Ch44 xr
في زيارته الثانية لغرفة سو هوي ، تغير دور نينغ ييشياو من
متطفل مسالم في المرة السابقة إلى ضيف
إلا أن حالة سو هوي كانت أفضل بكثير هذه المرة،
كما أن القلق والتوتر اللذين شعر بهما سابقًا قد هدآ قليلًا
لكن بسبب اختلاف موقعه هذه المرة ، استطاع أن يرى بوضوح مدى جمال هذه الغرفة — وهو أمر لم يكن قادرًا على الالتفات إليه في المرة السابقة
أخرج سو هوي ألبوم صور أنيق من مكان ما وفتحه أمام نينغ ييشياو
جلسا على الأرضية الخشبية بينما قلّب سو هوي إحدى الصفحات وأشار إليها
: “ انظر ، كنت في الرابعة من عمري هنا
وهذا أبي وعمي بجانبه .”
في ذلك الوقت كان سو هوي لا يزال طفلًا صغيرًا يرتدي قبعة صفراء وبنطال جينز بحمالتين وحذاءً جلدي صغير
مال نينغ ييشياو برأسه ونظر إليه :
“ كنت تبدو كطفلة صغيرة .”
شد سو هوي شفتيه وصنع تعبيرًا متظاهرًا بالاستياء :
“ لم أكن كذلك .”
قلده نينغ ييشياو: “ لم أكن كذلك .”
: “ نينغ ييشياو أنت طفولي جدًا ….” و قلب سو هوي الصفحة التالية :
“ لن أريك المزيد .”
: “ كنت مخطئًا.”
كان نينغ ييشياو يعترف بخطئه بسرعة دائمًا —-
وعندما يتعلق الأمر بسو هوي، بدا وكأنه لا يملك أي حدود أو مبادئ يتمسك بها
عثر سو هوي على صورة أخرى واقترب منه :
“ انظر إلى هذه
كنت في العاشرة من عمري وأشارك في عرض فني مدرسي .
كنت أعزف البيانو على المسرح .
أمي هي من التقطت هذه الصورة .”
كان الجمهور كبير ، تملأ صفوفه المقاعد المرتبة بعناية
أما سو هوي فكان يجلس وحده أمام البيانو على المسرح ،
مرتديًا بدلة رسمية بذيل طويل ، بينما يسلط عليه كشاف صغير مائل ضوءه بهدوء
بدا كأمير صغير غارق في الحب والرعاية
استمر سو هوي في تقليب الصور
معظم الصور من تصوير والدته، لذا لم تكن تظهر فيها كثيرًا
تمتم لنفسه:
“ بصراحة أمي تحبني فعلًا
عندما أنجبتني كادت تموت ، وتخلت عن أشياء كثيرة بسببي
لكن حبها تشوه بسبب هذه العائلة الأبوية الخانقة
وهي أيضًا تغيرت ، بينما أنا لم أتغير ، لذا أصبح الأمر صعبًا جدًا بالنسبة لي "
كانت تلك الكلمات مؤلمة للقلب
ومن دون سبب واضح، شعر نينغ ييشياو بالضيق
في نظره ، كان ينبغي لسو هوي أن يعيش حياة خالية من الهموم بطبيعتها ،
كزهرة داخل بيت زجاجي معزول عن الألم والمعاناة والفقر ،
تحيط به أفضل الظروف وأوفر الموارد ،
مغمورًا بأشعة الشمس والحب
لكن الحب أحيانًا قادر أيضًا على خنق الناس وتشويههم
مثل كثير من الآباء ، لم يكن حبهم عالمًا صغيرًا حرًا ،
بل شبكة ، أو وعاءً زجاجي مرن ينتقل من جيل إلى جيل ويُعامل بوصفه المعيار الصحيح
لقد عامل الجد جي يانان بهذه الطريقة ، ثم عامل سو هوي بالطريقة نفسها تمامًا
وبصفته شخصًا من الخارج ، كان من الصعب على نينغ ييشياو أن يحدد ما إذا كان ذلك يُعد حبًا أم لا
فهو في النهاية لم يتلقَّ قدرًا كبيرًا من المودة العائلية أصلًا ،
لكن الشيء الذي كان متأكدًا منه هو أن سو هوي امتلك بالفعل نقطة البداية التي قد لا يبلغها كثير من الناس مهما اجتهدوا طوال حياتهم
كان يستطيع الحصول على أشياء كثيرة بسهولة ، حتى دون أن يبذل جهدًا يذكر
وفي هذه اللحظة ، شعر نينغ ييشياو بشيء من الامتنان لدافعه الشخصي نحو التقدم ولطموحه
{ فلو لم أجبر نفسذ على الوصول إلى ما أنا عليه اليوم —
لو لم أشق طريقي بصعوبة من تلك القرية النائية الصغيرة ،
مواصلًا الصعود دون توقف ،
عابرًا كل حفرة وكل عقبة ، ورأسي ينزف على طول الطريق…
لو لم افعل ذلك ، لما تقاطع مصير حياتي الموحلة أبدًا مع حياة سو هوي }
: “ بمَ تفكر شاردًا ؟” ألقى سو هوي نظرة نحو الباب ، ثم رفع ألبوم الصور ليحجب وجهيهما و قبّله قبلة خفيفة على زاوية شفتي ييشياو
ييشياو { عينا سو هوي جميلتين كلوحة زيتية معلقة في غرفته
و رموشه طويلة إلى حد بدا معه وكأنها ثقيلة —
تمامًا مثل تلك الإخفاقات في حياتي ، تثقل هذه العينين المرفوعتين قليلًا } التفت برأسه وقبّل المكافأة التي أهدتها له السماء
سو هوي : “ يبدو الأمر وكأننا على علاقة سرية…”
و اقترب راغبًا في قبلة أعمق ، لكن طَرق مفاجئ دوى على الباب
و جاء صوت الخادمة من الخارج
“ يا السيد الشاب الطعام جاهز.”
ورغم أن ذراعيه لا تزالان ملتفتين حول نينغ ييشياو
أصر سو هوي على انتزاع قبلة منه ثم أجاب بصوت مكتوم:
“ حسنًا…”
غادرا الغرفة بعد دقيقتين وسارا عبر الممر
ومن خلال النوافذ الزجاجية الممتدة في كل مكان،
كانت ألوان الغروب تنسكب فوق الأرضية العتيقة
بدا المكان كله وكأنه قطعة فنية عملاقة
كان أحد جدران غرفة الطعام عبارة عن واجهة زجاجية كاملة تطل على صف ورود ريني بلوز الذي زرعه سو هوي
تجمعت الأزهار البنفسجية المائلة إلى الزرقة بين الأوراق الخضراء الكثيفة ، ناشرة عبيرًا منعشًا ينتمي إلى الصيف
كان في نبرة جي يانان شيء من الفخر ، رغم أنها حاولت إخفاءه بكلمات متحفظة :
“ شياو هوي يعشق العبث بالأزهار والنباتات ،
كثير من الزوار الذين يأتون لأول مرة يظنون أن بستاني محترف هو من اعتنى بهذا المكان ، لكن الحقيقة أنه هو من فعل ذلك بنفسه ...”
وبينما تتحدث ، أخذت منشفة ساخنة معقمة من الخادمة وسلمتها إلى سو هوي :
“ البستاني ساعد في أجزاء كثيرة أيضًا .”
مسح سو هوي يديه بعناية :
“ هذا غير صحيح .”
ابتسمت جي يانان :
“ البستاني لا يأتي إلا من حين لآخر لإزالة الأعشاب الضارة
وتقليم الأغصان وما شابه ...” ثم شربت قليلًا من الشاي وابتسمت لنينغ ييشياو :
“ جرّب هذا أيضًا ،
الشاي لذيذ جدًا وعطره رائع
أحضرته من سيتشوان.”
: “ شكرًا لكِ يا خالة.”
: “ لا داعي للشكر. شياو هوي لم يُحضر أي صديق إلى المنزل من قبل . أنت أول شخص ...” و ضحكت وهي تضيف :
“ في كل مرة أسأله عن الجامعة لا يجيب إلا : لا بأس، لا بأس. لكن بصراحة ، كنت أظن دائمًا أن شياو هوي وحيد بعض الشيء
لأنه لا يذهب إلى الجامعة بانتظام مثل الآخرين ، ويتغيب كثيرًا…”
وعند هذه النقطة أدركت جي يانان فجأة أنها قالت أكثر مما ينبغي
فتوقفت وطلبت من الخالة تشين أن تغرف بعض الحساء لنينغ ييشياو
أما سو هوي فبدا غير مكترث على الإطلاق :
“ لا بأس يا أمي . هو يعرف بشأن مرضي .”
بدت الدهشة على وجه جي يانان، وألقت نظرة على سو هوي :
“ حقًا ؟ إذًا لا بد أن علاقتكما جيدة جدًا .”
ابتسم نينغ ييشياو :
“ لا بأس يا خالة أفهم ما تقصدينه . أنتِ تهتمين به كثيرًا .”
تنهدت جي يانان :
“ أنا مشغولة أيضًا ، لكن مع مرض شياو هوي ، كيف يمكنني ألا أهتم ؟
وجده كذلك يضع عليه توقعات عالية جدًا
فهو حفيده الوحيد في النهاية .”
كان الحساء مطهوًا على نار هادئة مع لحم الحمام وأذن البحر
ملأت الخالة تشين وعاءً للجميع ، وكان الحساء الذهبي اللامع يفوح برائحة شهية
لكن أذن البحر في الوعاء أثار لدى نينغ ييشياو نفورًا جسديًا لا إراديًا
إلا أنه لم يُظهر ذلك
و اكتفى بشرب القليل من الحساء، ثم مد عيدانه نحو الأطباق القريبة منه
شرب سو هوي بضع رشفات من الحساء ، ثم نزع اللحم عن العظم وبدأ يأكله :
“أمي، ألم تقولي إنك ستذهبين اليوم إلى منزل العم شو؟ لماذا عدتِ ؟”
أجابت جي يانان:
“استُدعي العم شو إلى اجتماع بشكل مفاجئ في منتصف الطريق
فتذكرت أنك ما زلت في المنزل ، لذا عدت أولًا
وإلا فلن تتناول طعامك جيدًا مرة أخرى ،
سيأتي بعد قليل أيضًا
لقد أرسل لي رسالة قبل قليل وقال إنه في الطريق ،
وذكر أنه رأى فطائر البيض المفضلة لديك فاشترى بعضها لك "
عبس وجه سو هوي فورًا ،
وبدأ يعبث بحبات الأرز في وعائه بعيدان الطعام
لاحظت جي يانان ضيقه ، لكنها لم تقل شيئًا
واكتفت بحماس بأن التقطت بعض الطعام بعيدانها ووضعتها في طبق نينغ ييشياو، طالبةً منه أن يأكل المزيد
: “ أوه صحيح يا شياو نينغ "
نظرت جي يانان إليه وشدت أصابعها معًا :
“ قال شياو هوي إنكما زميلان في الدراسة سابقًا
هل في نفس التخصص ؟”
أوضح نينغ ييشياو:
“أنا في تخصص علوم الحاسب، وتعرفت على سو هوي لأننا كنا في نفس النادي .”
أومأت جي يانان :
“علوم الحاسب… هذا من أفضل التخصصات في جامعة T
إذًا أنت في السنة الثانية ؟”
أجاب نينغ ييشياو : “ السنة الثالثة . أنا أكبر منه بسنة .”
جي يانان : “ إذًا أنت على وشك التخرج، أليس كذلك؟ ما هي خططك للمستقبل؟”
قاطعها سو هوي :
“ أمي لما كل هذه الأسئلة ؟”
: “ لا بأس.” ضحك نينغ ييشياو : “ أنا الآن في تدريب عملي،
وأتقدم حاليًا لبرنامج الدراسات العليا في الخارج عبر منحة CSC
وفي الوقت نفسه أجهّز لبعض أعمال الرسالة وأتعاون مع أستاذ سو هوي ، البروفيسور وانغ .”
كان سو هوي معجبًا بصدق بالطريقة المنظمة التي شرح بها نينغ ييشياو خططه المستقبلية
للإجابة عن أسئلة والدته المتواصلة ، وكأنه في مقابلة عمل
{ لو كان أنا ، لما استطعت فعل ذلك أبدًا }
كما بدت على وجه جي يانان علامات إعجاب واضحة :
“ هذا رائع جدًا ،
لكن أعتقد أن المنافسة على منح CSC في جامعة T شديدة
إن كنت أتذكر بشكل صحيح ، تبدأ الطلبات في مارس القادم
أسمح لي أن أتمنى لك التوفيق أولًا : أتمنى أن تسير الأمور بسلاسة .”
: “ شكرًا لكِ يا خالة " و أحنى نينغ ييشياو رأسه قليلًا
وضعت جي يانان بعض الطعام في وعاء سو هوي :
“ ابن عمك تشانغ من الجيران سيذهب أيضًا إلى الخارج. لست متأكدة كم مرة خضع لاختبارات التوفل أو الآيلتس،
لكن من الصعب حتى شراء شهادة تعليمية بالمال
بما أن شياو نينغ ممتاز جدًا، فعليك أن تجتهد أكثر أيضًا.”
أومأ سو هوي ونظر إلى نينغ ييشياو بابتسامة خفيفة على شفتيه
كان هذا غير متوقع حقًا
كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها نينغ ييشياو أحد والديه ، وقد أصبح بالفعل ' الابن المتميز '
وأثناء الحديث ، سُمع صوت إغلاق الباب من المدخل
و التفتت جي يانان :
“ شو تشي؟”
: “ مرحبًا.”
جاء الصوت من بعيد
اقترب رجل يحمل فطائر البيض وعلبة من المأكولات البحرية ، وكان واضح من تغليفها أنها باهظة الثمن
: “ قلتِ إن هناك ضيفًا ، فحضرت تونة وساشيمي من الكركند
تم تجهيزها مسبقًا، لذا يمكن تناولها فورًا .”
وضع شو تشي الأشياء على الطاولة ، وعندما التقت عيناه بنينغ ييشياو بدا وكأنه تفاجأ للحظة
: “ واااه كل أطعمتي المفضلة.” و ابتسمت جي يانان وهي تأمر الخدم بتقديم الطعام
ثم أخرجت فطائر البيض وقدمتها لسو هوي :
“ أسرع واشكر العم .”
أخذ سو هوي الفطائر دون حماس كبير :
“ شكرًا لك.”
نظرت جي يانان إلى شو تشي : “ تعال واجلس
لماذا شارد الذهن ؟”
ابتسم شو تشي وجلس بجانب جي يانان وقال ضاحكًا :
“ إذًا هذا هو الضيف الذي تحدثتِ عنه… صديق شياو هوي .”
وهنا فقط تذكرت جي يانان :
“ صحيح، نسيت التعريف. هذا زميل شياو هوي في الدراسة، نينغ ييشياو "
ثم نظرت إلى ييشياو :
“ وهذا زوجي شو تشي "
شعر سو هوي بشكل غامض أن شيئًا ما ليس على ما يرام
التفت نحو نينغ ييشياو، الذي كان يبدو هادئًا جدًا، بابتسامة مهذبة وكريمة بشكل مبالغ فيه
أدرك سو هوي فجأة أنه نادرًا رأى هذا النوع من الابتسامة على وجهه
حين يكون معه وحده ، كان نينغ ييشياو لطيفًا حقًا،
لكن في هذه اللحظة، كان متحفظًا تمامًا ويخفي حقيقته
رد نينغ ييشياو بصوت هادئ : “ مرحبًا يا عم شو "
أومأ شو تشي ردًا عليه ، وفي هذه اللحظة قُدِّم طبق الساشيمي الذي أحضره
وُضع على صحن بيج كبير بشكل أنيق ،
كأنه طبق فاخر في مطعم خمس نجوم ، ينتظر أن يُؤكل من قبل الأغنياء
قال شو تشي بابتسامة وهو يضع قطعة من أُوتورو في وعاء نينغ ييشياو باستخدام عيدان التقديم، وبدأ يشرح:
“ تذوقه. إنه طازج جدًا
هذا هو الجزء الأكثر لذة ونعومة من سمك التونة
لأن السمكة بالكاد تستخدم هذا الجزء من جسدها،
تتراكم الدهون فيه، مما يمنحه طعمًا رائع .”
أنزل نينغ ييشياو نظره إلى قطعة لحم التونة الوردية ،
المليئة بتعرجات الدهون البيضاء التي تذكّر ببرودة البحر ،
و عاد إليه تلك الرائحة البحرية المألوفة ، وجعلته بالكاد يحتملها
لكنّه أكلها بصمت
كأنه من طبقة عليا اعتادت الترف ، مضغها وابتلع دهونها رغم الاشمئزاز الذي كان يثيره داخله
وبعد ذلك شرب الكثير من الشاي ، لكن رائحة البحر العالقة لم تختفي
كان سو هوي حساس ودقيق لكل ما يتعلق بنينغ ييشياو ——
حتى لو لم يُظهر شيئًا ، شعر بأن هناك خطبًا ما
لذا وضع يده بخفة على ركبة نينغ ييشياو تحت الطاولة ،
ثم التفت إليه وسأله بهدوء :
“ ألا يعجبك؟”
ابتسم نينغ ييشياو فقط ولم يرد
حدّق سو هوي فيه ، ثم نظر إلى شو تشي الجالس في المقابل
لم يستطع التخلص من شعور غريب بعدم الانسجام بينهما
{ حتى لو بدا ذلك طبيعيًا بالنسبة لي ، لأنني اكره شو تشي أصلًا
لكن لماذا بدا شو تشي متفاجئًا عندما رأى نينغ ييشياو؟ }
تذكر فجأة ما قاله السائق فنغ تشيغو في المرة الأولى التي أوصله فيها
{ كان فنغ تشيغو قد أُحضر من مسقط رأسه على يد شو تشي، لذا يُعتبر من رجاله
ونينغ ييشياو من مقاطعة بيبين، وأيضاً شو تشي }
لم يعتقد سو هوي أن الأمر مجرد مصادفة كبيرة،
لكنه لم يستطع التوقف عن الشعور بأن هناك شيئًا غريبًا
سأل شو تشي جي يانان بابتسامة:
“ كيف الطعم ؟”
أومأت جي يانان مرارًا :
“ إنه جيد . كل ما تشتريه يكون رائعًا دائمًا .”
لقد أخذت بضع لقيمات فقط حينها قاطعها اتصال هاتفي،
واضطرت إلى مغادرة غرفة الطعام إلى المكتب في الطابق العلوي
وقبل أن تذهب، طلبت منهم أن يأكلوا أكثر
ساد الصمت فورًا حول طاولة الطعام
وفي النهاية ، انتقلت زمام المبادرة إلى شو تشي ،
وبدأ يوجّه الحديث نحو سو هوي ونينغ ييشياو —-
: “ بصراحة ، أنا مندهش قليلًا أنكما صديقان جيدان " ابتسم شو تشي وعيناه نصف مغمضتين :
“ شياو نينغ يبدو شخصًا يخطط لمستقبله جيدًا ،
واقعي جدًا ويسعى للتقدم
أما شياو هوي، فيبدو مختلفًا تمامًا .”
ضحك وأشار إلى اللوحات المعلقة في المنزل :
“ شياو هوي يحب هذه الأشياء، مثل اللوحات والفنون والنباتات
أحيانًا يسرح طوال اليوم في أفكاره
ما زلت أذكر أن والدته قالت لي إن شياو هوي كان لديه أفكار غريبة منذ صغره
وحتى كلامه كان مختلف عن الأطفال الآخرين .”
ثم قلد صوت سو هوي:
“ أكثر ما أتذكره بوضوح أنه قال : أعتقد أن هذا المجتمع مليء بأشخاص أحاديي البعد .
الجميع ماديون ولا يهتمون بالروحانيات ،
يعيشون كأنهم ورقة مجعدة .”
بعد أن أنهى تقليده ، ضحك شو تشي :
“ أليس هذا لطيفًا جدًا ؟”
لم يضحك سو هوي —
كان يكره أن تُعاد كلماته على لسان شو تشي، ويكره أن يحدث ذلك في مثل هذا الموقف،
ويكره أن يتصرف شو تشي وكأنه قريب منه
كل ذلك جعله غير مرتاح إلى درجة تمنعه من الجلوس بهدوء
ضحك نينغ ييشياو ضحكة خفيفة :
“ هو لطيف جدًا… لكنه أيضًا عميق جدًا "
: “ صحيح، أنت محق ...” تذوّق شو تشي الشاي وقال ضاحكًا:
“ ولهذا شعرت أن من المثير جدًا أنكما تتوافقان بهذا الشكل
شياو هوي بريء ومثالي ، ويحتقر ما يراه العالم نجاح ،
لا يحب الأشخاص الواقعيين جدًا .”
أنزل نينغ ييشياو عينيه ، والتقط الخضار من الطبق بصمت،
لكنه لم يستطع الإمساك بها مهما حاول
وقف سو هوي مقاطعًا هذا الموضوع بخشونة واضحة :
“ لقد شبعت "
ثم التفت إلى نينغ ييشياو وسأله بهدوء :
“ ساعدني في نقل النباتات إلى أصص جديدة ؟”
: “ مم.” وقف نينغ ييشياو وأومأ قليلًا
لكن بشكل غير متوقع ، كانت جي يانان قد أنهت مكالمتها أيضًا ،
وبينما تنزل الدرج رأت الاثنان يستعدان للمغادرة
: “ هل انتهيتما من الطعام بهذه السرعة؟”
وقف سو هوي في مكانه وأجاب بـ”مم”
سألت جي يانان من خلفه:
“ هل تريدان فاكهة ؟” ثم نظرت إلى الخارج :
“ لقد تأخر الوقت . ماذا لو بقي شياو نينغ في غرفة الضيوف الليلة ؟
يمكنك المغادرة صباحًا بدلًا من ذلك .”
رفض نينغ ييشياو غريزيًا :
“ لا داعي لذلك يا خالة . غدًا الاثنين ، لدي عمل .”
ابتسمت : “ لا بأس. سأرسل السائق ليأخذك غدًا صباحًا ، سيكون الأمر سريعًا ،،
ابقَ فقط في غرفة الضيوف بجانب غرفة سو هوي
هي صغيرة قليلًا لكن إذا لم تمانع ، سأطلب من أحدهم تجهيزها .”
ومع هذا ، ومع نظرة سو هوي إليه ، أصبح من المستحيل على نينغ ييشياو أن يرفض :
“ حسنًا شكرًا لكِ يا خالة .”
ضحكت جي يانان : “ لا داعي للشكر ،،
انظر كم مرة قلت شكرًا خلال زيارة واحدة فقط .”
وبعد أن حُسم القرار ، جرّ سو هوي نينغ ييشياو إلى الحديقة لإعادة زراعة النباتات
كانت الحديقة دافئة قليلًا ، مليئة بأصوات الحشرات
و النباتات هنا امتصت الكثير من ضوء الشمس ومياه المطر ،
وكانت تنبعث منها رائحة نباتية حامضة منعشة
حفر سو هوي التربة بصبر
وعندما غطت الأوراق كليهما بالكامل ، اقترب وأمسك يد نينغ ييشياو وسأله بدلال:
“ هل ستظن أنني متسخ ؟”
لقد سأل السؤال نفسه من قبل حين كان نينغ ييشياو يلمسه ، وسأله حين لعق أصابعه ، وكان يحصل دائمًا على نفس الإجابة
: “ لماذا أفعل ذلك ؟”
لكن نينغ ييشياو لم يستطع أبدًا قول الكلمات التالية
' أنت أنظف وأنقى شخص في العالم كله '
كان يستخدم كل كلمات الجمال اللافتة تلقائيًا مع سو هوي
فـ بالنسبة له، الذي لم يُنعم عليه الحظ يومًا ،
كان يشعر أنه محظوظ بلقائه بـ سو هوي
لذا وهو يمسك يدي سو هوي المتسختين،
يشعر براحة لم يشعر بها من قبل
و كأن رائحة العشب والأوراق والتربة تغطي رائحة البحر التي لا يمكن التخلص منها
أنهى سو هوي تغيير الأصص — وكأنه قطة صغيرة، استخدمه كدعامة ليمتدّد
ثم فجأة سأل:
“ ما رأيك في شو تشي؟”
فكّر نينغ ييشياو:
“ لست متأكدًا . أشعر بالحياد .”
كانت الإجابة تربك سو هوي
بدا وكأن نينغ ييشياو لا يعرف شو تشي جيدًا
“ لا يعجبني .”
قالها سو هوي بصراحة —
ضحك نينغ ييشياو:
“ أستطيع أن ألاحظ ذلك .”
اقتلع سو هوي عشبتيْن : “ لا أعتقد أنه يحب أمي حقًا، لكن أمي لا تصدق هذا ،
هو أصغر من أمي بثماني سنوات ، لذا هو أكبر منا بـ14 أو 15 سنة فقط .”
فكّر نينغ ييشياو للحظة ، وشرد ذهنه قليلًا :
“ أشعر طوال الوقت أنني رأيته من قبل ، لكن لا أستطيع تذكّر أين مهما حاولت .”
عبس سو هوي بحاجبيه :“ حقًا ؟”
: “ ربما أنا مخطئ .” عبس نينغ ييشياو بحاجبيه أيضًا
{ كانت ذكريات طفولتي ليست لطيفة ،
ربما كان عقلي قد لجأ إلى النسيان الانتقائي كآلية حماية ؟ }
وعندما غادرا الحديقة ، لاحظ نينغ ييشياو وجود حوض سمك زجاجي كبير بين الشجيرات ،
لكن بعض الزهور والأعشاب غير المألوفة له قد بدأت تنمو بداخله
لاحظ سو هوي نظرته ، لكنه لم يقل شيئًا
والدته قد طلبت منهما الاستحمام والنوم ، لذا أخذه سو هوي فقط إلى الداخل
نظر نينغ ييشياو حوله في غرفة الضيوف ثم عاد إلى غرفته للاستحمام
عند الساعة العاشرة ليلًا ، ساد الصمت في المنزل كله
استلقى نينغ ييشياو على السرير الناعم في غرفة الضيوف،
وكان من الصعب عليه أن ينام
{ هذه الغرفة التي وصفتها والدة سو هوي بأنها “صغيرة” كانت أكبر وأفضل من كل الغرف التي نمت فيها من قبل }
انتشرت رائحة الشموع العطرية في المكان
كانت رائحة زهرة لا يعرفها، لكنها أخفت رائحة سو هوي
وهذا جعله يشعر بالقلق، وكأنه يريد أن يغسل يديه أو يدخن
لكن سرعان ما سُمعت خطوات في الخارج
تسلل سو هوي من الشرفة الموصولة ودفع باب الغرفة الزجاجي
دخلت معه الرياح ، ورفعت الستائر البيضاء التي أبعدها سو هوي بيديه
كان يمشي حافيًا نحوه
و ضوء القمر جعل بشرته تبدو بيضاء كالثلج
تفاصيل ركبتيه ، وشكل كتفيه ورقبته ، ووجهه تحت الضوء… حفرها نينغ ييشياو في ذاكرته حتى أدق تفصيلة
و تسلل سو هوي بسرعة تحت البطانية الخفيفة ، وعانقه برائحته المميزة
خفّض نينغ ييشياو صوته : “ لماذا أتيت؟”
اقترب سو هوي من أذنه وهمس:
“ لأنني أشتاق إليك .”
كان صوته مرتجفًا قليلًا وتنفسه غير منتظم أيضًا،
وكأنه واقع تحت تأثير سحر
ثم قبّل أسفل أذن ييشياو
: “ وأنت؟ هل اشتقت إليّ؟”
بصراحة ، لم يكن يحتاج إلى إجابة نينغ ييشياو أصلًا ،
لذا بعد سؤاله، سحب البطانية فوق رأسيهما واقترب ليبدأ قبلة عميقة جدًا مع ييشياو ولم يتوقف إلا عندما كاد يختنق
سأله نينغ ييشياو بهدوء:
“ ألا تخاف؟”
هزّ سو هوي رأسه ، ووجهه محمر قليلًا بسبب نقص الأكسجين :
“ في أسوأ الأحوال ، عندما تغادر غدًا ، سأذهب إلى أمي وأخبرها أنك لست زميلي في المدرسة ، بل حبيبي .”
أوقفه نينغ ييشياو فورًا :
“ هذا مبكر جدًا . لننتظر قليلًا .”
ضحك سو هوي وفرك أنفه بأنف نينغ ييشياو :
“ هل أنت خائف؟”
أراد نينغ ييشياو أن يقول لا، لكنه في الحقيقة كان خائفًا بشدة من فقدان سو هوي
امتلاكه له كان أشبه بحلم جميل أكثر من اللازم
بل كان متأكدًا أنه سواء في العشرين سنة الماضية أو العشرين القادمة ، لن يرى حلمًا بهذا الجمال مرة أخرى
نينغ ييشياو : “ لا أعرف "
شعر سو هوي مباشرةً بالمشاعر السلبية في داخله، فاحتضنه بقوة :
“ سأوافق على أي قرار تريده .”
بقيا وقتًا طويلًا دون كلام ، لا شيء سوى الصمت أو قبلات خافتة
نظر سو هوي إلى عيني نينغ ييشياو المذهلتين،
وتذكر كيف كان ينظر إلى حوض السمك قبل ساعات
وقال بهدوء:
“ رأيت حوض السمك في الحديقة قبل قليل، أليس كذلك؟”
أجاب نينغ ييشياو وهو يحدق فيه بلطف : “ مم.”
: “ في الماضي، أعطاني أحد الأعمام سمكة زينة باهظة الثمن ليكسب رضا أمي
أعتقد أنها كانت تُسمى سمكة الفراشة المعدنية ...”
و وصفها سو هوي من ذاكرته:
“ كانت واحدة فقط ، وغالية جدًا
صغيرة جدًا، وقشورها تبدو كالمعدن
وذيلها وأطراف زعانفها صفراء ليمونية، لافتة جدًا
أحببتها كثيرًا
أول شيء كنت أفعله بعد العودة من المدرسة هو الذهاب لرؤيتها ...”
خفت لمعان نظرة سو هوي :
“ لم أعرف لاحقًا أن هذا النوع من السمك يحتاج للعيش في مجموعات ، ولا يتحمل الحياة في الأسر
يحتاج إلى البحر ، وإلى الكثير من أبناء نوعه ،
وليس إلى حوض صغير وزينة مزيفة تحاكي قاع البحر .”
نينغ ييشياو : “ ماذا حدث بعد ذلك؟”
قال سو هوي بهدوء وهو يرمش : “ ماتت ،،، عاشت شهرًا واحدًا فقط أليس أمرًا مؤسفًا ؟
وُضعت في المكان الخطأ ، ونظر إليها البشر بطريقة خاطئة ،
وحتى قبل موتها لم تستطع العودة للبحر مرة أخرى .”
كان نينغ ييشياو يعلم أن سو هوي لم يكن يتحدث عن سمكة الفراشة الجميلة تلك ، بل عنه
لذا قبّل بعناية عيني سو هوي المبللتين ، وقال له:
“ هل تعرف ؟ أنا لا أوافق ما قاله شو تشي اليوم .”
رفع سو هوي نظراته إلى نينغ ييشياو
كان صوت نينغ ييشياو منخفضًا وهو يقول بهدوء:
“ بصراحة ، أنت لم تكن مخطئًا . أنا أكره المأكولات البحرية ، لأنني كنت دائمًا أشعر وكأن رائحة البحر تخرج من عظامي ، مثل تلك الأسماك .”
عبس سو هوي بحاجبيه ، واقترب إلى عنق ييشياو وهمس برفض خافت :
“ أنت رائحتك جميلة جدًا "
ضحك نينغ ييشياو :
“ ربما هو أمر نفسي فقط ،،
مهما ابتعدت أو مشيت، أشعر وكأنني لا أستطيع التخلص من تلك الرائحة
ألم أقل هذا من قبل ؟
الناس من مكاني كانوا يعتمدون على البحر وصيد السمك للعيش
لكننا عمليًا لم نكن نستطيع صيد أسماك مثل التونة التي أكلناها اليوم
و في وقت ما، كانت أمي تساعد في مراقبة أحد أكشاك السمك ، وكانت تأخذني معها
ذات مرة عاد صاحب الكشك من البحر وقال إنهم كانوا محظوظين وصادفوا صيد سمكة تونة .
في ذلك الوقت أردت بشدة أن أرى سمكة يمكن أن تُباع بهذا السعر المرتفع ، لكنني لم أستطع
لكنني سمعت الصياد يتحدث مع أمي قليلًا ، وعرفت أن سمكة التونة مختلفة عن باقي الأسماك .
خياشيمها تعرضت لتطور معكوس شديد ، ولا تستطيع فتح فمها أو إغلاقه ، لذا لا تحصل على الأكسجين إلا بطريقة واحدة .”
نظر سو هوي إليه وهمس وهو يلامس ذقنه:
“ بأي طريقة ؟”
نينغ ييشياو:
“ بالسباحة دون توقف ولو لثانية واحدة .
فقط بهذه الطريقة يمكنهم أن يضمنوا أن الماء الجديد يمر فوق خياشيمهم باستمرار ، فيحصلون على الأكسجين .
لذا هم متعبون جدًا ، منذ ولادتهم لا يستطيعون التوقف.
عليهم أن يواصلوا السباحة ، السباحة ، للحصول على الأكسجين الذي يحصل عليه الآخرون بسهولة
وفي اللحظة التي يتوقفون فيها ، يموتون اختناقًا .”
احمرّ أنف سو هوي فجأة
لقد فهم ما يريد نينغ ييشياو قوله
لكن نينغ ييشياو احتضنه وقبّل جبينه بلطف :
“ هذا ما أعنيه عندما أقول إنني لا أتفق مع ما قاله على طاولة الطعام
ظاهريًا نحن مختلفان تمامًا ، ويمكنك حتى القول إننا نقيضان ،،
لكن من زاوية أخرى يا سو هوي ، نحن من النوع نفسه ... وُلدنا في بيئات خاطئة ،
ونرفض أن نُستوعب أو نتشوّه تحت الضغط . لذا نحن نعيش متألمين .”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق