Ch5 St
انطلقت السيارة من المركز الطبي متوجهة نحو نزل يقع فوق قمة الجبل——
وفي الطريق ، أخبر لي مينغ تشنغ تشاو جينغ أن موظفي الفندق والنزلاء غادروا في وقت مناسب ، ولم يتخلف سوى موظف واحد هرع إلى السكن لإنقاذ طفله ، فلم يدرك حافلة الإخلاء .
تذكر تشاو جينغ على الفور ذلك الطفل الذي علم بالخبر المفجع قبل قليل ، وتساءل إن كان وجد أمه الآن ..
فكر في التواصل مع سكرتيره لاحقاً لتوجيه المؤسسة الخيرية للقيام ببعض الواجبات .
تولى لي مينغ ميان مهمة استقبال تشاو جينغ ليلة أمس ، ويجلس الآن في المقعد الأمامي ، يعتذر لتشاو جينغ بنبرة ذليلة : "أخي ، أنا آسف حقاً .
جئت أبحث عنك على عجل ، ونسيت أخذ بطاقة الغرفة ، وظللت أضغط الجرس وأطرق الباب بقوة لكنك لم تفتح .."
التقط خال تشاو جينغ طرف الحديث قائلاً : "رأى بعض السيارات تغادر ففقد صوابه من القلق،"
ثم ضرب رأس لي مينغ ميان ووبخه ببضع كلمات ، وأردف : "الحمد للرب أنك بخير ." كما قدمت زوجة الخال اعتذارها أيضاً .
لم يملك تشاو جينغ أي توقعات تجاه أخلاق لي مينغ ميان أصلاً ، لذا لم يستغرب تصرفه ، لكن ضجيج اعتذارات الثلاثة أصابه بالضجر ، فأمرهم بالسكوت .
خيم عليهم الصمت وتبادلوا النظرات ، ليستعيد تشاو جينغ هدوءه أخيراً .
كلما صعدت السيارة نحو الأعلى ، خفت حركة السير——-
راقب تشاو جينغ الغابات وضباب الجبل من النافذة ، وظل فكره يشرد نحو ذلك الشخص الذي لم يلحق بالحافلة ، وشعر بضيق غريب .
ظهر وي جيايي فجأة حين كان تشاو جينغ وحيداً بلا معين ، وبدا متحمساً ككل الذين حاولوا التودد إليه سابقاً .
حمله على كتفه من منطقة الفيلات وصولاً إلى طريق السيارات ، وظل يسعى في المركز الطبي لترتيب أموره ، ومع ذلك غادر قبل أن يستقر تشاو جينغ أو تتاح له فرصة التعبير عن شكره ولو رسمياً .
ذكر لي مينغ تشنغ أن وي جيايي أراد البقاء في المركز الطبي للتطوع ، لكن لي مينغ ميان اعترض قائلاً : "أي تطوع؟ المؤكد أنه خطط للنزول لالتقاط الصور ، وإلا لماذا لم يعيد إلي الكاميرا التي أعطيتها له؟"
استبعد لي مينغ تشنغ الأمر ، بينما استرجع تشاو جينغ بذاكرته الوقت الذي قضياه معاً ، ولم يره يخرج الكاميرا أبداً .
هل يملك حقاً هذا الشعور بالمسؤولية الاجتماعية؟ هل أساء تقديره سابقاً؟
على أية حال ، مد وي جيايي يد العون لتشاو جينغ في أصعب لحظاته ، فنال قدراً من احترامه ، وهذا يعد توفيقاً له .
قرر تشاو جينغ معاملته بلطف مستقبلاً ، ووفقاً لعادته ، سيمنحه مبلغاً مالياً لقاء مساعدته ، وإن تطلب الأمر دعمه بفرص في العمل لاحقاً ، فلا مانع من ذلك .
فكر تشاو جينغ قليلاً ثم شعر بالانزعاج وتوقف عن التفكير .
ملأ الضيوف والموظفون النازحون من الفندق جميع نزل قمة الجبل تقريباً .
قال الخال إن إصابة تشاو جينغ تجعل إقامته في الطابق العلوي صعبة ، لذا اختار له غرفة نوم كبيرة في الطابق الأرضي من أفضل وأكبر نزل متاح .
كان يسكن الغرفة نزلاء آخرون ، لكنهم انتقلوا للأعلى حين ذهب الأقارب لإحضار تشاو جينغ ، وعند وصولهم كان عمال النظافة قد أتموا ترتيبها .
تناول تشاو جينغ وجبة مشبعة فور وصوله ، فاستعاد الكثير من نشاطه ، ثم ساعده الخال ولي مينغ ميان في العودة إلى الغرفة .
يطلقون عليها غرفة كبيرة ، لكنها في الواقع لا تضاهي حجم دورة المياه في منزل تشاو جينغ .
تفهم تشاو جينغ ضيق الإمكانيات ولم يعلق ، بينما بدا الخال متأسفاً : "تشاو جينغ ، تحمل الليلة فقط .
اطمئن ، نحن نبذل جهدنا لتأمين السطح ، وإذا سارت الأمور بخير ، ستصل مروحية غداً لنقلك !"
أخرج الخال هاتفاً ليتصل تشاو جينغ بوالديه ويطمئنهما ، لكن الإشارة تذبذبت وفشلت المحاولات ، فاحتفظ تشاو جينغ بالهاتف وأخرج الجميع من الغرفة .
بقي وحيداً ، وفجأة ، بدأت لحظات الخطر التي واجهها فجر اليوم تمر أمام عينيه كشريط سينمائي ؛ الغرق في طين غمر رأسه ، ألم ارتطام أجسام ثقيلة مجهولة بجسده ، ضيق النفس تحت الماء ، واليأس الذي تملكه حين انحسر الماء ولم يجد أحداً حوله .
حتى الآن ، تشتد عضلات ذراعه كأن سكيناً يمزقها ، ويؤلمه ظهره بشدة .
انقبضت قبضته لاإرادياً حين تذكر نجاته الوشيكة من الموت ، ورغب في التشبث بأي شيء ليثبت جسده ويشعر بالأمان .
كان جلده المعقم مشدوداً ، وبقايا الطين الجاف على قدمه تزعجه بشدة .
جلس على الكرسي برهة ، ثم نهض متوكئاً على عكازه ، وانتقل ببطء إلى الحمام ليغتسل .
ضمدوا ساقه اليمنى وربطوا اليسرى بدعامة ، فصارت حركته شاقة .
لكن الآن ، غاب الشخص الذي هدده قائلاً إن 'الملابس المبللة تجعله يبدو كمنحل وسيقوم الناس بإبلاغ الشرطة عنه' ، ولم يعد أحد يمنعه——-
إذا كان نجا من تسونامي مدمر ، فمن المؤكد أنه يستطيع تنظيف نفسه .
سكب تشاو جينغ القليل من الماء في الحوض، خلع ثيابه وجلس يمسح الأوساخ بمنشفة .
بعد انتهاء استحمامه الدقيق ، خفت حدة الذعر الغريب الذي سببه تذكر التسونامي ، لكنه شعر بالإرهاق ونام ..
استيقظ تشاو جينغ قرابة السادسة مساءً ، وشعر بنشاط كبير واستعادة لمعظم قوته ، باستثناء صعوبة حركة ساقه اليسرى .
فور نهوضه ، طُرق الباب ، وسأل الخال من الخارج : "تشاو جينغ؟ هل استيقظت؟"
وقبل أن يجيب، استطرد الخال موضحاً بلهفة : "يا أختي ، إنه حي فعلاً ، فقط ساقه مكسورة ، أنا لا أكذب عليك ! "
ترجل تشاو جينغ من سريره مستنداً بيمينه على العكاز ، وفتح الباب ليجد خاله ممسكاً بهاتف آخر ، فصاح الخال كمن وجد منقذه : "لقد استيقظت!"
أخذ تشاو جينغ الهاتف ، فرأى والديه على الشاشة ، وحين لمحا وجهه ، زال عنهما الجمود وحل محله القلق .
سألت الأم بلهفة : [ هل أنت بخير؟ لماذا يمتلئ وجهك بالجروح؟]
أجابها تشاو جينغ باختصار ، ثم اتجه نحو الأريكة ليجلس ، ورفع الهاتف مجدداً : "أنا بخير ، لا تقلقي . ثبتوا دعامة لساقي . "
حول الكاميرا ليريهما الدعامة : "أشعر بجلدي وأستطيع تحريكها قليلاً ، ورغم عدم إجراء أشعة ، أظنها سليمة ."
ردت الأم فوراً : [ وكيف تظن ذلك؟ أنت لست طبيباً . ]
في تلك اللحظة ، فُتح باب النزل ، ودخل لي مينغ تشنغ ومعه شخص آخر .
بدا ذلك الشخص أكثر اتساخاً عما كان عليه ظهراً ، يحمل حقيبة تسلقه الكبيرة ، وشعره مبعثر .
تلاقت عيناه بعيني تشاو جينغ ، فتوقف قليلاً ورسم ابتسامة خفيفة ، ربما بسبب تعب العمل التطوعي .
لم يمر سوى ثلاثين ساعة على وصولهما أمس ، لكن تشاو جينغ لم يعد يكره ابتسامة هذا الشخص .
أدرك أنه تغير دون وعي بعدما خاض لحظات الموت وقبل مساعدته الكبيرة في وقت لم يملك فيه خياراً .
[ تشاو جينغ، لماذا أنت سارح؟ ] نادته أمه من خلف الشاشة وقلقها يتزايد ، وراحت تحرك يدها أمام الكاميرا : [ هل ارتطم رأسك؟ هل ترى كم إصبعاً أرفع؟ ] أجابها : "لم يرتطم، ترفعين ثلاثة أصابع ."
وقف وي جيايي عند الباب ، ولسبب لا يدركه تشاو جينغ ، قرر تفصيل ما حدث لوالديه بنبرة واضحة : "حين استيقظت ، غمر الماء نصف الغرفة ، وسقطت لوحة فتشبثت بها فطفوت ، لكن الموج جرفني خلف جدار غرفة النوم حيث وجدت شجرة ، فتسلقت أغصانها .
ثم جرف الموج غطاءً قماشياً لف ذراعي ورأسي ."
تذكر الأحداث بشيء من الخوف ، ورأى نفسه سريع البديهة ومحظوظاً لوجود شجرة ضخمة خلف الجدار .
وحين انحسر الموج ، كان قد وصل لقمة الشجرة فلم يصبه الأذى ، لكن نزوله كان خطيراً لاعتماده على ساق واحدة ، فكاد يسقط مراراً .
لولا قوته الجسدية وتوازنه ، لمات سقوطاً بعد نجاته من الماء .
استمعت الأم بتوجع وقلق ، بينما قال الأب بصرامة : [ سنصل لأقرب مطار الليلة ، ونأتي لاستلامك غداً صباحاً . ]
أضافت الأم: [ ارتح الآن، وحين تستيقظ ستعود للمنزل . ]
وافق تشاو جينغ وأغلق الاتصال ، فاقترب لي مينغ تشنغ ووي جيايي ، ووجدوا لي مينغ ميان يقف خلف الأريكة يراقب الوضع بخيبة أمل لعدم تمكنه من تحية والدي تشاو جينغ ..
سأل لي مينغ تشنغ : "هل توجد غرفة خالية؟ أحضرت جيايي معي ."
التفت تشاو جينغ ورأى ارتباك لي مينغ ميان وهو يقول : "آه ، يبدو أنها نفدت . جيايي ، ما رأيك أن تنام على الأريكة الليلة؟"
أثار استهتار لي مينغ ميان استياء تشاو جينغ ؛ فحسب منطق الخال في تكفير ابنه عن خطئه ، وجب على لي مينغ ميان التنازل عن غرفته لوي جيايي .
لكن قبل أن يتحدث تشاو جينغ ، رفض وي جيايي العرض مبتسماً بفتور : "لا داعي ، سأستحم في غرفة مينغ تشنغ ، ثم أبحث عن مكان يحتاج لمتطوعين ."
لم يكتفِ لي مينغ ميان بعدم المبالاة ، بل تمادى قائلاً : "جيايي ، مناطق الكوارث هذه منجم للأعمال العظيمة .
احتفظ بالكاميرا التي أعطيتك إياها ، ربما تلتقط بها صورة تفوز بجائزة بوليتزر وتصبح ذات قيمة عالية !"
لاحظ تشاو جينغ تشنج شفتي وي جيايي وجمود وجهه .
تدخل لي مينغ تشنغ موبخاً : "اصمت قليلاً ، ألا تملك ذرة تعاطف؟"
لكن وي جيايي استعاد هدوءه في ثانية وقال بنبرة مستقرة : "لا أحتاج للكاميرا ، سأرتب حقيبتي وأعيدها لك بعد قليل ."
نادى لي مينغ تشنغ تشاو جينغ وأخرج شريط دواء من جيبه : "أخي ، هذه حبوب مسكنة طلبها جيايي لأجلك ."
أخذها تشاو جينغ ، فبدا الحرج على وجه وي جيايي الذي تجنب النظر إليه وسأل لي مينغ تشنغ : "هل غرفتك في الأعلى؟" فأومأ له وصعدا معاً .
لاحظ تشاو جينغ أن قميص وي جيايي الملطخ التصق بجلده ، فبدا جسده نحيلاً لكن قوته واضحة .
فكر تشاو جينغ وهو يراقب اختفاء طيفه عند زاوية الدرج { لقد حملني لمسافات طويلة ، وما زال يتذكر مسكني .. }
المرء يُقيم بأفعاله لا بنواياه ؛ وبناءً على ما حدث اليوم ، بدا وي جيايي دقيق الملاحظة ومهتماً باحتياجات تشاو جينغ بصدق ، وهذا أداء يستحق التقدير !
شرب تشاو جينغ الماء وتناول الدواء ، ثم عاد لغرفته وتفقد هاتفه ، فوجد اتصالات كثيرة من والدته لم يسمعها لعمق نومه .
كانت الإشارة جيدة ، فاتصل بسكرتيره الذي ينتظره في المطار .
انهمر السكرتير بالحديث كمن عاد للحياة ، وأخبره عن يأسه حين انقطعت السبل للوصول إليه ، وعن غموض ردود الخال وابنه .
هطل مطر غزير فجأة وضرب زجاج النافذة بقوة .
شرد تشاو جينغ في الظلام الدامس بالخارج ، وقلق على الطفل الذي رآه عند الشاطئ وعلى سكان تلك المنازل ، فأمر السكرتير بشراء أدوية ومستلزمات ضرورية عبر المؤسسة الخيرية للتبرع بها.
بعد إنهاء المكالمة ، توجه نحو النافذة ليرى المطر المنهمر بشدة .
سيطر عليه ضيق شديد ، وأدرك أن ذلك الرعب الذي شعر به قبل الاستحمام لم يغادره .
خشي أن يغمض عينيه فيرى نفسه وسط الأمواج مجدداً يصارع للموت ..
قمع تشاو جينغ هذه الأفكار الخطيرة ، وخرج من الغرفة متعثراً بعكازه ليرتشف ماءً بارداً يهدئ روعه .
وعند مروره بالأريكة ، رأى شخصاً جالساً يراقبه وقد غطى ساقيه بوشاح .
نظف وي جيايي نفسه وغير قميصه لآخر أسود ، وكان يمسك الكاميرا كأنه يراجع الصور ——
رفع رأسه وابتسم لتشاو جينغ قائلاً : "مرحباً ."
أنقذه هذا الشخص وأحضر له الدواء والآن يبادر بالحديث ، لذا لم يكن من اللائق تجاهله كما في السابق ، فسأله تشاو جينغ : "ألم تغادر؟"
حرك وي جيايي الكاميرا وأجاب بلطف : "أغلق المطر الطريق بانهيارات صخرية ، فعدت .
الجميع ناموا ، فطلبت غطاءً من مينغ تشنغ لأنام هنا على الأريكة ."
رد تشاو جينغ بكلمة قصيرة .
لو كان هذا قبل يوم واحد ، لما اقترب منه خطوة ، لكنه الآن يكره البقاء وحيداً في الغرفة ، كما أن الوقوف على العكاز يرهق ذراعيه .
لذا ، جلس تشاو جينغ على أريكة منفردة بجانب وي جيايي ، ليمنحه فرصة للحديث .
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق