Ch29 xr
( العودة للزمن الحالي )
في الوقت الذي تلقّى فيه نينغ ييشياو رسالة سو هوي الإلكترونية ، كان يرتدي سماعات الأذن ويعقد اجتماعًا عبر الهاتف
الشخص في الطرف الآخر بدأ يشعر بالقلق بسبب صمته،
وظل ينادي اسمه مرارًا، حتى أعاده ذلك إلى وعيه وانتشله من وحل الذكريات
أخذ نينغ ييشياو نفسًا عميقًا : “ عذرًا ، تشوشت قليلًا
أين وصلنا الآن ؟”
: “ شاو أشعر أن حالتك ليست جيدة هكذا ،
خذ فترة من الراحة أولًا ، وسألخص لك المحتوى في بريد إلكتروني ، ألقِ نظرة عليه ،
وإذا كان هناك أي مشكلة سنتحدث لاحقًا .” قالها الطرف
الآخر بلطف ، ثم أنهى الاجتماع
شعر نينغ ييشياو بضيق في التنفس ،
فنهض وتوجه إلى النافذة
عبر هذه الواجهة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف،
رأى مشهد سنترال بارك المغطى بالثلج ، فزاد الألم أكثر
لم يكن قادرًا على تمييز مكان الألم ، كأنه في القلب ،
أو المعدة ، أو الركبتين والأضلاع
لم يستطع تحديده
أراد أن يدخن ، فبدأ يقلب الأدراج بحثًا عن سيجارة مارلبورو نصف مدخنة ، لكنه لم يجدها في أي مكان
في النهاية ، حوّل مكتبه إلى فوضى عارمة ، وكذلك عقله
{ أريد أن أعرف لماذا أعطى سو هوي تلك الإجابة ؟
لماذا أول ما خطر له عندما يتذكر شيء سعيد هو مشاهدة الغروب معي ؟
هل فكر بي ؟ هل أحبني ؟
هل كانت السنوات الست لاحقاً بلا أي لحظات سعيدة بالنسبة له فعلاً ؟
ماذا حدث ؟ ومن كان معه في أوقات الألم ؟
لماذا عندما ظننت أنني بدأت انسى كل شيء ، ظهر من جديد ؟
ولماذا قال هذه الأشياء لشخص غريب ؟ }
وسط الفوضى التي لا تُحتمل ،
عاد نينغ ييشياو إلى اللابتوب وقرأ رسالة سو هوي مرة أخرى
لمس أصابعه لوحة المفاتيح ، وكتب الكثير من الكلمات التي أراد قولها ،
كلها من ألم وعدم رضا تراكم خلال ست سنوات ، لكن حين هدأ ،
حذفها واحدة تلو الأخرى
بعد ثلاثين دقيقة ، تلقّى سو هوي البريد الإلكتروني
[ شون : لا بد أنها كانت جميلة .
لا شك أنها ذكرى جميلة بالنسبة لك أيضًا ،
و ذلك الشخص الذي شاهدت معه الغروب ، لا بد أنه كان سعيدًا جدًا .]
رد سو هوي برد قصير جدًا ، بلا مشاعر زائدة أو أي شوق
[ إيدي : أتمنى له السعادة.]
[ شون : هل كان مهمًا بالنسبة لك؟]
بعد نحو عشر دقائق ، وصل الرد
[ إيدي : لقد أصبح لكلٍّ منا حياة جديدة . الجميع هكذا ،
سيظهر أشخاص أهم ، ونصنع معهم ذكريات جديدة ، أليس كذلك ؟]
لم يجب بشكل مباشر ، لكنه أجاب بطريقة أخرى
ساد الهدوء فجأة داخل نينغ ييشياو
التوتر الداخلي والاضطراب الذي كان يفرضه العالم الخارجي تجمّد بالكامل
لم يعد يسمع أي صوت، فقط نبضه الثقيل
[ شون : أنت محق ، الذكريات الماضية مهما كانت جميلة لم تعد مهمة ، يجب أن نمضي قدمًا .
لقد تحسّنت كثيرًا ، شكرًا لك على قصتك ، وأتمنى لك أيضًا السعادة .]
[ شون : وبالمقابل ، إذا احتجت أي مساعدة ، لا تتردد في التواصل معي .]
أغلق البريد الإلكتروني ، ثم رتّب نينغ ييشياو فوضى مكتبه واحدة تلو الأخرى ، وسجّل الدخول إلى البريد الداخلي للعمل ، وانغمس في مهامه
مرّ الوقت سريعًا ، وحلّ المساء
طُرق باب غرفته
نهض نينغ ييشياو وفتح الباب ، وكان من المفاجئ أن الزائرة كانت طبيبته النفسية غريس
: “ مرّ وقت طويل شاو هل يمكنني الدخول ؟”
: “ بالتأكيد ….” فتح الباب أكثر : “ تفضّلي بالجلوس .”
: “ هذه أول مرة آتي إلى هنا، المنزل جيد ، لكنه فارغ أكثر من اللازم .”
أثنت غريس ببضع كلمات ، ثم جلست على الأريكة التي أهداها جينغ مينغ، وقالت مباشرةً :
“ في هذه الأيام كنت في نيويورك لحضور نشاط خيري ،
وكارل اتصل وحدد موعد ،
وقال إن حالتك في الفترة الأخيرة ليست جيدة
كان الأمر صدفة ، فقد انتهيت للتو هناك ، فجئت لأتفقدك.”
أومأ نينغ ييشياو : “ هل نجري الجلسة هنا؟”
: “ يمكن في أي مكان. أنا بالطبع أفضل أن تكون بيئة الجلسة أكثر راحة ، حتى لا تنغلق على نفسك ...” و ابتسمت غريس :
“ أنت مشغول جدًا ، و كثير من المواعيد لم تُستكمل في النهاية ، وهذا ليس جيدًا لتعافيك
تعال اجلس على الكرسي أمامي .”
تردد نينغ ييشياو للحظة ، ثم فعل ذلك
كان هادئًا جدًا، بلا تعبير واضح، وكأنه لم يمر بأي اضطراب قبل قليل
سألت غريس بقلق : “ كيف حال إصاباتك القديمة مؤخرًا ؟”
: “ بخير.” أنزل نينغ ييشياو عينيه قليلًا
ابتسمت غريس : “ شتاء نيويورك صعب جدًا
أنا هنا منذ أيام قليلة فقط وقد بدأ الروماتيزم يؤلمني ،
فكيف بك وأنت لديك تلك الإصابات القديمة
يجب أن تعتني بنفسك جيدًا .”
أومأ نينغ ييشياو : “ شكرًا "
لاحظت غريس ملابسه وبيئته : كنزة صوفية سوداء برقبة عالية تغطيه بإحكام ؛
جلد يديه جاف ، بل ومائل للاحمرار والالتهاب ؛
و على المكتب عدد قليل جدًا من الأغراض ، من بينها قفازاته الجلدية ومعقم اليدين
كان نينغ ييشياو أحيانًا يسرح ، وترتجف رموشه ارتجافًا خفيفًا جدًا ، ونظره لا يثبت في مكان
في تلك اللحظات كان عادةً يعدّ الأشياء في ذهنه مرارًا وتكرارًا ، ليهدّئ نفسه
: “ شاو سأبدأ جلسة اليوم "
رفع نينغ ييشياو عينيه ، وفي هذه اللحظة بدا نظره هشًا جدًا ،
لكنه لم يستمر سوى ثانية واحدة
أومأ : “ حسنًا "
فتحت غريس دفترها وبدأت تسجل إجاباته
“ هل حدث شيء غير اعتيادي مؤخرًا ؟”
صمت نينغ ييشياو قليلًا ، ثم قال بصدق :
“ التقيت بحبيبي السابق .”
كانت عيناه تنظران إلى أسفل اليسار ،
غير قادر على النظر مباشرةً إلى عيني الطبيبة ،
وصوته منخفض وعميق ، حتى بدا مبحوح
: “ هو لا يعيش حالة جيدة ، لم يعد يملك شيئًا ،
وجدته جدته مريضة مرضًا شديد
ظننت أني عندما أراه سأكرهه بشدة ، أو لن أشعر بأي شيء ،
لكن الأمر لم يكن كذلك .”
أظهرت غريس صبرًا كبيرًا : “ إذًا عندما تراه، ما نوع المشاعر التي تشعر بها ؟”
: “ متناقضة جدًا "
أومأت غريس : “ اشرح أكثر.”
صمت نينغ ييشياو قليلًا ، ثم قال: “ عندما أراه متألمًا ،
أشعر بالألم أيضًا
لكن في الوقت نفسه ، أبدأ باسترجاع لحظة رحيله ،
وكل كلمة قالها ، وكل ما حدث بعد ذلك…
وأشعر أنني أريد أن أكرهه ”
: “ عندما تراه، هل تبدأ بـ جرّ الأفكار ، وتسترجع مشاهد الألم بشكل متكرر ؟”
: “ نعم.”
: “ بما في ذلك حادث ذلك اليوم لاحقًا ؟”
أومأ نينغ ييشياو
: “ هل هي ذكريات شعورية غامضة ،
أم صور وأصوات وحتى روائح واضحة جدًا ؟”
: “ واضحة… واضحة جدًا "
أومأت غريس وسجلت ، ثم انتقلت إلى سؤال آخر :
“ وماذا فعلت بعد ذلك ؟”
رد نينغ ييشياو بهدوء : “ وجدت عذرًا لرؤيته ، وحاولت مساعدته ،
لكن ربما كنت أزعجه خلال ذلك .”
: “ هل شعرت أن ذلك كان مفيد ؟
هل أثّر عليك بشكل إيجابي ؟”
فكّر نينغ ييشياو
{ يبدو أنه لم يكن كذلك ، لا مساعدته أعطت نتيجة ،
ولا إزعاجه أو إيذاؤه غيّر شيئًا }
هزّ رأسه بدلًا من الإجابة
والأمر المخيف أنه في تلك اللحظة ، كان يخشى حتى أن تقول له غريس فجأة : لا تلتقِ بسو هوي بعد الآن ، انساه ،
واذهب وابحث عن السعادة في حياتك
: “ شاو هل تعرف ما الذي تريده الآن؟”
نظر إليها نينغ ييشياو بهدوء ، والتقت عيناه بعينيها
إلى حد ما، بدا لغريس أنها ترى ذلك الشاب الذي طلب مساعدتها قبل سنوات
كان غارقًا في الوحل ، مدمنًا على الكحول ،
ولم يكن قد حقق النجاح الذي يملكه الآن ،
ولا النضج والاتزان اللذين أصبحا جزءًا منه ،
كان يبكي أثناء الجلسات ، ويخبرها بأنه يتألم
وفي النهاية —- هزّ نينغ ييشياو رأسه
كانت غريس قد اعتادت منذ زمن على انغلاقه الشديد، فقالت : “ إذًا سأطرح السؤال بطريقة أخرى
هل تريد أن تعاقبه بسبب ألمك أنت ؟”
بدأ تماسك نينغ ييشياو يضعف قليلًا :
“ لا أستطيع فعل ذلك .”
: “ لماذا ؟”
: “ لأنه ضعيف جدًا "
حين قال هذه الجملة ، كان صوته أكثر حزمًا من أي إجابة أخرى ، وكأنه متيقن تمامًا
تابع : “ إنه مريض ، ولم يتعافَ أبدًا ،
أحيانًا كان يفكر في الرحيل
حتى عندما كنا سعداء جدًا، كان يحزن فجأة ، ويخفي سكين الفاكهة .”
راقبته غريس ، ولاحظت أنه يكاد يعجز عن المتابعة عندما وصل إلى هذه النقطة
تابع : “ ناهيك عن الآن… إنه يعيش معاناة شديدة
غريس نعم أنا غاضب منه ، لكنني قلق عليه أيضًا .”
——————-
الباب مغلق بإحكام ، ولم يكن كارل الواقف في الممر يعرف ما الذي يجري في الداخل
في كل مرة تُعقد فيها جلسة علاج نفسي ، كان دوره يقتصر على حجز الموعد ، ولم يكن يعلم شيئًا عن حالة مديره
تذكر أول يوم عمل له
حينها كان لا يزال موظفًا مبتدئًا ومتهورًا ، وقد انضم للتو إلى هذه الشركة الناشئة
في يومه الأول وحده ، اشتكى كثيرًا لأصدقائه
مثلًا ، عن مدى رعب الوسواس القهري لدى مديره ؛
إذ كان لا بد أن تبقى على مكتبه أقلام محددة وفي أماكن ثابتة ،
ولم يكن مسموح بتحريك أي غرض من مكانه
و كان يغسل يديه باستمرار ، وكانت متطلباته من عمال
النظافة مرتفعة بشكل مبالغ فيه
في ذلك الوقت ، ظن أنه لن يبقى طويلًا مع مدير بهذه الصعوبة
لكن الغريب أن نينغ ييشياو، ذلك الشخص الذي يفرض على نفسه معايير تكاد تكون قاسية ، كان يتسامح مرارًا مع أخطائه ،
ويعلمه خطوة خطوة كيفية التعامل مع العمل ،
ويمنحه راتبًا جيدًا ، وأحيانًا يساعده حتى في أمور حياته
ذات مرة سأل كارل جينغ مينغ : “ شخص مثل شاو
وقد أصبح ناجحًا إلى هذا الحد ، يستطيع بسهولة أن يجد مساعدًا أكثر كفاءة ،
لماذا ما زال يحتفظ بي؟”
في ذلك الوقت ، اكتفى جينغ مينغ بالابتسام وقال:
“ لأن هذا الرجل متعلق بالماضي .”
————
انتهت جلسة العلاج النفسي ،
وفتح نينغ ييشياو الباب ، وبدا كما لو أنه لم يتغير عن المعتاد
طلب من كارل أن يوصل غريس إلى المطار
فقالت غريس إن ذلك مناسب ، وبإمكان كارل أن يحضر الدواء في طريق العودة
وأثناء القيادة ، سألت :
“ شاو ما زال غير قادر على القيادة ، أليس كذلك ؟”
أومأ كارل : “ لم يحاول أصلًا ،
أينما ذهب يقود السيارة سائق
وإذا لم يكن السائق موجود فأنا من أقود ، مثل اليوم تمامًا .
السائق مريض ، لذا أقوم بالأمر بدلًا منه .”
أجابت غريس بإيماءة ، ثم بدأت تمتدح مهاراته في القيادة
ابتسم كارل وتبادل معها بعض الأحاديث العابرة
كانت تضحك بانشراح واضح ، وهذا جعله يتذكر فجأة هيئة سو هوي وهو جالس في المقعد المجاور قبل مدة قصيرة
هادئًا جدًا ، كدمية لا تعرف كيف تفتح حديثًا مع البشر
—————————
وفي الشقة القديمة في بروكلين ،
كان سو هوي الهادئ كدمية يراجع الأمر مرارًا قبل أن يرد بأدب على سؤال شون
وبما أنه افترض أن الطرف الآخر لن يرسل ردًا آخر ،
غادر المكتب حاملاً حقيبة السفر ودخل الحمام
بدأ سو هوي يرتب مستلزمات الحياة اليومية التي يحتاج إلى أخذها إلى المستشفى واحدة تلو الأخرى
في البداية سار الأمر بسلاسة
كانت الحقيبة الفارغة مثل عقله ، تمتلئ شيئًا فشيئًا
لكنه لم يستطع العثور على المنظف الذي اعتادت جدته استخدامه
بدأ الضيق ينتشر داخله تدريجيًا ، ثم في لحظة واحدة تقريبًا ، انهار بصمت
لم تستطع يده أن تسند خزانة المرآة ، فانزلق جسده الضعيف إلى الأسفل، حتى استلقى أخيرًا على أرضية الحمام
كان كطفل لا يملك القدرة على التحكم في مشاعره
فقد الدواء مفعوله ، وفرغ عقله ، وانقلب صمام المشاعر فجأة ،
وسيطرت الأعراض الجسدية على جسده
و كان هذا أمرًا يحدث كثيرًا
فمنذ لقائه بنينغ ييشياو مجددًا ، مرّ بمرحلة اكتئاب ،
ثم فترة قصيرة من الاستقرار ،
ثم عاد إلى الاكتئاب من جديد
عانى هذا التحول مرارًا ،
حتى إنه لم ينتظر وصول نوبة الهوس ، بل سقط مرة أخرى
في هاوية الاكتئاب الشديد
وبدا أن الهوس الخفيف لم يظهر منذ وقت طويل
حتى القدرة على الشعور بالسعادة عبر المرض نفسه فقدها
لم يعرف كم من الوقت بقي مستلقيًا هنا
كان عاجزًا تمامًا عن النهوض لتناول دوائه
وبدأ الليل يحل تدريجيًا، حتى غرق الحمام في الظلام
أضاءت شاشة الهاتف ثم انطفأت
جاءت بعض المكالمات ، ثم انقطعت لعدم وجود رد
مرارًا وتكرارًا ، كأنها يراعات فوق بحيرة مظلمة ، تظهر للحظة ثم تبتعد عنه
كان سو هوي منقسمًا إلى نصفين
نصف منه أراد أن ينهض ويستجمع قواه
أما النصف الآخر فكان غارقًا في الوحل، عاجزًا عن استجماع أي قدر من القوة
كل دقيقة بدت وكأنها أبطأ من المعتاد ، مؤلمة وطويلة بلا نهاية
وبدأ يعاني من الهلوسة
كل شيء في الحمام صار أكبر فأكبر ، وبدأ يحلق حوله
لم يجد خيارًا سوى إغلاق عينيه ، ثم فقد وعيه تدريجيًا وسقط في الإغماء
———————-
بدأ الثلج يتساقط مجددًا
أنهى نينغ ييشياو اجتماع آخر ،
وألقى نظرة إلى الخارج من النافذة ، فاجتاحه شعور بالقلق فجأة
تناول دواءه ، وجلس بصمت طويلًا على كرسي المكتب ،
ثم فتح في النهاية ذلك البريد الإلكتروني المجهول
كانت خمس ساعات قد مرت منذ أرسل آخر رسالة
ولم يرد سو هوي
كان نينغ ييشياو يعتقد أنه يعرفه جيدًا
فسوهوي كان من النوع الذي يحب أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في الحديث
ولأنه لم يكن متأكدًا إن كانت عاداته قد تغيرت أم أن هناك سببًا آخر ، أرسل رسالة جديدة
[ شون : بالمناسبة ، أود أن أعرف إن كنت ستقيم أي معارض جديدة لأعمالك . إذا أمكن ، أود الذهاب لرؤيتها .]
مرّت ساعة كاملة
ولم يتلقَّ أي رد
بدأ نينغ ييشياو يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي، فاتصل بكارل
: “ أين أنت الآن؟”
: “ أنا ؟ أنا في منزل والدتي ... لدينا اليوم تجمع عائلي .
ما الأمر يا شاو ؟ هل حدث شيء ؟”
توقف نينغ ييشياو للحظة ، ثم قال: “ لا شيء
أرسل لي عنوان إيدي الحالي .”
أرسل كارل العنوان بسرعة
حاول نينغ ييشياو التواصل مع السائق ، لكن الأخير كان مصابًا بالإنفلونزا ويتلقى المحاليل في المستشفى
ورغم أنه خشي أن يكون يبالغ في التفكير ، ظل يتردد طويلًا ،
ثم قرر في النهاية الاتصال برقم سو هوي الذي حفظه ،
لكن مهما أعاد الاتصال ، لم يرد الطرف الآخر
كان هذا الشعور مألوفًا جدًا
و لا يعلم كم مرة اختبره سابقاً
بدأ الذعر يتسلل إليه
ومن دون أن يفكر أكثر ، ارتدى معطفه ، وعثر على رخصة قيادته ، ثم توجّه بنفسه إلى المرآب وقاد إحدى السيارات
لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة قاد فيها سيارة
لم يعد متمرسًا ، ومع عائقاته النفسية ، كانت القيادة شاقة للغاية
وكاد يصطدم بالسيارة التي أمامه أكثر من مرة
ورغم أن الطريق لم يكن طويل ، شعر وكأنه استغرق زمنًا لا ينتهي
وعندما وصل ، كانت راحتا يديه مبللتين بالعرق البارد
وصل إلى أقدم مبنى سكني وأكثرها تهالكًا في هذا الحي
حتى مصباح الشارع عند المدخل معطل ، والظلام يلف المكان ويعيق الرؤية
شغّل نينغ ييشياو مصباح هاتفه ، وأضاء الطريق أمامه ،
ثم دخل إلى المبنى وصعد الدرج
لكنه لم يعرف في أي طابق أو شقة يقيم سو هوي
وحتى كارل لم يكن يعلم ذلك
ولأنه لم يجد حلًا آخر ، بدأ يطرق الأبواب واحدًا تلو الآخر،
بدءًا من الطابق الأول
من بين سكان الطابق الأول الثلاثة ، فتح له الباب شخص واحد فقط ، شاب وفتاة
وما إن فُتح الباب حتى شم رائحة تبغ كثيفة تنبعث من الداخل
و لم يكن موقفهما ودود ، ووجها إليه بعض الشتائم
لكن نينغ ييشياو لم يغضب — و واصل محاولة وصف هيئة سو هوي لهما ، إلا أن الثنائي بدا وكأنهما تحت تأثير المخدرات ،
ولم ينتظرا حتى ينهي حديثه حتى و صفعا الباب في وجهه بقوة
لم يكن أمامه سوى الصعود إلى الطابق التالي
بدأ من أول شقة في الطابق الثاني ، ثم التي تليها ، لكنه لم يحصل على أي نتيجة
حتى وصل إلى الطابق الثالث
وبينما كان على وشك الضغط على الجرس،
مرت امرأة في منتصف العمر في الممر وبدأت تتفحص وجهه
اغتنم نينغ ييشياو الفرصة :
“مرحبًا، هل تعرفين شابًا يدعى إيدي يعيش هنا؟
طوله تقريبًا يصل إلى هنا…” وأشار إلى نفسه :
“ نحيف جدًا ، ومن أصول صينية مثلي ، وشعره طويل قليلًا…”
وقبل أن ينهي وصفه ، قالت المرأة فورًا :
“ هل أنت السيد ليانغ وون ؟”
تجمد نينغ ييشياو في مكانه
وبدا على المرأة السرور لأنها ظنت أنها أصابت الهدف :
“أليس كذلك؟ جدة إيدي تحدثت عنك من قبل
قالت إنك طويل جدًا ووسيم
هذه أول مرة أراك فيها
أنا مالكة المبنى
ماذا هناك؟ جئت تبحث عن إيدي ؟”
لم يكن لدى نينغ ييشياو وقت للشرح :
“ نعم. هل يمكنك اصطحابي إليه؟
إنه لا يرد على اتصالاتي ، وأخشى أن يكون قد أصابه مكروه .”
وبمجرد أن سمعت المالكة ذلك، توقفت عن الثرثرة وأخذته مباشرةً إلى شقة في آخر الممر ، ثم فتحت الباب بالمفتاح الاحتياطي
: “ لماذا المكان مظلم هكذا ؟” و نادته باسمه الإنجليزي وهي تتحسس مفتاح الإضاءة
لكن الشاب الذي كان خلفها كان أسرع منها ——
وكأنه يعرف المكان جيدًا، اندفع إلى الداخل وبدأ يبحث عن سو هوي في كل زاوية
“ سو هوي؟ سو هوي؟ أين أنت ؟”
أول مكان توجه إليه كان غرفة النوم
ثم الحمام
وكما توقع تمامًا، كان سو هوي ممددًا على أرضية الحمام،
وقد غرق بالفعل في نوم عميق فاقد للوعي
مدّ نينغ ييشياو يده غريزيًا ليتأكد من تنفسه ،
ثم تفقد معصمه وملابسه باحثًا عن أي آثار دماء
ولحسن الحظ لم تكن هناك إصابات
لكن حرارته كانت مرتفعة جدًا
ومن دون أي تردد ، انحنى نينغ ييشياو وحمله بين ذراعيه ،
ثم خرج به مسرعًا
:“ مهلًا ! إلى أين أنت ذاهب ؟!”
: “ إلى المستشفى .”
ألقى نينغ ييشياو هذه الكلمات وغادر ،
حاملًا سو هوي بين ذراعيه
نزل به إلى الطابق السفلي ، ووضعه في المقعد المجاور للسائق ، ثم انطلق نحو المستشفى
وأثناء القيادة ،
كاد نينغ ييشياو ينسى طبيعة العلاقة بينهما
بدا كل شيء وكأنه عاد إلى ما كان عليه قبل ست سنوات،
وكأن الأحداث كلها تتكرر من جديد
حتى القدر بدا أخيرًا وكأنه أشفق عليهما —-
كانت جميع الإشارات خضراء ،
ولم يُجبر نينغ ييشياو على الانتظار دقيقة إضافية وسط عذابه
ولم يهدأ قلبه المعلق إلا بعدما أُدخل سو هوي إلى قسم الطوارئ النفسي ،
وأخبره الطبيب أن الأمر ليس خطير ، وأنه وصل في الوقت المناسب
———-
عند الثانية فجرًا ،
كان نينغ ييشياو يقف وحيدًا في ممر المستشفى
أراد بشدة أن يدخن أو أن يغسل يديه بالماء ، لكنه تحمّل الأمرين معًا
وبعد فترة قصيرة ، خرج الطبيب مجددًا وأخبره أن المريض لا يبدو أنه تناول الطعام جيدًا خلال الفترة الأخيرة،
وأن كمية الطعام التي كان يتناولها قليلة جدًا،
حتى إنه بدأ يعاني من سوء التغذية
ونصحه بإحضار بعض الأطعمة الخفيفة والمغذية ليأكلها بعد استيقاظه
أجاب نينغ ييشياو بالموافقة ،
وغادر المستشفى فورًا دون تردد ،
وقاد سيارته عبر الشوارع الليلية بحثًا عن متجر لا يزال مفتوح
وأخيرًا وجد متجرًا يعمل أربعًا وعشرين ساعة
و كان الزبون الوحيد فيه
تحرك نينغ ييشياو بسرعة ، واشترى البيض وسمك القد والخضروات والعديد من التوابل
وعند الدفع ، لاحظ أن أم شابة تقف خلف صندوق المحاسبة
وبجانبها سرير صغير قابل للطي ، ينام عليه طفل في نحو الثالثة من عمره
لم يقل نينغ ييشياو كلمة واحدة
وبعد أن أعادَت إليه البائعة الباقي ، أخرج ورقتين نقديتين إضافيتين ، ووضعهما مع الباقي أمامها ، ثم غادر
…..
عاد ييشياو إلى شقته الفاخرة في مانهاتن
كانت هذه الشقة الممتدة على كامل الطابق العلوي ،
والمقامة على ارتفاع يقارب خمسة آلاف قدم، أول عقار اشتراه
وفي الحقيقة ، لم يعش فيها أبداً بعد شرائها
فمعظم وقته كان يقضيه في منطقة الخليج ، ونادرًا يبقى في نيويورك
وحتى عندما كان يقيم هنا، لم يكن يستخدم سوى المكتب وغرفة النوم
أما بقية أجزاء المنزل فلم يلمسها تقريبًا
وفي هذا الظرف الاستثنائي ، استخدم نينغ ييشياو مطبخ الشقة لأول مرة
لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة طبخ فيها،
لكنه ما زال ماهرًا
نزع عظام السمك بسهولة ، وقطّعه إلى شرائح رفيعة ،
ثم سلقه داخل عصيدة كثيفة القوام
كانت ذاكرة الجسد أسرع من العقل …..
فمن دون أن ينتبه ، كان قد كسر البيض وخفقه وأضاف إليه الماء بالفعل
لكن عندما تذكر نظرات سو هوي المراوغة ( نهاية ch21 )
سكب الخليط وتخلص منه ، ثم قرر إعداد البيض المقلي بدلًا منه
عند السادسة صباحًا ، تلقى كارل — الذي قد استيقظ للتو،
اتصالًا من نينغ ييشياو
طلب منه طلبًا غريبًا
سأله إن كان لديهم في المنزل علب لحفظ الطعام
استفسر كارل من والدته ، فعثر على بعضها ، وكانت مخصصة عادةً ليحمل إخوته الصغار وجبات الغداء بها
“ ممتاز ، هذه تكفي .”
——
أخذ كارل علب الطعام النظيفة وتوجه إلى منزل نينغ ييشياو
وعندما وصل ، وجد على جزيرة المطبخ عدة أطباق صينية تبدو شهية للغاية
عصيدة بالخضار وشرائح السمك ، وروبيان بالبيض ، وخضار تشوي سينغ مسلوقة ، وسمك القد المشوي
كارل : “ أنت من أعدّ هذا ؟”
بدا على كارل الذهول
فهذه أول مرة يرى نينغ ييشياو يطبخ بنفسه ،
بل ويطبخ بهذا المستوى
كان بإمكانه بسهولة أن يفتتح مطعمًا صينيًا أسفل مبنى الشركة
ألقى نينغ ييشياو عليه نظرة، وكأنها تقول ' لا تسأل عما لا يعنيك'
كان كارل يعمل معه منذ سنوات ، والتفاهم بينهما لا ينقصه شيء ، لذا أغلق فمه فورًا
: “ سأبدأ بالتغليف إذًا "
وخلال انشغاله بتعبئة الطعام ، لم يغادر نينغ ييشياو
بل وقف إلى جانبه يراقبه ، مما وضع كارل تحت ضغط لا بأس به
فقال مازحًا :
“ لمَ لا تفعلها بنفسك إذًا؟”
كان يظن أن هذه الجملة ستزعجه
لكن على غير المتوقع ، بدأ نينغ ييشياو بالفعل بتغليف الطعام بنفسه
رتّبه بعناية شديدة ، بشكل منظم ونظيف وجميل ، أفضل بكثير مما كان كارل سيفعله
{ كما هو متوقع من شخص مهووس بالنظافة }
ييشياو : “ أرسلت لك العنوان . أوصله إلى هناك بعد قليل .”
توقف لحظة ، ثم أضاف:
“ ويُفضّل أن تراقبه حتى ينهي الطعام .”
: “ من؟” التقط كارل شيئًا ما من كلامه :
“ لا تخبرني أنه إيدي ؟”
رفع نينغ ييشياو عينيه :
“ كيف عرفت ؟”
حكّ كارل أنفه :
“ قبل قليل… اتصل بي السيد ليانغ
سألني إن كنت رأيت إيدي ، وقال إنه لا يستطيع التواصل معه"
وما إن أنهى كلامه ، حتى بدأ وجه نينغ ييشياو يزداد قتامة مجددًا
وساد الصمت
وقف كارل إلى جانبه بتوتر ، نادمًا على ذكر الأمر
وفي هذه اللحظة ، كانت أكثر قدرة خارقة يتمنى امتلاكها هي ' التراجع' وخاصة عندما يكون أمام نينغ ييشياو
لكن على غير المتوقع ، لم يغضب هذه المرة
وبعد دقيقتين ، قال ييشياو بهدوء :
“ اتصل بليانغ وون وحدد مكانًا للقاء
سلّمه هذا الطعام كله "
: “ هااه ؟” لم يفهم كارل :
“ لكن… أليس أنت…”
أنزل نينغ ييشياو عينيه قليلًا : “ إذا أخذته أنت إلى
المستشفى ، فسيعرف من أرسله .”
{ و إذا عرف…
فربما لن يرغب في تناوله }
فهم كارل أن المقصود بـ”هو” كان سو هوي
نهض نينغ ييشياو وبدا غير مبالٍ على الإطلاق ،
بل وكأنه يتحدث عن أمر لا يعنيه :
“ أعطه لليانغ وون — وأخبره ألا يذكر اسمك ،
ولا يخبره من أعدّ الطعام ،
و إذا كان ذكيًا بما يكفي ، فسيعرف ماذا يفعل .”
نظر كارل إلى علب الطعام الثقيلة بين يديه ، وشعر بانقباض في قلبه
{ إنهما شقيقان في النهاية …
فكيف وصلا إلى حالة تبدو وكأنهما عدوّان ؟ }
: “ إذًا… هل ما زال عليّ أن أراقب إيدي حتى يأكل؟”
كان نينغ ييشياو قد بدأ يصعد الدرج بالفعل :
“ لا حاجة لذلك . عد مبكرًا ، لدينا اجتماع .”
يتبع
زاوية الكاتبة 🖍️ :
نينغ ييشياو كيف انتهى بك الأمر إلى دور البطل الثانوي المأساوي بنفسك ؟
تعليقات: (0) إضافة تعليق