القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch88 JM

 Ch88 JM


من تحت ظل قبعته ، حدقت عيناه الزرقاوان بي من الأعلى، 

وحواف عينيه محمرة ، وأنفاسه ثقيلة ، وكأنه كان يركض في 

العاصفة الثلجية لساعات ، وقد تراكم الجليد على معطفه ،،


تبادلنا النظرات للحظة ، متجمدين في مكاننا


تحرك بصره من أعلى إلى أسفل ، ببطء ، وكأنه يتفحصني ، 

حتى استقر أخيرًا على الشخص الذي بين ذراعيّ  


: “ س-سيدي القديس، جلالة الملك أغمي عليه.”


: “ أرى ذلك، لا حاجة لتذكيري .” 


كان صوت بارد ، و كل كلمة فيه كأنها شظية جليد تسقط على الأرض


ارتجفت لا إراديًا وهو يجثو ، ممسكًا بحلق الملك بيد واحدة


تفاجأت ، لكنني رأيته يعض إصبعه ، ويستخرج الدم ، ثم يضغطه على شفتي الملك


بعد أن سقاه من دمه ، أخذ كمية من الثلج ومسح بها بقايا الدم عن شفتي الملك


نالين : “ لا تخبره بهذا "


: “ ل-لماذا؟” تذكرت كلمات الملك سابقًا ، 

{ لكن يبدو أن الأمر ليس كما ظننت —- لم يكن السيد 

القديس غير مبالٍ بحياة أخيه أو موته ، 

بل يبدو أن الملك هو من يسيء فهم هذا القديس ، 

بينما السيد القديس لا يرغب في التوضيح }


لم يُجبني و اكتفى بوضع الملك على ظهر الذئب الأكبر ، 

ونزع معطفه وغطّاه بها، وثبّته بحزام


ثم ربت على الذئب تربيته خفيفة ، فانطلق مسرعًا حاملاً الملك بعيدًا


سألت بفضول : “ هل يعرف هذا الذئب الطريق؟” 


: “ إنه ذئب ربيته ، بالطبع يعرف الطريق . 

بل إنه يعرف الناس ويقدّر العلاقات… 

أفضل بكثير من شخصٍ معين .”


انقبض قلبي ، وشعرت أن ' الشخص المعين ' الذي يقصده هو أنا

تذكرت كيف بدا ذئب الثلج وكأنه يعرفني قبل قليل

{ أحيانًا هذه الوحوش التي تملك غريزة تشبه البشر ، 

تكون ذاكرتها أفضل من البشر أنفسهم }

عاد الشك يتسلل إلى قلبي

{ هل يمكن أن تكون هناك حقًا علاقة قديمة بيني وبين السيد القديس… وبين الملك ؟

هل كنت يومًا من أهل القصر ؟}


رأيته يتفقد محيط الخيام واحدة تلو الأخرى، 

وكأنه يبحث عن ناجين، فسارعت للحاق به



لكن بعد البحث ، لم نجد أي شخص حي


بدا أنه عند حدوث الانهيار الثلجي ، كان الجميع في الخارج، باستثناء الملك


وربما كان السبب في نجاتي أن الذئب عثر عليّ في الوقت المناسب


: “ سيدي القديس… لولا ذئبك ، ربما أنا…” توقفت الكلمات في حلقي وأنا أنظر إلى الجثث المتجمدة التي كان يجرّها، 

وشعور بالخوف يجتاحني


نالين بصوت خافت : “ لقد ماتوا بسببي ،

لولا مهارتي في اختيار موقع المخيم ، لما نفخوا في الأبواق 

وتسببوا في الانهيار الثلجي .”


: “ ولماذا كنت هنا في ذلك الوقت ؟” تذكرت الطائر الكبير 

الذي اقتحم الخيمة وأنقذني ، وبدأت فكرة غريبة تتشكل في ذهني


ألقى نظرة جانبية نحوي ، وشفاهه مشدودة ، 

وخط فكه يتحرك قليلًا ، وكأنه يضغط على أسنانه ، لكنه لم يقل كلمة


دفن الجثث بالثلج ، ثم جثا ووضع يده على سطحها

بعد ذلك انحنى ثلاث مرات ، وضمّ يديه أمام صدره وتمتم بكلمات خافتة


خمنت أنه يؤدي طقسًا لتهدئة أرواح الموتى ، 

فركعت أنا أيضًا وقلدته


وعندما انتهينا، كان الظلام قد خيّم تمامًا


كان الجو باردًا بالفعل عند المساء ، لكنه الآن أصبح أشد قسوة ، يخترق العظام


لحسن الحظ، لا تزال المدفأة صالحة للاستخدام 

و الطبقة الخارجية من الخيمة المنهارة تجمدت ، 

ولم يعد بالإمكان نصبها ، أما الداخل فكان ضيقًا ، 

لا يتسع إلا لشخص واحد


وضع السيد القديس المدفأة في الداخل ، ثم نظر إليّ ، 

ولما رآني مترددًا ، عبس بحاجبيه وقال:


“ ما الذي تنتظره ؟ ادخل بسرعة .”


“ و… وماذا عنك ؟”


فجأة اشتدّ معصمي ، وقبل أن أستوعب ، سُحبت إلى داخل الخيمة ، وحُبست بقوة بين ذراعيه


ارتبكت ، وحاولت المقاومة قليلًا ، لكنه أحكم قبضته على خصري


: “ سيدي القديس؟”


نالين : “ ما الأمر ؟ ألم تكن أنت وجلالة الملك تعانقان بعضكما هكذا قبل قليل ؟ 

عندما يصبح الأمر معي ، لم تعد قادرًا على التكيف ؟” 


حدّق بي، يسأل كلمة كلمة


: “ أنا… كنت أنا وجلالة الملك فقط نحاول التدفئة.” 

شرحت له دون وعي، لكن أصابعه حول خصري شدّت أكثر 

فأكثر ، حتى كادت تمزق ردائي الخفيف 


نالين بصوت خافت : “ ألسنا أنا وأنت سواء ؟

إن لم ترغب في التجمد حتى الموت الليلة ، فتمسّك جيدًا .”


سحبت يديّ بخجل ، ولم أجرؤ على فعل ما قال ، 

لكنه أمسك بهما وأجبرني على لفّهما حول خصره


امتلأ أنفي برائحة باردة خفيفة ممزوجة بعطر رجولي لطيف، 

وبدأ قلبي يخفق بعنف


لم أجرؤ على رفع رأسي للنظر في عينيه القريبتين، 

فاكتفيت بخف عيني ، لكنني شعرت بوضوح بنظرته الثقيلة، 

وكأنها شيء ملموس يسقط على وجهي


: “ كيف حصلت على هذه الندبة ؟ 

بعد أن تركتني تلك الليلة ، لم يُرَ لك أثر طوال أربعة عشر عامًا

أرسلت من يبحث عنك ، لكن لم أجدك . أين ذهبت ؟ 

ما الذي مررت به؟ 

الليلة نحن وحدنا و لدينا متسع من الوقت… 

أخبرني بكل شيء . أريد أن أعرف كل شيء .”


: “ أنا…” عجزت عن الكلام للحظة


لم يكن لدي أي ذكرى عن ماضيّ قبل أربعة عشر عامًا، 

ولم أتذكر ما حدث بيني وبينه

و لم يكن هناك دليل يثبت أنني الشخص الذي يعرفه ، 

لكن حدسي جعلني أرغب في تصديقه


وبينما كنت مترددًا ، قُبض على ذقني وأُجبرت على رفع رأسي :

“ تكلّم "


أفزعتني عيناه ، وتلعثم لساني:

“ أنا… أنا لا أتذكر . سيدي القديس بصراحة لقد تضرر دماغي سابقاً ، وفقدت بعض الذكريات . 

حتى لو كنا نعرف بعضنا حقًا ، لم أعد أستطيع تذكر ذلك. 

أرجوك ، لا تجعل الأمر صعبًا عليّ…”


تجمدت اليد التي تمسك بذقني


تقلصت حدقتاه ، وارتجفت رموشه :

“ كيف تضرر دماغك ؟”


: “ ال… الطبيب قال إنني اصطدمت بصخرة في النهر…” 


بدأ رأسي يؤلمني مجددًا


رفعت يدي لأبعد يده ، لكن عنقي أُمسك ، وضُغط رأسي إلى صدره


: “ كيف سقطت في النهر؟”


هززت رأسي:

“ لا… لا أعلم أيضًا . لا أتذكر شيئًا مما حدث قبل ذلك .”


شدّت اليد خلف عنقي فجأة ، وانغرست أصابعه في شعري، 

وسقطت قطرة ساخنة على منتصف جبيني، 

و انزلقت على طرف أنفي، ثم وصلت إلى شفتيّ

لعقتها دون وعي—كانت مالحة ( دموع )


تفاجأت ، ورفعت عيني ، فرأيت السيد القديس مغمض العينين ، و رموشه الكثيفة مبللة


{ إنه… يبكي ؟ } “ سيدي القديس !” 

{ لماذا يبكي ؟ } 

ارتبكت ، ورفعت يدي غريزيًا لأمسح دموعه ، 

لكنني رأيته ينحني ، وفجأة غُطيت شفتي بشيء ساخن وناعم


تجمد عقلي للحظة ، وعندما شعرت بالألم اللاذع من عضّ 

شفتي وأسنانّي ، أدركت أخيرًا— أن السيد القديس يقبّلني


مددت يدي غريزيًا لأدفعه ، لكنهما أُمسكتا بإحكام وضُغطتا إلى جانبيّ


ازداد ضغط شفتيه ، وفتح فمي بقوة ، وتشابك لساني بوحشية


امتلأ فمي بطعم الدم ، ولم أستطع التنفس ، واشتعل رأسي 

كما لو أن وحشًا محبوسًا يركض داخله


شعرت بالدوار ، وعندما انفصلت شفاهنا وألسنتنا، كان وجهي مغطى بالدموع


سأل نالين مجددًا : “ أنت تكذب عليّ أليس كذلك؟

أنت لم تنساني .. صحيح ؟”


: “ لم… لم أكذب… لا أجرؤ على خداع السيد القديس…” 

كان الألم لا يُحتمل

تأوهت بصعوبة ونظرت إليه ودموعي في عينيّ


و في مواجهة الضوء ، لم أستطع رؤية تعبيره ، لم أستطع إلا أن أشم أنفاسه الثقيلة 


نالين تمتم : “ لا يهم… أيًا يكن…

سواء نسيت أم لا … بما أنك ظهرت أمامي مجددًا ، فلن أتركك أبدًا .”


كان صوته منخفضًا ومليئًا بجنونٍ خفي ، 

ذكّرني بابتسامته عندما كان يُطعم أولئك الكهنة دمه أمامي


خفق قلبي بعنف—{ لن يتركني ؟ 

بمعنى آخر، لن يسمح لي بمغادرة القصر؟ }


عندما فكرت في أنني قد لا أرى والدي بالتبني مجددًا ، 

وتذكرت صوته وهو يناديني ويطاردني قبل أن أفارقه ، اجتاحني الذعر 


: “ ربما… يا سيدي القديس ، ربما لستُ الشخص الذي تعرفه ، أنا فقط أشبهه قليلًا… 

آوه يبدو أن لدي بعض الذكريات ! 

كنت أنا ووالدي نعيش قرب البحر ، ولم نأتِ إلى المدينة الملكية من قبل ، لذا من المستحيل أن نكون قد التقينا بك… 

سيدي القديس، لا بد أنك أخطأت في…”


توقفت عن هرائي ، لكنه ظل يحدق بي بصمت


تجمد الهواء ، وساد صمت ثقيل


بعد وقت طويل ، رأيته يرفع طرف شفتيه ببطء ، 

وعيناه الزرقاء تلمعان بابتسامة مظلمة


: “ في البداية قلت إنك نسيت، والآن تقول إن لديك بعض الذكريات . أيّ من كلامك صحيح ؟”


أرسلت نظرته قشعريرة في جسدي ، فتراجعت متلعثمًا:

“ لم أكن أتذكر من قبل ، لكن بعد سؤال السيد القديس الآن ، تذكرت قليلًا… 

أقسم أنني لم أقصد الكذب عليك

لا بد أن السيد القديس قد أخطأ في الشخص

بعد أن أنتهي من رسم صورتك وصورة الشنغزون

أرجو أن ترحمني وتسمح لي بمغادرة القصر…”


حدّق بي، وعيناه محمرّتان، وأسنانُه تكاد تتحطم من شدة الضغط :

“ إذًا أنت الآن تكذب عليّ مرة أخرى ؟”


اليدان اللتان كانتا تمسكان بخصري شدّتا بقوة ، 

حتى كأنهما تريدان تحطيم عمودي الفقري


هززت رأسي محاولًا التفسير ، لكنه فجأة أمسك بعنقي ودفعني إلى الأسفل على الثلج


: “ سيدي القديس!” صرخت بخوف


شعرت أن في عينيه نية قتل ، فقاومت غريزيًا ، 

لكن الخيمة ضيقة ، ولم يكن لدي مكان أهرب إليه

و ضغطني بقوة


شفاهه تلامس شفتي وعنقي بعنف ، وتمزقت ملابسي ، 

وانكشف صدري للهواء البارد ، فارتجفت من شدة البرد


فجأة توقف ، فتحت عيني — رأيته يحدق في صدري


خفضت بصري ، ورأيت أثر عضّة غامض على الجهة اليمنى من صدري ، بالقرب من الحلمة —


{ هذا الأثر… تركه الملك }

 


نالين : “ سيدي القديس هاه ؟ 

وما زلت تجرؤ على مناداتي بسيدي القديس؟” 


قال بصوت مبحوح ، رافعًا رأسه نحوي بعينين محمرتين


تسلل شعور سيئ إلى قلبي ، فغطّيت أثر العضة بذعر


لكنه ضغط يدي في الثلج مجددًا


انحنى، وفجأة اخترق الألم صدري


“ آه!”


صرخت من الألم وتلوّيت بعنف ، 

لكنه أحكم قبضته على خصري ، وعضّ مكان العضة كوحش


و امتدت يده على طول عمودي الفقري وانزلقت إلى داخل بنطالي


ارتجفت ، وارتفع خصري ، وبدأت أركل بيأس : 

“ سيدي القديس، أنا لست، أنا لست كذلك، أرجوك اعفُ عني…”


الخيمة التي كانت مائلة أصلًا اهتزت بعد ركلي ، ثم انهارت فوقه


تأوه القديس ، وبدا أنه تألم ، فرفع نفسه بصعوبة ، وغرز أصابعه العشر في الثلج وهو يسند رأسي ، وأخذ نفسًا عميقًا


في هذه اللحظة ، ومع صوت “ آووو”، اندفع رأس ذئب ضخم إلى الفراغ بيننا ، 

يلعق وجهي ووجهه عشوائيًا، ويرتجف


و من الواضح أنه لم يعد يحتمل البرد خارج الخيمة


تمسكت بهذا الأمل وكأنه طوق نجاة ، ونظرت إليه ودموعي في عينيّ : “ س-سيدي القديس أرجوك دعه يدخل

انظر، إنه يرتجف

إن بقي في الخارج طوال الليل، سيتجمد حتى الموت .”


وقف السيد القديس بوجه بارد ، وسحبني إلى حجره ،  

فاضطر ذئب الثلج أن ينضغط بجانبنا


الخيمة ضيقة ، فتحركت لأفسح له مكانًا ، لكن أردافي اصطدمت بشيء صلب وساخن

و كرجل —- أدركت فورًا ما هو —- فتجمدت


: “ سيدي… سيدي القديس…”


رد نالين بحدة وهو يضغط على أسنانه : “ لا تتحرك.” 


: “ ح-حسنًا…”


تذكرت تصرفاته الجنونية قبل قليل ، فلم أجرؤ على القيام 

بأي حركة طائشة ، فاكتفيت بالجلوس بهدوء


منكمشًا بين ذراعيه ، مسحت دموعي خلسة ، ولم أجرؤ على التفوه بكلمة واحدة ...


يتبع

الفصل التالي الفصل السابق
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي