Ch27 brsg
مهما كان الأمر غير متوقع بالنسبة إلى يي تشي،
ومهما كان شو تانغتشنغ رافضًا له،
فقد دخلت الإبرة بالفعل ،،
كان يي تشي ينظر إليها بقلق ، ويختلس النظر بحذر إلى
الشخص المستلقي على السرير
لكنه رأى أنه بعد الحقنة ، أغمض شو تانغتشنغ عينيه ولم يفتحهما مجددًا
ناداه : “ تانغتشنغ غا …
قال الطبيب إن عليك أن تأخذ الحقنة — وبعدها ستشعر بتحسن كبير ” يي تشي جاثي وهو يتحدث ،
واقترب أكثر حتى أصبح أمام شو تانغ مباشرةً
و صوته خافت جدًا
خافت إلى درجة أنه بدا وكأنه يلاطفه ويراضيه
{ لم أفعل ما طلبه مني شو تانغتشنغ ..
ولم أقف إلى جانبه .. }
ورغم أن طلب شو تانغتشنغ نفسه لم يكن منطقيًا من الأساس، فإن يي تشي ظل يشعر بالذنب وهو يشرح له الأمر
لم يستطع معرفة إن كان الشخص على السرير قد سمعه أم لا
على أي حال، بقيت عيناه مغمضتين
متجاهلتين إياه
: “ لقد أخطأت…”
وفي هذه اللحظة ، دفعت الممرضة الباب ودخلت مجددًا
قاطعةً اعتذاره المتردد والمتعثر ،،
تدفع عربة عليها الأدوات اللازمة للمحلول الوريدي
وبالمقارنة مع الحقنة السابقة ، بدت هذه الأدوات أكثر إثارة للرهبة
شعر يي تشي حتى بأن قلبه يؤلمه { فإذا كانت حقنة واحدة
قد جعلت شو تانغتشنغ يصل إلى تلك الحال…
فكيف سيتحمل المحلول الوريدي ؟ }
لم تبدِ الممرضة أي تعاطف مع مخاوفه :
“ اذهب وأحضر له بطانية .”
و يداها تجهزان المحلول بخفة تدل على الخبرة
و دون أن ترفع رأسها :
“ مع المحلول الغذائي سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا .”
وجود مهمة واضحة للقيام بها جعل يي تشي يتخلص فورًا
من كل الأفكار المؤلمة التي تتزاحم في رأسه
فوقف مستقيمًا ، وأجابها بالموافقة ، ثم خرج
لكن بعد أن اجتاز الباب ، عاد واستدار :
“ هل يمكن أن تخبريني… من أين أحضر البطانية؟”
لم ترفع الممرضة رأسها :
“ اخرج من الباب ، انعطف يمينًا ، امشِ حتى النهاية
ثم انعطف يسارًا ، وستجدها على يمينك ،
في آخر الممر تمامًا ، الغرفة الثانية .”
ردد يي تشي هذه التعليمات المعقدة في ذهنه بصمت حتى يحفظها
وكان على وشك أن يتحرك ، عندها لاحظ أنه خلال الوقت الذي أضاعه بالسؤال ، كانت الممرضة قد جهزت المحاليل
بالفعل وبدأت تفتح عبوة أنبوب المحلول
و ظهر جزء من الإبرة السوداء
وكان يلمع ببريق بارد
نظر إليها يي تشي ثم ألقى نظرة على شو تانغ
وقال للممرضة بسرعة :
“ انتظري حتى أعود قبل أن تغرزي الإبرة .”
لم تتوقع الممرضة أن يكون هذا الشاب الطويل العريض
كثير القلق إلى هذا الحد
فاستدارت نحوه
وعندما رأت الجدية المفرطة على وجهه ، شعرت برغبة في الضحك للحظة :
“ حسنًا، حسنًا .. اذهب بسرعة .”
—-
أسرع يي تشي في دفع التأمين واستلام البطانية
ورغم أن بطانيات المستشفى يفترض أنها معقمة ،
فإنه ما زال يشم منها رائحة غير محببة
كما أن سطحها كان مصفرًا من كثرة الاستعمال
ولم تبدُ نظيفة جدًا أيضًا
وتذكر كيف كان شو تانغتشنغ يمسح الطاولة أمامه بعناية عند تناول الطعام في المطاعم
وتذكر أيضًا كيف أعاره عمدًا ملاءاته الخاصة عندما بدأ السكن الجامعي
لذا رفع السترة السميكة التي كانت تغطي شو تانغتشنغ قليلًا
ثم وضع البطانية فوقه حتى صدره فقط
و طوال هذه الفترة كان شو تانغتشنغ قد فتح عينيه ،
لكنه لم ينظر إلى يي تشي
و اكتفى بخفض بصره وشمّ السترة السوداء السميكة التي تغطيه حتى ذقنه
كان يي تشي يظن أنه سيضطر إلى مخالفة رغبة هذا الشخص مرة أخرى عند تركيب المحلول الوريدي،
لكن على غير المتوقع، لم يُبدِ شو تانغتشنغ أي اعتراض هذه المرة،
بل تعاون منذ البداية وحتى النهاية
وعندما طلبت منه الممرضة أن يقبض يده ، أطاعها وضم أصابعه بهدوء
تنفس يي تشي الصعداء ،
وقف إلى جانب السرير يراقب الممرضة وهي تغرز الإبرة
قالت الممرضة وهي تربت بخفة على ظهر يد شو تانغ :
“ أوردتك رفيعة جدًا .”
وبسبب هذه الجملة ، مدّ يي تشي عنقه أكثر لينظر إلى يد شو تانغ
كانت بشرته بيضاء أصلًا ، أما الآن فبدا ظهر يده خاليًا تمامًا من الدم ، شاحبًا بشكل مخيف
{ قبل ساعات فقط كان بخير ..
فكيف انتهى به الأمر إلى هذه الحال ؟ }
مجرد النظر إلى ظهر يده جعل قلب يي تشي ينقبض ألمًا
و شعر أن الشخص الذي ظل يعتز به في قلبه طوال هذا الوقت يتعرض ، دون سبب ، لمعاناة ومحنة لم يكن ينبغي له أن يمر بهما أصلًا
وقبل أن تغادر ، أوصته الممرضة بأن يراقبه جيدًا ،
وأن ينتبه لئلا تتحرك الإبرة من مكانها ،
وأن يناديها عندما يوشك كيس المحلول على الانتهاء
ورغم أن نبرتها بدت وكأنها تردد تعليمات محفوظة ،
فإن يي تشي ظل يومئ برأسه مرارًا
حفظ كلماتها بجدية تامة ،
ثم جلس على المقعد الصغير بجانب السرير ،
منحني إلى الأمام ، يراقب دون أن يُبعد نظراته
كانت حرارة الغرفة منخفضة طوال الوقت
كما أن النافذة لم تُغلق بإحكام ، فكانت بعض نسمات الهواء تتسلل إلى الداخل
نهض يي تشي وشدّ السترة والبطانية حول شو تانغتشنغ أكثر
في هذه اللحظة لم يعد مرتبكًا وتائهًا كما كان من قبل ،
ففي النهاية، كان شو تانغتشنغ مستلقيًا الآن ويتلقى العلاج،
ولم يعد يبدو وكأنه يتألم ألمًا لا يُحتمل
وكان يي تشي يؤمن أيضًا أنه ما دام يعتني به جيدًا ،
فسيتعافى شو تانغتشنغ سريعًا ويعود كما كان،
بخير ومعافى
{ ما دمت اعتني به جيدًا }
مشاعره قد هدأت أخيرًا بصعوبة
لكن ما إن خطر هذا بباله ، حتى هبطت روحه فجأة إلى القاع
وعاد ذلك الرعب بقوة أكبر من أي وقت مضى ، وكأنه لم يغادر أصلًا
ظل يراقب السائل الشفاف وهو يتساقط قطرة بعد قطرة
عبر الأنبوب الرفيع المثبت في ظهر يد شو تانغتشنغ
وفجأة تذكر أنه عندما اخترقت الإبرة الوريد ، ضغطت الممرضة على أنبوب المحلول ، فاندفعت كمية صغيرة من الدم إلى الخارج
كان أحمر داكنًا جدًا
يتحرك داخل الأنبوب
ثم يعود إلى جسد صاحبه
لم يكن هذا اللون غريبًا على يي تشي
فقد تشاجر مرات كثيرة، ورأى الدم مرات لا تحصى ،،
لكنها المرة الأولى التي يجعله هذا اللون يرتجف خوفًا
و في هذه اللحظة ، كان الذعر الذي خلفته الأحداث السابقة قويًا إلى درجة أن يديه ترتعشان
ولوهلة قصيرة ، خطر له:
{ ماذا لو لم أتلقَّ تلك المكالمة ؟
ماذا لو لم أكن في الجامعة ؟
ماذا لو لم أكن إلى جانبه ؟
كيف كان شو تانغتشنغ سيصل إلى المستشفى ؟ }
تزاحمت في رأسه أفكار كثيرة ،
كلها افتراضات زائفة يدحضها الواقع بالفعل ،
لكن بعدما هدأ الآن ، بدأ يخاف من أن يأتي يوم تصبح فيه
تلك الافتراضات التي سماها ' ماذا لو ' حقيقة
وحين فكر في هذا ، لم يجرؤ على الاسترسال أكثر
خارج غرفة الملاحظة المؤقتة ، كان المرضى والممرضون يمرون ذهابًا وإيابًا باستمرار
و وسط كل هذا الضجيج ، بدا أن شو تانغتشنغ عاجز عن النوم براحة
فبين حين وآخر كان يحرك رأسه أو يبدل وضعيته قليلًا
وفي كل مرة يحدث ذلك ، كان يي تشي يمسك يده برفق ،
يحرس بعناية مكان الإبرة ، ويحرص في الوقت نفسه على ألا يوقظه
أما شو تانغتشنغ، فرغم تلك الحركات الطفيفة،
فقد حافظ معظم الوقت على أكثر وضعية مريحة بالنسبة إليه
و كان جسده منكمشًا قليلًا إلى الداخل
وذقنه مغطى بياقة السترة السوداء السميكة
ولا يظهر من وجهه سوى نصفه فقط
كانت فرصة نادرة ليي تشي أن يراقب شو تانغتشنغ بهدوء على هذا النحو ،
ولذلك بقي ساكنًا من البداية إلى النهاية مثله تمامًا ،
ولا يتحرك إلا عندما يتصلب جسده من الجلوس الطويل ،
فيغير وضعيته قليلًا
ظل شو تانغتشنغ بين النوم واليقظة حتى انخفض أكثر من
نصف كيس المحلول الأول، ثم فُتح باب الغرفة
دفعت ممرضتان فتاة إلى الداخل
و الضجيج الذي رافق فحص الطبيب لها ووصف العلاج مرتفع جدًا ، حتى إن شو تانغتشنغ فتح عينيه ببطء
نهض يي تشي فورًا وانحنى نحو شو تانغ : “ هل تشعر بانزعاج ؟”
رمش شو تانغتشنغ بعينيه ، وكأنه احتاج إلى بعض الوقت ليستوعب ما حوله
عندها فقط لاحظ يي تشي أن شفتيه جافتان إلى درجة بدت أنها ملتصقتين ببعضهما
كان يحرك فكه بوضوح ويريد الكلام ، لكنه لم يستطع حتى أن يفتح شفتيه
يي تشي : “ سأجلب لك بعض الماء.”
و ما إن قال ذلك حتى تذكر فجأة أن الطبيب أخبره قبل
قليل بأن شو تانغتشنغ لا يستطيع الأكل أو الشرب الآن
تحدثت الممرضة التي أعطته الحقنة سابقًا :
“ لا تدعه يشرب . إذا شرب الآن فسيتقيأ ،
اذهب وأحضر بعض الماء الدافئ، وبلل به عودًا قطنيًا ثم رطّب شفتيه .”
استدار يي تشي نحوها ،
وبعد لحظة من الشرود سأل:
“ ومن أين أحضرهما ؟”
بعد نصف يوم في المستشفى ، كانت أكثر الأسئلة التي
طرحها هي: أين يوجد هذا الشيء ؟
وكيف أفعل ذلك الشيء ؟
بدت كلها أمورًا من المفترض أن تكون بديهية
لكن بالنسبة إليه، كانت كلها فراغات كاملة
: “ اذهب إلى…” الممرضة قد وضعت يديها في جيبيها واستعدت للمغادرة بالفعل ،
لكن عندما رأت الحرج على وجه هذا الشاب الذي بدا متوترًا منذ البداية ، غيرت كلامها
“ انتظر قليلًا ، سأحضرهما لك "
لم يتوقع يي تشي هذا الرد —
فسارع قائلًا : “ شكرًا .”
ثم شعر أن ذلك غير كافٍ
فانحنى لها انحناءة بسيطة أيضًا
ضحكت الممرضة ،
وشعرت أن الشاب الذي أمامها بريء للغاية
{ سواء كان قلقًا أو ممتنًا ، فإن كل ما يشعر به يظهر بوضوح كامل }
لقد عملت في المستشفى عدة سنوات ، وقابلت شتى أنواع الناس
لكن وهي تسلمه كوبًا من الماء الدافئ وعودين قطنيين،
شعرت أن المراهق الذي لم يختبر الدنيا بعد ولم ينضج
بالكامل ينبغي أن يكون هكذا تمامًا
{ ما زال لا يعرف جيدًا كيف يعتني بشخص آخر ،
ولا يعرف جيدًا كيف يتعامل مع الطوارئ ،
لكنه أكثر ثباتًا من غيره ،،
وأكثر استعدادًا للتعلم أيضًا }
و عادت الغرفة إلى هدوئها من جديد
وبدأ يي تشي يرطب شفتي شو تانغتشنغ بالعود القطني
وما إن ابتلت قليلًا ، حتى سمع الفتاة على السرير المجاور تقول:
“ يداي باردتان "
كانت الفتاة تتلقى محلولًا وريدي أيضاً
والمرأة المرافقة لها بدت والدتها
وعندما سمعتها تقول إنها تشعر بالبرد، نهضت السيدة
وأوصتها ببضع كلمات ثم خرجت
وبعد وقت قصير عادت وفي يدها قربة ماء ساخن
وبدأت تمررها برفق حول معصم ابنتها مرة تلو الأخرى
التفت يي تشي ونظر إليهما بصمت
ثم وضع العودين القطنيين مؤقتًا بين أصابع يده اليسرى
ومد إصبع واحد ليلمس بحذر ظهر يد شو تانغتشنغ المكشوف
{ المكان الذي يمر فيه المحلول الوريدي بارد فعلًا }
تردد قليلًا
ثم وضع ما بيده وجلس مجددًا على المقعد الصغير
غطى النصف العلوي من ظهر يد شو تانغتشنغ بيده
و اللاصق الطبي يفصل بينهما بمسافة ضئيلة جدًا
لكنه استطاع أن يغطي تمامًا الجزء الذي أصبح باردًا بسبب المحلول
وبالتأكيد لم يجرؤ على الضغط
و اكتفى بإبقاء كفه فوقها برفق ، ملامسًا ظهر تلك اليد بخفة
وبدا أن الأمر ينجح ،،
فقد شعر أن الجلد الذي يغطيه بدأ يزداد دفئًا
وبعد أن دفأ يد شو تانغتشنغ لبعض الوقت ، أصبحت راحة يده هو باردة قليلًا
فـ شد يديه معًا وفركهما بقوة
وحين عادت الحرارة إليهما ، غطى تلك اليد من جديد
ببطء ، وفي الغرفة التي عادت إلى السكون ،
لم يبقَ سوى صوت احتكاك الكفين ببعضهما
لاحظت السيدة المجاورة ما يفعله
فلم تستطع منع نفسها من إخباره بأن قربة الماء الساخن
يمكن شراؤها من متجر قرب مدخل المستشفى، وأنه قريب جدًا، خارج المبنى مباشرةً
هز يي تشي رأسه
لأنه الشخص الوحيد الذي يرافق شو تانغ،
كما أن شو تانغ فاقد الوعي تقريبًا وغارق في النوم
لم يكن يستطيع أن يتركه هنا ويذهب لشراء قربة ماء ساخن
حتى لو لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير
لقد أُضيف البوتاسيوم إلى آخر كيس من المحلول الوريدي
و قالت الممرضة إن يد شو تانغتشنغ ستؤلمه إذا كان تدفق المحلول سريع ، لذا خففت السرعة ،
وهكذا ، عندما انتهى المحلول أخيرًا ،
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا
نزعت الممرضة الإبرة من يد شو تانغتشنغ ،
وما إن فتحت الباب لتغادر ، حتى انفجر صوت بكاء حاد داخل الغرفة ، فأفزع الجميع
كان شو تانغتشنغ لا يزال نائم — وبينما يضغط على مكان
الإبرة في يده ، عقد يي تشي حاجبيه واستدار ليرى ما الذي يحدث في الخارج
كانت والدة الفتاة في السرير المجاور قد نهضت قبله بخطوة لتغلق الباب ،
ومن خلال النافذة الصغيرة فيه، رأت امرأة جالسة على أرضية الممر تبكي بانهيار ، ووجهها مغطى بالدماء
استيقظت الفتاة على السرير المجاور بسبب الضجيج
وسألت أمها بصوت خافت جدًا عما يحدث
ربتت الأم على جبينها برفق وهي تواسيها
وقالت إن الأمر يبدو وكأنه حادث سيارة
للحظة، شعر يي تشي بأن أفكاره منفصلة عنه بعض الشيء
كان هذا بوضوح مجرد حديث عادي جدًا داخل غرفة مستشفى
ومشهد عادي جدًا
ومع ذلك منحه إحساسًا هائلًا بالغربة
{ الغربة ….
اليوم بأكمله غريب أصلاً ...
في الماضي اعتدت حبس نفسي داخل عالم صغير جدًا
سواءً كنت سعيد أو تعيس ، أنا الشخص الوحيد فيه
لا يوجد شخص ثاني
ولذلك لم تحدث أمور غير متوقعة
و لم أكن اواجه موقف لا أعرف فيه إلى أين اذهب لرؤية طبيب
أو لا أعرف من أين احصل على بطانية
أو لا أعرف من أين اجلب كوب و أملؤه بالماء الدافئ
الشخص الذي كان يعيش بهذه الطريقة لن يكون أبداً كما هو الآن : موجود في جناح المستشفى
وكل شخص فيها يسهر على كنز قلبه ،
بينما يشرح له أحدهم بلطف أمورًا لا علاقة لها به }
حدق يي تشي في الباب المغلق بإحكام لبعض الوقت
ثم رمش بعينيه واستدار ببطء
لقد عشت سابقاً داخل عالمي الخاص
الأن عشت يومًا في عالم لا يوجد فيه سوى أنا وشخصي
لكن الآن ، لم يعد الأمر كذلك
بالنسبة إليّ ، لم يعد شو تانغتشنغ مجرد كنز سحبته إلى عالمي الخاص
فالشعور بالحيرة والعجز لا يحدث إلا عند التقاء عالمي بالعالم الخارجي
وعندما تقلق على شخص ما — فإنك تقلق من كل الاحتمالات السيئة
و تتمنى ألا يحدث أي منها لشخصك أبدًا
بسبب شو تانغ ، اختبرت الكثير من الأمور للمرة الأولى
وبسببه أيضًا ، بدأت لمس هذا العالم حقًا
الحرم الجامعي — واتحاد الطلاب — والمستشفى }
قالت الأم إنها ستذهب لتحضر بعض الماء الساخن لابنتها
وقبل أن تفتح الباب، تأكدت من أن الضجة في الخارج قد هدأت ، ثم أخبرتهما وغادرت
كان يي تشي لا يزال يضغط بيده على الشريط الطبي
أمسك يد شو تانغتشنغ ونظر إليها عن قرب
وعندها أدرك أن شو تانغتشنغ نحيل جدًا حقًا ،،
العروق الخضراء المائلة إلى الزرقة على ظهر يده واضحة جداً ،
بارزة قليلًا ،
تدفع الجلد الشاحب من أسفلها
وضع إبهاميه معًا فوق منتصف الشريط الطبي
وبدأ يدلّك برفق ، حركهما ببطء نحو الجانبين
وعندما لامسا الحواف ، انتقلت أصابعه من الشريط إلى البشرة الباردة قليلًا
و حافظ على هذه الوضعية ، ساكنًا لا يتحرك ، وظل شاردًا لفترة طويلة
وخلال هذا ، استعاد في ذهنه تقريبًا كل ما يتعلق بشو تانغتشنغ في ذكرياته ،
منذ لقائهما الأول وحتى الآن
لم يكن يعرف إن كان الآخرون مثلَه أم لا،
لكن ذكرياته منذ زمن بعيد كانت مبعثرة جدًا ومشوشة جدًا ،
أشبه بقطع متناثرة منفصلة لا ترتيب لها،
بقي بعضها عالقًا في ذهنه أحيانًا
وربما كان السبب أنه حين كان طفلًا ، عاش في عائلة يمكن
أن تندلع فيها حرب أحادية الجانب في أي لحظة
و في معظم الأحيان كان مجرد اجتياز الأيام لا أكثر ،
مجرد تغيّر في الرقم على التقويم ،
ولا يبقى منها شيء ،
أما شو تانغتشنغ فكان مختلف
منذ البداية عندما وُلد أخوه الأصغر للتو ، انتقلوا إلى هناك
و في ذلك الوقت كان يي تشي لا يزال في الروضة
في المرة الأولى التي التقى فيها بشو تانغتشنغ، كان الأخير
يرتدي الزي الأزرق للمدرسة الابتدائية ، وتتدلى على صدره
بطاقة مدرسية بخلفية خضراء
كان الجميع يلتقون لأول مرة
ومن بين الأطفال الموجودين ، كان شو تانغتشنغ الوحيد الذي رفع رأسه بأدب وقال لوالد يي تشي:
“ مرحبًا عمي.”
في ذلك الوقت ظل يي تشي يحدق في البطاقة المدرسية
المعلقة على صدر الصبي الأكبر
كانت عليها صورة صغيرة بخلفية حمراء
و عدة أسطر من الكلمات إلى جانبها ، لكنه لم يكن يستطيع قراءتها
و كان شو تانغتشنغ يتحرك بين الحين والآخر ، فتتأرجح البطاقة يمينًا ويسارًا
ولم يدرك يي تشي أن رأسه كان يتمايل معها ،
ولم يرفع رأسه إلا عندما أمسكت يد بالبطاقة ،
وعندها صادف أن رآه ينحني نحوه ويبتسم
تمامًا كما في الصورة الموجودة على البطاقة
كان الأمر غريب
لقد كان صغيرًا جدًا آنذاك ،
ومع ذلك ، قد حسم بالفعل أن هذا الشخص يملك أجمل
ابتسامة بين جميع من قابلهم
وخلال السنوات الطويلة التالية ، لم يتغير هذا الاستنتاج ،
بل أضاف الكثير من الصفات الأخرى إلى اسم ' شو تانغتشنغ '
الأفضل في التحدث مع الناس —
الأجمل حين يرتدي الملابس البيضاء —
الأجمل حين يقود دراجته —
وأكثرها سرية — وأكثرها قيمة
والصفة التي تخصه وحده :
الشخص الألطف مع يي تشي
في ذكرياته الباهتة والمبعثرة ، كانت العتمة والفراغات
تخفيان أنصاف تلك الشظايا المتناثرة ذات الأشكال والألوان الغريبة
وفي ذلك المحيط الذي كان يتمدد وينحسر ،
لم تتصل لتشكل خطًا واحدًا سوى الأمور المتعلقة بذلك الشخص
وعلى امتداد ذلك الخط ، كبر يي تشي أيضًا ،
ببطء …
لم يكن يي تشي يعلم متى بدأ الأمر ،
لكن شو تانغتشنغ أصبح إدراكه لهذا العالم
و المعيار الذي يحكم به على الأشياء إن كانت جيدة أم سيئة
والعلامات التي يتركها مرور الزمن
وحتى مشاعره
رفع يي تشي رأسه ونظر إلى الشخص المستلقي على السرير
{ لقد كانت تلك المشاعر موجودة دائمًا
أما كيف بدأت تتغير …
وفي أي لحظة بدأت تتغير …
فأنا حقًا لست متأكد ... }
تذكر أن أحد الأساتذة قال شيئًا متعلقًا بهذا في محاضرة لعلم النفس
وكان المعنى العام لما قاله :
من بين جميع المشاعر التي تنبع من العاطفة الخالصة ،
تُعد الصداقة أكثرها استقرارًا ،
أكثر استقرارًا من الحب ،
وأكثر استقرارًا من مجرد الإعجاب ،
حتى لو لم تلتقِ بصديقك المقرب لفترة طويلة جدًا ،
فعندما تلتقيان مجددًا ، يمكن لطريقة تعاملكما أن تعود
إلى ما كانت عليه قبل الفراق خلال مدة تتراوح بين صفر وعشرين دقيقة ،
لديك الكثير من الأصدقاء —
لكن في أغلب الأحوال لن يكون لديك سوى شريك عاطفي واحد
الشكوك — والرغبة في الاحتكار — والتراجع —
ومقارنة مقدار الحب بين الطرفين
كل هذه الأفكار والتصرفات تضعف داخل الصداقة
كثير من الناس لا يملكون حبًا يدوم حتى الموت
لكنهم يملكون الكثير من الأصدقاء الذين يرافقونهم طوال حياتهم
طوال فصلٍ دراسي كامل من محاضرات علم النفس،
كان هذا الجزء الوحيد الذي استمع إليه بجدية
في البداية، لم يفكر فيه كثيرًا بعد سماعه، وشعر أن الأمرين لا يمكن مقارنتهما أصلًا
لكن الجملة الأخيرة التي قالها الأستاذ مازحًا وجهت إليه صدمة حادة
الأستاذ قد سأل الجميع:
“ من ناحية ما، أليس هذا يفسر لماذا يقول الناس دائمًا إنه لا ينبغي لك أن ' تخدع صديق ' ؟”
ضحك الطلاب الجالسون في الأسفل وتبادلوا الهمسات
وتابع الأستاذ قائلًا إن المثير للاهتمام هو أنه بمجرد أن
تتجاوز مشاعر أحد الصديقين حدود الصداقة بينما يكون
الطرف الآخر وحده من يحمل تلك النية ، فإن الصداقة
تدخل مرحلة خطيرة بنسبة تسعين بالمئة
ولكي تعبر هذه المرحلة وتستمر في البقاء ، فإما أن يكون
أحد الطرفين على الأقل ذا ذكاء عاطفي مرتفع جدًا ،
أو أن يكون أحدهما على الأقل ذا ذكاء عاطفي منخفض جدًا ،
وإلا، فبمجرد أن يُضاء ذلك الحاجز الخفيف بينهما ،
سيجدان نفسيهما مفصولين بآلاف وعشرات الآلاف من الحواجز الأخرى
في تلك اللحظة بالذات ، التقت عينا يي تشي بعيني الأستاذ
وظن أنه لا بد أنه بدا تائهًا للغاية آنذاك
ولهذا السبب ظل الأستاذ ينظر إليه لبعض الوقت
في تلك الثواني القليلة الفارغة داخل القاعة الدراسية
لم يكن أحد يعلم أي نوع من اليأس الذي لا نهاية له كان يمر به
أعاد يي تشي أفكاره إلى الحاضر ،
ثم أنزل رأسه وابتسم
{ ولهذا السبب…
لا بد أن تبقى الكلمات التي لا يمكن قولها مختنقة في قلبي إلى الأبد }
في هذه اللحظة ، الغرفة هادئة على نحو غير معتاد
لم تعد الأم التي خرجت لجلب الماء بعد
استدار يي تشي لينظر ، فرأى أن الفتاة أيضًا قد أغمضت عينيها
جدران الغرفة كلها بيضاء
وبالحديث عن ذلك، كان الأمر غريب
فاللون الأبيض ربما كان اللون الذي أُسندت إليه أكبر كمية من المشاعر
المستشفيات
حفلات الزفاف
الجنازات
الفرح أو الحزن
الأمل أو اليأس
كان هذا اللون يشق طريقه بطريقة ما عبر حياة الإنسان كلها
وكأن الوجود في مكان تحيط به البياضات من كل جانب يجعل كل شيء ،
حتى الأمور التي لا يمكن البوح بها، والطمع والرغبات التي
ينبغي دفنها وإخفاؤها ، قادرًا على أن يكون صريحًا وصادقًا أمام هذا العالم
أمسك يي تشي بيد شو تانغتشنغ
أنزل رأسه
وأنزل عينيه أيضًا
{السماح لمشاعري بأن تتغير على نحوٍ لا ينبغي لها أن تتغير — خطأي أنا
وفي المستقبل ، لن يحدث هذا مجددًا
سأحتفظ إلى الأبد بتلك الأفكار التي راودتني في طريقي إلى هنا
سأبقى إلى جانبه بهدوء وأمان ،
حتى إذا مرض يومًا ما
أو شعر بالحزن
يستطيع دائمًا أن يتصل برقم هاتفي في أول لحظة دون أي تردد في قلبه }
قبلة خفيفة على إصبع شو تانغ الصغير
{ ومن الآن…
سيسير كل منّا في طريقه الخاص }
وبعد صمت طويل جدًا — رفع يي تشي رأسه أخيرًا
و أعاد يد شو تانغتشنغ إلى السرير
ثم غطاها بعناية
وبعد أن انتهى من كل ذلك ، بدأت أخيرًا مشاعر العجز
والبؤس تتدفق إلى داخله
ضم يديه معًا وأسندهما إلى جبينه ،
ودفن رأسه لفترة طويلة حتى هدأ قليلًا
لم يكن يعلم إن كان السبب أنه لم يتناول لقمة واحدة
أو يشرب قطرة ماء طوال اليوم
أم لأنّه انتزع للتو بالقوة جزءًا من مشاعره التي رافقته زمنًا طويلًا
لكن ساقيه بدأتا تفقدان الإحساس ،
وكان هذا الشعور يتسلق عموده الفقري صعودًا حتى فروة رأسه …
ضغط بذراعيه على فخذيه لينهض
وكان ينوي الذهاب لغسل وجهه بالماء البارد
لكن بشكل غير متوقع ، وبينما يي تشي يعاني من دوار
خفيف بسبب وقوفه المفاجئ ، التقت عيناه بعيني شخص ما
في وقت ما — كانت الفتاة في السرير المجاور قد استيقظت ، وكانت تحدق فيه بذهول
لم يُصدر يي تشي أي صوت
أنزل رأسه ، وثبّت نفسه ، ثم خرج بخطوات خفيفة وصامتة
حتى عند إغلاق الباب ، لم يصدر أي صوت
ظلت الفتاة تحدق في الاتجاه الذي خرج منه ذلك الشاب
وبعد فترة طويلة ، وكأنها تستفيق من حلم ، تنهدت تنهيدة خفيفة
لم تكن تعرف ما القصة بين الشخصين في السرير المجاور،
لكن قبلة كهذه جعلتها تملك الكثير من التخمينات
وبسبب صدمتها من المشهد قبل قليل ،
شعرت فجأة برغبة في أن تنظر مرة أخرى إلى الشخص
الذي كان مستلقيًا بهدوء طوال الوقت
وحين استدارت ونظرت إليه ، تفاجأت عندما أدركت أن الشخص الذي كان نائمًا طوال الوقت قد استيقظ في وقت ما،
وكان يرفع اليد التي عليها الشريط الطبي ويحدق في الفراغ
شعر الرجل على السرير بنظرتها ،
فمال رأسه قليلًا باتجاهها
هذه المرة الأولى التي ترى فيها ملامح وجهه بوضوح
شاحبًا، منهكًا، بلا تعبير واضح
نظر إليها لحظة واحدة فقط، ثم اتجهت نظراته نحو الباب
وبعد فترة قصيرة ، أعاد يده تحت الغطاء وأغمض عينيه مرة أخرى
و كأن شيئًا لم يحدث
لكل قصة نهاية ، لكن ليس كل النهايات عظيمة أو مبهرة أو مليئة بالسعادة والكمال
شعرت الفتاة فجأة بألم خفيف في صدرها، ألم مكتوم
لأنه في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه ،
رأت بوضوح أن عيني ذلك الشاب الطويل الصامت كانتا محمرتين ….
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق