Ch44 St
اقتربت بسرعة اللحظة التي توجب فيها على وي جيايي الانطلاق في رحلة عمله ——-
أشرقت شمس الصباح بروعة بالغة ، وارتفعت المروحية لتحلق فوق سطح البحر الذي أشبه جوهرة خضراء ، لكن الأمر اختلف عن وقت مجيئهما قبل يومين ، إذ جلس تشاو جينغ الآن بجانب وي جيايي .
بعد وصولهما إلى العاصمة ، توجب عليهما أولا الاجتماع بمحامي الطرفين لتوقيع اتفاقية ما بعد الزواج التي صيغت في شكلها النهائي بعد التواصل إلى اتفاق مشترك ..
في نهاية حديثهما الليلة الماضية ، طرح وي جيايي هذه الفكرة بجدية تامة على تشاو جينغ .
فبما أنهما اتفقا ، استحسن ألا يستمرا في المماطلة ، إذ إن عدم التوقيع في الوقت المناسب على الاتفاقية المستحقة ،، قد يتسبب في مخاطر لشركة تشاو جينغ .
أدرك تشاو جينغ قلقه ، فراح يطمئنه قائلا : "لا تقلق إلى هذا الحد ، لقد مرت الأوقات الأكثر صعوبة في تسريب المعلومات ."
بل ومضى يتحدث بغرور وثقة : "ما دام العمل السري يسير على أكمل وجه ، فمن سيعلم أننا لم نوقع بعد؟
كما أنه لا توجد أية احتمالية لحدوث تغيير في زواجنا ."
ورغم قوله هذا ، امتثل في النهاية لطلب وي جيايي ، واتصل بالمحامين والمستشارين الماليين وطلب منهم القدوم على الفور ..
جرى التوقيع في مكتب فرع العاصمة التابع لشركة المحاماة التي يعمل بها المحامي لين .
تميز المبنى بنوافذ نظيفة ومضيئة ، وتوسطته طاولة اجتماعات طويلة ، جلس وي جيايي وتشاو جينغ على جانبيها وبرفقتهما محامو كل منهما ، ونظرا لكثرة الأشخاص المطلوبين للتوثيق غصت الغرفة الفسيحة بالناس واكتظت بهم——-
لم يعتد وي جيايي مثل هذه الأجواء الرسمية ، حيث ارتدى الجميع حللا رسمية وأحذية جلدية ، وساد المكان وقار شديد .
شعر بعدم الارتياح ، ورغب في إنهاء الأمر سريعا ..
شكلت الاتفاقية مع المستندات حزمة سميكة وتعددت النسخ المطلوب توقيعها .
لأن القدرة الاستيعابية لعقل أي إنسان محدودة بطبيعتها ، صب وي جيايي كامل تركيزه على مجال عمله وتخصصه فقط ، ومضى يوقع برأس منحن وعلى نحو آلي في كل صفحة بناء على التوجيهات ، مدفوعا بثقته في تشاو جينغ والمحامين ، دون أن يدقق كثيرا في المحتوى ....
وقع بسرعة فائقة جعلت تشاو جينغ يقاطعه قائلا : "وي جيايي ، ألا يمكنك أن تلقي نظرة بنفسك؟"
رفع وي جيايي رأسه ، فرأى ملامح تشاو جينغ العاجزة نوعا ما ، وهو يقول : "تصرفك هذا يجعلني أخشى حقا في المستقبل عندما أكبر وأخضع لعملية جراحية ، أن يعطيك الطبيب ورقة فتعمد إلى التوقيع عليها عشوائيا دون أن تقرأ شيئا .."
في النهاية ، أتما التوقيع في الوقت المناسب ، وافترقا مجددا لفترة وجيزة——-
على متن الطائرة ، استمر وي جيايي في الانشغال والعمل ، فتواصل لبعض الوقت مع مدير أعماله وعملائه ، وغفا غفوات قصيرة .
مع اقتراب هبوط الطائرة ، أرسل إليه تشاو جينغ رسالة يعلمه فيها بوصوله إلى المنزل .
اتسم تشاو جينغ بكفاءة عالية جدا في إنجاز الأمور ، فقبل نومه ، حول لـوي جيايي مقاطع فيديو وصورا لعدة عقارات مناسبة أرسلها إليه وكيل العقارات ، وكتب : [ عندما تعود ، سنذهب معا لاختيار أحدها . ]
شاهد وي جيايي مقاطع الفيديو كاملة ، ولم يدر أأضاف من عنده مؤثرات تجميلية ، أم إن طلبات تشاو جينغ من وكيل العقارات هي السبب ، لكنه شعر أن البيوت في هذه المقاطع لم تقتصر على الفخامة أو الطابع العصري للقصور الحديثة فحسب ، بل ضجت أيضا بأجواء الدفء والمنزل .
أدرك أيضا أنه منذ معرفته بـتشاو جينغ ، راح الأخير يقوده كمن يجتاز مراحل لعبة ليحصل على المكافآت ..
رغم انضمامه المفاجئ دون أدنى استعداد ، إلا أنه حين استعاد وعيه ، وجد الجائزة الكبرى قد وصلت إلى يده من تشاو جينغ وراحت السماء تمتلئ بأشرطة ملونة وهتافات ترحيبية .
سار عمل وي جيايي هذه المرة بسلاسة تامة ، ولأنه سبق له العمل مع معظم أفرادِ الفريق ، انعدمت الحاجة تقريبا لفترة التكيف ، بالإضافة إلى قضائه أكثر من عشر سنوات في هذا المكان ، واعتماده على تصوير الوجوه في الشوارع والأزقة لتوفير الرسوم الدراسية وتكاليف المعيش، فبدا كل شيء مألوفا جدا لديه ..
بعد انتهاء تصوير اليوم الأول ، اصطحب وي جيايي عددا من زملائه لتناول الطعام في مطعم بوسط المدينة .
عندما هم وي جيايي بدخول الباب ، دفع الباب في تلك اللحظة تحديدا وخرج منه والده وبرفقته زوجة أبيه ، وأخوه وأخته الصغيران من زوجة أبيه .
بلغت الساعة التاسعة والنصف وحل الظلام ، وبدت مصابيح الزقاق خافتة ، وتراكمت على جانبي الشارع ثلوج رمادية وسوداء ، فظهر سطح الطريق متسخا جدا .
لم يتعرف عليه والده في البداية ، بل تعرف عليه أخوه الصغير ..
كان الأخ في الثالثة عشرة من عمره فقط ، ووصل طوله بشكل مفاجئ ليتساوى مع طول وي جيايي تقريبا ومر بمرحلة تغير الصوت ، وبينما كان يتحدث ، انحرف نظره إلى وجه وي جيايي ، فتجمد بصره لثانيتين ، وناداه : "أخي ."
رد وي جيايي تلقائيا بكلمة "مرحباً" ، ثم توقف عقله عن العمل في موقف نادر ...
سد الطرفان المدخل ، وتملكهم الإحراج والحيرة دون معرفة ما يجب فعله——-
استوعب وي جيايي الموقف أولا ، فطلب من زملائه الدخول أولا للجلوس ، ثم تراجع متكئا بجانب الباب ، كي لا يعيق حركة دخول الناس وخروجهم .
وقف الخمسة كأعمدة خشبية لفترة وجيزة ، وسأله والده : "متى عدت؟"
هبت لفحة ريح قوية ، فنثرت حبات الثلج المتساقطة من الإفريز ، فشد وي جيايي وشاحه وقال بأدب : "وصلت بالأمس ، وجئت فقط للعمل لبضعة أيام ."
ثم التفت نحو أخيه الصغير ، وسأله : "هل أنجزت مشروعك الفني؟"
في ذلك الوقت قدم له نصائحه ، ولم يتابع بعدها المسألة ..
أجاب الأخ : "أنجزته" ، وساد الهدوء لبضع ثوان ، ثم قال وي جيايي : "إذن سأدخل لتناول الطعام ."
قال الوالد حسنا ، وفتحت زوجة الأب فمها قائلة : "جيايي ، تفرغ في هذه الأيام لتأتي وتتناول معنا وجبة طعام في المنزل هذا إن كنت لن تعود في رأس السنة ."
وتابعت : "اجعل والدك يحدد الوقت معك ، فنحن جميعا متفرغون ."
قال وي جيايي موافقا .
فتبادلوا كلمات الوداع ، وتوجهوا نحو الجانب المقابل من الشارع لأخذ السيارة ، بينما دخل وي جيايي إلى المطعم الدافئ——-
تسبب لقاء أشخاص لم يتوقعهم في تعكير مزاج وي جيايي قليلا ..
لحسن الحظ ، لم يسأل الزملاء عن أي شيء ، وتناولوا معا وجبة طعام ساخنة ، وارتشفوا بضع كؤوس .
عند عودته إلى غرفة الفندق ، أنهى وي جيايي استحمامه ، وراحت حبات الثلج تتساقط مجددا خارج النافذة .
أرسل الوالد رسالة يستفسر فيها عن تاريخ بقاء وي جيايي ، وعن وقت فراغه في هذه الأيام، لكنه لم يرد ..
وقف بجانب النافذة يتأمل تساقط الثلج لفترة ، ثم تلقى اتصالا مرئيا من تشاو جينغ .
تمتع تشاو جينغ بوقت الصباح ، وبدا ضوء السماء ساطعا جدا عنده .
ظهر وجه وسيم بدت عليه ملامح حدة الطباع الشديدة ، وكأن وضوح الهاتف ونقاء الصوت قد تحسنا .
سأل وي جيايي عن أحوال عمله طوال اليوم ، فلم يجب وي جيايي على السؤال بل أخبره : "التقيت بعائلة والدي عند المطعم مساء .."
"ماذا؟" قطب تشاو جينغ حاجبيه قليلا ، وظهرت على ملامحه علامات الحذر الشديد ، "ماذا أرادوا منك؟"
شعر وي جيايي في البداية بقليل من الانزعاج ، لكن حاله تحسنت كثيرا بمجرد النطق بالكلمات ، وربما رجع ذلك إلى أنه لم يحتج لقول شيء ، إذ هب شخص شديد الحمية لحمايته وإدانة كل شيء على الفور بالنيابة عنه ، بغض النظر عما إذا كان الطرف الآخر يستحق الإدانة أم لا ...
"التقيت بهم مصادفة عند باب المطعم ،" مشى وي جيايي نحو جانب السرير ، وجلس يشرح له ،
"طلبوا مني الذهاب إلى منزلهم لتناول الطعام في هذه الأيام ."
نظر إليه تشاو جينغ لبضع ثوان ، وسأل : "هل ترغب في الذهاب؟"
"لا أعلم ،" قال وي جيايي بصدق ، "عدم الذهاب يظهرني وكأنني أحمل ضغينة ، وإذا ذهبت فلا أدري ماذا أقول ، لقد انتقلوا إلى منزل جديد في حي آخر ، بعيدا جدا عن مكان سكنهم السابق ..
لم نعد عائلة واحدة ...
وعلاوة على ذلك ، هل تعلم؟"
لم يطق وي جيايي صبرا عن إخبار تشاو جينغ : "حتى أوشحتهم ومعاطفهم ارتدوها من طراز وسلسلة واحدة !"
بدا الأمر مبالغا فيه حقا ، حتى إن وي جيايي شك في أنهم لو ركبوا سفينة سياحية لصنعوا قمصانا قطنية مخصصة تحمل شعار العائلة ..
ومع ذلك ، ظهر بوضوح أنهم يشكلون عائلة سعيدة ، ويتمتع وي جيايي الآن بحال جيدة ، ولا يملك رغبة في الشكوى ، بل تملكه مجرد شعور طفيف بالأسف والآهات── · ·
ذلك لأن صلة الدم بينهم قريبة جدا ، بينما ابتعدت مسارات حياتهم بمسافات شاسعة ...
"وما في ذلك؟" راح تشاو جينغ يواسيه على الفور ، "نحن أيضا لن نرتدي في المستقبل إلا من طراز وسلسلة واحدة ."
ذهل وي جيايي للحظة ، وتذكر أن تصميمات ملابس تشاو جينغ تميزت بالتحفظ نوعا ما ، فهدأ مزاجه في تلك اللحظة ، واستعاد عقلانيته : "أوه ، فلنؤجل الحديث في هذا الأمر إلى وقت لاحق .."
أدرك تشاو جينغ جليا سبب قول وي جيايي لهذا ، فنظر إليه بنظرة استياء ، وهم بنطق كلمات لا يرغب الآخر في سماعها ، فبادر وي جيايي على الفور بتغيير الموضوع : "لقد صوّرت مكانا اليوم أيضا ، انتظرني لحظة ."
فتح حاسوبه ، وعثر على صورة ، ثم حول الكاميرا إلى الخلفية وعرضها على تشاو جينغ .
أثناء التصوير بعد الظهر ، شعر بالقرابة والألفة في البداية ، ثم تذكر فجأة .
"أليس هذا البيت الزجاجي الذي أقام فيه وو تشاو حفلة عيد ميلاده؟"
تعرف عليه تشاو جينغ بلمحة عين دون أي تردد ، ثم نطق بعبارة لم يتوقعها وي جيايي : "المكانُ الذي التقطت لي فيه صورا سرا عندما رأيتني للمرة الأولى ."
عجز وي جيايي عن الكلام ، وساد الهدوء لثانيتين ، فعاد تشاو جينغ ليصدر أوامره من الطرف الآخر : "حول الكاميرا إلى الأمامية ."
أعاد التحويل ، فرآه تشاو جينغ صامتا ، وتابع كلامه مباشرة : "تذكرت الآن ، لقد غادرت مبكرا في ذلك اليوم أيضا ."
وعمد إلى إعادة كتابة التاريخ الجديد ، ووجه سؤالا لـوي جيايي بكل صراحة ومواجهة : "ماذا ذهبت لتفعل؟ ولم تأت لتتحدث معي بضع كلمات إضافية .."
تحمل وي جيايي المرة تلو الأخرى ، ولم يعد يطيق صبرا ، فسأله : "معذرة ، هل أنا من امتنع عن الحديث معك في ذلك اليوم؟"
"وي جيايي ،" رفع تشاو جينغ حاجبيه ، وقال: "أنت تحمل ضغينة وتتذكر الإساءة حقا في بعض الأحيان .."
تأمل وي جيايي وجه تشاو جينغ الوسيم جدا على الشاشة بصمت ، وراح يقنع نفسه بالحفاظ على صبره ..
لم يستمر في إقناع نفسه طويلا ، إذ اعترف تشاو جينغ بنفسه قائلا : "حسنا ، لن أفتري عليك بعد الآن ، الذنب ذنبي ، ولم يكن يجدر بي أن أقسو عليك .."
وتابع بصدق تام ظهر في عينيه ، مبتعدا تماما عن تزيين الكلمات ، ومضى يصيغ خلاصته بكل صراحة : "أنا الملوم لأننا لم نتزوج في وقت مبكر ،"
لكنه حول مجرى الحديث مباشرة قائلا : "ولكنني فكرت في الأمر منذ زمن ، لو ارتبطنا في ذلك الوقت ، لعشنا معا عند زواج لي مينغ ميان ، وعندما ضرب التسونامي ، لتوجب علي تسلق الشجرة وحملك على ظهري أيضا ." فتعالت ضحكات وي جيايي إثر سماع هذا——
عندما رأى تشاو جينغ ضحكته ، رقت ملامح وجهه وصارت أكثر عذوبة ، وقال : "حسنا ، نم مبكرا ، لتنهي عملك في وقت مبكر وتعود إلى المنزل سريعا ."
تبادل الاثنان تحية ليلة سعيدة ، وفكر وي جيايي لبعض الوقت ، ثم رد على رسالة والده موضحا عدم تفرغه هذه المرة ، ثم استلقى على فراشه ونام فورا .
بعد انتهاء الاجتماع الأخير في المساء ، حمل السكرتير إلى تشاو جينغ أخبارا جيدة : لقد تلقى ردا بخصوص العقار الذي استفسر عنه !
لم يعرض هذا العقار في السوق بعد بالفعل ، ويرجع السبب في ذلك إلى شدة تدقيق الزوجين مالكي العقار ، حيث استقرا لتوّهما على شركة الوساطة العقارية ، ولم يتفرغا بعد للبدء في التنظيف والترتيب ..
خادع تشاو جينغ وي جيايي زاعما استعداده للنوم ، ليحصل منه على كلمة ' ليلة سعيدة ' المنطوقة بنبرة متوترة وخافتة في فترات استراحته من العمل ، ثم انطلق متوجها إلى مكان تواجد الآخر في هذه اللحظة——-
بعد تخرجه ، اعتاد تشاو جينغ العودة إلى هذه المدينة مرارا وتكرارا ، إذ امتلكت شركته أعمالا ونشاطات كبيرة فيها .
لكنه نادرا ما مر بالمنطقة التي يقع فيها ذلك العقار ، لأنها مثلت منطقة سكنية متوسطة على أطراف المدينة ، وارتبطت بحياة تشاو جينغ ارتباطا ضئيلا جدا ..
وصل تشاو جينغ بالسيارة ، وتزامن الوقت مع حلول المساء ، فأرسلت الشمس المائلة البرتقالية والصفراء أشعتها على الثلج المتراكم فوق العشب .
لم يكن المنزل كبيرا ، واكتست جدرانه الخارجية باللون الأصفر الضارب إلى البيج ، وتألف من طابقين ونصف ، بالإضافة إلى قبو وفناء ومرآب للسيارات .
وقف وكيل العقارات ومالك المنزل ينتظرانه ، بجانب سيارة مخصصة للطرق الوعرة .
وفقا للأعراف المتبعة عند معاينة العقارات والتفاوض بشأنها ، لا يحتاج المالك للحضور ، ولكن بناء على كلام وكيل العقارات ، بمجرد أن سمع المالك بوجود شخص يستفسر عن منزله قبل عرضه في السوق ، أصر على لقاء المشتري أثناء معاينته للمنزل ، ليتولى بنفسه تقديم شرح عن بيته .
بدا الطلب غير منطقي ، وجافاه الاحتراف كثيرا ، ومع ذلك وافق تشاو جينغ ..
ترجل من السيارة ، فأقبل وكيل العقارات نحوه أولا ، وهز تشاو جينغ رأسه له ترحيبا .
شخص الرجل في منتصف العمر الواقف خلفه ببصره نحو سيارة تشاو جينغ ، وانفتح فمه قليلا ، وظهر الذهول والتعجب على ملامحه .
اتسم ببنية نحيفة وطويلة ، وارتدى قميصا أزرق فاتحا وسروالا رسميا ، والتحف معطفا محشوا بالريش سميكا جدا ، ولف وشاحا حول عنقه ، ولم يدر المشتري أشكلت الملابس طرازاً وسلسلة واحدة كما قال وي جيايي أم لا ...
"هذا السيد وي ،" قدم وكيل العقارات تعريفا ، "وهذا السيد تشاو ."
رغب مالك المنزل في مصافحة تشاو جينغ ، فتوجه تشاو جينغ مباشرة نحو المدخل ، وأسرع الوكيل لفتح الباب له ، فلمح تشاو جينغ ملصقا لنافذة عيد الميلاد قد بهت لونه ، مثبتا على الطبقة الداخلية لزجاج الباب الرئيسي .
تمتعت غرفة المعيشة بأرضية خشبية فاتحة اللون ، واتشحت الأريكة باللون الرمادي ، وبدت قديمة نوعا ما ..
"لم نتفرغ للتعامل مع الأثاث بعد ،" أوضح وكيل العقارات ، "خططنا في الأصل لبدء العمل الأسبوع المقبل ."
أطلق تشاو جينغ همهمة تفيد بالموافقة ، وسمع مالك المنزل يفتح فمه خلفه قائلا : "السيد تشاو ، هل تشتري هذا المنزل من أجل دراسة أبنائك مستقبلا؟ المنطقة التعليمية لدينا هنا ممتازة جدا ، ونال أطفالي جميعا درجات وجدارة عالية جدا ."
"حقاً؟" تحول تشاو جينغ بنظره الذي كان يتأمل حشوات الحماية من الصدمات المغلفة لخزانة التلفاز ، والتفت يرمقه بنظرة ، "أي جامعة ارتادوا؟"
"ابني الأكبر درس التصوير الفوتوغرافي ، وتخرج في أفضل جامعة للفنون في المدينة ، وغدا الآن مصورا شهيرا على مستوى العالم ، ويدعى وي جيايي ، يمكنك البحث عن اسمه ،" تحدث المالك بنبرة حملت طيفا من الفخر ، "أما ابني الأصغر فقد قبل مؤخرا في مدرسة خاصة تقع ضمن المراكز الثلاثة الأولى ."
لم يعثر تشاو جينغ على أي أثر يدل على حياة وي جيايي في غرفة المعيشة ، فمضى يتقدم نحو الداخل ..
اتصل المطبخ بغرفة الطعام ، أطلت النافذة على فناء خلفي مغطى بالعشب .
توسطت طاولة الطعام المستطيلة مزهرية فضية ، ولأنها قديمة ، لم يأخذها المالك معه ، وخلت من النباتات ، فاستقرت وحيدة على الطاولة ..
سأل تشاو جينغ : "هل الطابق العلوي يضم غرف النوم؟"
أكد المالك ووكيل العقارات الأمر ، فصعد الدرج ليعاين المكان ..
بدا السلم الأبيض ضيقا بالنسبة لـتشاو جينغ ، واكتسى بالسجاد ، وعند وصوله إلى الطابق الثاني ، اصطفت ثلاث غرف نوم وغرفة مكتب ..
وقعت غرفة المكتب في الجانب المواجه للشارع ، فدخل تشاو جينغ يتأملها ، فوجد فيها طقمين من المكاتب والمقاعد المخصصة للدراسة ، بالإضافة إلى رفوف كتب تغطي جدارا كاملا .
نقلت معظم الكتب ، واستقرت قلة منها مبعثرة بشكل عشوائي على الخزانة مثلت بعض الكتب المدرسية للمرحلتين المتوسطة والثانوية .
انحنى تشاو جينغ وسحب كتابا للرياضيات ، وفتحه ليقع بصره على اسم صاحب الكتاب ، بالإضافة إلى كتابات دونها عليه أثناء مرحلته الثانوية .
تميز خط وي جيايي بترتيب وتنسيق شديد ، وكأنه خرج من آلة طباعة !
"هذه أشياء ابني الأكبر ، نسي أخذها معه ،" قال مالك المنزل مجددا ، "سنقوم بتنظيفها وإبعادها معا من أجلِك في ذلك الوقت ."
تجاهله تشاو جينغ ، ومشى نحو جانب النافذة ، ونظر إلى الخارج ، ولم يعاين بقية غرف النوم ، بل توجه مباشرة إلى القبو .
خفتت إضاءة القبو نوعا ما ، فأنارت بعض الأغراض والمخلفات المغطاة بالكامل بالغبار ..
وجدت خزانة سرير جانبية لم تبع بعد ، وكتب أخرى تكدست على الأرض ، ودراجة هوائية علاها الصدأ ، وبدت قديمة وكأنها تداولتها سبع أو ثماني أيد ..
صندوقان من الملابس القديمة ، وصندوقان من الأغراض المتنوعة ..
"هذه كلها مخلفات أخرجت سابقا عند ترتيب غرفة المكتب .
لقد انشغلنا بتربية الأطفال ، وتكاسلنا عن بيعها ، فظلت مستقرة هنا طوال الوقت .."
أوضح مالك المنزل مبررا ، وربما لم يفهم سبب إهمال تشاو جينغ لمعاينة غرف النوم وتركيزه على فحص القبو ..
فتح تشاو جينغ صندوقا للأغراض المتنوعة ، فرأى في داخله مجسما صغيرا جدا للكرة الأرضية ، وبدا وكأنه جائزة لمسابقة ما في المرحلة الابتدائية .
استقر تحت مجسم الكرة الأرضية ألبوم صور سميك .
أخرجه ، وتميز غلاف الألبوم بلون أبيض ، وشعر بالتصاق عند لمسه ، وعندما فتح الصفحة الأولى ، وجد عبارة [ كتيب جمع الغيوم ] واسم [ وي جيايي ] ، بدت الكتابة طفولية جدا مقارنة بخطّه في المرحلة الثانوية ، وابتداء من الصفحة الثانية ، ظهر سجل توثيق الغيوم ملصقا بصور بهت لونها .
التقط الصورة الأولى للسحب الركامية المتفرقة في شارع قريب ، وتكهن تشاو جينغ بوجود رابطة أو مجموعة لهواة مراقبة الغيوم ، إذ تميز قالب كل صفحة بالثبات ، فاشتمل على تاريخ التوثيق ومكانه وحالة الطقس والدرجة الممنوحة ، وأعطى وي جيايي البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما هذه الغيمة عشر درجات كاملة ..
تصفح تشاو جينغ الكتيب بأكمله مجددا ، فظهرت منطقة نشاط وي جيايي وأوقاته محدودة للغاية ، وتركزت أوقات التصوير جميعها في حدود الساعة الرابعة بعد الظهر ، واقتصرت الصور الملتقطة على غيوم ركامية محلية لا تبدو مختلفة عن بعضها البعض ..
حسب تشاو جينغ الدرجات لـوي جيايي ، فلم يزد مجموع درجات الغيوم في الألبوم السميك بأكمله عن أربعمائة وخمس عشرة درجة ، فأغلق الألبوم ، ورأى وكيل العقارات ومالك المنزل يتبادلان النظرات بحيرة خلفه ..
ربما رجع ذلك إلى قضائه وقتا طويلا نوعا ما في تأمل الألبوم———-
"السيد تشاو ، ما رأيك في هذا المنزل؟" سأل وكيل العقارات .
"موافق ، اتركوا الأغراض والمخلفات مكانها ، لا تحركوا شيئا ."
لم يضع تشاو جينغ الألبوم من يده ، بل واصل الإمساك به ، وشعر أن حظه لا يزال جميلا جدا .
إذ استعاد في الوقت المناسب تفاصيل مرحلة الشباب والطفولة اللطيفة والمليئة بالوحدة في الحقيقة ، والتي رفض وي جيايي الحديث عنها بالتفصيل ، ومر عليها مرورا سريعا ، زاعما أنها مملة جدا ..
تمثل الأمر في حقيقة الفكرة ومنطق بسيط جدا ، فـوي جيايي لم يمتلك الكثير من الثقة عند مراجعة ماضيه ، ولذلك فكر تشاو جينغ ، ورأى أن المسؤولية تقع على عاتقه في العثور على المزيد من أجل وي جيايي ، وتقدير المزيد نيابة عنه ليجمع الشظايا والقطع المفقودة التي اعتقد وي جيايي بإمكانية التخلي عنها أو فقدانها عمدا ، ويجلبها إلى المنزل الخاص بهما ..
وعند خروجه من هذا المنزل ، تلقى تشاو جينغ رسالة أرسلها وي جيايي .
كتب وي جيايي : [ لقد أنهيت عملي ! ]
وأخبره وي جيايي : [ لم أذهب لتناول الطعام في منزل والدي وعائلته في النهاية ، وأستعد لاصطحاب شياو تشي لتناول الفو الفيتنامي بالقرب من مدرستي السابقة . ]
سأله تشاو جينغ : [ هل طعمه لذيذ ، وأي مطعم تقصد؟ ]
تطلب المطعم الشهير الوقوف في طابور ، وتزامن ذلك مع هطول المطر وتساقط الثلج في الخارج .
وقف وي جيايي وشياو تشي خارج الباب ينتظران لعشر دقائق ، وانتظرا لعشرين دقيقة أخرى بعد دخول الباب ، وجلسا أخيرا بجانب النافذة .
قدم حساء النودلز سريعا ، في زبدية ساخنة جدا ، ومال لون لحم البقر إلى الوردي ، وتسبب البخار الساخن في تغطية النافذة بالضباب .
تفرغ لرحلة العودة غدا ، فابتهج مزاج وي جيايي كثيرا ، وهم بالبدء في تناول الطعام ، وفجأة دفع الهاتف بخبر سيئ للغاية .
إذ تأجلت الرحلة الجوية لاثنتي عشرة ساعة بسبب تأثير الأحوال الجوية ، وتلقى شياو تشي الخبر في الوقت نفسه ..
ارتبط شياو تشي مؤخرا بحبيبة ، فنزل عليه الخبر كالصاعقة بشكل يفوق وي جيايي ، وجلس في الجانب المقابل يطلق الآهات والتنهيدات ، وعجز عن مواصلة تناول النودلز——-
حرك وي جيايي عودي الطعام لبضع مرات ، ثم وضعهما أيضا ، وأرسل رسالة إلى تشاو جينغ ، يخبره فيها بأمر تأجيل الرحلة الجوية——-
وبمجرد إرسال الرسالة ، اتصل تشاو جينغ هاتفيا .
تملك العجب وي جيايي قليلا ، فرغم قسوة تأجيل الرحلة لاثنتي عشرة ساعة ، إلا أنه لم يمثل أمرا جسيما للغاية ، وبدا من غير الضروري الاتصال هاتفيا على الفور لتقديم المواساة ، ولكن بمجرد رده على الاتصال ، وجد أصوات الخلفية صاخبة ومزدحمة جدا لدى تشاو جينغ ..
[ وي جيايي ، أين أنتم؟ ]
سأله تشاو جينغ بنبرة حملت علامات الفزع والقلق ، [ ما خطب مطعم الفو الفيتنامي هذا ، هل وقع حادث في الداخل؟ لم يكتظ المدخل بالناس هكذا؟ ]
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق