Ch2 St
قبل لحظة كان المكان جنة ، وفي الثانية التالية صار حطاماً !
مضى وي جيايي في نومه مستلقياً على جنبه ، حتى انتزعه اهتزاز غريب وعنيف للسرير من أحلامه .
تطلع حوله بذهول ، وفي تلك اللحظة سقطت خزانة جانب السرير بجواره محدثة دويًا مرتفعًا .
استيقظ فزعًا ، وضغط بيديه على السرير ليجلس ،، ثم استدار ليهبط ، فإذا بقديمه تطأ طبقة من الماء الأسود البارد تطفو فوق الأرضية الخشبية ؛ ليشهد تلك اللحظة التي اجتاحت فيها الأمواج المظلمة الجزيرة——
ارتفع الماء سريعاً حتى غطى ربلة ساقه ، وبدا أن بداخله شظايا صلبة وخزت قدميه ، لكنه توقف عن الارتفاع .
بدا المشهد خيالياً ومرعباً لدرجة أنه ظن نفسه في كابوس !
وضع قدميه على الأرض ، ولم يجد خفه ، فمضى يترنح وسط الماء متجهاً نحو النافذة ——
تقع النافذة في الجدار المقابل للسرير ، وتفصلها عنه مسافة تزيد عن السبعة أمتار .
صوّب نظره نحو النافذة ، وخطا بضع خطوات ، وفجأة شعر كأن يداً انتشلته من ماء دافئ لتلقي به في صقيع الجليد ؛ فاستعاد وعيه بالكامل من شدة البرد ، إذ رأى خلف الزجاج بحراً شاسعاً !
اصطبغت السماء بلون أبيض مائل للزرقة الباردة——
اختفت أشجار النخيل والحدائق والمنازل البعيدة ،، ولم يبقَ سوى سطح الماء الأسود يرتجف بتموجات رمادية ، ويمتد حتى منتصف الجبال البعيدة ..
طفت فوقه أسقف سيارات وقطع خشبية ، وكأن هذا المكان كان دوماً جزءاً من المحيط .
تصلبت أطراف وي جيايي ، وقفزت إلى ذهنه فكرة 'الفيضان الجبلي' و'التسونامي' ، و ومضت في رأسه غريزة البقاء وضرورة الهروب ، لكنه عجز للحظة عن تذكر أي وسيلة أو وجهة يهرب إليها !
هل تدرب يوماً على خطط النجاة من أمواج التسونامي؟
هل علمه أحد ذلك؟
غابت الذاكرة تماماً── · ·
تسمر وي جيايي في مكانه ، ومضت دقائق حتى بدا أن الماء بدأ ينحسر تدريجياً نحو الأسفل .
تلاشت المياه المتجمعة فوق الأرضية ، مخلفة وراءها طبقة من الوحل والركام ذات رائحة نتنة .
وبدت الجبال البعيدة خارج النافذة وقد انكشف جزء أكبر منها ، فرأى وي جيايي أضواء سيارات كثيرة تومض عند القمة ، ولم يدرِ إن كانت لجموع نجحت في الفرار مبكراً .
{ أبحث عن هاتفي أولاً }
وجد وي جيايي أخيراً شيئاً يفعله .
مد يده ليمسح قشعريرة الجلد التي غطت ذراعه ، وعاد إلى جانب السرير ، ثم انحنى وبذل جهداً ليرفع خزانة السرير الساقطة .
وجد الهاتف محشوراً تحت الخزانة ؛ كان مبتلاً وملطخاً بالقاذورات .
تهشمت الشاشة لكنها لا تزال تعمل ، وتشير إلى الساعة الثالثة فجراً ، غير أن إشارة الشبكة لم تزد عن شرطة واحدة .
فك قفل الشاشة وحاول إرسال رسائل أو إجراء مكالمات ، لكنها فشلت جميعاً—
عثر وي جيايي على خفه ، وانتعله ثم اتجه نحو باب الغرفة .
عند فتحه ، وجد أنوار الممر مطفأة تماماً ، وساد ظلام دامس لا يرى فيه المرء كفه .
فتح كشاف الهاتف ، وسلط الضوء حوله ، فلم يرَ سوى أرضية يعمها الخراب وديكورات الجدران المتساقطة هنا وهناك ——
"هل من أحد هنا؟" نادى وي جيايي ، فتردد صدى ضعيف في الممر الخالي .
لم يجبه أحد ، فشعر برعشة في جسده من هول الموقف .
أطفأ الكشاف وعاد إلى جانب السرير ، وجلس على الحافة مفكراً في حل وسط هذه الفوضى الذهنية .
تقع غرفة وي جيايي في الطابق الأخير من مبنى الفندق الرئيسي ، وتطل نافذتها على الحديقة ، وهي نافذة ليست كبيرة ولا تحوي شرفة ..
يسكن هو في الغرفة الوحيدة بالطابق العلوي ، وهي الغرفة الوحيدة التي لا تطل على البحر ، وهذا ما علمه من لي مينغ تشنغ أثناء حديثهما .
قال لي مينغ تشنغ إن عدد الضيوف كبير ، وإن لي مينغ ميان استأجر الفندق بالكامل حتى امتلأ عن آخره !
أقام أغلب الضيوف في الفيلات ، بينما خُصص المبنى الرئيسي لشركة تنظيم الحفلات وفريق التصوير .
ويضم الطابق العلوي مسبحاً ونادياً إدارياً ، وغرفه قليلة وتطل على الحديقة .
وبما أن الغرف المطلة على البحر في الطوابق السفلية قد حجزها الآخرون ، فقد خصص لي مينغ ميان هذه الغرفة لـوي جيايي الذي وصل متأخراً ..
شتم لي مينغ تشنغ قريبه ووصفه بالمنفعة ، لكن بالنظر لما حدث ، شعر وي جيايي بالامتنان لهذا الإهمال .
فلولا متانة مبنى الفندق الرئيسي ، ووجوده في الطابق الثاني عشر الأعلى ، لكان الآن في عداد المفقودين ...
انحسرت أمواج البحر بعد وقت قصير .
لم تكن حقائب وي جيايي كثيرة ، لذا لم يحمل حقيبة سفر ، بل اكتفى بحقيبة ظهر للتسلق .
كانت الحقيبة مثبتة على حامل الأمتعة ، فنجت من الكارثة .
جمع أغراضه ، وانتعل حذاءه الرياضي ، وحشر مياه الشرب والطعام والمناشف الموجودة في الغرفة داخل حقيبته .
حملها على ظهره ، وسار في الممر حتى نهايته ، ثم دفع باب سلم الطوارئ .
انقطع التيار الكهربائي عن الفندق تماماً ، فاشتغلت أضواء الطوارئ في السلم .
نزل وي جيايي بحذر ، وعندما وصل إلى الردهة ، هاجمت أنفه رائحة وحل وزفر شديدة ، بينما ازداد بياض السماء وبدا أن الشمس ستشرق——
شعر وي جيايي برغبة في القيء من شدة الرائحة ، وضغط على ضلوعه وهو يتلفت حوله .
نفذ ضوء برتقالي من الخارج ، فكشف أن ردهة الاستقبال الفاخرة والواسعة تحولت إلى مستنقع أسود وبني ، وتناثرت فوق الأرض خزائن محطمة ، وزينة ، وقطع خشبية جرفتها المياه من مكان ما ...
انكفأت الأرائك البيضاء على الأرض ، واختفت منصة الاستقبال تماماً── · ·
سأل : "هل من أحد هنا؟"
لم يأتِ رد── · ·
خطا بضع خطوات إضافية ، وفجأة وطئت قدمه شيئاً ليناً .
خفض نظره، فإذا به يطأ ذراعاً !
ارتجفت ساقا وي جيايي من الصدمة ،، فقفز مبتعداً ، ثم انحنى وأمسك بتلك الذراع ، وراح يجر الشخص الغارق في الوحل نحو الخارج .
كان رجلاً في منتصف العمر ، بملامح سمراء ، يغلق عينيه بإحكام ، ويرتدي زي عمال الفندق ..
كان الزي المصنوع من الكتان بلون الورق الطبيعي قد غرق وصار كقطعة طين ، وبرزت على صدره بطاقة اسم مكتوب عليها : [ قسم الغرف - ماريو ]
انحنى وي جيايي بزاوية كبيرة ، فانزلقت حقيبته الثقيلة للأمام وضغطت على مؤخرة رأسه .
وبسبب هذا الثقل المفاجئ والمشهد الماثل أمامه ، شعر بألم حاد في رأسه .
تحامل على نفسه ، ومد يده ليتحسس الشريان الكبير في عنق العامل ماريو .
كان الجلد المغطى بالوحل مبللاً وبارداً ، وملمسه يشبه قشرة تفاحة ذابلة ..
لم يشعر وي جيايي بأي نبض تحت أنامله ، فسرى البرود في عموده الفقري ، وعجز عن تقبل الأمر .
ظل يراقب لوقت طويل قبل أن يترك يده .
رغب وي جيايي في وضع ماريو في مكان أكثر كرامة ، فجر جسده لمسافة قصيرة ووضعه على مسند الأريكة ، فتلخس جسده بالكامل بالوحل .
راح وي جيايي يلهث ، وشعر أن وعيه بدأ يختل ، فغلبته الرغبة في القيء وتمنى لو يستند إلى شيء أو يجلس ليرتاح قليلاً .
لكنه ربما كان الناجي الوحيد سليم الأطراف هنا ، وعليه أن يبحث عما إذا كان هناك أحياء آخرون ..
وهكذا ، مضى يخوض في الوحل متجهاً نحو الفيلات المحاذية للبحر .
ارتفعت الشمس فوق مستوى البحر ، ولم يكن ضوء قرصها البرتقالي قوياً جداً بعد ، ولم يمتزج كلياً بالسماء ..
وفي ليلة واحدة ، سويت منطقة الفيلات الجميلة في هذه الجزيرة الرومانسية بالأرض ، وتحول الشاطئ الأبيض الناعم إلى مقبرة للصخور والأصداف والشجيرات——
سار وي جيايي للأمام ، متجاوزاً جذوع أشجار ضخمة لا يعرف مصدرها ، وكان يصرخ منادياً بين الحين والآخر ، لكنه لم يتلقَ أي رد ..
لم يدرِ أكان الجميع قد انسحبوا للجبل ليلة أمس ، أم أنهم فقدوا القدرة على الكلام ..
صارت معظم المباني حطاماً ، باستثناء فيلا واحدة كانت الأكبر ، بقيت منها بضعة أعمدة وجداران ، بينما ظل سقف الغرفة متأرجحاً في الأعلى بعد أن عجزت الأمواج عن اقتلاعه .
اتجه وي جيايي نحو الأعمدة ، وفجأة سمع صوتاً ضعيفاً .
كان الصوت منخفضاً ، لرجل ، وبدا مألوفاً نوعاً ما ..
سأل وي جيايي فوراً : "هل من أحد هناك؟"
".... نعم" جاء الصوت من مكان قريب——
تتبع وي جيايي الصوت ، فرأى خلف جدار الفيلا ، وتحت شجرة لم تقتلعها المياه ، شخصاً يستلقي بميل .
كان هذا الشخص ممدداً فوق لوح خشبي كبير ، وقد اتسخ بشدة من الوحل ، وتغطى بالجراح ، لكنه لا يزال يرتدي رداء الحمام ، وقد ربط حزامه جيداً .
بدت ساقه اليسرى ملتصقة بالأرض بوضعية غريبة .
اقترب وي جيايي أكثر ، وبينما كاد يمد يده ليسنده ، قام الرجل بمسح وجهه فجأة ، ليزيل بعض القاذورات ، فعرفه وي جيايي ؛ إنه تشاو جينغ !
ذهل وي جيايي ، وقفزت إلى ذهنه جملة { من النادر ألا ينظر إليّ السيد الشاب تشاو من طرف أنفه، كدتُ لا أعرفه ! }
في هذه الأثناء ، راح تشاو جينغ يسعل بشدة ، وبدا كأنه سيتقيأ .
خشي وي جيايي أن يتقيأ عليه ، فتراجع خطوة للخلف سريعاً——
لكن تشاو جينغ لم يتقيأ في النهاية ، بل اكتفى بالسعال طويلاً ، ثم قال لـوي جيايي بصعوبة : "ماء! هل معك ماء؟"
بينما بدا صوته متهالكاً من السعال ، إلا أن طلبه للماء جاء بنبرة قوية—
أنزل وي جيايي جانباً من حقيبته في صمت ، وأخرج الماء الذي أحضره من غرفته .
أراد إعطاءه الزجاجة مباشرة ، لكن تشاو جينغ بدا واهناً ، ومن الواضح أنه لن يقوى على فتح الغطاء ..
وبما أن تشاو جينغ لم يمت ولم يصل لمرحلة الخطر الشديد ، فكر وي جيايي في مستقبله المهني ، فخفض من كبريائه وفتح له الغطاء ، ثم جلس بجانبه وسأله بلطف : "أأمسكها لك لكي تشرب؟"
رمقه تشاو جينغ بنظرة باردة ، ومد يده ليأخذ الزجاجة ، لكنه لم يمسكها جيداً فكادت تنزلق ، لولا أن وي جيايي تداركها —
"ربما لم تستعد قوتك بعد ،" سخر وي جيايي في أعماق قلبه ، بينما حافظ على هدوئه وتودده الظاهري ، "سأمسكها أنا"
"كيف سأمسكها وأنا لا أستطيع الجلوس مستقيماً؟" لم يقبل تشاو جينغ الخسارة بلسانه أبداً ، وقد نجح في الجلوس مستنداً ، لكنه بسبب ساقه المكسورة تمايل وسقط نحو كتف وي جيايي——
ارتكز الجزء العلوي الثقيل من جسده على كتف وي جيايي .
لم يتحدث وي جيايي ، ولا تشاو جينغ ، واكتفى الأخير بشرب جرعتين من الماء من يد وي جيايي ، متظاهراً بأن شيئاً لم يحدث ،، ثم سأل : "لماذا أنت وحدك؟ أين رجال الإنقاذ؟ وأين لي مينغ ميان؟"
"لا أعرف ،" أجاب وي جيايي بصبر وهو يجيب على الأسئلة واحداً تلو الآخر ، "استيقظتُ ووجدتُ المكان هكذا ، نزلتُ ولم أجد أحداً"
"أهرب الجميع؟" سأل تشاو جينغ عاقداً حاجبيه .
".... لا" فكر وي جيايي في الجثة التي رآها في الردهة ، وعادت مشاعر الذعر والفراغ لتراوده مجدداً──
صمت ولم يكمل ..
وبعد لحظة ، أخبر تشاو جينغ : "رأيتُ أضواء سيارات فوق الجبل ، من المفترض أن يصل الإنقاذ قريباً"
"من الأفضل أن يحدث ذلك ،" قال تشاو جينغ دون أي تعبير ..
انقطع الحديث بينهما.
وبسبب ضغط تشاو جينغ بكل ثقله على وي جيايي ، جلسا متلاصقين فوق اللوح الخشبي المبتل .
ارتفعت الشمس أكثر ، وتحولت المياه الفيروزية إلى مستنقعات طينية بنية ، وسادت في الأرجاء روائح نتنة وحطام لا يمكن تجاهله .
لم يمضِ وقت طويل حتى شعر وي جيايي بألم في كتفه من ثقل الرجل ، فنظر إلى وجه تشاو جينغ القريب منه .
توزعت بضع جروح على وجه تشاو جينغ ، لكن القاذورات جعلت ملامحه تبدو أكثر بروزاً ، وبدا أنفه مستقيماً كأنه منحوت من الجص .
كانت رموشه كثيفة وطويلة وملطخة بالوحل ، وعيناه تشبهان عيني والدته السيدة لي ، لكنهما أطول قليلاً ..
شفتاه ليست غليظة ولا رقيقة ، وزاويتا فمه مائلتان للأسفل ، بدا وسيماً لكن صعب المراس ، وكأنه يحمل معه نرجسية طفل مدلل وجفاءه إلى مرحلة النضوج ..
بالطبع ، لم يجد وي جيايي صعوبة في فهم سبب هذا المزاج ..
فالنشأة في قمة الهرم ، والنجاح المذهل الذي تحقق بشكل يفوق التصديق ، والحياة السلسة ، كل ذلك أعطى تشاو جينغ القدرة على الاستغناء عن الاندماج الاجتماعي ..
سمع وي جيايي الكثيرين يتحدثون عن أن شركته التقنية التي لا تضاهى الآن ، بدأت فقط لأن تشاو جينغ استثمر عفوياً في عقار تجاري ، ولم يجد له الوسيط مستأجراً مناسباً في الوقت المحدد ، فساء مزاجه بسبب خفض السعر ، وقرر استخدام العقار بنفسه لافتتاح الشركة ——
وهكذا ، من الطبيعي لشخص محظوظ كهذا أن يحيط به المتملقون دوماً ..
لكن وي جيايي لم يكن من أولئك الذين يستمتعون بالإهانة ، فهو يريد كسب عيشه فقط ، ولا يحب التودد لمن يرفضه ..
كان يدرك أن تشاو جينغ يحتقره ، لذا اعتاد الابن من بعيد عندما يلتقيان ، ولا يسلم عليه بأدب إلا إذا تعذر الهروب من مواجهته ..
لم يتخيل أبداً أن أول شخص سيقابله بعد التسونامي هو تشاو جينغ ، وبأنه لا يزال حياً !
صرف وي جيايي نظره ، وشعر بصداع ، ولم يرغب في البقاء مع تشاو جينغ كالأغبياء ، أو الاستمرار في هذا الصمت المحرج وهما متلاصقان ، فسأل مجرباً : "هل أنت بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ أرى جروحاً في جسدك"
"ساقي اليسرى مكسورة ، والباقي لا بأس به ،" قال تشاو جينغ باختصار وكأنه لا يرغب في محادثته——
"إذن ، ما رأيك أن تبقى هنا ، وأنا سأذهب للبحث عن كرسي متحرك؟"
هذا ما أراد وي جيايي سماعه ؛ كلمة 'لا بأس' ، فاقترح الرحيل فوراً
"أريد نقلك بالكرسي إلى مكان أكثر ارتفاعاً ، فلو حدث تسونامي آخر ، سيكون موقعنا هنا منخفضاً وخطراً جداً"
"لستَ موظفاً هنا ، من أين ستأتي بكرسي متحرك؟" سأل تشاو جينغ بفظاظة ووجه عابس ، "ألا تبحث عن عذر لتتركني هنا وحدي؟"
بدا هذا الرجل صعب المراس، وذكياً بشكل مزعج، مما جعل وي جيايي يشعر بضيق شديد——
لكن تشاو جينغ في النهاية صاحب مكانة خاصة ، ولا يقوى على إغضابه ، فتنفس بعمق وتحمل الإهانة : "كيف لي أن أفعل ذلك؟ أنا فكرتُ فقط في أن ساقك لا تسعفك ، والكرسي أريح لك .
لكنك محق ، أنا لا أعرف المكان ، وبالتأكيد لن أجد كرسياً .."
كان تشاو جينغ أطول منه حتى وهو جالس ، وأخذ يرمقه بعينين باردتين ، وكأنه يقرأ ما يدور في أعماقه ، أو ربما كان فقط شخصاً صعب الإرضاء ..
راقبه لثوانٍ ،، ثم سخر قائلاً : "جيد أنك تدرك ذلك" ، تاركاً وي جيايي في حاله .
"لكن المكان هنا خطر بالفعل ،" ثم غيّر لهجته فجأة ، "اسمع ، أسندني الآن لنقف ، ولنذهب لمكان قريب من الطريق لننتظر الإنقاذ"
كان الوحل يغطي وجه تشاو جينغ ، لكن ذلك لم ينقص من غطرسته شيئاً ، فبدأ يأمر وي جيايي بطبيعية تامة ..
بدا وكأنه لا يريد لمس وي جيايي بأصابعه ، فسحب يده قليلاً داخل كم رداء الحمام الواسع ، وضغط بقوة على كتف وي جيايي : "بسرعة"
ثم سأل : "هل لديك حذاء؟"
لم يجد وي جيايي بداً من طاعته ، فأخرج له خفاً من حقيبته ، وسنده ليقوم وهو يحمل معظم وزن تشاو جينغ .
ندم وي جيايي أشد الندم على اقتراحه بالرحيل ؛ فلو صمت ، لربما جلسا على اللوح الخشبي لفترة أطول ..
سند تشاو جينغ الذي يسير على قدم واحدة ، ومضيا من منطقة الفيلات الخربة نحو الطريق المخصص للسيارات الذي كاد يختفي .
اعتاد وي جيايي ممارسة الرياضة وتدريبات القوة ، لكن سحب رجل ضخم مثل تشاو جينغ لمسافة طويلة جعل التمرين يفوق طاقته——
تصبب وي جيايي عرقاً من التعب ، ومضى يضغط على أسنانه وهو يفكر أن بنية تشاو جينغ هذه ، لو أرسل للتخدير ، لربما طالبوا برسوم إضافية لزيادة الوزن!
وأخيراً ، عند المرور بمقعد طويل جرفته المياه واستقر بجانب الطريق ، صرخ تشاو جينغ آمراً بالتوقف : "أنزلني على هذا المقعد أولاً"
"ساقي اليمنى تؤلمني ،" بدا صوته أضعف من ذي قبل .
لمح وي جيايي شفتي تشاو جينغ وقد ابيضتا من شدة التحمل ، فأسنده فوراً ليجلس ، ونظر للأسفل فرأى في ساقه اليمنى عدة جروح عميقة ، ربما تمزقت ونزفت بسبب الجهد الكبير أثناء المشي ..
جلس تشاو جينغ بثقل على المقعد ليستريح ، وتذكر وي جيايي فجأة وجود حقيبة إسعافات أولية في حقيبته ، فأخبر تشاو جينغ بذلك ، ثم وضع الحقيبة على حجريه وفتح السحاب .
"لديك حقيبة إسعافات ولماذا لم تقل منذ البداية؟" استشاط تشاو جينغ غضباً !
نسي وي جيايي الأمر تماماً ، وشك في أن باطنه لا يريد حقاً رعاية تشاو جينغ ، فشعر ببعض الذنب وتظاهر بأنه لم يفهم تعابيره ، واعتذر بلباقة : "أنا آسف"
بدأ يبحث عن حقيبة الإسعافات في الأسفل ، فأخرج المنشفة الموضوعة في الطبقة العليا أولاً ووضعها على المقعد .
رأى بطرف عينه تشاو جينغ يأخذ المنشفة ، فرفع رأسه ووجده يمسح وجهه ويديه بقوة ، وبدا كأنه لا يطيق التصاق القاذورات بجسده ——
لكن معظم الوحل على جسده قد جف وصعبت إزالته ، فرفع زجاجة الماء ليصبها على المنشفة .
استدرك وي جيايي الأمر بسرعة ومنعه : "لا تصب الماء!"
نظر إليه تشاو جينغ بعدم رضا.
قال وي جيايي بقلة حيلة : "ليس معنا سوى زجاجتين ، وعلينا غسل جروحك أيضاً !"
ازداد ضيق تشاو جينغ ، فتجاهله وي جيايي وأعاد له الزجاجة : "يمكنك شرب القليل إن كنت عطشاً"
ثم أخرج علبة الإسعافات : "سأطهر جروحك"
لم يعترض تشاو جينغ ، واكتفى بهمهمة من أنفه .
فتح وي جيايي أعواد اليود وطهر الجروح ، ثم وضع الشاش ، وأخرج له قطعة بسكويت لتهدئة جوعه .
وفي النهاية ،، اقترح مجدداً أن يبقى تشاو جينغ هنا بينما يذهب هو للبحث عن ماء ومؤن .
"إذا أحضرتُ زجاجات أكثر ، سيمكنك غسل وجهك" التقط وي جيايي بذكاء النقطة التي تهم تشاو جينغ .
وعند سماع ذلك ، فكر تشاو جينغ العابس قليلاً ، ثم قال : "حسناً ، عد بسرعة"
نال وي جيايي الإذن أخيراً ، فترك حقيبته عند تشاو جينغ ، ورحل مبتعداً عن هذا 'السيد'———-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق