Ch9 St
أمضى وي جيايي ساعة في غرفة المعيشة ، بدا خلالها مشغولاً بنقل جدول أعمال الأسبوعين القادمين إلى زملائه ——
تردد على المدخل لإجراء المكالمات الهاتفية ، وخرج ودخل سبع أو ثماني مرات ، بدا فيها نشيطاً كقرد يجمع الموز في حديقة الحيوان .
تلونت نبرات صوته وتعددت ؛ فخاطب البعض كإخوة ، وتذلل لآخرين بخضوع .
ففي لحظة يتابع الأخبار بهدوء ، وفي اللحظة التالية يهرع للرد على الهاتف منادياً الطرف الآخر بلقب 'أخي' بحماس بالغ !
في هذه الأثناء ، خفت حدة نفور تشاو جينغ تجاهه ..
لعل قضاء عدة أيام سوياً جعل تشاو جينغ يشعر أن شخصية وي جيايي لا تقتصر على التصنع فحسب ، بل تنطوي أيضاً على رقة ومسؤولية تمنحان الراحة للآخرين .
أضف إلى ذلك أن تشاو جينغ شعر بسمو شخصيته بعد خوض تجربة الحياة والموت ؛ فأضحى أكثر تسامحاً وتواضعاً ، ولم يعد يرى الأمور بلونين فقط ، الأبيض والأسود ، كما كانت تصفه والدته ..
طلب وي جيايي وسيلة تواصل خاصة ، فأعطاه إياها .
ففي النهاية ، حمله وي جيايي من على الشاطئ ، كما وعده تشاو جينغ بزيارة المتحف ، لذا بدا من البخل الامتناع عن إعطائه الرقم ، ما قد يصعب التواصل مستقبلاً ..
اتسم تشاو جينغ دوماً بالشهامة في هذه الأمور ، ولم يعرف ضيق الأفق يوماً——
انتهى بث أخبار التاسعة والنصف ، وبدا أن وي جيايي أتم توزيع المهام الممكنة ، فراح يغالب تثاؤبه المتكرر .
استند بظهره إلى الأريكة ، متخذاً وضعية تريح كل جزء من جسده .
رغب في البقاء مدة أطول مع تشاو جينغ ، فقاوم رغبته في النوم ولم ينطق بها .
لم يبالِ تشاو جينغ بوجوده من عدمه ، فتبادل الأحاديث العابرة ساعده على تخفيف كآبة النهار .
أنهى تشاو جينغ مشاهدة الأخبار وأعلن بوضوح : "حسناً ، سأنام"
نهض وي جيايي فور سماعه الكلمات ، وألقى تحية المساء 'تصبح على خير' قبل صعوده للطابق العلوي .
عاد تشاو جينغ إلى غرفته مستنداً إلى عكازه ، غسل وجهه ثم استلقى على السرير ، وأضاء مصباحاً خافتاً بجانبه .
امتدت السماء الليلية اللامتناهية خلف النافذة——-
اعتزم النوم ، لكن أفكاره شردت ، فتناول هاتفه واتكأ على رأس السرير .
وصلت رسائل من والدته تستفسر عن حاله وموعد عودته ، بينما قال والده : "لم أرَ أخباراً رسمية اليوم ، ألم تخرج؟"
أرسل تشاو جينغ صورة التقطها وي جيايي له وهو يقود الحفارة ، ورد عليهما : "التقطتُ صوراً ، لكني لا أرغب في نشر أخبار .."
لم تمثل أحداث النهار تجربة يتباهى بها تشاو جينغ ، فلم يرغب في إطلاع والديه على تفاصيلها الكثيرة .
رأى أن أي اعتراف أو ثناء قد يناله بسبب هذا الأمر يبدو زائداً ولا داعي له .
حتى في تلك اللحظة ، أثقلت هذه الصورة قلبه ...
نام والداه ولم يردا عليه——-
شعر تشاو جينغ بتعب جسدي لكن جفنه لم يغمض بعد .
تذكر صور 'دائرة الأصدقاء' الكثيرة في حساب وي جيايي حين أضافه ، ففتحها ليلقي نظرة .
لم يعتد تشاو جينغ مشاهدة أو نشر هذه الأشياء ، فلا هو مهتم بحياة الآخرين ، ولا هو راغب في كشف تفاصيل حياته لتجنب المخاطر الأمنية ، فضلاً عن شعوره بعدم وجود ما يستحق النشر ..
لم تتضمن منشورات وي جيايي الكثير عن حياته الخاصة ، فبمعدل منشورين أو ثلاثة شهرياً ، ركز أغلبها على عرض أعماله بكلمات بسيطة تشكر العملاء .
تصفح تشاو جينغ للأسفل حتى وصل إلى منشور عن الفعالية الخيرية التي نظمتها والدته .
صوّر وي جيايي والدته بشكل جميل وهي ترتدي أقراط الزمرد التي أهداها إياها تشاو جينغ في عيد ميلادها الماضي .
بدت خضرة الزمرد في الصور طبيعية جداً .
سجلت والدته وسكرتيرتها إعجابهما بالمنشور .
لم يتوقع تشاو جينغ وجود صلة بين وي جيايي ووالدته ، فوضع علامة إعجاب تقديراً لمهارته في التصوير ——-
استمر في التصفح ، فمرت أمامه صور لمشاهير وجلسات تصوير لمجلات لا تثير اهتمامه ، تخللتها أحياناً صور لزملاء يحتسون الخمر في وقت متأخر .
وصل في تصفحه إلى منشور يعود لخمس سنوات مضت ، فاستوقفه منشور غير مألوف .
نشر وي جيايي صورة لمائدة طعام منزلية عادية ، لا تفتح شهية تشاو جينغ ، وضعت فوق طاولة خشبية متهالكة ، وكتب تحتها : "شياو بان أعدّ وليمة ضخمة قبل انضمامه لطاقم العمل"
استغرب تشاو جينغ الأمر، فكتب تعليقاً فورياً : "من شياو بان؟"
بعد التعليق ، داهمه النعاس ، فأطفأ النور وغرق في نوم عميق——-
استيقظ وي جيايي صباحاً ، فوجد رداً من آخر صديق مصور تواصل معه ليلة أمس .
أخبره الصديق بتفرغه للمساعدة في العمل ، فتنفس وي جيايي الصعداء واتصل به شاكراً .
حالفه الحظ بامتلاك علاقات جيدة ، فأبدى العملاء والأصدقاء تفهماً كبيراً وقدموا كل مساعدة ممكنة ، حتى أن بعض العملاء تبرعوا للجزيرة المنكوبة بعد علمهم بالأمر .
أنهى المكالمة ليفاجأ بتنبيهين جديدين في حساباته .
تحول شعوره من الراحة إلى صدمة كادت توقف قلبه .
أيقن أنه لا أحد غير تشاو جينغ يملك القدرة على نبش منشورات الآخرين حتى نهايتها ليترك تعليقاً على منشور مضى عليه خمس سنوات ——-
تلك الصورة التي أعد فيها بان ييفي الطعام، لولا تعليق تشاو جينغ لنسيها هو نفسه. لو كان السائل شخصاً آخر لتجاهله ، لكنه تشاو جينغ ؛ خشي وي جيايي سؤاله وجهاً لوجه إن لم يرد ، فكتب باختصار : "أحد أصدقائي"
نزل وي جيايي إلى الطابق السفلي بعد تنظيف نفسه ، وجد لي مينغ ميان جالساً في غرفة الطعام يخبره : "لم يستيقظ أخي بعد"
لم يشرعا في الأكل بغياب تشاو جينغ ، فجلسا يتحدثان .
ذكر لي مينغ ميان وصول فريق إنقاذ هندسي اليوم ، مما يعني الاستغناء عن ركوب المقطورة التي يقودها تشاو جينغ ، وبدت عليه علامات الارتياح من ذكرى تلك التجربة .
ابتسم وي جيايي مشاطراً إياه الشعور .
مرت عشر دقائق دون أي حركة في غرفة تشاو جينغ .
نظر لي مينغ ميان لساعته عدة مرات وقال : "سأطرق الباب ، لا يصح أن نغادر دونه"
توجها معاً إلى باب الغرفة ، طرق لي مينغ ميان بخفة وسأل : "ابن خالي؟"
ظن وي جيايي أن هذا الصوت لن يوقظ تشاو جينغو، وبالفعل ساد هدوء تام——
قال وي جيايي : "سأحاول أنا"، وطرق الباب بقوة أكبر من لي مينغ ميان ، لكنه لم يجرؤ على الصراخ : "السيد تشاو؟ هل استيقظت؟"
تبادلا النظرات بحيرة ، فالإيقاظ صعب وتركه أصعب ..
اتصل لي مينغ ميان بالسكرتير وو ليسأله عن طريقة إيقاظ تشاو جينغ ، فأجابه السكرتير بضرورة تركه حتى يستيقظ بنفسه ، إذ لا يقبل الإيقاظ إلا من والديه ..
ولما كان الإنقاذ لا ينتظر— قررا ترك رسالة والذهاب لموقع العمل ——
وبينما يتناقشان في صياغة الرسالة ، فُتح الباب فجأة——
ظهر تشاو جينغ مرتدياً رداء الحمام ، مستنداً إلى عكازه ، ينظر إليهما بجمود .
وجه تشاو جينغ نظرة حادة لوي جيايي وقال بلهجة لائمة : "سمعتُ شخصاً يناديني عند الباب بالسيد تشاو"
خففت عصابة العين المتدلية حول عنقه من حدة هيبته .
لم يبدُ غاضباً جداً ، بل قال بضيق : "علمتُ ، استيقظتُ" ، ثم أغلق الباب ...
بعد قليل ، وصل تشاو جينغ إلى غرفة الطعام بهيئة أنيقة .
لم يعلق على مسألة إيقاظه، وتناول فطوره بشهية——-
توجها مجدداً إلى الغابة ، حيث زادت كفاءة العمل بوجود فريق الإنقاذ الجديد وحفارتين إضافيتين .
طرد تشاو جينغ موظفي العلاقات العامة ، لكنه لم يعتزم مغادرة جزيرة بودروس.
بقي كبقية المسعفين في الغابة الحارة والمليئة بالبعوض ، يجلس بهدوء في مقعد القيادة يحرك المجرفة ، يقلب الطمي بحثاً عن المفقودين ——-
اتسم عمل الإنقاذ بالرتابة والألم وسط طقس خانق يتخلله مطر غزير مفاجئ .
احتوى الطمي والحطام بقايا بشرية وحيوانية ، تفككت الأجساد كالعظام والمباني ، وانبعثت منها روائح كريهة .
عملوا لأربعة أيام متواصلة ، فنبشوا أغلب المنازل المنهارة واستخرجوا نصف جثث السكان ...
رجح فريق الإنقاذ المحترف انجراف الجثث المتبقية إلى أماكن أخرى .
ساد الإحباط بين الجميع ، بينما ظل تشاو جينغ الأكثر حماساً ؛ يقضي نهاره في الغابة ، ويعود ليلاً لممارسة عمله وعقد اجتماعات لتوبيخ مرؤوسيه ...
سمعه وي جيايي وهو يهاتف والديه ، مؤكداً بقاءه حتى ينهي العمل في منطقة الغابة مع نيك وفريقه .
في صباح اليوم الخامس ، أحضر نيك معه شخصاً لم يتوقعه أحد ، الطفل ليني الذي التقاه تشاو جينغ على الشاطئ .
ارتدى ليني ثياباً من القطن والكتان ، وبدت عيناه متورمتين وجسده أنحل من ذي قبل ——-
أخبرهم نيك بالعثور على جثة والدة ليني بالأمس ، بينما ينشغل أقاربه الناجون في المساعدة ، حيث سادت أجواء قاسية هناك لأن معظم الضحايا من معارف ليني ...
أحضره نيك معه لعدم وجود من يرعاه ..
همس نيك لهما بينما كان ليني يراقب الحفارة بفضول : "قالت خالته إنه ينام قليلاً ، ويستيقظ صارخاً وباكياً بعد وقت قصير من نومه ..."
جلس ليني فوق جذع شجرة مغطى بالبلاستيك ، ورفض مشاهدة الرسوم المتحركة على هاتف نيك ، مفضلاً مراقبة الكبار وهم يعملون بهدوء——-
حان وقت الغداء ، فقدم له وي جيايي شطيرة أكلها بهدوء ، ثم نزل عن الجذع واتجه نحو الحفارة المتوقفة .
اقترب وي جيايي ليرافقه ، فسمع صوت تشاو جينغ خلفه يسأل ليني : "أتريد القيادة؟"
التفت وي جيايي ليرى تشاو جينغ يقترب مستنداً إلى عكازه ، ينظر للطفل بتعبير ليس لطيفاً تماماً ، لكنه غير قاسٍ ..
خجل ليني ولم ينطق ، فصعد تشاو جينغ للحفارة وقال له : "تعال ، سأعلمك"
بدا ليني راغباً في اللعب ،، لكن صغر حجمه وازدحام المكان بتشاو جينغ جعلا صعوده صعباً——-
قال وي جيايي بصوت منخفض : "سأحملك للأعلى" ، فرفعه من تحت إبطيه برفق ، ووضعه في المنتصف متجاوزاً ساق تشاو جينغ المصابة .
ابتعد وي جيايي قليلاً ، فبدأ تشاو جينغ تشغيل الحفارة وتعليم ليني .
لم يحفرا فعلياً ، بل أمسك تشاو جينغ يد ليني يحركان المقابض يمنة ويسرة ، ويحركان المجرفة كأنها لعبة ..
لا تتصل مشاعر الألم عند الأطفال كما الكبار ؛ فيمكنهم الضحك والشرور بالبكاء في آن واحد ...
ضحك ليني بوضوح حين انخفضت المجرفة فجأة ، ثم بكى بصوت خافت بعد قليل ، وارتمى على ذراع تشاو جينغ .
راقبهما وي جيايي ؛ لم يواسهِ تشاو جينغ بل اكتفى بإسناد جسده بذراعه ، صامتاً يراقب ...
ومع علمه أن تشاو جينغ لا يدري ما يقول ، وجد وي جيايي المشهد مؤثراً——-
نام ليني وهو يبكي ..
حمل تشاو جينغ ليني بيد واحدة على كتفه ، فتح باب السيارة ، واستند بعكازه ليضعه في السيارة بحذر .
بدا ليني كحيوان صغير نائم فوق كتف تشاو جينغ الضخم .
نادى تشاو جينغ بصوت منخفض على نيك الواقف عند الشاحنة ، ليجهز مكاناً لنوم الطفل في المقعد الخلفي .
وقف وي جيايي على بعد عشرة أمتار ، ورأى جانب تشاو جينغ وهو يحمل الطفل ، فداهمه شغفه المهني ——-
رأى في هذه اللحظة مشهداً يستحق التسجيل مهما بلغت ثروة تشاو جينغ .
تردد وي جيايي ، لكنه لم يملك نفسه فأخرج هاتفه والتقط صورة———-
بدا تشاو جينغ حساساً جداً تجاه العدسات ؛ فالتفت فور التقاط الصورة واكتشف فعلة وي جيايي .
لم يغضب ، بل عقد حاجبيه قليلاً وشاح بوجهه ..
جهز نيك الفراش ، فوضع تشاو جينغ عكازه جانباً ، وانحنى بحذر في حركات صعبة ، يسند رأس ليني وساقيه ليضعه في فراشه المؤقت ،، ثم استعاد عكازه ومشى نحو وي جيايي بهيبة ..
شعر وي جيايي بالحرج ، ولم يجد تفسيراً لالتقاطه الصورة ، فأظهر الشاشة لتشاو جينغ واعتذر بصوت غير واضح : "آسف ، سأحذفها ..."
كانت شاشة هاتفه محطمة عند الزوايا كخيوط العنكبوت ، مما أثر على وضوح الصورة .
يفتقر تشاو جينغ تماماً لخصوصية الحدود ؛ فمد يده وضغط على ظهر يد وي جيايي ليرفع الهاتف ويقرب الشاشة ، يتفحصها كأنه مخرج كبير يراجع مشهداً ..
لم يفهم وي جيايي مقصده ، فترك تشاو جينغ يده ، ورفع ذقنه ناظراً إليه بنظرة تنم عن فخر غير مبرر ——-
شعر وي جيايي بقشعريرة ؛ فهو يدرك الآن كيف يفكر تشاو جينغ ، ومن المؤكد أنه أساء الفهم في عقله ...
ومع تشاو جينغ ، لا يملك المرء فرصة للتوضيح———-
أطلق تشاو جينغ تقييماً عالياً بالنسبة له ، وأمر وي جيايي : "بأس بها ، أرسلها لي"
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق