Ch32 St
رغم تلقيه وعداً بلقاء آخر في المساء ، ساور وي جيايي قلق شديد ، وأصر على مرافقة تشاو جينغ وتوصيله إلى الشركة أولاً قبل عودته إلى المنزل ——-
أقلّهما السائق مغادراً جبل شوشان ، ليندمجوا وسط تدفق السيارات ، وأمضى تشاو جينغ ذلك الوقت كله في إجراء المكالمات وتلقيها دون انقطاع ، وغاب عن وي جيايي أي شعور بالاستياء أو التذمر ——-
أمسك تشاو جينغ بيده ، فعزف وي جيايي عن تركها واستمد باطن كفه الدفء من حرارة تشاو جينغ ، بينما بقيت أصابعه باردة كالثلج .
ورغبة في بث الطمأنينة في نفسه قبل الفراق ، طبع تشاو جينغ قبلة قوية فوق شفتيه الشاحبتين ثم غادر ..
استقل تشاو جينغ المصعد صعوداً نحو الطابق الأخير مباشرة ، وغابت حاجته لتقليل سرعة خطواته كما فعل قبل قليل في المقبرة ، فمضى يتقدم بخطوات واسعة ، وارتدى سترة البدلة التي أحضرها السكرتير له وبدت ساقه اليسرى طبيعية تماماً وخالية من أي أثر يختلف عن حالها قبل الإصابة——-
وقف موظفو المكتب الرئيسي في مقدمة الممر ، وفتحوا له باب غرفة الاجتماعات .
تلبدت السماء بالغيوم الكثيفة خارج النوافذ ، واجتمع حول الطاولة المستطيلة كل من أمكنه الحضور من مسؤولي الإدارة العليا ، والفريق القانوني ، وفريق العلاقات العامة ، وكسر الجد والصرامة ملامح الجميع .
تعاظم في نفس تشاو جينغ شعور بالمسؤولية والواجب فاق أي وقت مضى ، كونه غدا رجلاً يحوز أسرة بيقين لا شك فيه————
ومع نهايات عامه الثامن والعشرين ، تفهم تشاو جينغ أخيراً ، فور حلول هذه الأزمة ، كلمات والديه السابقة عن تضاعف الحذر والتروي بمجرد تكوين الأسرة ، وتزايد الجد والاجتهاد لعلم المرء بوجود شريك ينتظره في المنزل ، وأضافت الحياة إلى تجربته بعداً جديداً ——-
استمر الاجتماع الطارئ من منتصف النهار حتى حلول المساء ، وعند الساعة السادسة ،
تملّك الجوع من تشاو جينغ ، فطلب من السكرتير إدخال الأطعمة إلى غرفة الاجتماعات ،
ومنح الجميع خمس عشرة دقيقة لتناول الطعام والاستراحة
توجه هو نحو مقصورة جانية ، وبادر بالاتصال بوالدته أولاً ليعرض عليها ملخص الموقف : [ الوضع ليس في أسوأ حالاته ومنحونا فترة سماح تمتد لثلاثة أشهر . ]
وأطلع والدته أيضاً على الاستراتيجية التي ينوون اتخاذها ، ورغبتهم في التوصل إلى تسوية ودية خلال فترة السماع راجياً منهما الاطمئنان وعدم القلق—
اعتادت والدته في الأوقات العادية التعليق على قرارات تطوير شركته بوصفها مفرطة القوة والسيطرة ، غير أنها أحجمت عن ذكر ذلك هذه المرة واقتصرت على القول : [ أعلمني فور حاجتك لأي مساعدة في أي وقت . ]
وبالتزامن مع إجراء المكالمة ، تفقد تشاو جينغ الرسائل الواردة ، وبدا أن وي جيايي تحاشى مراسلته خشية التأثير على سير عمله ..
وأخبر والدته قائلاً : "سأفعل ،" ثم أرسل لوي جيايي نغمة تنبيه خفيفة .
عاد إلى غرفة الاجتماعات ، وتناول تشاو جينغ بعض الطعام ، ليرد وي جيايي وقتها برسالة : [ كيف تبدو الأمور ، أيسير كل شيء على ما يرام؟ ]
طمأنه تشاو جينغ : [ بشكل سلس جداً . ]
ووسط أجواء الاجتماع المشدودة وهمسات المرؤوسين الجانبية ، أطال تشاو جينغ النظر في واجهة المحادثة المفعمة بالمشاعر بينهما ، وتملكه مجدداً شعور رب الأسرة والمسؤول عنها ، وأخبر وي جيايي بيقين عن احتمالية تأخر وصوله للمنزل ليلاً ، ورجاه النوم مبكراً دون انتظاره ..
إذ يتحتم على وي جيايي اللحاق بطائرته في الساعة التاسعة من صباح الغد——
تبادلا بضع كلمات ، ثم واصل تشاو جينغ الاجتماع ،، ولم ينتهوا من صياغة وتحديد الخطط الأولية لمواجهة الأزمة إلا مع اقتراب الساعة الثانية عشرة ليلاً .
عاد إلى الشقة الفندقية ، ومرر البطاقة صعوداً وفتح باب الغرفة ليجد السكون يخيم على الأرجاء ———
وانبعث من غرفة المعيشة ضوء مصباح خافت مائل للصفرة ، واستقرت حقيبة سفر وي جيايي بجانب الباب .
وبقي باب غرفة النوم موارباً ينساب منه نور ضئيل .
خطا تشاو جينغ لداخل الغرفة ،
فأبصر وي جيايي يغط في النوم واضعاً قناع العين الخاص بتشاو جينغ ،
وأغلب الظن أنه عجز عن النوم في وجود الضوء ،
وعزف في الوقت نفسه عن إطفائه تماماً لئلا يعود تشاو جينغ ويجد المنزل مظلماً .
وتغطى وجهه بالكامل ولم يبرز منه سوى طرف ذقنه المدبب ، وتناثر شعره الأسود الذي يلامس منكبيه فوق الوسادة ، وانسابت أنفاسه بانتظام ، فبدا لتشاو جينغ أليفاً ومحبباً للنفس بشكل بالغ ..
عزف تشاو جينغ عن إيقاظه ،
وحاول للمرة الأولى في حياته السير بخفة وخفض صوته ،
غير أن حاجته لإخراج ملابس النوم من الخزانة تسببت في جلبة ،
وأدت حركته أثناء التفتيش إلى اصطدام سترة لوي جيايي تحوي سلاسل معدنية بالأرض لتقدم صوتاً مدوياً ، وفشلت محاولته النادرة في الهدوء———
لحسن الحظ ، غرق وي جيايي في نوم عميق فاقتصرت حركته على تقلب طفيف ، ولم يستيقظ .
أنهى استحمامه وخرج ، فتبين تغيير وي جيايي لوضعية نومه ، ومَدَّ يده مائلاً لتشغل النصف الآخر من السرير ، وبدت وضعية نومه تفتقر للهدوء والانتظام ..
قبض تشاو جينغ برقة على معصمه ، ونحاه قليلاً ليفسح مساحة لنفسه ، واستلقى بجانبه وهمَّ بإطفاء المصباح ليشاركه نومه الهانئ ، فاستنشق رائحة خمر خفيفة تنبعث من جسد وي جيايي .
{ وي جيايي هذا السكير } فكر تشاو جينغ في توه ، وتراجعت يده الممتدة نحو مفتاح المصباح واستقرت مكانها——
واستند في فعله لثلاثة أسباب ؛ أولها إدارة تشاو جينغ لاجتماع طارئ امتد لأكثر من عشر ساعات دون أن يغلبه تعب الجسد ،، وثانيها اتصاف مظهر وي جيايي الخارجي بقدرة على تشتيت الذهن وإثارة الخيالات والنزعات ويمثل هذا حقيقة لا يمكن إنكارها ،، وثالثها إثارة وي جيايي لنفسه تبعات تجربة لا تُنسى عقب ارتشافه للخمر في المرة السابقة ، ويتحمل هو مسؤولية ذلك ..
فضلاً عن غياب أي نية لتصرف غير لائق من جانب تشاو جينغ ، بل إن نوم وي جيايي هو ما دفعه للأمر——
أطال تشاو جينغ النظر في الشخص المستسلم أمامه دون أي دفاع ، ولمس شفتيه برقة بالغة مستخدماً إصبعه ، ثم تلمس عظمة ترقوته .
وتسببت حركته أثناء النوم في انفراج رداء الحمام ، ليبرز جلده الأبيض كأنه قطعة من اليشم الثمين الخالي من العيوب ، يفيض بحرارة دافئة .
ورغم خفة لمساته— إلا أن نوم وي جيايي اتصف بالخفة الشديدة ، فتحرك جسده وارتفعت يده لتقبض على يد تشاو جينغ المستقرة فوق أسفل بطنه ، وأمسك بأصابعه مانعاً إياه من مواصلة اللمس ، دون أن يدفعه بعيداً——
ولم يجد تشاو جينغ في تصرفه أي خطأ ، وغاب عنه شعور الذنب أو الحرج جراء إمساكه ، فسأله : "ما الخطب؟"
"..." وبدا وي جيايي كمن فَقَدَ النطق والقدرة على الكلام أمام نبرة تشاو جينغ الواثقة المبررة ، فضغط على باطن إصبعه واقترب يطوقه بذراعيه ويحتضنه .
بادله تشاو جينغ العناق ، وضغط على خصره مستخدماً بعض القوة ، فانخسف بطن وي جيايي نحو الداخل ، وغاب عنه الانكماش أو الخوف هذه المرة بل طوق عنق تشاو جينغ بذراعيه ، والتصق به بقوة أكبر ، ونطق بكلمات بدا عليها السكر الواضح——-
وتسببت كلماته في غياب سيطرة تشاو جينغ على قوة يده ، فأمسك بخصره وضغط عليه بقوة ، فاستغاث وي جيايي من الألم ، وتخلى تشاو جينغ عن قبضته في توه ، وسأله : "لماذا تجرعتَ كل هذا الكم من الخمر مجدداً؟"
"لم أفعل ، لم يكن كثيراً .." وأبصره وي جيايي رافضًا الاعتراف بتجاوزه منتصف العشرينيات من عمره مع بقاء تصرفاته كمراهق يمر بتجربة الحب الأولى ، إذ تملكه القلق على شريكه لدرجة الإفراط في الشرب بمفرده ، وعمد في قلق وهوس إلى ارتداء قناع عيني تشاو جينغ متظاهراً بوجوده بجانبه ، واستمر في ارتدائه حتى غلبه النوم دون إنذار———-
وعاقبه تشاو جينغ على كذبه ، وأمعن في تقبيله حتى غاص بجسده في الفراش .
وعند استيقاظه في الساعة السادسة صباحاً ، استمر الخَوَر والضعف في ساقي وي جيايي ، وأصاب الوهن وجنتيه ، وشعر كأن شيئاً غريباً يعلق في حنجرته ، وبدا له إحساس لمس شعر تشاو جينغ عالقاً في كفيه ، كأنه يواصل التمسك بمنكبيه .
أوقف رنين المنبه ، ولم يستيقظ تشاو جينغ ، بل أحكم طوق ذراعيه حول خصر وي جيايي مجدداً ، وتلاصق جلداهما الساخنان معلنين عن علاقة حميمة تختلف تماماً عن عهدهما السابق ..
وبعد لأي وجهد نجح في إزاحة ذراع تشاو جينغ لينهض من الفراش ، فباغته تشاو جينغ بيقظة فجائية ، وامتدت يده لتقبض على رداء حمامه وهمَّ بجذبه وإعادته للفراش ثانية .
وتوجب على وي جيايي اللحاق بطائرته ، وغاب عن وقته أي متسع للتأخير ، فالتقط وسادة من الأرض وحشرها في أحضان تشاو جينغ——-
وراقب الوسادة بين ذراعي تشاو جينغ تنضغط وتتحول إلى كتلة متجمعة بوضوح للعين ، فداعبت وي جيايي رغبة في الضحك ، وتمتم تشاو جينغ بكلمات غير مفهومة .
انحنى وي جيايي نحوه ، وطبع قبلة فوق وجنة تشاو جينغ : "واصل نومك ." وتجاوب تشاو جينغ معه وأجابه قائلاً : "حسناً ،" وانصاع لقوله مستمراً في ضغط الوسادة دون حراك——
وداخل الحمام ، لم ينظر وي جيايي إلى المرآة تقريباً ، واتصفت الثياب التي أخرجها أولاً بياقة منخفضة جداً ، فعاد نحو الخزانة وجلب قميصاً ذو أكمام طويلة يوفر أقصى درجات الستر وارتداه ، وتأكد من سلامة مظهره وغياب العيوب ، ثم خط ورقة صغيرة لتشاو جينغ وألصقها على باب غرفة النوم ، وحمل حقيبته متوجهاً لأسفل البناية .
وخلال سنوات عمره الماضية ومساعيه لتطوير عمله ، اعتاد وي جيايي التنقل والترحال في عجلة من أمره ، وغالباً ما شهد استيقاظه صباحاً ونومه ليلاً في مناطق زمنية مختلفة ، وغاب عنه أي شعور يستدعي الحزن أو الشجن جراء الفراق .
ووصل إلى قاعة الانتظار بالمطار ، وأجرى مكالمة هاتفية مع وكيل أعماله واستقر رأي الاثنين على تفاصيل بضعة أعمال وعقود جديدة ، ومع اقتراب الحديث من نهايته ، أطال وي جيايي التفكير واستقر قراره الأخير : [ أخي شو ، أرغب مستقبلاً في التركيز على قبول الأعمال التي تنفذ داخل مدينتنا . ]
[ جيايي ، أتمر بتجربة ارتباط عاطفي؟ ] واتصف وكيل أعماله بحساسية مفرطة وتنبه سريع.
ولم ينكر وي جيايي الأمر ، بل أجابه بمواربة : [ لن يؤثر هذا على سير عملي . ]
سأل الوكيل : [ أأعرف هذا الشخص؟ ]
أصدر وي جيايي همهمة موافقة : [ أمم . ]
[ جيايي ، ] وأمضى وكيل أعماله سنوات طويلة داخل هذا الوسط الفني ، وعاين قصص ارتباط وانفصال الكثير من الثنائيات ، وتردد لبرهة بين الحديث والصمت واستقر رأيه على نصح وي جيايي في النهاية : [ خوضك لتجربة الحب للمرة الأولى يستدعي منك كبح مشاعرك قليلاً وعدم الاندفاع الكامل .
وتمر حالياً بمرحلة صعود وتطور في عملك ، وإغداق العطاء للطرف الآخر بشكل مفرط يجر عليك المشقة والندم في نهاية المطاف .. ]
قال وي جيايي : [ أدرك ذلك ، ] غير أنه استمر في التمسك برأيه وموقفه فأطلق الوكيل تنهيدة تنم عن قلة الحيلة : [ سأبذل جهدي لانتقاء الأعمال لك ، لكنك تدرك بالتأكيد غياب هذا الكم الوافر من العروض محلياً .. ]
أغلق الهاتف ، وتلقى وي جيايي رسالة نصية من تشاو جينغ كتب فيها : [ وي جيايي ، أعلمني الطاهي للتو بانتهاء صلاحية المياه الفوارة المستقرة في ثلاجتك . ]
سأله وي جيايي : [ ألمحتَ الورقة التي تركتُها لك؟ ]
رد تشاو جينغ : [ بالتأكيد ، وغاب عنك أنني أدرك دون كتابتك رغبتك في التسلل والهرب سرا في الصباح الباكر فور حشرك للوسادة في حضني ، وأعلم أيضاً شدة اشتياقك لي . ]
صيغت الكلمات الأصلية في الورقة لتعبر عن شؤون الارتباط الطبيعية ، غير أن إعادة تشاو جينغ لذكرها جعلت الوجوم والسرور يكسوان وجه وي جيايي خجلاً ولحسن الحظ أردف تشاو جينغ برسالة أخرى : [ وأنا سأشتاق إليك أيضاً . ]
تطلب الأمر من وي جيايي هذه المرة الترحال والتنقل في الخارج لأكثر من عشرة أيام .
وخلال تلك الفترة ، عجز وكيل أعماله عن توفير عروض تلبي شروطه المحددة ، غير أن التأثير بدا طفيفاً لغياب تشاو جينغ هو الآخر عن المدينة واستمرار ترحاله ..
طالع وي جيايي الأخبار ، فغابت عن شركة تشاو جينغ أي مؤشرات تدل على خضوعها لتحقيقات مكافحة الاحتكار ، ووفقاً لقول تشاو جينغ فإن الأمر يراوح فترة السماح ، والتزم الجميع ببنود اتفاقية السرية بصرامة تامة وحافظوا على الصمت أمام وسائل الإعلام ، بينما انشغل تشاو جينغ بالترحال والسفر حول العالم للتواصل مع الأطراف المعنية ذات المصلحة المشتركة ، وحفظ مستويات الثقة والاطمئنان .
نظراً لقلة أوقات الفراغ لديهما— اتصفت اتصالاتهما بغياب الاستقرار ، حرص وي جيايي على إعلام تشاو جينغ بأوقات راحته ، وسرعان ما بادر تشاو جينغ بالاتصال به هاتفياً أو عبر الفيديو .
اعتاد تشاو جينغ التذمر والتدقيق في شتى الأمور بالأوقات العادية ، غير أن فترات انشغاله شهدت غياب الانتظام في نمط حياته وساعات نومه ، فأنقضى تماماً عن الشكوى من التعب ——-
بدت ملامحه مفعمة بالنشاط والحيوية ، لدرجة جعلت وي جيايي يظن أن يوم تشاو جينغ يمتد لثلاثين ساعة ، فنجح أخيراً في تخيل طفولة تشاو جينغ التي تميزت بقلة النوم كما يزعم ...
واضطر وي جيايي للاستماع إلى تفاصيل أعماله ، فاتخذ منها وسيلة للمساعدة على النوم ، استمر في الاستماع حتى غرق في النوم تماماً .
واستيقظ ليجد تشاو جينغ مستيقظاً أيضاً .
تحمّل وي جيايي تساؤلاته الضاغطة وإلحاحه لمعرفة ما إذا زاره في أحلامه أم لا ..
غاب التغير الكبير عن إيقاع الحياة والعمل ، غير أن وي جيايي تفطن لعدم استقرار عواطفه وتغيرها .
انقلب هدوءه وثباته الذي حافظ عليه لستة وعشرين عاماً ، كوعاء ماء انسكب بأكمله فوق جسد تشاو جينغ .
ومضى الوقت دقيقة تلو أخرى ، وتعاظم اشتياق وي جيايي له ، وعجز عن تبين ما إذا كان يشتاق لطباعه الغريبة أم لجسده المتقد بالحرارة——-
ولعل الأمر يماثل قول وكيل أعماله عن تجربة الحب الأولى وصعوبة كبح جماح المشاعر فيها ، فتتخذ النفس مسارات مغايرة ..
وفي أحد الأيام ، وأثناء تصويره لفعاليات أحد المشاهير عند منصة عرض للمجوهرات ، تكرر استماع وي جيايي للعبارات الإعلانية من النجم لمرات كثيرة ، فتبادر إلى ذهنه سؤال تشاو جينغ السابق عن مصممي المجوهرات ، وتملكه اندفاع غير مبرر كمن أصابه سحر ، فمرر بطاقته واشترى زوجاً من الخواتم ذات طراز حديث رُصع الألماس في جزئها الداخلي——-
أمضى وقتاً طويلاً يقيس الأبعاد مستخدماً حلقة القياس التي قدمها له موظف المنصة ، فطلب سلسلتين إضافيتين ، رغبة منه في تعليق الخاتمين داخلهما ..
عمل ليو مينغ كمسؤول لتنظيم الفعاليات ، ومثّل صديقاً مقرباً لوي جيايي ، واتفقا مسبقاً على تناول الطعام معاً فور انتهاء العمل .
استغل وي جيايي انشغال ليو مينغ بإجراء مكالمة هاتفية لانتقاء الخواتم ، وفور انتهائه من تمرير البطاقة ورفع رأسه ، وجد ليو مينغ يقف بجانبه متبسماً ، وسأله بخبث : "ما الخطب؟ منذ متى بدأ الأمر؟"
"ليس منذ وقت طويل ." ابتسم وي جيايي ولم يسترسل في التفاصيل ..
اتصفت شخصية ليو مينغ بالصخب والجلية ، فسارع بدعوة الأصدقاء والمحيطين وتجميعهم لملاقاة وي جيايي ومطالعته أثناء شراء الخواتم ..
اجتمع مساعده برفقة شياو تشي وفني الإضاءة حولهما ، فداعب ليو مينغ وي جيايي قائلاً : "لم أتوقع اتصاف جيايي بكل هذا السخاء والكرم فور خوضه لتجربة الحب ، يشتري خواتم ألماس من علامة تجارية شهيرة دون تردد بمجرد بدء العلاقة !"
وقف شياو تشي بجانبهما وبدا كمن يود النطق بكلمات غير أنه أحجم عن ذلك خشية العواقب ...
رمقه وي جيايي بنظرة ، فكتم شياو تشي حديثه ، ونحى بصر بعيداً———-
لم يخلُ عشاء المجموعة من ارتشاف الخمر ، ومضى الحاضرون يضغطون على وي جيايي لمعرفة تفاصيل علاقته العاطفية ، فتجرع وي جيايي بضع كؤوس ، واعترف قائلاً : "التقينا وتعرفنا أثناء عملنا كمتطوعين في جزيرة بوديروس .."
"تطوق المساحة وتضيق الخيارات إذاً !" أخرج ليو مينغ هاتفه في توه وبدأ البحث عن أسماء المتطوعين .
واجتمع بضعة أشخاص يطالعون شاشة هاتفه يوجهون أصابعهم نحو الأسماء لبرهة طويلة ، ثم رفع ليو مينغ رأسه فجأة وسأله بتردد : "جيايي ، شراءك لخواتم بكل هذا الثمن الباهظ ، أيعني أن شريكك هو لي مينغ تشنغ من عائلة لي؟"
"لا ، ليس هو على الإطلاق ." تفاجأ وي جيايي بالاسم ، وبادر بالإنكار والنفي الفوري .
تعاظم قطوب حاجبي ليو مينغ وزادت حيرته : "إذاً غابت الخيارات ولم يتبقَ سوى فريق البناء الموفد من شركة بو تشانغ للتكنولوجيا، أيعقل أن حبيبك عامل بسيط ... من أصحاب الياقات الزرقاء؟"
"..." ودأصيب وي جيايي بالذهول جراء خياله المبتكر ، ولزم الصمت عاجزاً عن الكلام———-
فظن ليو مينغ صدق تخمينه وصحة حدسه ، فجحظت عيناه وقال : "الفجوة المهنية بينكما تبدو شاسعة جداً إذاً ، أيمتاز بالوسامة الفائقة؟"
بلغ سوء الفهم مداً كبيراً عجز معه وي جيايي عن تبين نقطة البداية لتوضيح الأمر ، وقال بنبرة جافة : "وسيم ."
أبدت صديقة أخرى حضورها في النقاش ، وتحدثت بنبرة حملت التردد والنصح : "جيايي ، رغم نبل العمل كمتطوع واتصافه بالطيبة ، غير أنه أُوفد بقرار رسمي من جهة عمله بالتأكيد ، ولم يذهب طواعية ، أترى احتمالية طمعه في ثروتك ومالك؟"
"لا أظن ذلك ممكناً ." قال وي جيايي بصعوبة بالغة——
تابعت الفتاة قائلة : "أترى التريث وإعادة التفكير قبل تقديم هذا الخاتم كهدية؟ يغص الواقع حالياً بانتهازيين يعتمدون على أموال شريكاتهم وشغلهم .."
هز وي جيايي رأسه موافقاً تملؤه الريبة والخوف ..
وحافظ وي جيايي على وضوح رؤيته أثناء الشراء ، فهذا الخاتم الجاهز لا تبلغ قيمته ثمن سترة صوفية واحدة من مقتنيات تشاو جينغ ،، واستحال عليه تقديمه كهدية لتشاو جينغ بيقين ، غير أن اندفاع المشاهد قاده للشراء ..
استقرت الخواتم داخل الحقيبة ، فأمضى أيامه يرقب الصناديق الأربعة الكبيرة التي تشغل مساحة واضحة ، فتملكه الحرج والندم جراء سلوك التسوق الطائش وغير المتناسب مع الواقع ...
نوى في البداية وضعها سراً في زاوية مخفية من منزل تشاو جينغ مستقبلاً ، ثم استقر رأيه على حشرها في عمق الخزانة لتتراكم فوقها الأتربة ..
تزامن ذلك مع تشتت ذهنه وقلقه ، فاستمع لتشاو جينغ يواصل الشكوى والتذمر عبر الهاتف ، محصياً عدد الساعات التي غاب فيها لقاؤهما ...
وبسبب عجز الأيام عن توفير فرصة للقاء ، اقتصر فعل وي جيايي على نطق بضع كلمات للمواساة ، غائبًا عنه التركيز الكامل في حديثه ، فتعرض لتوبيخ وتقريع استمر لثلاث دقائق كاملة من تشاو جينغ الذي تضاعفت طلباته واتهمه باتخاذ نبرة مراوغة ومستهينة تختلف تماماً عن جديته ومبادرته ليلة ارتمائه فوق جسد تشاو جينغ ، فكسى الخجل والحرارة وجه وي جيايي ، وكاد يغلق الهاتف———
ومع حلول الليلة التاسعة لغياب اللقاء بينهما ، انشغل الاثنان طوال اليوم وغابت الرسائل تقريباً ، فجهل وي جيايي مكان تواجد تشاو جينغ اليوم ..
أنهى عمله وعاد إلى الفندق ، ومضى وي جيايي يرتب ثيابه فاستقر قراره على منح الخواتم لشياو تشي ، ليتوجه نحو المنصة ويستبدل القياس ليقدمها هدية لصديقته ..
وأطال النظر نحو حقيبة السفر فور وضعه للصناديق داخل حقيبة التسوق ، وهَمَّ بنقلها نحو غرفة شياو تشي— باغته اتصال هاتفي من تشاو جينغ .
سأله تشاو جينغ قاصداً : [ وي جيايي، أعدتَ إلى غرفتك؟ ]
دب في نفس وي جيايي حدس وتوقع غريب جد اً، فأجابه : [ عدتُ للتو ، ] فبادر تشاو جينغ بالقول : [ ممتاز ، أتحزر إذاً أين يقع مكاني الحالي؟ ]
عجزت نبرته عن كتمان مشاعر الفخر والزهو ، فزع قلب وي جيايي وتردد صوت طرقات واضحة متتابعة فوق باب الغرفة———
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق