Ch71 Iien
لم يسبق للقائد باي ، الذي قضى نصف حياته في المعارك ،
أن يمر بمثل هذا الموقف المخزي
التفت في الحال وأشار بيده إلى مرؤوسيه ، آمراً إياهم بعدم الدخول والانتظار في الخارج
ضغط غو يونتشي على زر التوقيت : " ابدأ "
أمسك وين ران بالقطع على الفور وبدأ في تجميع البندقية
لم تكن حركاته ماهرة للغاية ، لكنها اتسمت بنظام شديد
دفع مخزن الذخيرة داخل المقبض محدثاً صوت طقطقة ،
ليعلن غو يونتشي نتيجة التوقيت : " دقيقتان وثلاث عشرة ثانية "
لمس وين ران البندقية ، ووضع تقييماً لنفسه :
" تحسنتُ قليلاً "
نظر غو يونتشي مجدداً نحو باب غواية المرضى : " القائد باي "
" نعم "
ما إن سقطت الكلمة ،
حتى رأى باي يان جسد الأوميغا يتصلب
التفت وين ران فجأة ، وفتح فمه قليلاً وهو ينظر إليه ،
ثم نزل فوراً من السرير ،
وانتعَل خفه ، ثم تراجع إلى جانب سرير المرافق
البندقية لا تزال محشورة في يده بإحكام بعد أن نسي وضعها ،
فبدا كأنه حارس شخصي صغير يعاقَب بالوقوف ،
ورغم ذلك كان يرتدي بيجامة النوم
عندما حدق باي يان في وجه الأوميغا بوضوح ، أصابته دهشة
انتابه شعور غريب لا يمكن وصفه بالتشابه مع شخص يعرفه ، لكنه ومض واختفى بسرعة
ومع ذلك ، لم يكن من المناسب الاستمرار في التحديق
بالآخرين ، لا سيما أن الأوميغا يبدو متوتراً للغاية .
و بناءً على ذلك ، سأل باي يان غو يونتشي :
" ألن تقدمه لي ؟ "
قال غو يونتشي وهو ينظر إلى وين ران : " لي شو "
كان وين ران مشدوداً لدرجة أنه شارف على أداء التحية العسكرية ،
واستقام ظهره تماماً ، وقال : " مرحباً سيادة القائد "
: " مرحباً بك
الوقت متأخر هكذا ، لم أزعجكما ، أليس كذلك ؟ "
مشى باي يان مقترباً ، وسحب مقعداً ، وجلس أمام سرير يونتشي
: " لا ، لا ، أبداً ! " تذكر أخيراً ضرورة وضع البندقية جانباً ،
وذهب وين ران ليصب كوباً من الماء الساخن وقدمه إلى باي يان : " تفضل بشرب الماء ،
وأنا يصادف رغبتي في الخروج في جولة الآن ، تفرغا للحديث براحتكما "
بعد إنهاء كلامه ، اختفى بسرعة البرق
سأل باي يان : " إلى أين يذهب وهو يرتدي بيجامة النوم ؟ "
تحدث غو يونتشي بملامح خالية من التعبير : " إلى غرفة وي شينغ "
فكر باي يان للحظات ، ثم قال : " هذا الشاب يبدو مألوفاً بعض الشيء "
غو يونتشي : " الشخص الذي خُطبتُ له في المدرسة الثانوية هو نفسه "
من المفترض أنك رأيت صورته "
هذه المرة ، تملك الذهول باي يان حقاً
ربطته صداقة قديمة بغو تشنغ ، وبالتأكيد تناهى إلى مسامعه أمر الخطوبة
في ليلة حفل الخطوبة ، عجز عن الحضور نظراً لانشغاله بالشؤون العسكرية ، وفي وقت لاحق أرسل إليه أحدهم صورة ،
لم تكن ملتقطة بوضوح كبير ، وبدا وجه الأوميغا صغيراً ومشوشاً بعض الشيء
{ ربما مثل هذا مصدر شعور الألفة ،
لكن … لقد سمع يقيناً بموت ذلك الأوميغا في انفجار }
" ألم يكن ... " أمسك باي يان بكوب الماء ممتلئاً بعدم التصديق
: " لقد نجا "
كلمتان بسيطتان للغاية ، جعلتا حتى باي يان ، الذي خاض
المعارك لسنوات طويلة ، يرى الأمر خارقاً للعادة ...
" إذن ... إذن كيف تسير الأمور الآن ، بينكما أنتما الاثنين ؟ "
استند غو يونتشي على الوسادة ،
وجاءت نبرته متمهلة : " تمت خطبتنا بالفعل ، كيف يمكن للأمور أن تسير إذن ،
بالطبع نتحرك نحو المرحلة التالية "
باي يان : " تقصد ... الزواج؟ "
{ بدت كلمات يونتشي وكأنه مجبور و بلا حيلة ،
لكن أنا اعلم أن عهذا القائد غو إذا أُجبر حقاً على شيء ،
فلن تظهر عليه قلة الحيلة بل سيقلب الطاولة فحسب }
في هذه اللحظة ، تبخرت من عقله قائمة خيارات الشريك المنتقاة بعناية من بين الآلاف لغو يونتشي الشاب المناسب
للزواج ، و سأل باي يان : " الزواج ؟
هل يعلم غو بيفين بالأمر ، وهل يوافق ؟ "
: " هذا الأمر يتطلب فقط التفكير في موافقة لي شو من عدمها ،
إذا وافق سنتزوج ، وإذا لم يوافق سنتزوج في وقت لاحق "
و المعنى أن آراء الآخرين كلها تذهب إلى الجحيم
ساور باي يان الشك في أنه حتى لو علم غو بيفين بالأمر
و وقف على الكرسي يهدد بالمشنقة ،
فلن يتكرم غو يونتشي بنظرة إضافية إليه
عندما وصل الحديث إلى هذا الحد ،
اكتسب كوب الشاي الذي صبه وين ران وزناً فجأة في يده
عدّل باي يان جلسته مستنداً بظهره : " هل هذا يعني أنك تريدني أن أكون الشاهد في حفل زفافك؟ "
أجاب غو يونتشي بنزاهة صارمة : " نظراً لعدد كبار السن المعنيين بالأمر ، لذت عليّ أن أناقش الأمر معه أولاً
وبعد ذلك سنبلغك لتقوم بالمقابلة الشخصية "
: " إذاً ذلك التقرير للنقد الذاتي المكتوب بخط اليد المكون من خمسة آلاف كلمة بسبب غيابك عن اجتماع ما بعد الحرب ،
تتقلص مهلة تسليمه بنصف شهر إضافي "
و بعدما أنهى باي يان كلامه ،
وجه حديثه للجندي عند الباب : " اذهب إلى غرفة وي شينغ واستدعِ شياو لي،
أعني الشاب الذي ركض إلى الخارج قبل قليل مرتدياً بيجامة النوم "
و في أقل من عشرين ثانية ،
عاد وين ران راكضاً ،
وتحولت خطواته خارج الباب إلى مشية رصينة ، ثم دخل
رتب ياقة بيجامته لتصبح مرتبة تماماً ،
و وضع يديه متشابكتين أمام جسده ، مظهراً هيئة حذرة للغاية : " القائد باي هل تبحث عني ؟ "
: " لا تكن متوتراً، أنا لست متكبراً مثل جد يونتشي"
من أجل الفوز بمنصب الشاهد على الزواج ،
لجأ باي يان إلى تشويه سمعة منافسه بلا أدنى تردد
و شرب كمية من الشاي ، وكلما حدق في وين ران وجده
مريحاً للعين أكثر ، فسأله مبتسماً : " أين تعمل ؟ "
ذكر وين ران اسم الشركة ،
وأضاف : " إنها شركة للنقل الجوي ، وأنا مسؤول بشكل رئيسي عن تصميم الطائرات "
: " أوه ، إذن للأمر علاقة بالتخصص الفني لسلاح الجوي الخاص بنا " شرب باي يان كمية أخرى : " جيد ، جيد ، جيد"
تبادلا بضع كلمات كحديث عائلي عادي
لم يتوقف القائد باي ، الذي لم يشعر بالعطش أصلاً ،
إلا بعدما أنهى الكوب الذي صبه له وين ران تماماً
وقف قائلاً : " إذن لن أزعجكما ، خذا قسطاً جيداً من الراحة ،
سمعتُ أنكما تستعدان للعودة إلى العاصمة غداً ؟
ساعدني في نقل التحيات إلى العجوز غو "
ربت على كتف وين ران ، فتصلب وين ران في الحال
تابع باي يان : " في المرة القادمة اجعل يونتشي يتقدم بطلب للحصول على بندقية قنص لتقوم بتفكيكها حسناً ؟ "
غمرت وين ران سعادة غير متوقعة ،
فبذل جهداً لكبحها حتى لا تفيض على ملامحه :
" شكراً سيادة القائد ! "
قبل مغادرة الجناح ، التفت باي يان إلى الوراء ليلقي نظرة أخيرة على وين ران
{ أنا .. متأكد من أنني لا أعرف أحد يشبه وين ران
وبصرف النظر عن تلك الصورة غير الواضحة التي رأيتها ،
فإن هذا الشعور الغامض بالألِفة ربما على الأرجح ناجم عن تشابه في الروح ؟
ومع ذلك ، غالباً يكون مثل هذه التشابه هو الأصعب في تحديد مصدره }
تذكر أيضاً أنه نسي الاطمئنان على إصابة غو يونتشي ،
لكن لم يجد مبرراً للعودة بعد الذهاب
و سأل مرؤوسه : " أين يقع المرحاض ؟ "
داخل الجناح ،
استمر وين ران في الوقوف رافعاً رأسه وصدره البارز
شعر أنه نتيجة لكثرة تواصله مع العسكريين خلال هذه
الفترة ، بدا وكأنه اكتسب بعض الملامح الجليلة والصارمة
التصق إصبعا الوسطى ليديه بخط خياطة بنطال البيجامة تماماً ، محافظا وين ران على الوضعية العسكرية ،
فسأل : " هل أشبه الجندي ؟ "
غو يونتشي : " تشبه … تشبه شخصاً أصاب عقله مرض "
———————
في صباح اليوم التالي ،
عاد وين ران إلى المنزل لتوضيب الأمتعة ،
وبينما قام بالتوضيب اتصل بهاتف تشو جو
تشو جو : " أنت بارع حقاً ، مر نصف شهر حتى تذكرتَ البحث عني ، أليس كذلك ؟
كم مرة أرسلتُ إليك رسائل ، فهل رددتَ عليها ؟ "
لم يتعدَ الأمر سوى سؤال عن طبيعة علاقته بغو يونتشي في
نهاية المطاف ، فقال وين ران : " لقد رددتُ عليها "
: " ردك علي بعبارة ' لا تعليق ' يُعد رداً ؟ ! "
: " إذن هل ذهبت إلى بلو غلاس لشحن بطاقة الرصيد ؟ "
: " أشحن ماذا !
لا تظن أنني لا أتابع الأخبار ، غو يونتشي حفيد غو بيفين !
مجموعة بايتشينغ ! الرجل الأغنى !
كيف تجرؤ على مطالبتي بتلك الخمسمئة يوان للبطاقة
كل يوم ! "
وين ران { يبدو أن بطاقة الشحن باتت بعيدة المنال في هذه الحياة ،
ومصادفة رئيس عمل بخيل تُعد تعاسة ترافق المرء طوال عمره }
: " لا بأس ، ربما تفلس في يوم من الأيام عاجلاً أم آجلاً "
و دون انتظار أن يصاب تشو جو بالجنون ، انخفض صوت
وين ران : " سأعود اليوم إلى العاصمة ، وفي المستقبل ...
لن أضطر لمضايقتك مجدداً لمساعدتي في البحث عن أخبار أمي "
عَرف تشو جو النتيجة بمجرد سماع نبرته ، فصمت للحظة :
" أأخبرك غو يونتشي؟ "
: " نعم " فرك وين ران عينيه : " أريد العودة لزيارة قبرها
وتقديم الاحترام "
: " كل شيء له نهاية في النهاية ،
هذا أفضل من استمرارك في البحث سنة تلو أخرى دون توقف " و غير تشو جو نبرته إلى نبرة خفيفة : " إذن عد لزيارتها ،
وإذا حدث أي شيء اتصل بي على الفور ، ليس لدي معارف في العاصمة ،
فلتطمئن "
" ..... "
بعد إنهاء المكالمة الهاتفية ،
توجه وين ران إلى رأس السرير ،
واستلقى على الأرض ،
مَد يده أسفل السرير ، ليتلمس صندوقاً خشبياً صغيراً مثبتاً في الجانب الخلفي من ألواح السرير ،
ضغط على مفتاح القفل ، مخرجاً الأشياء الموجودة في الداخل
في الصندوق: دفتر توفير / مستندات / وهويات ،
بالإضافة إلى غرض صغير ملفوف بقطعة من قماش
رتب وين ران الأشياء معاً ،
مستندًا بإحدى يديه على السرير مستعداً للنهوض ،
وفي لحظة رفع رأسه ، شعر كأن مؤخرة رأسه تلقت ضربة بهراوة ثقيلة ،
دخلت أذناه فجأة في حالة صمت تام بعد دوي شديد ،
وتبع ذلك دوار ، وتباطأت الرؤية ، لتتحول في النهاية إلى ظلام دامس —
شعر أن رأسه يزن آلاف الأرطال ،
وسقط جسد وين ران بالكامل إلى الأمام ، ليتكئ رأسه ببطء على حافة السرير
مضت سبع أو ثماني ثوانٍ حتى عاد إليه بصره تدريجياً ،
فرمش وين ران بعينيه ، ونهض ببطء شديد ،
{ يبدو أن السبب بسبب الاستلقاء بمستوى منخفض للغاية والنهوض بسرعة زائدة ،
مما أدى إلى نقص إمداد الدم إلى الدماغ }
بعد الانتهاء من ترتيب الأمتعة ،
نزع وين ران جميع القوابس الكهربائية باستثناء الثلاجة ،
وغادر المنزل حاملاً حقيبة الظهر
عند الوصول إلى المطار العسكري ،
سلم وين ران بطاقة الهوية وجواز السفر إلى غو يونتشي ليأخذهما معاً من أجل الفحص والتسجيل ،
لم يمضِ سوى وقت قصير حتى أحضر غو يونتشي عدة نسخ من اتفاقية السرية واستمارات المعلومات ليوقع عليها ،
لم ينتبه وين ران على الإطلاق إلى عبارة ' أفراد الأسرة المرافقون' الموجودة في الوثيقة ، فوقع بخط يده العشوائي القبيح ،
واستمر في التحديق يميناً ويساراً معجباً بالمطار
صعد الاثنان على متن طائرة ركاب عسكرية صغيرة ،
تلقى غو يونتشي حزمة من البيانات أرسلها إليه مرؤوسه قبل الصعود إلى الطائرة ،
وبعد الإقلاع ، نظر وين ران إلى خارج النافذة لبعض الوقت ،
ثم التفت فجأة وسأل يونتشي : " هل تملك ورقاً وقلماً ؟
لدي شيء أود كتابته "
و دون أن يسأل عما يريد كتابته ،
أخرج غو يونتشي ورقة ، وقدمها إليه برفقة قلمه الخاص
أنزل وين ران الطاولة الصغيرة ، مستعيناً بالضوء الساطع القادم من النافذة ، واحنى رأسه وبدأ يخط الكلمات لمسة تلو أخرى
تمثلت الكتابة في بضع فقرات قصيرة للغاية ،
لكن وين ران كتبها بدقة وعناية طوال عشرين دقيقة ،
وبعد الانتهاء من الكتابة راجعها بجدية لعدة مرات ،
وبعدها أغلق غطاء القلم وأعاده إلى يونتشي ،
ثم طوى الورقة بحذر ووضعها في حقيبة الظهر
ارتفعت الطائرة في أعالي السماء ،
المنظر في الخارج عبارة عن مساحة شاسعة من السحب البيضاء ،
شرد وين ران للحظة ثم غمرته موجة من النعاس
فاستلقى في مقعده وأغلق عينيه لينام
وبينما على وشك أن يغفو ، شعر بأن الضوء خفت
و بدا أن ستارة النافذة قد انخفضت ،
وحل محلها مصباح قراءة أصفر داكن
و بعد لحظات وُضعت بطانية ناعمة برفق فوقه
فغرق في نوم أعمق وأكثر راحة
عندما استقر هذا الرأس كثيف الشعر دون وعي على كتفه ،
أبعد غو يونتشي نظره عن الوثائق ، والتفت لينظر
وسط الضوضاء البيضاء الرتيبة ، نام وين ران بهدوء ودون أي دفاع ،
وانسدلت رموشه الطويلة ، تماماً مثل هيئة نومه بجانبه في ليالي الأيام الماضية
أطال غو يونتشي النظر إليه واضعاً عينيه لأسفل ،
ومَد يده التي تمسك بقلم التوقيع ، ورسم بضع خطوط على أحد جانبي معصم وين ران الأبيض
بدا الموقف مثل ذلك العام في المدرسة الثانوية عند الطيران من العاصمة إلى مدينة S للمشاركة في المعسكر الصيفي ،
حيث نام وين ران ثم استيقظ واستيقظ ثم نام ،
وجاء الهبوط في فترة بعد الظهر ،
فتح غو يونتشي حاجب الشمس ، فنظر وين ران إلى الخارج ،
شعر بالحيرة كأنه في حلم أو غير حلم ،
إذ غادر هذا المكان منذ سبع سنوات
بعد النزول من الطائرة ،
تناولا وجبة الغداء في مطعم المطار لتعويض ما فاتهما ،
ثم استقلا السيارة
خلال الطريق ، نظر وين ران إلى خارج النافذة ،
فالعاصمة لا تزال على حالها القديم ،
تمثل في الأصل مدينة متطورة من الطراز الأول ،
لذا لن تشهد تغييرات تقلب رأس عاصمتها على عقب
شعر بالتعب قليلاً من النظر ، ففرك وين ران عينيه ،
وعندئذٍ فقط اكتشف الرسم الموجود على معصمه : شكل بيضاوي مسطح ، وبداخله نقطتان
رفع يده وسأل يونتشي : " ما هذا الشيء ؟ "
رد غو يونتشي على الرسائل في جهاز الاتصال العسكري ،
و ألقى نظرة خاطفة على يده : " متى رسمتَ هذا الوشم "
: " من يوشم نفسه شكل أنف خنزير ؟ "
: " أليس أنت ؟ "
وين ران شك في أن وجهه تعرض للرسم أيضاً ،
فاقترب على الفور نحو جانب غو يونتشي ،
وامتد إلى المكان الواقع بين مقعد السائق ومقعد المرافق ليرى في مرآة الرؤية الخلفية ، واطمأن قلبه بعد النظر
حافظ الجندي الذي يقود السيارة على نظره إلى الأمام دون انحراف ، شاداً على شفتيه بإحكام
استند وين ران مجدداً على ظهر الكرسي ،
التفت يحدق في الجانب الجانبي لوجه غو يونتشي ،
ثم نظر إلى أنف الخنزير على يده ، وفي نهاية المطاف لم يقم بمسحه
———
توقفت السيارة في منتصف الطريق أمام باب متجر للزهور ،
فذهب وين ران ليشتري باقة من زهور القرنفل ذات اللون الوردي الفاتح ،
وتوجه إلى متجر البقالة المجاور ليشتري ولاعة ،
ومن ثم استقل السيارة مرة أخرى
سارت السيارة طوال الطريق نحو خارج شمال المدينة ،
واستغرقت الرحلة ما يقرب من ساعة ونصف ،
تسللت أشعة الشمس من نافذة السيارة ، باعثة الدفء والراحة ،
نظر وين ران دون أن يرمش بعينيه إلى المناظر الطبيعية على طول الطريق ، حتى الوصول إلى نطاق المنطقة السياحية للجبال والغابات ،
استقام في جلسته ، وانقبضت يداه المخفيتان في جيوبه دون وعي
توقفت السيارة عند وصولهم لمنتصف الجبل ،
خرج غو يونتشي حاملاً حقيبة ظهر وين ران ،
فهبت الرياح بشدة وبدت باردة ، فرفع قبعة المعطف الكبيرة ووضعها فوق رأس وين ران ،
شعر وين ران أن معظم وجهه تعرض للتغطية ،
وإذا نظر المرء إلى ظله على الأرض ، بدا كأنه شجرة صنوبر مدببة
مشى شخص وشجرة عبر طريق من الحصى الصغير ،
وطئت الأقدام العشب ، ونزلا المنحدر ، ومشيَا لبضع دقائق ،
ليصلَا إلى منطقة واسعة للغاية
لمح وين ران تلك المقبرة المفتوحة في الأفق ،
حيث شواهد القبور ذات الأشكال المختلفة تحت أشعة الشمس في وقت الغسق
وين ران : " سأذهب بمفردي "
فتح غو يونتشي حقيبة الظهر ، وأخرج وين ران منها حزمة من الأوراق
غو يونتشي : " الصف الثاني ، القبر الثالث من جهة اليمين "
أومأ وين ران برأسه ، ومشى بمفرده نحو المقبرة محتضناً الزهور
لم يحمل شاهد القبر أي صورة ،
واقتصر على اسم لي تشينغوان ،
أصدرت الغابة البعيدة صوتاً حفيفاً ،
فركز وين ران نظره على شاهد القبر ،
وجثا على ركبتيه فوق العشب ، ونزع القبعة ،
وضع زهور القرنفل بلطف أمام القبر ،
ووضع تلك الأوراق المصورة التي بدأت تهتز بشدة بفعل الرياح
تزاحمت في الأصل كلمات كثيرة رغب في قولها ،
لكن عند الوصول إلى هذه اللحظة ، بدا عاجزاً عن فتح فمه لقول أي شيء
لمس وين ران الشاهد البارد بيده ، وقال بصوت منخفض :
" أمي ..
لقد ... لقد صوّرت بعض الشهادات ، لأريكِ إياها ...
وكتبت رسالة أيضاً "
لم يتحدث مع لي تشينغوان بهذه الطريقة الرسمية من قبل ،
فتعثرت الكلمات بنبرة غريبة ومرتجفة ،
جلس جاثياً على ركبتيه بين الجبال الشاسعة ،
فبدا ضئيلاً كأنه بذرة صغيرة
: " لقد حلمتُ ذات مرة ، وحلمتُ أنني مشيتُ طريقاً طويلاً لأجدك ،
وتعرفتِ عليّ بمجرد نظرة واحدة ، وركضتِ نحوي لتمسكي بي وتعانقيني
واليوم أيضاً استقللتُ السيارة لوقت طويل لأأتي إلى هنا ،
لكنني لا أستطيع الحديث معكِ إلا عبر شاهد القبر
قال غو يونتشي إنهم لم يعثروا على جثمانكِ ، وأعتقد ،
بعد إقامة شاهد القبر هنا ، هل يمكن أن يصبح لكِ موطأ قدم للاستقرار فيه ؟ "
التفت وين ران برأسه ،
وبدا العشب في بداية الخريف ذا لون أصفر ذابل ،
وتنعكس عليه أشعة الشمس ، فبدا موحشاً ومحزناً ،
لمح وسط دموع عينيه الغزيرة غو يونتشي وهو يقف في الأفق ،
ولا تزال حقيبة ظهره الصفراء القديمة معلقة على كتفه الأيسر
" أمي ، لقد فكرتُ في الأمر ، منذ سبع سنوات لابد أن غو يونتشي وجدني مثيراً للشفقة وبغيضاً في آن واحد ،
كان تعامله الجيد معي حقيقي بالكامل ،
لأنه يتصف بفم سيئ بعض الشيء فحسب ،
لكن النتيجة اللاحقة جاءت حقيقية أيضاً
إن جعل غو يونتشي يقع في حب شخص ما ، يمثل بالفعل أمراً في غاية الصعوبة "
{ تلك الأوقات التي قضيتها برفقة غو يونتشي أشبه بنجم
الصباح الذي يضيء في ظلام طفولتي وشبابي
ومع ذلك ، فقد كنت محبوس في صندوق زجاجي متين
حاولت ذات مرة البحث عن المفتاح ،
ولكن عبارة ' لن أتزوجك أبداً ' بالإضافة إلى إخفاء غو يونتشي لقرار دخوله الكلية العسكرية جعلني أدرك
أنني لن اتمكن أبداً من الحصول على هذا المفتاح
لقد أهداني غو يونتشي نجمة ثمينة ،
لكنه لم يعطيني المفتاح ،
ولم يكن بوسعي سوى التحديق إليه عبر الزجاج }
" في بعض الأحيان ألوم نفسي ،
فبالرغم من قبول الواقع قبل الموت في ذلك الوقت ،
وبذل الجهد للبقاء على قيد الحياة ، والعيش بشكل جيد لوقت طويل ،
فلماذا بدأت في التردد بعد ظهوره ؟
ربما يمثل هذا الأمر أمراً لا حيلة لي أمامه على الإطلاق ..
لا توجد إجابة بيني وبينه بعد ،
لكنني أعتقد أنني سأجد الشجاعة لأسأله لأنني لست الشخص الذي كنت عليه قبل سبع سنوات ."
مسح وين ران دموعه ،
ثم أشعل الأوراق المصورة والرسالة مستخدماً الولاعة ،
وانحنى على الأرض ساجداً ثلاث مرات نحو شاهد القبر ،
ثم وقف ، وأعاد وضع القبعة ، ومشى نحو غو يونتشي
أخذ حقيبته ليعلقها على ظهره ، واستعد وين ران للمغادرة ،
لكن غو يونتشي قال : " أعطني الولاعة "
ودون فهم واضح للمقصود سلم الولاعة إلى غو يونتشي ،
و نظر وين ران إليه وهو يتوجه نحو شاهد قبر لي تشينغوان
: " لقد جئتُ متأخراً بعض الشيء هذا العام ، من أجل إحضاره معي " و جثا غو يونتشي أمام القبر بطريقة مألوفة ،
وأخرج ورقة مطوية من الجيب الداخلي للمعطف ،
وأشعلها : " هذه هي استمارة الزواج من الجيش
لم أعطيه بعد الجزء الذي يجب على الأوميغا ملؤه
هذا هو الجزء الخاص بي
أردت أن أريك إياه أولاً "
جاءت الكلمات موجزة ، ولم يقل أي شيء آخر باستثناء ذلك ، و نهض غو يونتشي ، وانحنى لشاهد القبر
ومشى عائداً في مواجهة الرياح ، ولا يزال وين ران يشهق قليلاً ، اهتز كتفه وطرف قبعته ، كأنه شجرة صنوبر صغيرة تحركها الرياح
: " لنذهب " سحب غو يونتشي حافة قبعة وين ران قليلاً
عبرت أسراب من الطيور عبر الوادي عائدة إلى الغابة ،
فتردد صدى تغريدها كأنه غناء ، و غابت الشمس وراء الجبل ،
لم يتبقَ سوى طبقة خفيفة من الشفق ،
تسقط فوق جسد هذين الشخصين اللذين يمشيان جنباً إلى جنب تحت السماء الشاسعة
سأل وين ران بنبرة تحمل أثر البكاء :
" ماذا أحرقت لأمي لتراه ؟ "
: " رسالة شكوى "
: " أتقول عني كلاماً سيئاً ؟ ! "
استنشق وين ران الهواء بقوة شديدة نظراً لدهشته ،
و أصيب بالذهول لبضع ثوانٍ ،
ثم واسي نفسه قائلاً : " لا بأس ، فلن تصدق أمي ذلك "
مشى بضع خطوات أخرى ، ولم يطق صبراً دون أن يسأل في النهاية : " ماذا كتبت بالضبط؟ هل هناك خطب ما بي؟"
غو يونتشي : " لا شيء "
شعر أنه يراوغه ،
ففكر وين ران قليلاً ، ورد الهجوم قائلاً : " في الحقيقة أنا أيضاً كتبتُ رسالة لأمي ، وكتبتُ فيها كلاماً سيئاً عنك "
: " أوه .." التفت غو يونتشي برأسه لينظر إلى أرنبة أنفه
المحمرة البارزة خارج القبعة ، و قال : " كما تشاء "
{ فبعد كل شيء — رأيت محتوى الرسالة على أي حال }
عند كتابة الرسالة على متن الطائرة ،
ظن وين ران أنه يتصرف بحذر في محاولاته لإخفائها
ومع ذلك ، كانت للكلمات الصادقة التي كتبها سمة واحدة
لا يمكن إنكارها — كانت كبيرة جدًا — مما سهّل على غو يونشي قراءة الرسالة بأكملها
بل إنه كتب العنوان بجدية على ظهر الورقة ،
وسماه [ رسالة من لي شو إلى الأم لي تشينغوان ] ——
[ أمي ،
لقد اخترتُ لنفسي اسماً جديداً ،
ويدعى لي شو ،
والآن بدأتُ العمل بالفعل ، كمهندس مساعد ،
وأصدقائي وزملائي في العمل جميعهم لطيفون جدًا .
و وصلت مدخراتي إلى مئة ألف ، وربما أتمكن في يوم من الأيام من شراء المجسم الذي أحبه بنفسي .
كان الأمر صعباً بعض الشيء ، لكنني كبرت بشكل جيد . العيب الوحيد هو أنني منذ أن قابلت غو يونتشي ،
أصبحت أبكي بسهولة ( ليس لأنه ضربني )
وأرى أن هذا الأمر يتطلب التصحيح ..
لكن بعد التفكير في الأمر ، أدركت أنني أشعر بالأمان حتى عندما أبكي أمام غو يونتشي
لذا ، إذا لم أستطع إصلاح ذلك ، فلا بأس أيضًا .
أمي سأستمر في بذل قصارى جهدي في الحياة ومتابعة كل أحلامي . أرجوكِ لا تقلقي عليّ ]
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق