Ch8 St
أفاق وي جيايي في وقت مبكر .
لم يزره بان ييفي في منامه البارحة ، بل طاردته صورة جرافة تروح وتجيء وسط أرض طينية بضجيج صاخب ، وظل هذا المشهد أفضل من استعادة ذكريات قديمة باهتة .
غادر سريره ، واتجه نحو النافذة ليرقب الأسفل ؛ فرأى شاحنة مسطحة صفراء تقف في الساحة الخالية أمام النزل ، وعلى ظهرها جرافة صغيرة .
صعب على وي جيايي تخيل حجم الجهد الذي بذله السكرتير وو ليلة أمس لينجح في إحضار الجرافة قبل استيقاظ تشاو جينغ——-
شعر بالامتنان لكونه ليس من موظفي تشاو جينغ ، وعزم في نفسه على الابتعاد عنه قدر الإمكان بمجرد انقضاء هذه الفترة .
ارتدى ملابسه ونزل الدرج ، فصادف تشاو جينغ يخرج من غرفته بملابس 'غولف' رمادية جديدة ، وحذاء رياضي من اللون نفسه ، وقد صفف شعره بدقة متناهية .
ألقى وي جيايي عليه التحية : "صباح الخير ".
أومأ تشاو جينغ برأسه قائلًا : "مم" ، ثم اتجه نحو غرفة الطعام .
اتكأ على عكازه ومضى مسرعًا بخطوات حثيثة ، حتى بدا أكثر خفة من الأصحاء ، وكاد وي جيايي ألا يلحق به وهو يسير خلفه .
بعد الإفطار ، انطلقوا نحو الغابة .
اتفق وي جيايي مع نيك بالأمس على اللقاء عند لافتة توقف السيارات في منتصف الطريق الجبلي .
أراد لي مينغ تشنغ القيادة في البداية ، لكنه فشل في التعامل مع الشاحنة المسطحة .
عثر المساعد على المركبة ولم يجد سائقًا ، ولم يتقن أحد الموجودين قيادتها .
فكر وي جيايي في طلب المساعدة من نيك أو المحاولة بنفسه ، لكن تشاو جينغ تقدم للقيادة .
قال تشاو جينغ إن قيادة هذه الشاحنة "أمر بسيط ولا يستدعي إضاعة الوقت" ، ثم جلس في مقعد السائق ..
تبعتهم سيارة دفع رباعي تقل رئيس شركة العلاقات العامة واثنين من الموظفين.
استولى الذعر على وي جيايي ولي مينغ تشنغ ، ولم يجرؤ أحد على منعه ، فجلسا في المقعد الأمامي العريض .
التصق لي مينغ تشنغ بتشاو جينغ ، وراقب وي جيايي يده وهي تتحرك باستمرار كأنه يتأهب لشد مكابح اليد في أي لحظة ، مما زاد من توتره ، فآثر الصمت كي لا يشتت انتباه السائق——-
ركز تشاو جينغ نظره على الطريق ، واستخدم قدمه اليمنى للتحكم في القابض والبنزين والمكابح معًا ، وظل يرفع مكابح اليد وينزلها مرارًا بملامح مشغولة .
انطفأ المحرك عدة مرات قبل أن تتحرك السيارة أخيرًا .
شعر وي جيايي بصداع من شدة التوتر ، وخشى أن ينجو من التسونامي ليسقط بالسيارة من منحدر جبلي بسبب تشاو جينغ ——-
أعد نفسه للتدخل ومنعه إذا ساءت الأمور ، لكن بعد مسافة قصيرة ، لاحظ أن تشاو جينغ يقود بدقة وإتقان في التوجيه والسرعة ؛ فرغم بطئه ، لم ينطفئ المحرك مجددًا .
تنفس لي مينغ تشنغ الصعداء ، وقال بصوت متحشرج يحاول التملق : "أخي ، لم أكن أعلم أنك بارع هكذا في قيادة الشاحنات"
أومأ تشاو جينغ ببرود ، والتفت بنظرة سريعة نحو وي جيايي ، ربما ليرقب المرآة أو ليتأكد إن كان وي جيايي يضمر له أي استخفاف كما فعل ليلة أمس ..
وصلوا إلى لافتة التوقف ، وكان نيك في انتظارهم .
اشتعل حماس نيك فور رؤية الجرافة .
عاد نيك إلى سيارته ليقود الطريق نحو الممر الجبلي المتضرر .
امتلأ الطريق بحطام المباني التي لم تُنظف بعد ، فصار السطح متعرجًا ، وأخذت الشاحنة تهتز بعنف وهي تعلو وتهبط ——-
شك وي جيايي في أن هذا الاهتزاز يؤلم ساق تشاو جينغ اليسرى ، لكن الأخير التزم الصمت ولم تتغير تعابير وجهه .
عند مفترق طرق نحو اليسار ، واصلوا التقدم حتى وصلوا إلى جذوع أشجار مقطوعة ومزاحة ، فتوقف نيك ونزل ليخبر وي جيايي أن هذا هو مدخل الغابة التي تحتاج للإنقاذ .
كانت الغابة تضم أشجار 'كينا' شاهقة ، جرف التسونامي نصفها ، ومال الكثير منها على الأرض .
رأوا من موقعهم حطام منازل منهارة على بعد عشرات الأمتار .
سقط جدار بالكامل على الأرض ، وبجانبه كانت جرافة قديمة تعمل ، ويقف حولها بضعة أشخاص .
قال نيك لوي جيايي : "هناك ستة منازل في هذا الاتجاه ، أقوم بتنظيفها أنا وواتر" ، ثم أشار بيده لجهة أخرى : "هل يمكنكم تولي أمر المنازل هناك؟"
بمجرد موافقة وي جيايي ، كان لي مينغ تشنغ قد نصب لوح التفريغ .
نزل تشاو جينغ بالجرافة ببطء وهدوء .
بما أن عليهم انتظار تشاو جينغ لفتح الطريق ، لم يجد لي مينغ تشنغ ما يفعله ، فاستعان برئيس شركة العلاقات العامة وأحد الموظفين ، وأخذوا أحدث أجهزة كشف الأحياء التي تبرع بها والدا تشاو جينغ ، وذهبوا نحو المنازل الأقل تضررًا للبحث عن مفقودين .
بقي وي جيايي وموظف آخر بجانب الجرافة لمساعدة تشاو جينغ .
في البداية ، لم تكن قيادة تشاو جينغ بالبراعة التي ادعاها .
بدت كابينة الجرافة ضيقة عليه ؛ فانحنى قليلًا وهو يحرك مقابض التحكم ، وبدا كمن يحشر قدمًا بمقاس كبير في حذاء ضيق .
وقف وي جيايي على بعد عشرة أمتار ، وراقب حركة الجرافة المتقطعة التي تشبه تعطل الصور عند ضعف شبكة الإنترنت .
طلب الموظف من وي جيايي البحث عن زاوية تصوير ، لكنهما لم ينجحا في التقاط مشهد انسيابي واحد ؛ إذ اندفعت الجرافة فجأة للأمام وكادت تصطدم بشجرة ——-
ذعر الموظف وقال لوي جيايي : "هذا لا يصلح ، لنوقف الفيديو ونكتفي بالصور . ظننت حقًا أن السيد تشاو يتقن القيادة"
تراجع وي جيايي خطوات واكتفى بالتقاط بعض الصور بهاتفه .
تذكر لقاءه الأول بتشاو جينغ حين كان طالبًا في قسم التصوير .
رآه في تجمع ما ، وشعر أن ملامحه الحادة وعظامه البارزة وقامته الممشوقة تجعل منه مادة مثالية للتصوير .
التقط له صورة دون تفكير ، وكانت رائعة بالفعل ، لكن تشاو جينغ فاجأه بفظاظته وأجبره على حذفها ..
لم يتوقع أن تمر السنين ويطلب منه تشاو جينغ تصويره .
نظر إلى الشاشة وفكر أنه لو أفلس تشاو جينغ يومًا ، فسيجد عملًا في إعلانات الشاحنات الهندسية ...
تحسنت قيادة تشاو جينغ فجأة بعد دقائق قليلة ، وانطلق بالجرافة بسلاسة ، يزيح الحطام ببراعة ويلقيه جانبًا .
هتف الموظف : "يمكننا التصوير الآن !"
انتبه وي جيايي وسجل مقطعًا للمدير التنفيذي وهو يقود الجرافة .
بدت ملامح تشاو جينغ صارمة خلف الزجاج ، وتحركت يداه بدقة فوق المقابض.
تأمله وي جيايي وفكر أن الرجل لم يكن يتباهى فراغًا ، بل يمتلك مهارة حقيقية !
تقدمت الجرافة ، وتبعها وي جيايي سيرًا على الأقدام بعد أن اكتفى بما صوره .
توقفت الجرافة فجأة——
رفع تشاو جينغ الذراع الآلية ، وأطفأ المحرك ، وفتح الباب ونادى : "وي جيايي"
اقترب وي جيايي ، فرأى تشاو جينغ يقطب جبينه واضعًا يده على الباب ، وقال له بصوت منخفض : "هناك خطب ما ، انظر في الأمام"
فزع وي جيايي ، ودار حول الجرافة ليرى طرف ساق بشرية يبرز من الطين——-
هوى قلبه ، وجثا على ركبتيه ينبش التراب بيديه ، ويزيح الطحالب والحجارة ليخرج الجثة العالقة .
كانت جثة لرجل ضخم الجثة ، انتفخ وجهه بفعل المياه ولم تعد ملامحه واضحة.
ارتجفت يدا وي جيايي ، وحاول حمله على ظهره ، لكن جثث الموتى تختلف عن الأحياء ؛ فكانت ذراعاه باردتين لزجتين ، وصعب جره ——-
وبينما همّ بمناداة موظف العلاقات العامة ، ارتفع صوت تشاو جينغ قريبًا منه : "أعطني هذا الجانب"
رفع رأسه ليرى تشاو جينغ قد نزل من الجرافة ، متكئًا على عكازه ، بملامح جامدة وشفاه مطبقة .
قال تشاو جينغ باختصار : "كل منا يمسك جانبًا" ، ثم انحنى بصعوبة ، وأمسك بمرفق الجثة بيده اليمنى ورفعها .
أمسك وي جيايي بالذراع الأخرى ، وبمساعدة تشاو جينغ ، استطاع حمل الجثة على ظهره ——-
بعد خطوات ، لمح وي جيايي موظف العلاقات العامة يرفع هاتفه ليصور المشهد ، ظنًا منه أن هذا سيفيد في الدعاية .
ومض الفلاش فجأة ، وقبل أن يتكلم وي جيايي ، ترك تشاو جينغ عكازه بسرعة خاطفة ، وغطى وجه الجثة بيده ، وصاح في الموظف بغضب عارم : "ماذا تفعل؟"
سقط العكاز على الأرض مصطدمًا بالصخور برنين مكتوم .
تجمد الموظف في مكانه من الخوف——
حدق فيه تشاو جينغ لثانيتين ، ثم أشار إليه بيده وهو يكتم ثورته قائلًا بصوت منخفض حاد : "امسح الصورة فورً ا"
ذهل وي جيايي من المشهد، وأدرك لأول مرة كيف يبدو تشاو جينغ حين يغضب حقًا .
مسح الموظف الصورة بيد مرتجفة ووجه شاحب واعتذر لتشاو جينغ .
نهره تشاو جينغ مجددًا : "ألا تملك ذرة من العقل؟ أدِّ عملك بإنصاف أو ارحل من هنا"
وأمره بالعودة إلى السيارة——-
بعد رحيله ، أراد وي جيايي التقاط العكاز ، وسأل تشاو جينغ إن كان يستطيع الصمود لثوانٍ .
أومأ تشاو جينغ برأسه وهو في حالة نفسية سيئة .
ترك وي جيايي الجثة وأسرع لالتقاط العكاز ، وشعر بتشاو جينغ يترنح وكأنه سيسقط ، لكنه تماسك .
سلم وي جيايي العكاز لتشاو جينغ ، فقبض عليه الأخير بإحكام .
لاحظ وي جيايي أن قميص تشاو جينغ اتسخ بالبقع ، وظهرت جروح عديدة على ذراعيه بدأت تتحول إلى قشور وردية داكنة .
بعد فترة ، وصل لي مينغ تشنغ والموظفان الآخران .
بدت عليهم الكآبة وهم يتسلمون الجثث من وي جيايي وتشاو جينغ .
لم ينطق تشاو جينغ بكلمة ، ومضى بعكازه نحو الجرافة ليعود لجلسته غير المريحة ..
خلال ذلك اليوم ، استخرج وي جيايي وتشاو جينغ أربع جثث ، بينما نجح لي مينغ تشنغ في رصد إشارات حياة عند أحد المنازل .
هرع تشاو جينغ بجرافته للمساعدة ، وأنقذوا أماً وابنتها ، نقلهما نيك إلى المركز الطبي .
غربت الشمس تمامًا ، وبعد التأكد من عدم وجود ناجين آخرين ، نقلوا الجثث إلى مركز الإيواء المؤقت ووضعوها في المبردات .
ساد الصمت طريق العودة في السيارة .
ربما الطبيعة وحدها من يجمع بين التفاؤل والقسوة ؛ فهي لا تتوقف أبدًا من أجل حياة فردية ..
ففي يومين فقط ، استعاد نسيم الجبل رائحته المعتادة بنفحات الغطاء النباتي الاستوائي المنعشة .
بدا الأمر كعزاء صامت يخبرهم أن من رحل قد رحل ، ومن نجا صار في أمان ..
استحم وي جيايي وتناول طعامه في صمت .
أراد النوم مثل لي مينغ تشنغ ، لكنه لاحظ أن تشاو جينغ لم يعد لغرفته ، بل جلس في الصالة على الأريكة دون حراك .
شعر بالقلق عليه ؛ فربما عاودته أعراض الصدمة بعد أحداث اليوم .
تردد قليلًا وهو يصعد الدرج ، ثم تنهد ونزل ثانية .
بمجرد دخوله الصالة ، رمقه تشاو جينغ بنظرة خاطفة ثم أشاح بوجهه نحو التلفاز .
سأل وي جيايي بصبر : "هل تريد مشاهدة التلفاز؟ هل أنت بخير؟"
همهم تشاو جينغ بكلمة غير مفهومة .
جلس وي جيايي على أريكة منفردة قريبة ، وساد الصمت برهة حتى قال تشاو جينغ أخيرًا : "لماذا لم تشغل التلفاز بعد؟"
اعتذر وي جيايي وبحث عن جهاز التحكم وشغله .
كانت القناة تعرض أخبار التسونامي في مناطق أخرى غير جزيرة بودروس .
تذكر وي جيايي فجأة أنه لم يرتب جدول أعماله القادم ، فأخذ يكتب رسالة نصية لوكيل أعماله يخبره برغبته في البقاء بالجزيرة لأسبوعين إضافيين للعمل كمتطوع ..
اتصل به الوكيل فورًا : "يمكنني التنسيق ، لكن عليك الاعتذار للعملاء بنفسك وإيجاد مصور بديل"
وعده وي جيايي : "أعلم ، سأهتم بالأمر"
أضاف الوكيل : "أيضًا ، اتصل بي سكرتير مدير شركة بوتشانغ للتكنولوجيا اليوم. ما هي الصور التي ستلتقطها له مقابل هذا المبلغ الضخم؟
هل تعرضت لعملية احتيال؟ هل تعرف تشاو جينغ حقًا؟"
نظر وي جيايي إلى تشاو جينغ ؛ كان الأخير يتابع إعلانًا 'لـمعكرونة سريعة التحضير' بتركيز شديد بعد انتهاء الأخبار ..
قال وي جيايي لوكيله : "أعرفه ، سأشرح لك حين أعود"
ترجاه الوكيل أن يحسن التصرف لئلا يخسر هذا الدخل ، ولم يغلق الخط إلا بعد أن طمأنه وي جيايي .
وضع هاتفه وبدأ يفكر في الأصدقاء المصورين الذين يمكنهم تعويضه ، حين قال تشاو جينغ فجأة : "وي جيايي ، تلك الصور والمقاطع التي التقطتها اليوم ... امسحها أيضًا"
رفع وي جيايي رأسه وسأل : "لماذا؟"
قال تشاو جينغ بلهجة جافة وعيناه معلقتان بالشاشة : "أنا لا أحب هذا النوع من الدعاية"
شك وي جيايي في أن تشاو جينغ يظن نفسه هادئًا ، لكنه رأى يده اليمنى تكاد تكسر العكاز من شدة قبضته ——-
كان من الواضح أنه لا يزال غاضبًا ..
حاول وي جيايي تهدئته : "حسنًا ، سأمسحها كلها .
لا تشغل بالك ، لم تكن فكرتك .
ربما أراد الموظف إتقان عمله فقط ولم يفكر مليًا ..
بما أنه لم يحدث ضرر حقيقي ، فلا تبتئس"
ثم سأله : "هل تريد مراقبتي وأنا أميحها؟"
"لا داعي"
ظلت نبرة تشاو جينغ باردة ، لكنه أرخى قبضته أخيرًا .
تذكر وي جيايي توصية وكيله ، ففكر قليلًا وقال : "بما أنك دفعت الثمن ، سأرسل لك الصور لتبقى عندك كذكرى ، ثم أمسحها من عندي ، ما رأيك؟"
نظر إليه تشاو جينغ ، وتغيرت تعابير وجهه فجأة بشكل غريب ——-
رمق وي جيايي بنظرات غامضة لعدة مرات ، ثم عبث بهاتفه وقدمه لوي جيايي مظهراً رمز 'QR' وقال : "أضفني إذًا"
يتبع
ملاحظة المؤلف :
وي جيايي : . . . . . .
تعليقات: (0) إضافة تعليق