Ch15 amtwbd
خيمت رائحة المطهر النفاذة في ردهة المستشفى ،
تملأ الأجواء بعبيرها القوي——
دفعت الممرضة عربة العلاج مارةً بجانب لين تينغ وشين تشوهان ، فبدت جلبة العجلات المتدحرجة صاخبة للغاية .
وفي هذه الأثناء ، جلست العمة الثانية على مقعد الزوار خلفهما ، مطأطئة رأسها وهي تمسح دموعها باستمرار ..
وقف لين تينغ بقلق خارج باب غرفة الطوارئ ، وقلبه يقرع في صدره .
وبأصابع مرتجفة ، مد يده ليلمس السطح المعدني البارد ، بينما علقت رائحة المطهر الخفيفة في الهواء ..
وقف أمام النافذة المخصصة للزوار ، لكنه ككفيف ،
لم يستطع رؤية أي شيء من خلالها ..
انزلقت أطراف أصابعه الباردة المحمرة فوق السطح ،
ولم يستطع الفكاك من الشعور بأن حاجزاً رقيقاً فقط يفصله هو عن الموت——
" سيد شين ، " قال لين تينغ فجأة ، وبدا صوته خشناً ..
بمجرد نطق الكلمات ، أمسك شين تشوهان بإصبعه وعصره مرتين ، وكأنه يحاول مواساته .
لاحظ لين تينغ لفتة المواساة من الطرف الآخر ، فهز رأسه قليلاً وحاول إرغام نفسه على الابتسام ،
ثم سأل : " لا بأس . هل يمكنك من فضلك إخباري بما يحدث في الداخل ؟ "
ألقى شين تشوهان نظرة عليه ، وومضت مسحة من القلق في عينيه ، قبل أن يلتفت ليحدق في نافذة العرض .
" انتهت العملية الآن ، " قال الرجل بهدوء ، ثم التفت لينظر إلى لين تينغ مرة أخرى . وبما أنه لم يلمس أي رد فعل فوري منه ،
تابع شين تشوهان : " والدة السيد لين تبدو كأنها ... "
توقف لبرهة ، ثم تحدث ببطء : " ... ترتاح بسلام "
خفض لين تينغ جفنيه ، وحجبت رموشه الكثيفة بؤبؤيه المظلمين .
لاحظ شين تشوهان الاحمرار في زوايا عيني لين تينغ ، وهو أمر لم يستطع الشاب إخفاءه .
فرك بلطف مفاصل أصابع لين تينغ بأطراف أصابعه ، ثم مد يده وجذبه إلى عناقه .
استند الشاب بطاعة برأسه على صدر شين تشوهان ، واهتز كتفاه قليلاً وهو يطلق تنهيدات متقطعة ——
قبضت أصابعه النحيلة بقوة على ملابس شين تشوهان حتى ابيضت مفاصله . شعر شين تشوهان برغبة عارمة في الإمساك بيده ومشاركته دفأه .
" سيكون كل شيء على ما يرام ، " طمأنه شين تشوهان وهو يربت على ظهر لين تينغ بلطف .
بدا الشاب الذي بين ذراعيه هشاً للغاية ، وكأنه قد ينكسر بلمسة رقيقة واحدة . ومع ذلك ، رفع شين تشوهان رأسه ليلقي نظرة على نافذة العرض مرة أخرى ، وكان جهاز مراقبة معدل ضربات القلب بجانب السرير لا يزال يطلق صفيره بانتظام .
لاحقاً ، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ ممسكاً بسجل طبي ، وندى : " عائلة المريض في السرير رقم 63 ... "
" هنا ! " قال لين تينغ والعمة الثانية في وقت واحد ، فاستقرت نظرات الطبيب عليهما لبضع ثوانٍ .
ثم أشارت العمة الثانية إلى لين تينغ وقالت : " هذا ابن أختي . "
أراد الطبيب أن يبتسم برأفة ، وشعرت العمة الثانية أن عينيه بدتا حزينتين للغاية حين نظر إلى لين تينغ ..
ومع ذلك ، عندما استدار لين تينغ ونظر إليه ، توقف فجأة وقال : " آسف ، عيناي ... إنه ليس وقتاً مناسباً "
بعد سماع ما قاله لين تينغ ، أدرك الطبيب على الفور أن عيني لين تينغ بدتا مختلفتين عن أعين معظم الناس .
رفع حاجبيه ثم خلع قناعه : " سيدي ، حالة والدتك ليست جيدة تماماً .
الورم قد انتشر بشكل واسع ،
وحتى الجراحة قد لا تتمكن من استئصاله بالكامل .."
" بالإضافة إلى ذلك ، ربما لا يتحمل جسدها ضغط الجراحة .
في حالتنا هذه ، إذا واصلنا ، فقد ... "
خفض الطبيب صوته ، " قد لا يطول الأمر .. "
" أدوية العلاج الكيميائي قد تكون قاسية جداً عليها ، " أوضح الطبيب بتعاطف . " لذا ، أحتاج من عائلتكم أن تكون مستعدة نفسياً لما ينتظرها في المستقبل . لديكم أيضاً قرار لتتخذوه بشأن الاستمرار في العلاج .. "
بعد قول ذلك ، مد الطبيب يده وربت على كتف لين تينغ مرتين ،
ثم أومأ لشين تشوهان والعمة الثانية قبل أن يغادر بسرعة حاملاً ملف الحالة——
ظل لين تينغ ساكناً ، عاجزاً عن استيعاب كلمات الطبيب .
امتلأ عقله بخليط مشوش من الأفكار ، وحدق بذهول في المشهد الضبابي أمامه ، غارقاً في هواجسه .
ولم يستفق لين تينغ ببطء ويعود إلى الواقع إلا عندما سمع شين تشوهان ينادي اسمه ..
" سيد لين ، هل أنت بخير ؟ " سأل شين تشوهان بقلق ، واضعاً يده على خصر لين تينغ .
كان وجه الشاب أمامه شاحباً ، وكأنه يوشك على الانهيار في أي لحظة بعد سماع الأخبار السيئة ..
رفع لين تينغ رأسه ببطء ، شاعراً وكأنه دمية خالية من الحياة .
حاول سماع ما يقوله شين تشوهان ، لكن الضجيج من حوله كان صاخباً للغاية . كانت أذناه حساستين لدرجة أن الأصوات بدت غامرة ، مما جعل من الصعب سماع صوت شين تشوهان .
كان المكان صاخباً جداً ..
شعر لين تينغ برغبة في رفع يديه وحماية أذنيه من هذا الضجيج الساحق .
ارتجفت يده المتدلية بجانبه وكأن عليه الاختيار بين خيارين مروعين .
وسط الضجيج الشديد ، انقبضت تعابير لين تينغ في تقطيبة عميقة .
غرس أطراف أصابعه بقوة في راحة يده ، ومع ذلك بدا وكأنه لا يشعر بأي ألم ، وكأن الضجيج الغامر قد خدر حواسه تماماً ———
أغمض عينيه بقوة ، واجتاحت عقله ذكريات ما قبل أحد عشر عاماً بلا سيطرة : لحظة تدحرج الصخرة ، والثانية التي اصطدمت فيها بالحافلة ، ومنظر زملائه في الصف الأمامي وهم ملطخون بالدماء الحمراء الزاهية———
وسط البكاء ، ازداد الضجيج صخباً ، وبدا زعيق الأبواق المتواصل وكأنه يثقب طبلة أذنيه .
صرخات الاستغاثة الضعيفة جعلت لين تينغ يشعر بالدوار ..
صاخب جداً ...
وسط الضجيج الذي يصم الآذان ، تردد صدى صوت مستمر في قلبه——
" توقف عن الاستماع ، " هتف شين تشوهان بإلحاح .
في اللحظة التالية ، رفع يديه وغطى أذنيه ، مستخدماً جسده لحجب كل الأصوات المحيطة .
بينما فتح لين تينغ عينيه ببطء ، استشعر دفئاً مطمئناً ينبعث من جانبي وجنتيه .
إنه أمر غريب حقاً ; فهو لا يستطيع سماع أي شيء على الإطلاق ..
تحركت حنجرته صعوداً وهبوطاً مرتين ،
ومد يده ببطء ليمسك بحاشية ملابس شين تشوهان .
بعد ذلك ،
سمع شين تشوهان لين تينغ يسأل بصوت حزين يكاد يكون متوسلاً : " سيد شين ، هل يمكنك أن تأخذني إلى الداخل ؟ "
اضطر لين تينغ لاستجماع كل قوته لنطق تلك الكلمات .
أومأ شين تشوهان برأسه قليلاً واستجاب بـ " همم " ثم أمسك بيد لين تينغ وقاده خطوة بخطوة إلى داخل غرفة العمليات .
كانت رائحة المطهر في الجناح أقوى منها في الردهة بالخارج ، وحتى في البقع المشمسة ، لم تستطع الرائحة مقاومة البرد القارس .
استمر جهاز تخطيط القلب في النبض ، كل نبضة تقطع صمت الغرفة .
كان المكان هادئاً لدرجة أن خطوات لين تينغ كان لها صدى واضح ، مما خلق إحساساً مخيفاً وكأنه انتقل إلى عالم مختلف تماماً .
قاده شين تشوهان بلطف ليتوقف بجانب سرير المستشفى .
مد لين تينغ يده بحذر وتحسس حافة السرير ، ملاحظاً الأنابيب المختلفة المعلقة في مكان قريب ، والتي تحتوي على سائل بارد .
وتقدم لين تينغ تدريجياً ، خطوة بخطوة ، حتى مد يده أخيراً ووجد يد والدته مخبأة تحت اللحاف ..
أصبحت يدا المرأة خشنة بشكل ملحوظ .
تذكر لين تينغ كيف كانت تعتز بيديها ، لكنه لم يستطع تحديد متى بدأت التجاعيد تحل محل بشرتها الناعمة ، ولم يتبقَ سوى طبقة رقيقة من الجلد تغطي عظام يدها ..
ومع تصاعد المشاعر بداخله ، شعر لين تينغ بدفء في عينيه ، وهي علامة تنذر بانهمار الدموع ——
أصغى إلى الأصوات الممتزجة لجهاز التنفس الاصطناعي وجهاز مراقبة القلب التي تتردد في أذنيه ، وهي تذكرة مستمرة بالحالة الدقيقة لصحة والدته .
بقلب مثقل ، تمتم بنعومة ، وكأنه يحدث نفسه ، " ... أنا آسف ، " وحملت كلماته ثقل الندم والأسى ..
ومع ذلك ، هذه المرة ، لم تكن قادرة على الرد عليه كما اعتادت من قبل ..
لم يعد لين تينغ قادراً على سماع صوتها الناعم ——-
شعر وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة ، بينما كانت حياتها هي الوحيدة التي تتسرب ببطء ..
بعد مغادرة غرفة العمليات ، ظل لين تينغ صامتاً لفترة طويلة .
أبقى رأسه منخفضاً وسار بصمت بجانب شين تشوهان .
حتى ظله على الأرض بدا وحيداً بشكل خاص .
أبقى شين تشوهان نظره مثبتاً على لين تينغ طوال الوقت .
بدا لين تينغ هشاً للغاية بالنسبة له .
توقع شين تشوهان أن يبكي لين تينغ ، لكنه لم يذرف دمعة واحدة ..
ظل هادئاً بشكل غير عادي ، وكأنه قد يتلاشى من أمام ناظري شين تشوهان في رمشة عين .
زاد هذا من شعور شين تشوهان بالإلحاح ، مما دفعه لمراقبة لين تينغ عن كثب ، مستعداً للتدخل بسرعة إذا لزم الأمر لمنع أي قرارات أو أفعال متهورة .
جرفت الرياح السحب بعيداً عن الأفق ، كاشفة عن الشمس .
بدت أشعتها الذهبية الساطعة عليهما دافئة ومريحة ..
تنحنح شين تشوهان وتحدث أخيراً ، منهياً الصمت الطويل ..
" سيد لين ؟ " كان صوت شين تشوهان حذراً وناعماً .
ولحسن الحظ ، سمعه لين تينغ وتوقف ، رافعاً رأسه ليلتقي بنظراته .
ومع ثبات نظرات لين تينغ عليه ، وجد شين تشوهان نفسه معقود اللسان مرة أخرى ..
قطب حاجبيه وصارع أفكاره لبرهة ، وفي النهاية تمكن من نطق جملة واحدة فقط : " الطقس جميل حقاً اليوم .. "
{ آآآه ... . }
كيف يمكنه قول شيء كهذا ؟
رمش لين تينغ بضع مرات بارتباك ، ثم أومأ بالموافقة في النهاية ..
" أردت فقط أن أقول للسيد لين ، " قال شين تشوهان وهو يلمس رقبته بتوتر .
" يبدو أن الشجرة أمام المستشفى بدأت في التبرعم ، "
" سيد لين ، هل تعلم ... الربيع قادم قريباً ، " أضاف شين تشوهان بنعومة .
داعبت الرياح الباردة شعر لين تينغ الأسود فوق جبهته ، ورمش برموشه ببطء .
خفض لين تينغ رأسه قليلاً ، وبدا غارقاً في التفكير .
شعر شين تشوهان بالانزعاج من نفسه لتحدثه بشكل غير واضح .
وظهرت على تعابيره ، المتحفظة عادةً ، مجموعة من العواطف وهو يفكر في تغيير الموضوع ..
وفجأة ، وبينما كان على وشك قول شيء آخر ، أمسك لين تينغ بحاشية ملابسه .
في اللحظة التالية ، ارتجفت شفتا لين تينغ ، وحدق في شين تشوهان بعينين محمرتين .
" سيد شين ، هل يمكنك ... أن تعانقني في الربيع ؟ " سأل لين تينغ بصوت يرتعش ——-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق