Ch40 St
عُرف وي جيايي في أوساط العمل دائمًا بـتحمل المسؤولية .
وقبل معرفته بـتشاو جينغ ، اعتاد البقاء حتى النهاية ليغادر مع إطفاء الأنوار ، ولم يحدث قط أن أنهى عمله بطريقة تشبه الفرار مثلما فعل اليوم ؛ إذ لم يأخذ أيًا من أشيائه الشخصية باستثناء هاتفه المحمول ، بل إن المعطف الذي يرتديه استعاره من تشاو جينغ——-
تبقت بضع صور لم ينتهِ من مراجعتها بعد ..
تحركت السيارة مبتعدة عن الشارع الذي يقع فيه الاستوديو ، واقتربت من شارع تجاري تتلألأ أضواؤه ، فبدأ شعور بالذنب يداهمه ببطء ، وأمسك بهاتفه راغبًا في تعويض تقصيره بشكل مناسب ..
أرسل رسالة أولاً إلى مساعده شياو تشي ، يطلب منه المساعدة في ترتيب الأغراض والمعدات وإعادتها إلى الاستوديو ، ثم شرع في كتابة رسالة إلى رئيسة التحرير ليعبر لها عن أسفه ..
لم يظهر تشاو جينغ أي احترام للمساحة الشخصية كعادته ، بل اقترب منه ملتصقاً به ، ومضى يراقب كتابته للرسالة علنًا ، وعلق قائلاً : "تبدو رئيسة تحرير هذه المجلة ذات طباع جيدة ، فبمجرد أن تحدثتُ إليها تركتك تغادر ، فلماذا تتحدث معها بنبرة تفيض بالخنوع هكذا؟"
وعجز وي جيايي عن توضيح الأمر له بوضوح ، غير أن رئيسة التحرير ردت على الرسالة فورًا قائلة : [ لا بأس يا جيايي . ]
ارتسمت على وجه تشاو جينغ ملامح تنطق بعبارة 'ألم أقل لك' ، وقبل أن يتمكن وي جيايي من قول أي شيء ، رن هاتف تشاو جينغ——
في هذه الأثناء ، أرسلت رئيسة التحرير رسالة ثانية : [ عدم إخبارك للآخرين تصرف ذكي منك .
لقد تعاونا مرات كثيرة ، وإذا كنت ترغب في ذلك ، سأحافظ على سرية الأمر بالتأكيد . ]
اعتدل تشاو جينغ في جلسته ليرد على المكالمة ، ونظر إلى شاشة هاتفه ، فلم يلمح رسالة رئيسة التحرير ..
فتح مكبر الصوت دون أي كلفة ، وأجاب قائلاً : [ أمي . ]
سألت السيدة لي ينغ : [ تلقيتُ هدية جيايي ، متى ستصلان؟ ]
سمع وي جيايي صوت والدة تشاو جينغ ، واكتشف أنه بسبب الموقف المفاجئ قبل قليل ، نسي تماماً أمر الذهاب مع تشاو جينغ لمقابلة والديه ، فدب الذعر في قلبه——
قال تشاو جينغ : [ استقبلته للتو، ونحن في طريق العودة ، لقد تعرض وي جيايي للاستغلال من المجلة وعمل وقتاً إضافياً . ]
وبعد إنهاء المكالمة ، لاحظ تشاو جينغ ملامحه الذهولة ، فتحدث بنبرة تظهر معرفته العميقة به ققائلاً : "علمتُ أنك تعجز عن تذكر أمرين معاً في وقت واحد ، يا وي جيايي ، أنت تعيش وتصبح أشبه بالأطفال بمرور الوقت . "
ثم أردف بزهو وفخر : "لحسن الحظ اتسم تفكيري بالشمول والدقة ، فأرسلتُ شخصاً ليوصل الهدية بعد الظهر . قل لي بسرعة ، كيف ستشكرني؟"
واعتاد وي جيايي على مسايرة تشاو جينغ ، ورغم تفكيره في أمر مقابلة الوالدين ، التفت بغريزته وسأله : "كيف ترغب في أن أشكرك؟"
نظر إليه تشاو جينغ لبضع ثوانٍ ، ثم التزم الصمت فجأة دون سبب ..
ارتاب وي جيايي في تفكيره بأمر سيئ ، لكنه خفض رأسه لينظر إلى ساعته ، فوجدها تشير إلى السادسة والنصف ، وامتلأ قلبه بالندم والقلق ، وشعر أن زيارته الرسمية الأولى لوالدي تشاو جينغ ستترك انطباعاً سيئاً ، فلم يكترث بصمت تشاو جينغ ، وقال بـقلق : "هل تأخر الوقت الآن؟ جعلتهما ينتظرانني في المرة الأولى .."
هز تشاو جينغ كتفيه ققائلاً : "لا ، هما يتناولان طعامهما في وقت متأخر أصلاً ."
استمر القلق يساور وي جيايي ، فخفض رأسه لينظر إلى نفسه ..
تمثل هذا المعطف الصوفي الأسود في القطعة التي يرتديها تشاو جينغ فوق بدلته ، فبدا واسعاً جداً على وي جيايي ، ومن الواضح أنه ليس له ، وظل مظهره يفتقر إلى الرسمية .
فمد يده أولاً ، وطوى الأكمام دورة واحدة ثم سمع تشاو جينغ يسأله : "فيمَ تفكر وتسرح مجدداً؟"
رفع وي جيايي عينيه لينظر إليه ، وبدت نظرات تشاو جينغ عفوية ، لكنه بدا مستعداً للاستماع حقاً فلم يتمكن وي جيايي من كبح جماح نفسه ، وباح بما في داخله من توتر وقلق يبدوان غير لائقين : "أشعر ببعض العجلة فحسب ، والمعطف ملكك ولا يناسب مقاسي .."
قدم تشاو جينغ حلاً قائلاً : "إذا كنت تقلق حقاً ، سأطلب من شخص إرسال معطف لك ، لتبدله قبل الدخول ."
ثم أردف قائلاً : "لكن منزلي دافئ جداً ، وستضطر لخلعه بمجرد الدخول ."
تلاشى بعض قلق وي جيايي ، وسأله : "أهكذا الأمر؟"
أصدر تشاو جينغ صوتاً يفيد بالموافقة ، وسأله فجأة : "لماذا تلف نفسك بإحكام اليوم؟ حتى الأكمام تغطي هذا الجزء .."
اقترب من وي جيايي قليلاً ، وأمسك بمعصمه بيده اليمنى لسبب ما وأحاط به ، ومضت أطراف أصابعه تداعب بشرته باستمرار ، وشد قبضته أكثر فأكثر ليشبه قيداً ساخناً جداً : "ذكر خبراء التنظيم أنك لا تملك سوى ملابس صيفية ، فمن أين أحضرت هذا؟"
أجاب وي جيايي : "لانني أردت تغطية شيء ما .."
أراد من تشاو جينغ الكف عن الإمساك بيده ، لكنه شعر بلطف تشاو جينغ معه اليوم ، ورأى عدم جواز مقاومته ، فوضع يده فوق ظهر يد تشاو جينغ بشيء من الضيق .
امتدت يد تشاو جينغ الأخرى ، ورفعت الحافة السفلية لقميص وي جيايي قليلاً ، وارتسمت على وجهه تعابير تفيض بالاستقامة : "ماذا تغطي؟ أنا لا أعلم ، دعني أرَ ."
لم يتمكن وي جيايي من تمالك نفسه ، وشعر بوجهه يحمر غيظاً بسبب تصرفه ، فنادى باسمه : "تشاو جينغ" ، وأمسك بأصابعه ليدفعها بعيداً : "ماذا تعني بماذا أغطي؟"
وهنا سحب تشاو جينغ يده بـصعوبة ، وساعد وي جيايي في طي الكم الآخر دورة واحدة أيضاً ..
استغرقت الرحلة إلى منزل والدي تشاو جينغ وقتاً ليس بالقصير ..
اضطر تشاو جينغ لإجراء اجتماع هاتفي مفاجئ لا يمكن تأجيله ..
جلس وي جيايي بجانبه يشعر بالنعاس ، محاطاً بالمعطف الناعم والدافئ ، ووضع يده في جيبه بعفوية .
لمح تشاو جينغ حركته ، فمد يده هو الآخر دون سبب ودخلت معه في الجيب—
اتسم الجيب بالخلو في الأصل ، وضاق بشدة بمجرد دخول يد تشاو جينغ .
شعر وي جيايي بالعجز عن الكلام ، فألقى نظرة على تشاو جينغ ، ورغب بشدة في سؤاله إن كان يرى هذه الوضعية غريبة ومزعجة ..
لكن تشاو جينغ لم ينظر إليه ، وظل يحدق في شاشة الكمبيوتر ، ووضع سماعات الأذن بشكل جيد ، وبدت يده كأنها تملك تفكيراً خاصاً بها ، بينما ركز هو في اجتماعه ...
ثنى وي جيايي ذراعه ، وظلت يداهما تزدحمان داخل الجيب وتتحك أصابعهما فشعر بالحرارة والطفولية ، وبدا الأمر كأنهما يزدحمان داخل غرفة بمساحة متر مربع واحد ، ويعجزان عن الالتفات——-
وبعد فترة ، قرر وي جيايي الهروب أولاً ، وهم بسحب يده فتحركت يد تشاو جينغ ، وأدخلت شيئاً صغيراً جداً في إصبعه الوسطى—
اتسم الشيء بالبرودة المعدنية ، لكن حرارة الجسد جعلته دافئاً ، فتسمر وي جيايي لبرهة ، وكانت يد تشاو جينغ قد انسحبت بالفعل .
عاد الجيب ليصبح واسعاً وفارغاً ، وتسلل إليه بعض الهواء البارد ..
رفع وي جيايي يده لينظر ، فرأى خاتماً يستقر في إصبعه الوسطى ، وتمثل في خاتم الحب الذي اشتراه آنذاك ...
أغلق تشاو جينغ خاصية الصوت في الاجتماع ، والتفت ليخبر وي جيايي : "اشتريتُ خاتماً يناسب إصبعي الوسطى أيضاً .
لقد فكرتُ في الأمر ، إذا كنت لا ترغب في ارتدائه في إصبع البنصر عادة ، يمكنك ارتداؤه في الإصبع الوسطى ، وتعليق خاتم الزواج في عنقك .
وسأعلق أنا خاتم الإصبع الوسطى ، لنشكل تقاطعاً وتناظراً ، وبذلك نظل متطابقين تماماً ."
اكتشف وي جيايي أن تشاو جينغ يعاني من هوس خفيف بالتطابق ، فهو يشتري هذا وذاك ، حتى بدا منزلهما كمنفذ لبيع الخواتم بالجملة ...
لكن الكلمات الصادرة من تشاو جينغ تمثلت في التنازل في الحقيقة .
لعله اتصف بالذكاء الشديد فعلم ببعض الأمور دون أن يتحدث وي جيايي عنها ولذلك لم يستمر في استجوابه عن السبب ، ولم يدافع عن رأيه بقوة كما في السابق ، بل قبل حقيقة وجود خاتمين لـوي جيايي ، وقبل حقيقة أن وي جيايي لا يعمل بكل قوته من أجل قروض العقار ، وقبل واقع عجز وي جيايي عن الاتسام بالصراحة والوضوح مثله ..
لم يرغب وي جيايي في جعل تشاو جينغ يتحمل دائماً ويشعر بالظلم ، ولذلك مضى يبحث عن طريقة للتوفيق بين الأمرين ، وقبل أن يتوصل إليها ، خلع القلادة أولاً ، وارتدى خاتم الزواج ..
وصلوا أخيراً إلى بوابة القصر الكبير الذي يشبه القلعة ، وتبعه وي جيايي ليدخل من الباب الرئيسي ، و وجد درجة الحرارة مرتفعة جداً بالفعل .
خلع وي جيايي معطفه ، فتسلمه تشاو جينغ أولاً ، وناوله للمشرف على المنزل الواقف جانباً ، ثم أمسك بيده ، وتجاوزا الممر ليدخلا إلى غرفة استقبال واسعة جداً .
جلس والدا تشاو جينغ على أريكة طويلة يتابعان الأخبار ونهضا بمجرد رؤيتهما .
رأى وي جيايي والد تشاو جينغ عن قرب للمرة الأولى ، واتسم مظهره بالهيبة والوقار ، وشابهه تشاو جينغ بنسبة ثلاثين بالمئة ، وشابه والدته بنسبة ثلاثين بالمئة أيضاً ، أما الأربعون بالمئة المتبقية فبدت كأنها صفات خاصة به وحده ..
وفي تلك اللحظة ، تردد وي جيايي بين استخدام لقب رسمي تملؤه اللياقة مثل 'السيد تشاو والسيدة لي ينغ ' ، أو استخدام 'عمي وعمتي' ، فالتفت تشاو جينغ لينظر إليه ، وظن أنه تيبس من شدة التوتر ، فتحدث إليه كمن يعلم طفلاً : "قل أبي وأمي ."
وبمجرد صدور هذه الكلمات ، تملك الذهول والدي تشاو جينغ أيضاً ، وتبادلا النظرات بشكل تلقائي——
وتمثلت قراءة ملامح الآخرين في منطقة تميز وي جيايي ، ففهم تعابير وجهيهما فوراً ، وقال : "مرحباً بكما يا عمي وعمتي ."
لم يعجبه تشاو جينغ هذا العصيان العلني ، وظهر عليه الضيق لكن من الواضح أن جميع الحاضرين باستثنائه شعروا بالارتياح ..
ابتسمت السيدة لي ينغ قائلة : "جيايي ، لم نلتقِ منذ فترة طويلة ، فلنذهب لتناول الطعام أولاً ."
وقعت غرفة الطعام على مقربة من غرفة الاستقبال ، واستقرت فيها طاولة طويلة ، وجلس الأربعة متواجهين ، وي جيايي وتشاو جينغ في جانب واحد ..
تمثل الطعام المقدم في المطبخ الصيني ، لكن حظي كل فرد بوجبة مستقلة .
لعل الغرفة اتسمت بالاتساع الشديد ، وهدأت الأنحاء ، بينما تمثلت المصابيح المتدلية فوق طاولة الطعام في نوع رآه في الصور سابقاً ، وتكفي قيمة مجموعة واحدة منها لشراء منزله بالكامل ..
بدت هذه الأشياء بعيدة جداً عن حياته في الواقع وصعبة المنال ، فداهمه توتر أفقده الشهية ، وبدأ يأكل ببطء شديد في البداية وخشية التعرض للإحراج ...
أجاب بالتفصيل عن كل ما سأله والدا تشاو جينغ ، ليخفي حقيقة عجزه عن تناول الطعام ——-
اتسم اجتماع تشاو جينغ الهاتفي بالأهمية ، ولم ينتهِ حتى هذه اللحظة ، فمضى يستمع واضعاً سماعات الأذن دون اكتراث بالآخرين .
لم يهتم والداه بأمره ، وركزا في التحدث مع وي جيايي .
ولحسن الحظ لم يطرحا أي سؤال يتعلق بعائلة وي جيايي ، وتحدثا بحدود واضحة ، وتلاشى توتر وي جيايي تدريجياً ، وتحدث عن مرحلة الدراسة الجامعية ، وعن مشرفه الأكاديمي ..
أخبرته السيدة لي ينغ بـابتسامة : "أنا أقتني بعض أعماله" ، ثم سألته فجأة : "هل كنتما تعرفان بعضكما في ذلك الوقت؟ يبدو أنني لم أسمعه يذكر ذلك من قبل .."
قاطع تشاو جينغ الحديث فجأة قائلاً : "انتهى الاجتماع" ، وخلع سماعات الأذن أخيراً : "كنا نعرف بعضنا آنذاك بالفعل . لم يتسم وي جيايي بأي مبادرة ، ولذلك لم تحن الفرصة لنصبح مقربين .."
سمع وي جيايي هراءه ، لكنه لم يعترض وحافظ على كرامة تشاو جينغ بـطيب قائلًا : "لم تكن مسافة المدرستين قريبة في ذلك الوقت ، كما أنه تخرج قبلي .."
تملك الفضول السيدة لي ينغ وقالت : "بالفعل لم تكن قريبة ، كيف تعارفتما إذاً؟"
هم وي جيايي بالإجابة ، لكن تشاو جينغ تحدث مجدداً : "لم ينتهِ من طعامه بعد فلتخففا الأسئلة قليلاً ، لقد أفزعتموه حتى عجز عن تناول الطعام ، ولم يأكل سوى خمس لقمات منذ بداية الوجبة حتى الآن ، هل تريدان إهلاكه جوعاً؟"
كشف تشاو جينغ ضعف شهيته الذي جهد في إخفائه ، فلم يجد مفراً من خفض رأسه ومواصلة تناول الطعام———-
وبعد تناول الطعام ، عادوا معاً إلى غرفة الاستقبال وجلسوا لبعض الوقت .
قال والد تشاو جينغ إن هناك أموراً تتعلق بالشركة تستدعي الذهاب مع تشاو جينغ إلى المكتب للحديث بشكل منفرد ..
لم يرغب تشاو جينغ في ذلك في البداية ، وقال : "ما الأمر الذي يستدعي تغيير المكان للحديث عنه؟"
ولمح وي جيايي خوفه من عدم تأقلمه ، فأخبره بنفسه : "لا بأس" وهنا ذهب تشاو جينغ ..
وعند مغادرته ، طلبت السيدة لي ينغ من المشرف على المنزل إحضار علبة ، وذكرت أنها هدية اللقاء لـوي جيايي .
فتحها وي جيايي ليرى ، فوجدها ساعة يد .
قالت له السيدة لي ينغ : "لم أستقر في البداية على ما يجب إهداؤه ، ورأيتها في كتيب المزاد قبل بضعة أيام ، وشعرتُ أنا ووالد تشاو جينغ أنها تناسبك تماماً .."
تحدث وي جيايي بـأدب قائلاً : "شكراً لكِ" ، فابتسمت برقة ، وظهرت بضع تجاعيد خفيفة حول عينيها ، وربتت على يد وي جيايي قائلة : "جيايي ، لا داعي لكل هذه الكلفة معنا ."
اتسمت يد السيدة لي ينغ بالدفء ، وارتدت خاتماً مرصعاً بالأحجار الكريمة .
لم يتسم صوتها أثناء التحدث إلى وي جيايي بالجهارة كما هو الحال عند حديثها مع تشاو جينغ ، وبدت نظراتها أكثر رقة ..
تلاشت ذكريات وي جيايي عن والدته وباتت باهتة جداً ، ونظر إلى عينيها اللتين تشبهان عيني تشاو جينغ قليلاً ، فشعر كأنه يلمح نوعاً من العائلات السعيدة التي لا ينتمي إليها ...
لم يمثل الأمر حسداً شديداً ، بل أثار حنيناً إلى أيام طفولته التي يعجز عن تذكر تفاصيلها بوضوح── · ·
بعد بضع ثوانٍ ، تحدثت السيدة لي ينغ مجدداً : "لم يناسب الأمر الحديث في وجود تشاو جينغ قبل قليل ، لكني لا أريد إخفاء الأمر عنك ، في الواقع اطلعتُ على تقرير التقييم الأمني الخاص بك ، وتاريخك المهني ، ومجموعة أعمالك قبل تعاوننا في العام الماضي .
ولم أطرح الكثير من الأسئلة قبل قليل لهذا السبب ، لأننا نعرف كل شيء أصلاً ."
لعلها خشيت أن تساوره الشكوك ، فتحدثت ببساطة ومباشرة ، واتسمت تعابير وجهها بشيء من الجدية : "تمثل هذه الخطوة إجراءً روتينياً للبحث في الخلفية يُجرى في كل مرة نختار فيها موظفين جدداً ، ولم تكن موجهة ضدك شخصياً ."
لم يشعر وي جيايي بالمفاجأة في الواقع ، ولم يداهمه أي شعور بالإهانة ، لأنه تلقى في وقت مبكر جداً اتصالات للبحث في خلفيته وصلت إلى رئيس والده في العمل ، وتمثلت هذه المرة في المرة الأولى التي يرغب فيها عميل سابق في إخباره بهذا الأمر ، وبدا ذلك ميزة بحد ذاته ..
ابتسم بـتفاهم قائلاً : "أعلم ذلك ."
خفت جدية السيدة لي ينغ وقالت : "أردتُ في البداية إعطاءك سيرة تشاو جينغ الذاتية لتطلع عليها ، ثم تذكرتُ أنه أخذك بالتأكيد إلى معرض نموه الشخصي ، فلم أجهزها .."
ثم أردفت : "شعرتُ في ذلك الوقت أنك طفل جيد جداً ، ورشح الفريق مصوراً رئيسياً آخر يملك خبرة أكبر ، لكني اخترتك بدافع شخصي ، وأرى الآن أن الأمر مثل نصيب مقدر لنصبح عائلة واحدة ."
وتابعت قائلة : "كما أن تشاو جينغ لا يوضح الأمور بنفسه ، ولا يعرف طوال اليوم سوى التحدث عن الزواج والزواج .."
قطبت حاجبيها فجأة عند هذا الحد وقالت : "تناولتُ الطعام مع والد لي مينغ ميان قبل يومين ، وعلمتُ حينها فقط أنك من أنقذ تشاو جينغ من الشاطئ ، ولم نشكرك بشكل لائق بعد ، ونشعر أنا ووالد تشاو جينغ بالذنب الشديد .."
فطمأنت وي جيايي قائلة : "لا يرغب تشاو جينغ في التأثير على عملك ، ونحن لا نريد ذلك أيضاً ، فليرتح بالك ."
أضافت : "لا تسايره كثيراً ، ولا تظن أن تشاو جينغ يفتقر إلى الحيلة ، فقد اعتاد الطمع وطلب المزيد منذ صغره ، وإذا رق قلبك له كثيراً ، ستتعرض لظلمه بالتأكيد .."
ومع انتهاء كلماتها ، عاد تشاو جينغ مع والده——-
بدا أطول من والده بقليل ، وخلا وجهه من التعابير ، وتقدم نحو الأريكة وانحنى ليمسك بيد وي جيايي ، ونظر إلى الساعة التي أهدتها والدته فعلق قائلاً : "تبدو جميلة ."
ثم أخرج الساعة ، ووضعها في يد وي جيايي وقاسها قائلاً : "تبدو واسعة قليلاً ، وتستدعي إزالة حلقة واحدة من سوارها .."
ظلت أصابعه تلامس بشرته باستمرار مما أثار توتراً خفيفاً في نفس وي جيايي ..
لم يجد والداه في الأمر غرابة لاعتيادهما على تصرفاته ، وعندما خلع الساعة وأعادها إلى مكانها ، قالت السيدة لي ينغ : "ينتظر جيايي عمل غداً ، أليس كذلك؟ لن أبقيكما إذاً ."
بعد توديع حذر تملؤه الهيبة ، عاد أخيراً إلى سيارة تشاو جينغ .
دخلا إلى المساحة المظلمة ، وبمجرد إغلاق الباب ، بدأ تشاو جينغ يستجوب بـحذر : "ماذا قالت لكِ أمي عندما أبعدتني قبل قليل؟ هل تحدثت عني بسوء؟"
أجابه وي جيايي : "لا ، لم تقل شيئاً ، أهدتني هدية فحسب .."
لعل السيدة لي ينغ أخبرته بصفات تشاو جينغ الشخصية ، لكنه وجد نفسه عاجزاً أمام تشاو جينغ ، ورأى صعوبة في عدم مسايرته فقرر تجاوز الأمر ..
لمح تشاو جينغ عدم تصديقه التام للأمر ، ورمقه بنظرة خاطفة قائلاً : "أحقاً؟"
تذكر وي جيايي أمراً وقال له : "صحيح ، شعرتُ قبل قليل أن نداءهما بأبي وأمي يحمل بعض الغرابة ، ولذلك لم أستمع لكلامك .. هل شعرت بالغضب؟"
سخر تشاو جينغ منه قائلاً : "أعلم ذلك بالتأكيد ، هما لم يربياك لتناديهما هكذا ، رأيت توترك فقلتُ ذلك عشوائياً ."
اتصف وي جيايي بقلة الأكل وكثرة النوم ، وخلال الوقت الذي استغرقه تشاو جينغ في الرد على مكالمة هاتفية ، غرق في النوم داخل السيارة——-
تغطى بجسده بمعطف تشاو جينغ ، واستند برأسه إلى مسند المقعد ، وارتفع ذقنه قليلاً .
بعد فترة من النوم ، تلونت وجنتاه بحمرة دافئة ، وتلاشت الصفرة غير الطبيعية التي بدت عليه في المساء .
راقبه تشاو جينغ لفترة ، ثم مد يده ليلمسه .
فتحرك قليلاً دون أن يستيقظ ، واستقرت رموشه اللطيفة فوق بشرته .
لم تتسم رموش وي جيايي بالالتواء الشديد ، لكنها تمثلت في الطول لتشبه زغباً ناعماً مرتباً بنظم .
سحب تشاو جينغ هاتفه ، والتقط بضع صور ، ولم يستغرق التصوير طويلاً حتى وصلا أسفل مبنى الشقة .
أدرك تشاو جينغ أن حياة وي جيايي المستقلة أورثته ترويضاً يتبع نظام العمل ، فبمجرد توقف السيارة ، استيقظ فوراً ، واعتدل في جلسته محتضناً ملابس تشاو جينغ ، وبدا كمن يستعد لبدء العمل في الثانية التالية .
قال تشاو جينغ : "وصلنا إلى المنزل" ، فأصدر صوتاً يفيد بالفهم ، وتبع تشاو جينغ بـطاعة ليترجل من السيارة——-
أظهر وي جيايي طاعة كبيرة في منزل تشاو جينغ اليوم أيضاً ، فنفذ كل ما طُلب منه ، وبلغت طاعته حداً دفع الوالد لتقديم نصيحة لـتشاو جينغ ، راوياً أن تشاو جينغ يتسم بالقسوة والسيطرة في العلاقة ..
ومن الواضح أن الوالدين عجزوا عن فهمهما ، وتكاسل تشاو جينغ عن تقديم المزيد من التوضيحات ...
إذ لم يعلم أحد بمدى اهتمام وي جيايي بـتشاو جينغ وخوفه من خسارته عندما التقيا أسفل مبنى الاستوديو في المساء ، حتى كاد يلتصق بجسده——-
وبمجرد تذكر تشاو جينغ لتعابير وجه وي جيايي ، شرع فوراً في التخطيط لطلب يده .
بعد الزواج والاقتراب ، تزايد فهمهما لبعضهما البعض ، وعثر تشاو جينغ على السبب الكامن وراء شراء وي جيايي لخاتم الحب فقط .
تماماً مثلما وقع وي جيايي في حب تشاو جينغ بعمق على الجزيرة وعجز عن البوح بـمشاعره واضطر لتخدير نفسه بالعمل ، لم يرفض وي جيايي فكرة الزواج عند شراء الخاتم ، بل تمثل الأمر في كونه شخصاً شديد الخوف والجبن ، ويفتقر إلى النضج ، ولم يجرؤ على طرح الفكرة ..
لولا شرائه لمقاس خاطئ في غمرة ارتباكه ، وتطابق المقاس مع بنصر تشاو جينغ ، لخلت علاقتهما حتى الآن من وثيقة زواج تحميها ..
بعد أن فهم تشاو جينغ الأمر تماماً ، تملكه شعور بالرغبة في حمايته ورعايته فقط ...
لم يمثل الأمر غفراناً ، بل تفهماً ؛ ولم يعبر عن غضب ، بل عن شفقة وحنان ..
عزم على إنهاء توقيع اتفاقية ما قبل الزواج في أسرع وقت وتأسيس صندوق ائتماني ، ليتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات في المنزل ليجعل شريك حياته الذي يقل عنه قوة يشعر بالاستقرار والنمو الذي يجلبه الزواج .
عند العودة إلى المنزل ، قصد تشاو جينغ التحدث مع وي جيايي في هذا الأمر أولاً ليطمئن قلبه .
لكن وي جيايي ظل يحب الأناقة والمظهر ، فتوجه فوراً نحو خزانة الملابس بمجرد دخوله ليتحقق من ترتيبها ..
قال وي جيايي بـذهول كمن لم يرَ مثل هذا التنظيم من قبل : "مرتبة جداً ، أشعر أن الغرفة اتسعت كثيراً !"
اتسم تشاو جينغ بالرزانة ، فلم يقل شيئاً وتقدم ليقف بجانبه ويرافقه في تفحص الملابس .
عثر بالصدفة على قطعة رقيقة جداً ، فأخرجها تشاو جينغ ليريها إياه قائلاً : "أليست هذه شفافة؟ ارتداؤها يتيح للآخرين رؤية كل شيء ."
أصر وي جيايي على رأيه رافضاً الاعتراف ، ورغم عذوبة صوته امتدت يده ليحاول استعادتها : "لا تتحدث بهذه الأمور دائماً !"
تعلق الأمر بمسألة مبدئية تحدد الصواب والخطأ ، فلم يتنازل تشاو جينغ بالتأكيد ورفع الملابس التي يرتديها وي جيايي إلى الأعلى ، وقال بـبساطة : "ارتدِها إذاً لتثبت العكس ."
لم يقاوم وي جيايي ، وبمجرد جذب تشاو جينغ للملابس ، انكشف الجزء العلوي من جسده وظلت آثار كثيرة تظهر عليه ، فبدا صدره منتفخاً قليلاً ويميل إلى الحمرة بسبب تعرضه للعض لفترة طويلة في الليلة الماضية ...
فلا غرابة في ارتدائه لهذه السترة الواسعة التي تلف جسده من العنق حتى الذراعين .
تسمر تشاو جينغ لبرهة عند رؤية ذلك ، واعترف بقسوته وتجاوزه في الليلة الماضية——-
لم يشعر وي جيايي بالغضب ، بل امتدت يده ليأخذ الملابس الشفافة من يد تشاو جينغ ، وخلات عيناه من أي نفور وقال : "سأرتديها ، سأرتديها لتراها بنفسك !"
بسبب بياض بشرته ، ظهرت تلك الآثار بشكل أكثر وضوحاً ، وتبدت كأنه تعرض للأذى من تشاو جينغ ..
لامست أصابعه ظهر يد تشاو جينغ ، اتسمت أطراف أصابعه بالنعومة والدفء .
لم يسمع تشاو جينغ ما قاله بوضوح ، وانتبه وي جيايي فجأة وخفض رأسه ، فترك الملابس ، وبدا كمن غير رأيه فلمس موضعاً بارزاً لدى تشاو جينغ ، وسأله بصوت خافت كلمات أثارت رغبة تشاو جينغ وعجز عن كبحها .
حاصره تشاو جينغ في الزاوية ، وطوق وي جيايي عنق تشاو جينغ بذراعيه محكماً قبضته ، وطلب الأمر بنفسه——-
لقد تخرجا ودخلا في مرحلة الزواج ، فاختلف الأمر عن السابق ، وغدا القيام بهذه الأمور يومياً أمراً طبيعياً وبديهياً ، وأحب وي جيايي ذلك كثيراً بعد التجربة الأولى ، وبات يطلبه بين الحين والآخر ، فتعين على تشاو جينغ تلبية رغبته بشكل جيد ، وتمثل هذا في إحدى مسؤوليات الزواج أيضاً .
اتصف وي جيايي بالقدرة على فهم الآخرين أحياناً ، والقول بخلاف ما يبطن في أحيان أخرى ، ولأن رغبته في العطاء تفوقت على خوفه من الخسارة ، عجز غالباً عن تحديد ما يجب عليه السعي لامتلاكه .
بعد أن غرق في النوم ، احتضنه تشاو جينغ ، ومضى يفكر وحيداً بذهن صافٍ في الكثير من الأمور المتعلقة بإدارة الحياة الزوجية ..
لأن وي جيايي سيسافر في رحلة عمل غداً مجدداً ، أيقظه تشاو جينغ بعد انتهائه من التفكير .
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق