؤيتي


خمنت أن الأمر له علاقة بما حدث الليلة الماضية ، 

وشعرت بأن المتاعب قادمة ، 

وربما حتى خطر فقدان حياتي ،

وبينما أرتدي ملابسي ، نزعت خاتم العقيق من عنقي وخبأته تحت الوسادة ….



يتبع

الفصل التالي الفصل السابق
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي