Ch36 St
قبل التوجه إلى موقع العمل التالي ، وفور دخوله بوابة الصعود إلى الطائرة ، تلقى وي جيايي السيرة الذاتية والبيانات الخاصة بالمحامين التي أرسلها السكرتير وو——-
وبعدما وجد مقعده ، فتح الملف وألقى عليه نظرة سريعة ، فعجز تماما عن تمييز الأفضل أو الأسوأ بينهم── · ·
لم يلمح سوى أن المحامين الذين اختارهم تشاو جينغ لمساعدته نخبة من النابغين حقا .
في الأصل ، يعمل تشاو جينغ ووي جيايي في مجالين يبتعدان عن بعضهما كل البعد كأبعد قطاعين في العالم .
ورغم أن وي جيايي كافح باستماتة أيام الدراسة من أجل نيل منحة مالية صغيرة ونال فيها تقدير امتياز ،، إلا أن تلك المعارف انزلقت وتلاشت من عقله منذ زمن بعيد ...
ولو خيروه الآن بين الاستماع إلى محاضرة في القانون المالي ،
أو العودة إلى غرفة التحميض المظلمة في الجامعة للبقاء فيها ثلاثة أيام ولياليها دون خروج لتأمل الأعمال الأصلية لكبار الفنانين ،
لاختار الأمر الثاني دون أدنى تردد── · ·
أعاد النظر في القائمة مرة أخرى ، وقرر اتباع نصيحة تشاو جينغ فاختار بعشوائية المحامي لين الذي رأى وجهه الأكثر طمأنينة وودا ، ثم أبلغ السكرتير وو باختياره .
أقلعت الطائرة سريعا .
ونظرا لكون الرحلة عابرة للمحيطات وتستغرق وقتا طويلا ،، فتح وي جيايي حاسوبه المحمول ، ومضى يعالج الصور التي سيسلمها إلى عمدة جزيرة بودروس .
وبمجرد اتصاله بشبكة الإنترنت اللاسلكية ، أرسل رسالة نصية إلى تشاو جينغ قال فيها : [ لقد اخترت المحامي فعلا . ]
جلس بجوار النافذة ، وبدت الغيوم في الخارج كثيفة وبيضاء ، تحجب المحيط وأمواجه تماما── · ·
تباطأت حركة يد وي جيايي وهو ينجز عمله ، وعادت به الذاكرة إلى طفولته البعيدة التي شعر كأنها تنتمي إلى حياة سابقة ..
فقد نقله والده فجأة بعيدا عن مدينته وبلده الأصلي ليعيش في غرفة النوم الصغيرة ببيت زوجة أبيه ، حينما نشأ طفلا صغيرا يفتقر إلى المعرفة بأمور الحياة ويعاني عزلة شديدة ، فتحول إلى تلميذ في المرحلة الابتدائية يعشق تأمل تجمعات السحب ودراستها ..
وطالما حلم بأن فوق هذه الغيوم آلهة تعرفه ، أو أقارب رحلوا عن الدنيا يجتمعون هناك ليتطلعوا إليه ويراقبوا تفاصيل حياته ، ويتبادلوا الأحاديث ويصفقوا معا حينما ينال درجات عالية أو يركض واصلا إلى خط النهاية——-
أقبل وي جيايي في كل مرة يختار أكبر غيمة يظهر له أنها تتسع لأكبر قدر من أرواح الذين يهتمون بأمره ، فصارت حتى الأيام الممطرة غير بغيضةٍ لديه ..
وبعد زواجه الطائش من تشاو جينغ ، شعر كأنه يلج بوابة حياة جديدة حاضرة ، وعمر مستأنف ..
لذلك لم تعد الأشياء القائمة فوق السحب تمثل خياله كله ، لأن تلك القارة التي تقع تحت السحب على بعد عشرين ألف قدم وتقترب منه أكثر فأكثر ، تحتضن تشاو جينغ ، وتضم بيتا لن يطرده أحد منه ..
راح وي جيايي يسرح بأفكاره أحيانا ، ويستجمع تركيزه أحيانا أخرى ، لكنه لم ينم بل قضى عدة ساعات نجح خلالها في معالجة جميع الصور المتبقية ، وأتم ترتيبها ليرسلها إلى العمدة فور هبوط الطائرة .
ثم بعث إلى تشاو جينغ برسالة جديدة يخبره فيها بهذا الخبر السعيد .
ولم يمض وقت طويل حتى أجابه تشاو جينغ قائلا : [ استيقظت .. ]
ثم أردف معلقا : [ رأيت الأمر ، المحامي لين . يا وي جيايي ، أنت بارع جدا في الاختيار . ]
تلا ذلك تعقيبه على خبر وي جيايي السعيد : [ لقد جعلت السكرتير يتصل بهم ، وسأتولى تمويل إنشاء المتحف التذكاري عندما يحين الوقت . ]
وفي النهاية سأل وي جيايي : [ ألم تنم طوال الرحلة؟ ]
أجابه وي جيايي : [ أجل ، لم يمنحني النوم سلطانا .. ]
ظل تشاو جينغ يعكف على الكتابة لفترة طويلة للغاية بشكل غريب ، لكن الرد الذي أرسله لم يتجاوز كلمة واحدة : [ لماذا؟ ]
وبمجرد أن رأى وي جيايي الرسالة ، أدرك فورا ما يدور في عقل تشاو جينغ ، وتمثلت تعابير وجهه أمامه حتى أحس بالابتسامة ترتسم على ثغره ..
في الحقيقة ، نشأ عدم قدرته على النوم عن أرق مجرد ، لكن وي جيايي اختار أن يكتب الإجابة التي يود تشاو جينغ سماعها : [ ربما لأنني أفكر فيك طوال الوقت .. ]
أجرى تشاو جينغ على الفور اتصالا مرئيا ، فقبله وي جيايي ── · ·
بدت إشارة الإنترنت اللاسلكية في هذا الجزء من الرحلة رديئة جدا ، فتجمدت شاشة الفيديو حتى اسودت ، وتحول الاتصال في النهاية إلى مكالمة صوتية ...
ظهر صوت تشاو جينغ متقطعا ، إذ سمعه وي جيايي يقول : [ وأنا أشتاق إليك أيضا ، لكنني نمت بشكل جيد . ]
ولما أقبل الناس من حوله ينامون ، وجد وي جيايي أنه من الصعب عليه الحديث ، فكتب له : [ سأعود بعد غد ، وإذا كنت مشغولا فسأنتظرك في البيت . ]
قال تشاو جينغ : [ حسنا . ]
ثم تكلم بكلام آخر لم يفهم وي جيايي منه شيئا تقريبا ..
فرد عليه : [ ما رأيك أن نستمر في الكتابة فقط؟ ]
نطق تشاو جينغ بعبارة بدا فيها كارها غير راض ، وسمعه وي جيايي هذه المرة يشتم ضعف إشارة الطيران المدني——-
وبعدما أقفلا المكالمة الصوتية— أرسل تشاو جينغ نصا يقول : [ قبل صياغة الاتفاق الزوجي ، يلزم إصدار بيان بالممتلكات ، قم بإعداده ثم سلمه لمحاميك لين فحسب . ]
لم يتوقع وي جيايي أن يسفر هذا الزواج الاندفاعي عن كل هذه التعقيدات اللاحقة التي تتطلب التطرق إلى الكثير من المسائل المالية ...
وأمام رغبته الشديدة في تجنب معالجة هذه الأمور ، لم يتمالك نفسه وسأل تشاو جينغ : [ ألا يمكن للمحامي أن يصوغ الاتفاق مباشرة ثم أوقع عليه أنا فقط؟ ]
قال تشاو جينغ على الفور : [ أتحبني إلى درجة أنك تريد توقيع عقد عبودية؟ ]
حدق وي جيايي في الرسالة وقد تملكه الوجوم ، وعجز عن معرفة ما يجب أن يرد به ، فحسم تشاو جينغ الأمر قائلا : [ لا يمكن . ]
لم يجد وي جيايي مفرا من قول : [ حسنا .. ]
وبعد قليل ، أرسل تشاو جينغ فجأة فقرة طويلة : [ أعتزم اليوم قبول مقابلة إعلامية عميقة للرد على الاشتباهات والانتقادات ، وهذا يعد جزءا من العلاقات العامة الرسمية .
وبما أنني أرتدي خاتم الزواج ، فسأذكر بالتأكيد مسألة زواجي ، كما سأعلن عن وجود اتفاق زوجي يستبعد حقك في تملك أسهم الشركة ، لتفادي استيجاب شروط الإفصاح العلني . ]
أنهى وي جيايي القراءة بفهم ناقص ، وشعر بضيق يكتم صدره ، فرأى أن سؤال تشاو جينغ مباشرة أفضل من كتم الأمر .
فكر قليلا ثم أرسل : [ ماذا يعني تفادي شروط الإفصاح؟ ]
شرح تشاو جينغ الأمر ، إذ يتمتع بصبر أكبر عندما يوضح لوي جيايي مسائل لا يفهمها ، فقال ببساطة : [ يعني هذا أن اسمك لن ينشر علنا ، مما يحميك من إزعاجات كثيرة لا داعي لها في حياتك الشخصية ، ويقلل أيضا من التأثير الذي قد يحدثه وضعي الاجتماعي والزوجي على الشركة . ]
تجلت الحقيقة لوي جيايي ، وأدرك أخيرا مقصد تشاو جينغ ، وشعر أن هذا الاتفاق ضروري بالفعل ولا يحتمل التأجيل : [ إذن سأذهب فورا لإعداد بيان ممتلكاتي، لنوقع عليه في أسرع وقت . ]
علق تشاو جينغ بأن رأيه يتغير بسرعة تشبه سرعة الأطفال
لكنه تحمل ذلك منه ..
بعد الوصول ، تواصل المحامي لين مع وي جيايي ، وأرسل له قائمة نموذجية حيث تعين عليه العودة إلى المنزل لجلب بعض الأوراق منها .
اتصل وي جيايي بالمسؤول المالي في استوديو العمل ، ثم انشغل بأداء مهامه ولم يلتفت إلى الأمر بعد ذلك── · ·
انتهى العمل في الليل عند الساعة الحادية عشرة ، فعاد وي جيايي إلى غرفته واستلقى على السرير بعد الاغتسال .
وإذ حسب أن تشاو جينغ غارق في نومه ، تجنب إيقاظه لكنه خشي في الوقت نفسه أن يستيقظ الرجل فيصيبه الكدر
فأحار أمره وتردد في إرسال رسالة إليه ..
خلا جدول يوم غد وبعد غد من الأعمال ، وأعلن أفراد فريق وي جيايي عن رغبتهم في التجول قليلا ، لذلك تقرر أن يعود الجميع معا إلى المدينة بعد ظهر يوم غد .
ومتى عاد ، سيتمكن وي جيايي من قضاء وقت أطول مع تشاو جينغ ، وسيحظى بعناق شديد الإحكام مرة أخرى ؛ عناق لم يعد هذه المرة مؤقتا يستبق الفراق في أي لحظة ، بل عناق ثبت بوثيقة قانونية شرعية .
خفق صدر وي جيايي بقوة ، وذكر أيضا الأمر الذي أخبره به تشاو جينغ قبل رحيله ، فامتلأ بالتطلع وأحس بالتوتر في آن واحد ، رغم أنه جهز كل الأشياء منذ فترة طويلة ..
وظل مستلقيا على هذا الحال حتى الثانية عشرة والنصف ليلا ، فلم يعد قادرا على كبح نفسه ..
وراح عقله يصرخ فيه بيقظة ويوبخه { إن ما تفعله خطأ جسيم ! }
لكن العقل عجز تماما عن ضبط اليد ، فحجز تذكرة طيران في غضون خمس دقائق ، وأبلغ مساعده شاو تشي بالأمر ، ثم حزم أمتعته بسرعة لم يعهدها من قبل ، وطلب سيارة تقله إلى المطار ، حاسما أمره على العودة إلى الديار قبل الموعد ...
ويا للعجب !
لم يكن شاو تشي نائما ، وربما تخيل سيناريوهات معينة ، فرد على وي جيايي : [ الأخ جيايي ، بالغ التوفيق !
أتمنى لك السعادة !
سنتولى نحن بالتأكيد إعادة جميع المعدات بأمان ! ]
عجز وي جيايي عن التفسير ، فلم يملك إلا أن يرد عليه بالشكر ..
وفي الطائرة ، نال قسطا من النوم لعدة ساعات ، ولكن لعل منطقه العقلي رفض بشدة ما أقدم عليه في الأيام الأخيرة ، فرأى وي جيايي في منامه غيمة طائرة ..
وقامت في تلك الغيمة ظلال وهمية كثيرة ، راحت تتخذ من تفاصيل حياته مادة للحديث ، وتبدي الكثير من التقييمات والآراء ..
وبدا عدة أشخاص منهم في حالة انفعال شديد ، رافضين تماما هذا السلوك منه ومضوا يقولون إن الاندفاع سيضر بحب تشاو جينغ له ، وأن "المشاعر تحتاج إلى بناء متأن" ،
و"ما يأتي سهلا لا يحافظ عليه" ،
و"أتغير موعد الرحلة من أجل عشر ساعات فقط؟" ،
و"هل نسيتم ما حدث في المرة السابقة عندما ركبتم رحلة ليلية للعودة؟"
لم تدافع عن اختيار وي جيايي سوى نبرة صوت نسائي ناعم قالت : "إذا كنت ترغب في فعل ذلك ، فافعله فحسب . "
تأثر وي جيايي بما سمعه في حلمه تأثرا عميقا ، وظل يتذكر الصوت بوضوح عندما استيقظ ، لكنه شك في أن هذا الصوت ليس سوى بقايا كبريائه المتهالك تجسدت لتدافع عن نفسه——-
حطت الطائرة في الساعة السادسة صباحا ، والفجر لم يبزغ بعد فبدت أضواء مخرج المطار شاحبة بيضاء ، وتلون الأفق خلف الأبواب الزجاجية برمادي ضارب إلى الزرقة .
ظهرت المدينة بأكملها كأنها نصف نائمة ونصف مستيقظة .
وسار المسافرون القلائل الذين رافقوه في الرحلة متفرقين يتوجهون إلى مقاصدهم ، وبدا كل واحد منهم أكثر تحديدا لوجهته من وي جيايي ..
عانى وي جيايي إرهاقا بدنيا ، ومضى يتقدم بعقل مشدوه ، لا يبغي سوى الوصول سريعا إلى البيت للراحة .
وبعدما سار مسافة قصيرة ، تذكر فجأة أن عليه طلب سيارة ، أو جمع أغراضه للبحث عن موقف سيارات الأجرة .
وبدا تفكيره بطيء الحركة ، لذلك حينما استقبل صوت تشاو جينغ ، ظن أن عقله يختلق أوهاما فلم يهتم به مطلقا ، بل حسم أمره في نفسه على الاتجاه نحو موقف سيارات الأجرة ...
وما كاد يمد ساقه خطوة واحدة— حتى شعر بيد تجذب ذراعه خفيفا——-
ارتاع وي جيايي روعا شديدا ، وأفلتت يده حقيبة السفر ، ليجد نفسه مجذوبا إلى داخل حضن قوي متين .
التحق وجهه تماما بكتف وعنق شخص فارع الطول ، فأصابه الدوار من دفء حرارته .
بلغت قوة تشاو جينغ مبلغا كاد يصهره به داخل جسده ، فلم تبق أي فسحة تتيح لوي جيايي رفع رأسه ليرى وجهه——-
همس تشاو جينغ في أذن وي جيايي بنبرة ملؤها الفخر والاعتزاز بالنفس: "تعود سرا قبل الموعد أيضا ."
استند وي جيايي إلى جسده ، مستمدا منه الدفء لوقت طويل ، قبل أن ينطق بلفظة "أجل"
معترفا بالأمر رغما عنه : "لقد اشتقت إليك كثيرا ، فماذا أفعل إذن؟"
فما كان من تشاو جينغ إلا أن شدد عناقه بشكل مفرط .
شعر وي جيايي كأنه يموت سحقا ، فطلب منه أن يخفف الضغط قليلا ، عندها أرخى تشاو جينغ قوته قليلا ، وقال بأسلوب يفيض خيلاء : "استيقظت في الساعة الرابعة والنصف ، فوجدتك لم ترسل لي أي رسالة ، وحينما اتصلت بك بدا هاتفك مغلقا ، فأدركت فورا أن ثمة أمرا غير طبيعي ..
تفقدت الرحلات الجوية التي تعمل فجر اليوم ، وجئت هنا أنتظرك .."
تعجب وي جيايي : "آه؟"
فقد ظن أن تشاو جينغ كلف أحدا بالتقصي، لكن تبين أنه جاء مخاطرا بالتخمين فلم يملك من الدهشة مفرا : "ماذا لو نفدت بطارية هاتفي فحسب؟"
أفلت تشاو جينغ وي جيايي أخيرا ──
ورفع وي جيايي رأسه ، فلمح على وجه تشاو جينغ أمارة شعور بالذنب نادرة الظهور للغاية .
شاح تشاو جينغ بنظره بعيدا ، وقال : "لقد جعلت وو روي يتواصل مع مساعدك عبر وكيل أعمالك ، وهو من أكد لي الأمر .."
"....."
"في الساعة الخامسة صباحا ينبغي أن يكون قد استيقظ فعلا" ، لم يدم شعور تشاو جينغ بالذنب سوى لثوان معدودة ثم تلاشى سريعا ..
وحينما رأى وجه وي جيايي المبهوت ، تكلم بكل جرأة وثقة : "يكفي أن نضيف له مكافأة مالية .
ثم لماذا لا يعلم أي منهم بأمر زواجنا؟
هل أنا شخص معيب لا يجوز إظهاره أمام الناس؟"
التمس وي جيايي عذرا بما تبقى لديه من وعي : "... ليس الأمر كذلك ، لكنني لم أعرف كيف أصوغ الخبر ، وظللت أفكر في الطريقة .."
تنهد تشاو جينغ خفيفا كأنه يرى وي جيايي شخصا شديد السذاجة : "يا وي جيايي ، كيف تعيش دوني؟"
ثم طبع قبلة رقيقة على شعره ، وطمأنه قائلا : "حسنا ، لا تبتئس ، لقد أخبرتهم بالأمر نيابة عنك فعلا ."
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق