Ch26 xr
كاد تنفّس نينغ ييشياو يتوقف …..
كانت خدود سو هوي ناعمة ، دافئة ورطبة ،
و تحتك بمكان جرحه الذي بدأ يلتئم ، وتترك في قلبه تموجات مضطربة
سو هوي: “ أنت بارد جدًا "
ثم تحرك وجهه ببطء ، وانسابت أنفاسه الساخنة في تجويف عنق نينغ ييشياو وهو يهمس باسمه مرارًا وتكرارًا
“ نينغ ييشياو… نينغ ييشياو…”
كأنها تعويذة ، كانت تقتحم تدريجيًا كل الدفاعات التي بناها نينغ ييشياو بصعوبة
وعندما كان على وشك الانجراف تمامًا ، استعاد وعيه فجأة :
“ أنت ثمِل.”
و أمسك بذراع سو هوي، وما تبقى لديه من إرادة أعاده إلى رشده
لم يكن يريد أن يندم سو هوي عندما يستيقظ في الصباح
: “ صحيح ...” كان جسد سو هوي ضعيف ، كأنه ثعبان يتمايل و يلمع تحت انعكاس ضوء القمر : “ رأسي يدور "
وضع نينغ ييشياو الزجاجة جانبًا ، ثم ساعده على الوقوف ،
وبذل جهدًا حتى أوصله إلى السرير
استلقى سو هوي على ظهره فوق السرير الأبيض الناعم ،
مغمض العينين، كخوخة ناضجة تنبعث منها حرارة الصيف
ضبط نينغ ييشياو درجة المكيف ، ثم أعاد ترتيب ملابسه المرفوعة ، وغطّاه باللحاف
بعد ذلك جلس على الأرض بجانب سريره ، يراقب وجهه بصمت
{ سو هوي لا يتحمل الكحول كثيرًا ، لكنه دائماً يكون هادئ وهو ثمِل }
وعندما ظن نينغ ييشياو أنه قد نام ، فتح سو هوي عينيه فجأة
كانت عيناه لامعتين ، كأن طبقة من شراب السكر قد غُلّفت بها، وحوافهما محمرة قليلًا
بدلال : “ نينغ ييشياو "
: “ هم؟” نظر إليه نينغ ييشياو بلا تعبير واضح :
“ عطشان ؟”
هز سو هوي رأسه :
“ لا، لم أستحم بعد .”
نينغ ييشياو : “ نم أولًا
الشخص المخمور لا يجب أن يستحم ، الأمر خطير .”
أومأ سو هوي : “ حسنًا.”
نينغ ييشياو فجأة : “ تفعل ما أقول ؟”
أومأ سو هوي مجدداً ، مستلقيًا على جانبه وعينيه مغمضتان : “ نعم ، سأفعل "
شعر نينغ ييشياو أن الأمر مثير للاهتمام، فبدأ بإصدار أوامر:
“ أخرج يدك "
أخرج سو هوي يده فورًا، ووضع ساعده على طرف السرير
أمسك نينغ ييشياو بيده بلطف ، كأنه يلاعب مخلب قطة صغيرة :
“ أعدها .”
: “ مم .” و أعادها سو هوي مطيعًا
وولد ذلك في داخل نينغ ييشياو إحساسًا غريبًا، مزيجًا من الحلاوة و أكثر :
“ سو هوي افتح عينيك "
فتح سو هوي عينيه مطيعًا ، والتقت نظراتهما
: “ انظر إلي "
كان صوت نينغ ييشياو بلا مشاعر تقريبًا ، وفيه نوع من السيطرة الباردة
نظر إليه سو هوي كما طُلب منه
: “ افتح فمك "
كان الطلب غير منطقي ، لكن سو هوي لم يكن قادرًا على التفكير الطبيعي وهو ثمِل ، بل كان يتعامل فقط مع الأوامر
ففتح شفتيه
كان يبدو غالبًا هادئًا وبعيدًا ، لكن أنفه المستقيم وملامح عظامه الرقيقة كانت تمنحه ذلك البرود
أما عيناه وشفاهه فكانتا دائمًا رطبتين ومليئتين بالمشاعر
و في هذه اللحظة ، تحول وجهه الشاحب إلى لون وردي ،
كأن شيئًا ينتظر أن يسمح له بالانطلاق ، على وشك الانفجار ،
وسينساب في كل مكان
ورغم عدم وجود أي تلامس جسدي ، كان رغبة نينغ ييشياو تتسع بوضوح
: “ أخرج لسانك "
أخرج سو هوي لسانه كما طُلب منه
لكن للحظة واحدة فقط ، ثم سحبه سريعًا
قال نينغ ييشياو بهدوء ، بصيغة أقرب إلى الإخبار منها إلى السؤال:
“ لا يوجد حلق اللسان .”
: “ لم أستطع إحضاره في الوقت المناسب .” رد سو هوي ببطء ،
وعيناه تنغلقان تلقائيًا مجدداً ، وصوته خافت :
“ تركته في حقيبة السفر…”
شعر نينغ ييشياو فجأة أنه ليس على ما يرام ،
كان معتادًا على كبح رغباته ، لكن هذه العادة بدأت تتحطم
شيئًا فشيئًا منذ لقاء سو هوي
كان سو هوي يظهر أمامه أحيانًا وكأنه يقول له ' استخدمني كما تريد '
مما يوقظ داخله رغبة السيطرة بشكل لا يستطيع التحكم بها ،
لكن عقله السليم ما زال يمنعه من الانفلات
: “ لا تشرب الكحول أمام الآخرين .”
قال ذلك ثم نهض ، وغطّاه جيدًا باللحاف، وعاد إلى الحمام مجدداً
غسل وجهه ويديه بالماء البارد ، كأنه يحاول إخماد ما يتوسع داخله من رغبة
شعره ما يزال رطبًا قليلًا ، ولم يُجفف بالكامل حتى ، وحملت خصلاته أثر رائحة سو هوي الحلوة
استلقيا جنبًا إلى جنب في فندق في بلد غريب
وكانت لياليه مشرقة بشكل غير معتاد ، كأن الضوء يغطي جسد سو هوي كطبقة رقيقة من الحرير
لم يستطع نينغ ييشياو النوم
تذكر طفولته ، و الأصوات العنيفة التي كانت تتسلل عبر الجدران غير العازلة ،
أصوات الجنس الوحشي، الشتائم، والصفعات، كلها جعلته يشعر بالغثيان
و تذكر بكاء والدته
بكت لأجل الأب الذي لم يكن موجودًا في حياته أصلًا ،
لأجل حبها و قد ضحت بكل شيء من أجله ، ولم تحصل سوى على ألم لا ينتهي
هربت من أجل الحب وقطعت علاقتها بعائلتها ،
وجاءت إلى مدينة ساحلية تفوح منها رائحة السمك ،
تحمل طفلًا سيصبح عبئًا على حياتها ، لتعيش معه وحدها، تنتظر عودته
ثم سمع أنه ذهب إلى اليابان أو إلى بلد آخر، وتزوج امرأة أخرى
كان ما يزال يتذكر انهيار أمه عندما سمعت الخبر
حتى بكاءها جميل ، لكن الجمال لا ينفع
لماذا يتخلى الناس عن كل شيء من أجل الحب ؟
ولماذا يوجد من يحب شخصًا واحدًا طوال حياته ؟
لم يفهم ذلك حينها ، لكنه أقسم ألا يكون مثلهم
ولهذا عندما أدرك أنه بدأ ينجرف ، شعر وكأن القدر يخنقه
“ نينغ ييشياو "
في الغرفة ذات اللون الأزرق الداكن عند الفجر،
كان صوت سو هوي مثل شعاع خفيف يعيده إلى الواقع
: “ هم؟”
صوت سو هوي ما يزال نصف نائم :
“ نينغ ييشياو أنا مريض "
تجمد ييشياو للحظة ، ثم نهض فورًا ومد يده يلمس جبينه ، لكنه لم يكن حارًا
: “ أين تشعر بالمرض؟”
ابتسم سو هوي قليلًا ، وأمسك يده
لم يجب ، بل قال بصوت مخمور خفيف:
“ لا تخف مني "
تذكر نينغ ييشياو فجأة تلك الليلة في الحديقة ،
حين لمس جرو ضالًا على رأسه وهمس : لا تخف مني أنا لست سيئًا
لم يكن يفهم لماذا يقول سو هوي ذلك
لا أحد يخاف من الأشياء الجميلة
قال نينغ ييشياو مطمئنًا : “ لن أفعل
أنت جيد… وأنت لطيف جدًا .”
: “ هل أنا كذلك…” تمتم سو هوي، ثم استدار وأعطاه ظهره
: “ نعم ...” رد نينغ ييشياو وهو يعيده تحت البطانية ،
ثم أضاف بصوت يكاد لا يُسمع : “ أنت ألطف شخص "
تسآل سو هوي وهو يفتح عينيه { هل ستقع في حبي ؟ }
لكن السكر قد اختفى تمامًا ، ولم يُظهر شيئًا
و الليل صامت
ومع بداية الفجر ، نهض نينغ ييشياو وغادر
شعر سو هوي بفتح الباب ثم إغلاقه ، لكنه لم يقوى على النهوض
وبعد فترة ، شعر بيده تُمسك ، ثم صوت ' بيب ' واستيقظ
كان نينغ ييشياو يقف بجانب السرير يقيس حرارته
{ كان يظن حقًا أنني مريض بنزلة برد }
فتح سو هوي عينيه وسأله عن الدرجة
: “ 36.7، حرارة طبيعية ...” رد نينغ ييشياو وكأنه مرتاح :
“ كنت أظن أنك مريض .”
لاحظ جفاف شفتي سو هوي ، فسكب له ماءً
شرب سو هوي الكوب كاملًا ، ثم نهض بسرعة إلى الحمام،
واستحم وبدّل ملابسه، وكأن شيئًا لم يحدث في الليلة السابقة
كأنّه لم يلتصق بنينغ ييشياو وجهًا لوجه ليشعر بحرارة اختلاف الجسد
ولا أنه ، بعد أن ذهب أثر السكر ، كاد أن يعترف بمرضه الحقيقي وهو واعٍ تمامًا
—————
استقلّا الحافلة إلى موقع الندوة ، وهي جامعة جميلة جدًا
وفي منتصف الطريق مرّت الحافلة عبر نفق، قال السائق إنه نفق بحري تحت البحر
هذه المرة الأولى التي لا يفكر فيها سو هوي في أمر البحر أصلًا ، بل فكر أنه لو استطاع لمدّ يده في الظلام وأمسك يد نينغ ييشياو
لكن النفق كان قصير جدًا ، وانتهت فكرته قبل أن تتحقق، حين ابتلعها النور
بعد النزول ، ساروا وسط حشد كامل من الناس داخل جامعة غريبة ،
ثم إلى مبانٍ تعليمية غريبة ، وقاعة مدرّجات واسعة وغريبة ، حيث انتظروا بدء الندوة
تم توزيع المقاعد حسب التخصص
جلس سو هوي على أقصى طرف قسم المالية
أما نينغ ييشياو فكان ثالث من يقدم العرض في الفترة الصباحية
المتحدثان قبله كانا من طلاب هذه الجامعة الأمريكية ،
لكن مقارنة بهما ، كان نينغ ييشياو يحمل هدوءًا وثباتًا طبيعيين
وكانت لغته الإنجليزية أفضل مما توقعه سو هوي بكثير
بل إنها لم تكن أقل من الناطقين الأصليين ،
بل أحيانًا أكثر اختصارًا ووضوحًا ، حتى إن شخصًا غير متخصص في علوم الحاسب مثله استطاع أن يفهم الكثير مما يقول
كان يرتدي قميص أبيض أكثر بساطة من الأمس ، لكن فيه شعور خفي بالسيطرة
خصوصًا في التفاصيل الصغيرة
مثلًا عندما تحدث عن معادلة في التعلم العميق،
أخذ قلم السبورة، وفك أزرار أكمام قميصه بسهولة، ثم بدأ يكتب ويشرح على اللوح دون توقف
أنهى عرضه بالكامل ، وأظهر قوة واضحة في خلفيته الرياضية
وكان يجيب على أسئلة الأساتذة بثبات وسلاسة
لم يكن يمزح كثيرًا كما يفعل الطلاب الأمريكيون، لكنه كان واثقًا جدًا
وفي نهاية العرض ، عندما عرض نتائج النموذج ، قال بهدوء :
“ وبالطبع إذا أُعطيت وقتًا أكثر ، فستتفوق هذه النتائج على البشر ”
أحد الأساتذة، وهو رجل أشقر في الأربعين من عمره، أبدى اهتمامًا كبيرًا ببحثه
وقال مازحًا إنه يرغب في دعوته إلى مختبره :
“ أبواب مختبري مفتوحة لك في أي وقت .”
: “ شكرًا جزيلًا .” ابتسم نينغ ييشياو وأعطى ردًا غامضًا :
“ سأتذكر هذا العرض الجميل دائمًا .”
كان يتقن هذا النوع من الردود عندما لا يريد فعل شيء
لم يقل ' نعم ' صراحةً ، ولم يرفض
وهو ما فهمه سو هوي جيدًا
لو كان شخص آخر ، لقال فورًا إن الانضمام إلى مختبر البروفيسور شرف كبير له، لكن نينغ ييشياو لا يريد ذلك،
أو أن هدفه أعلى من ذلك، لذا أبقى الباب مفتوحًا دون التزام
كان واضح الذهن ، محدد الهدف ، ويبدو أنه لن يتوقف لأجل أي شخص أو أي شيء خارج خطته
آخر متحدث في قسم الحاسوب كان فنغ تشنغ، ابن سائقهم
حدّق سو هوي في وجهه، ووجد أنه لا يشبه والده كثيرًا
كان خجولًا، وضعيف الإنجليزية نسبيًا، لكن محتوى عرضه كان جيدًا ومتماسك
خلال الاستراحة ، استُدعي نينغ ييشياو من عدة بروفيسورات بسبب أدائه المتميز
وتعامل معهم بذكاء اجتماعي مناسب ،
وحصل على عناوين اتصال ووعد من بعض الأساتذة الذين
قد يفيدونه في مستقبله
لم يقاطعه سو هوي، وذهب وحده إلى جانب القاعة،
أخذ قطعة كعك وأكل بهدوء
ثم شعر أن أحدًا ينظر إليه
تتبع النظرة ، فوجد فنغ تشنغ ——
اقترب منه سو هوي
توتر فنغ تشنغ، وكأنه يريد الهرب
قال سو هوي بصوت هادئ ولطيف : “ أنت ابن العم فنغ"
توقف فنغ تشنغ وأومأ بصمت
ابتسم سو هوي : “ أنت متوتر جدًا.”
و أضاف بلطف كأنه يتعامل مع شخص يعرفه:
“ سمعت من والدك عنك ، وهو فخور بك.”
: “ حقًا ؟” قال فنغ تشنغ
أومأ سو هوي :
“ هل أنت أصغر مني؟ في السنة الأولى ؟”
أومأ مرة أخرى ،، كان فنغ تشنغ ينظر دائمًا إلى الأسفل،
ولا يجرؤ على النظر مباشرة، وإذا التقت أعينهما ينزل عينيه فورًا ، كأنه حلزون خائف
: “ كما توقعت ..." و قال سو هوي مشجعًا :
“ عرضك كان جيدًا جدًا
لا تكن متوترًا هكذا ، خذ قطعة الكعك هذه ، إنها لذيذة .”
ناولَه قطعة كعك ، وتحدث معه عن كلمات قالها والد فنغ تشنغ في أول يوم عمل ، مثل معنى اسمه
لم ينتبه سو هوي أن نظرة نينغ ييشياو كانت ثابتة عليه طوال الوقت
كان مثل فهد يحدد فريسته بدقة
و بعد قليل ، اقترب نينغ ييشياو وسط الحشد ،
ووقف بينهما ، بجسده الطويل ، كأنه يلقي ظلًا كثيف
: “ تتحدثان بسعادة كبيرة "
كان سو هوي دائمًا يُفاجأ به، لكن هذه المرة كان الأمر أخف قليلًا
لم يكن متأكدًا إن كانت جملة نينغ ييشياو سؤالًا أم تقريرًا، لذا نظر إليه
لكن الغريب أنه قرأ في ابتسامة نينغ ييشياو شيئًا من الغضب
قال سو هوي بهدوء: “ هذا فنغ تشنغ " متجنبًا ذكر علاقة والده : " إنه زميلك الأصغر في التخصص "
شعر نينغ ييشياو أن هذا الشاب مألوف ، لكنه لم يتذكره فورًا
ابتسم وقال:
“ أهلًا بك كزميل . تقريرك كان ممتعًا جدًا .”
كان حلق فنغ تشنغ وكأنه مغلق بشيء ما
وبعد وقت طويل، خرجت منه كلمة واحدة متقطعة:
“ مرحبًا… أيها الزميل .”
ابتسم سو هوي وقال:
“ أرأيت ؟ لم أكن مخطئًا . حتى أستاذك الأكبر قال إن عملك جيد .”
لم يكن نينغ ييشياو ينوي إحراجه أكثر ، فاختلق سببًا بسيطًا
ليأخذ سو هوي ويغادرا
———
وفي فترة ما بعد الظهر ، جاء دور قسم المالية لإلقاء العروض
صعد سو هوي المنصة قرب النهاية
لم يكن يحمل أي مظهر 'نخبوي'متدرّب ،
بل بدا عاديًا جدًا
وعندما تحدث بلغة ليست لغته الأم ، أصبحت نبرته أكثر نعومة وخفة
حتى المصطلحات المتخصصة كان ينطقها وكأنها شِعر
قال أحد الأساتذة بصراحة : “ أنت لا تبدو كشخص يدرس هذا المجال .” ثم ابتسم
فضحك بعض الطلاب أيضًا
احمرّ وجه سو هوي قليلًا :
“ لقد كشفتني تمامًا .”
أنهى عرضه ونزل من المنصة وهو يشعر بخفة وراحة
كان هناك طالب آخر سيقدم عرضه بعده
جلس سو هوي في الزاوية ، ثم أخذ حقيبته وغادر بهدوء
وقف في الممر خارج القاعة ، وأرسل رسالة إلى نينغ ييشياو
[ القط الصغير : أريد أن أغادر أولًا .]
وبعد قليل ، وصل الرد
[نينغ ييشياو: ألم تقل إننا سنبقى معًا ونتناول الغداء في كافيتريا الجامعة ؟]
[ القط الصغير : لن أبقى ، لا أحب طعام هنا .]
[ القط الصغير: هل تريد أن تأتي معي ؟]
أرسل الرسالة ثم انتظر قليلًا
لكن لم يصله أي رد
وفي اللحظة التالية ، فُتح الباب الجانبي للقاعة
خرج نينغ ييشياو من الجانب ، وأغلق الباب خلفه ، ثم قال:
“ هيا نذهب .”
شعر سو هوي بسعادة ، فابتسم بخفة وشد شفتيه
…………
الجو في الخارج حار ، والهواء الصيفي الرطب يحيط بهما
وبعد مغادرة الحرم المليء بالشباب ،
ركب سو هوي مع نينغ ييشياو مترو مزدحم وفق إرشادات الخرائط
كانا محاطين بلغة أجنبية لا يفهمانها ، لكن ذلك منحهما شعورًا غريبًا بالأمان
هنا ، لا أحد يعرفهما
وهذا يعني أن كل شيء يمكن فعله
يمكنهما ألا يهتما بنظرات الآخرين،
وأن يتحدثا بلغات لا يفهمها أحد،
أو يلمسا أكمام بعضهما بشكل عابر،
أو يتظاهرا بأنهما لا يعنيان شيئًا،
دون أن يأتي أحد ليحكم عليهما
لكن الشيء الوحيد المؤسف أن سو هوي بالغ في تقدير إحساسه بالمكان ، فركبا محطة خاطئة وضلا الطريق
وعندما خرجا ، كان المساء قد حلّ
كانت الفوضى والحرية سمة نيويورك
و بين الحشود ، كانا يسيران عكس اتجاه الجميع تقريبًا
ومع النظر إلى الخريطة في الهاتف ، أدرك سو هوي أنه أخطأ فعلًا
فقال بابتسامة طفولية :
“ ماذا نفعل ؟ يبدو أنني ضعت الطريق .”
لم يستطع نينغ ييشياو إلا أن يبتسم أيضًا، دون أن يعرف
أيّهما يضحك على الآخر
“ دعني أرى .”
: “ حسنًا ...” أعطاه سو هوي الهاتف : “ لكن يبدو أن هذا الشارع جميل جدًا.”
مشيا معًا إلى الأمام
وخوفًا من أن يصطدم نينغ ييشياو بالآخرين أثناء النظر إلى الهاتف ،
أمسك سو هوي بمعصمه من تلقاء نفسه ،
كأنه يمسك بشيء يخصه ، شعور مريح وآمن
تمتم : “ يوجد الكثير من الناس هنا "
كانت السيارات عالقة ، وكذلك الناس ، وكأن لا أحد يخشى الاصطدام بالآخر
: “ انتظر ...” قال نينغ ييشياو وقد لاحظ لافتة زرقاء مكتوبًا عليها 'الشارع 42 '
توقف قليلًا وحدد الاتجاه
وكان أمامهما مباشرة الجسر العلوي الموجود في الخريطة
و ذهبا نحوه
ييشياو : “ بعد الجسر ، انعطف يمينًا وامشِ حوالي مئتي متر …”
كان يتحدث ، لكن يد سو هوي شدّ معصمه فجأة
أشار سو هوي إلى الناس في الشارع وقال:
“ انظر… ماذا ينتظرون ؟”
نظر نينغ ييشياو إلى الأمام
كان كل شخص في الشارع قد توقف في مكانه ،
يرفع رأسه أو يلتقط هاتفه ، ينتظر شيئًا ما
وبعضهم كان يتحدث بحماس ، وكلماتهم تتضمن إشارات إلى الشمس
كان سو هوي أكثر حساسية ودقة منه
كأنه اكتشف الأمر قبل الجميع ، فجذب ذراعه وركض به معه نحو الجسر العلوي ، بخطوات سريعة ،
حتى وصلا إلى الجسر المزدحم بالناس
: “ نينغ ييشياو…” نظر سو هوي نحو المسافة :
“ الشمس على وشك أن تقع بين هذين المبنيين…
هذا هو ‘مانهاتنهنج’ "
ما يراه أمامه هو شمس برتقالية غنية وصافية ،
معلّقة بين ظلال ناطحات السحاب الداكنة
لم يظهر من الشمس إلا جزء صغير ، ومع ذلك امتلأت المدينة كلها بضوء الغروب بلا رحمة
كل شارع ، وكل فجوة في شبكة المدينة ، كان مغمورًا بالنور
توقف الجميع لمشاهدته ، وارتسمت على وجوههم ملامح من الدهشة والسعادة
وبعض المصورين ركبوا كاميراتهم لالتقاط تلك اللحظة النادرة التي لا تتكرر
كانت جزيئات الغبار الدقيقة تتطاير في الضوء ، كأنها نجوم تحيط بسو هوي
وضوء الشمس الذهبي كان يغمره بالكامل
و الرياح القادمة من جهة البحر تدخل المدينة ، تعبث بشعره وملابسه
: “ إنها جميلة جدًا "
كانت حدقتا سو هوي تعكسان الغروب بالكامل
كان يحدق بتركيز شديد في الشمس وهي تعبر قلب المدينة ، كأنه يريد أن يحفر هذه اللحظة في ذاكرته إلى الأبد
مانهاتنهنج يتحرك ببطء شديد لا يُرى تقريبًا ،
يصل شيئًا فشيئًا إلى منتصف الفراغ بين الأبنية ،
يدخل في أكثر لحظة جمالًا وتوازنًا
لكن هذا الجمال العظيم لا ينتظر أحد
فبمجرد أن يمر ، يبدأ بالانسياب ، ويبتعد تدريجيًا
وبدا أن سو هوي لا يريد له أن يرحل
فبدأ يتحرك على الجسر إلى اليمين ، كأنه يطارد الشمس وهي تميل نحو الغروب
فحتى أجمل الأشياء لها وقت وتنتهي
وكان غير قادر على تحمّل فكرة الفقد
ثم فجأة توقف عن المطاردة
التفت إلى الخلف ، ونظر إلى عيني نينغ ييشياو وسط بحر الضوء الذهبي
وبالنسبة إلى نينغ ييشياو، ربما كانت هذه هي اللحظة الوحيدة التي لا تتكرر
كانت نظرة سو هوي مباشرة ، بلا أي تردد ——- نحوه فقط
وفي عينيه قطارات مشتعلة ، أو شظايا ضوء تطفو فوق بحر الغروب
سو هوي : “ لو كنت ستموت في اللحظة التالية… ما أكثر شيء ستندم عليه ؟”
في دم ييشياو شيء مكبوت بدأ يغلي بصمت ….
عقله يريد أن يرفض الإجابة ، أن يبتعد عن الحشد ،
لكن يده ممسكة بسو هوي
: “ هل ستندم ؟” كرر سو هوي السؤال
في هذه اللحظة قال المصور البعيد إن ظاهرة مانهاتنهنج ستستمر 15 دقيقة و20 ثانية
وفي آخر ثانية منها ، تخلى نينغ ييشياو عن كونه شخصًا واعيًا بالكامل
عانق سو هوي ، وانحنى وقبّله ——-
احتضان ، امتصاص ، التقاء الشفاه واللسان ، واصطدام الأسنان بخفة
كانا كطرفي شريط حرير يحترق ، لا بد أن ينتهيا كـ رماد في النهاية نفسها
وعندما ابتعدا ، الليل قد بدأ ينسدل
وانساب من شفاه سو هوي نقطة دم صغيرة ،
انحنى ييشياو مجدداً ، وقبّلها بلطف ، كأنه يمسح طعم الحلاوة عنها
همس : “ لم يعد هناك ما يُندم عليه "
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق