Ch91 xr
بكى سو هوي طويلًا داخل حضن نينغ ييشياو.
بعد سنوات طويلة من التوهان وحده، كاد أن يعتاد مواجهة ذلك الشعور بالسقوط من أعلى نقطة بمفرده، واعتاد أن يشاهد نفسه وهو يُبتلع باليأس في مثل هذه اللحظات، وكأنه يُدفن حيًا دون أن يملك أي قدرة على المقاومة
قبل هذا، كان بإمكانه أن يؤذي نفسه بلا أي تعبير على وجهه خلال هذه النوبة الحادة من الاكتئاب.
لكن نينغ ييشياو كان ممسكًا بيده بإحكام، ومنحه الكثير من التقدير والحب، وأعطاه هدية سكب فيها دمه وعرقه ودموعه، وظل يخبره مرارًا وتكرارًا أن لوجوده معنى كبير
قبل لحظات فقط، كان عقل سو هوي ممتلئًا بكل أنواع الكلمات السلبية والقاسية، وفقد القدرة على عدّ المرات التي خطرت فيها فكرة الموت بباله خلال تلك الدقائق القصيرة
لكن كلما خفض رأسه ورأى ذلك السوار الذي يلمع عليه ضوء صغير، كانت تلك الأفكار القاتمة تتوقف فجأة، ولو مؤقتًا.
وكأنه وجد خيط نجاة وسط الظلام
كان قلبه يكاد ينقسم إلى نصفين
نصف ممتلئ بكراهية الذات، يحاول دفعه إلى التخلي عن نفسه بسبب حبه لنينغ ييشياو.
والنصف الآخر ما زال يصارع بألم، لأنه لا يريد لنينغ ييشياو أن يحزن.
لم يستطع تخيل ذلك الخط الزمني الذي وصفه نينغ ييشياو، ولم يستطع تقبل أن يكون نينغ ييشياو بلا شيء.
كان سو هوي يريد بشدة أن يكون نينغ ييشياو سعيدًا دائمًا.
ولهذا، حتى وهو غارق في نوبة اكتئابه، لم يجرؤ على إفلات يد نينغ ييشياو.
وبينما كان نينغ ييشياو يحتضنه بصمت، سمع فجأة همهمات قصيرة تصدر من سو هوي المستند إلى كتفه.
فرفع رأسه قليلًا : “ ماذا قلت؟”
بذل سو هوي أقصى ما يستطيع لمقاومة تلك المشاعر السلبية، ثم كرر كلامه :
“ أنا… لن أتركك .”
كان شخصًا يخاف من تقديم الوعود أكثر من أي شيء آخر.
ومع ذلك، اتخذ هذه الخطوة إلى الأمام
عندها تحدث الصوت الاصطناعي الشبيه جدًا بصوت نينغ ييشياو من داخل السماعات
[ سماعك تقول هذا يجعلني سعيدًا جدًا .]
كانت تلك الكلمات مفاجئة تمامًا
وشعر نينغ ييشياو وكأن يدًا غير مرئية تعتصر قلبه بقوة
“ أعرف. أعرف ذلك كله .”
أسند جبهته على جبهة سو هوي وأمسك بيده :
“ لن نفترق . لا الآن ولا في المستقبل .”
أومأ سو هوي بصعوبة
وعندما رأى نينغ ييشياو عينيه الحمراء من كثرة البكاء، شعر بألم في قلبه
لكن ما كان يقلقه أكثر هو ذلك الصحفي عديم الضمير الذي جعله عاجزًا عن مواجهة معرضه الفردي، بل وجعله يشكك في أعماله وموهبته
وبالنسبة له، كان ذلك نوعًا من التدمير الذاتي
أضاءت نقطة زرقاء صغيرة جدًا على السوار
شعر نينغ ييشياو بوضوح أن حالة سو هوي العاطفية كانت تنتقل تدريجيًا من الاضطراب العنيف إلى السكون، مع سقوطه الكامل في مرحلة الاكتئاب
لذا حاول التحدث معه
“هل لديك ما يكفي من القوة الآن؟ هل تستطيع الوقوف؟”
أصبحت معالجة الكلام لدى سو هوي بطيئة، كما تباطأت ردود أفعاله
ظل يحدق في نينغ ييشياو بشرود
وبعد وقت طويل، وضع يديه على المقعد وحاول أن ينهض
بدت ساقاه ثقيلتين للغاية ، وكأن الرصاص قد مُلئ بهما
احتضنه نينغ ييشياو وقبّل أعلى رأسه :
“ هل تود أن ترافقني في نزهة قصيرة؟”
لم يعد سو هوي قادرًا على مجاراة سرعة تفكير نينغ ييشياو
لكنه حاول جاهدًا أن يستجيب، وشدّ قبضته على يده
أبطأ نينغ ييشياو طريقة كلامه : “ مررت قبل قليل بعمل فني ظننته مثيرًا للاهتمام
أريد أن أمعن النظر فيه أكثر .”
وفي كل مرة يتحدث ، كان ينظر إلى عيني سو هوي مباشرةً
: “ هل يمكن ذلك؟”
أومأ سو هوي إيماءة خفيفة للغاية
ورغم صغر هذه الحركة ، فإنها نتيجة صراع داخلي هائل
: “ شكرًا لأنك ترافقني .” و احتضنه نينغ ييشياو من جانبه وسار معه عبر الممر الأبيض
تساقطت الأشعة الملونة القادمة من النوافذ الزجاجية على جسديهما ، وأخفت هشاشة سو هوي مؤقتًا
——————-
لهذا المعرض أهمية استثنائية بالنسبة إلى سو هوي
لذا خصص جينغ مينغ وبيلا جونز وكلوي وقتًا خاصًا،
وتوجهوا مباشرة إلى هنا في صباح اليوم الأول من الافتتاح
لكن لا أحد منهم تواصل مع سو هوي أو نينغ ييشياو
بل أمضوا وقتهم بهدوء في تأمل كل عمل فني
كان سو هوي يمتلك موهبة استثنائية في نقل المشاعر
فكل عمل من أعماله كان يحمل قوة عاطفية طبيعية قادرة على جذب الآخرين فورًا إلى عالمه الداخلي.
ألمه، قلقه، تدهوره، وحدته…
أو حماسه، وشغفه، واندفاعه، وحرارته…
كل واحد منها كان يصيب القلوب مباشرة
التقطت كلوي العديد من الصور بكاميرتها. كانت تخطط لنشر بعضها على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، كنوع من الترويج لصديقها أيضًا.
وعندما وصل الثلاثة إلى القاعة وهم يرتدون الأسود، اكتشفوا وجود سو هوي ونينغ ييشياو هناك بمفاجأة.
أراد جينغ مينغ أن يناديهما، لكن كلوي أوقفته :
“ انتظر، لا نقاطعهما الآن.”
ثم رفعت الكاميرا في يدها
…..
اقترب نينغ ييشياو وسو هوي من العمل التركيبي المسمى 'أمي'
أول ما تقع عليه العين في هذا العمل هو الستارة العملاقة المعلقة في المنتصف
كأنها سكين رفيع أو جدار ، تقسم الفضاء إلى نصفين
على اليسار ، عُرضت سيارة بأبواب مفتوحة
وهيئة امرأة مصنوعة من الخرسانة الحديدية الفضية ،
تستند على السيارة وسيجارة بين أصابعها
وفوق كتفيها وقمة رأسها مادة مطاطية سوداء ، لزجة وثقيلة ، تنساب إلى الأسفل
أما على اليمين ، يوجد تمثال شفاف ورشيق يرتدي فستانًا أبيض قديم طويل يرفرف بخفة
لكن ساقيها ملفوفتين بالمادة المطاطية السوداء نفسها، مثبتتين في مكانهما
على الجانب الأيسر من الستارة ، يُعرض شارع مشوه يعج بحشود لا تنتهي من الناس
لكن ما إن ينتقل المرء إلى الجانب الأيمن، حتى تتحول الصورة المعروضة على الستارة إلى محيط شاسع داكن اللون
وفي تلك اللحظة تحديدًا ، كان سو هوي يقف على يسار هذا الفضاء ، محدقًا في الطرق الظاهرة على الستارة أمامه
مد يده ولمس الجانب الآخر من الشارع
وفي الوقت نفسه، مد نينغ ييشياو، الواقف على الجانب الأيمن، يده أيضًا
اخترقت أصابعه صورة المحيط ، وأمسكت بيد سو هوي عبر الفتحة الموجودة في الستارة
خلّدت كلوي هذه اللحظة إلى الأبد بعدستها
و أنزلت الكاميرا ونظرت إلى الاثنين
ورغم أنها لم تكن تعرف الكثير عن خلفية القصة، فإنها شعرت مع ذلك بإحساس غريب من التأثر العاطفي
أما بيلا ، فقد نطقت دون أن تشعر بالفكرة التي كانت تدور في ذهنها :
“ كأن هذا العمل لا يكتمل إلا بعد أن يدخله الاثنان.”
أمسك نينغ ييشياو بيد سو هوي وتوقف أمام كل عمل فني قد صنعه بنفسه
وكان عدد زوار المعرض يزداد أكثر فأكثر
وبين الحين والآخر، كان يسمع كلمات مديح سخية
بل إن بعضهم تعرّف على سو هوي
زاد ذلك الضغط على سو هوي أضعافًا مضاعفة حتى شعر بالاختناق
وحين لاحظ نينغ ييشياو ذلك ، قرر أن يأخذه بعيدًا أولًا
———————-
غادرا المتحف وعادا إلى السيارة
كان ذهن سو هوي لا يزال شاردًا
لكن تلك الكلمات التي سمعها لم تجلب له الضغط فقط،
بل خففت أيضًا من احتقاره لنفسه
أمسك نينغ ييشياو بيده : “ الجميع يحبونك كثيرًا.”
المناظر خارج النافذة مكسوة بخضرة نابضة بالحياة
“ هل سمعت ؟ كانت هناك طفلة صغيرة قبل قليل تقول إنها لم ترَ أعمالًا فنية جميلة بهذا الشكل من قبل .”
أنزل سو هوي عينيه وشد على أطراف أصابعه بقوة
المشهد هنا أشبه بلوحة فنية ،
لكن نينغ ييشياو لم يكن يستطيع سوى تأجيل فكرة قضاء عطلة في بلدة صغيرة مؤقتًا
وبعد أن استشار سو هوي ، طلب من السائق التوجه إلى العيادة النفسية وحجز له جلسة علاجية
————————-
خلال فترة الجلسة العلاجية ، تولى نينغ ييشياو التعامل مع قضية ذلك الصحفي
قال كارل عبر الهاتف:
“ في وقت سابق أعددت خطاب مطالبة قانونية وأرسلته إليهم ، وقد تلقيت رد
لكن ذلك الصحفي قال إن ما حدث كان خطأ مهنيًا ارتكبه أثناء العمل ، ويريد أن يعتذر لكما شخصيًا وعلى انفراد، ويأمل أن تسامحاه .”
لم يكن لدى نينغ ييشياو أي تعاطف مع شخص كهذا :
“ لن أقبل اعتذاره . وعلى الأقل سأرفع دعوى قضائية.”
كارل:
“مع شخص من هذا النوع، حتى لو رفعت دعوى، فكل ما سيحدث غالبًا أنه سيقدم اعتذارًا علنيًا
لكن القضايا القضائية تستغرق وقت طويل
لقد فعلوا أمورًا كهذه مرات كثيرة من قبل، لذا اعتادوا على التعامل معها .”
بالطبع نينغ ييشياو يعلم هذا جيدًا
لكنه ما زال يريد أن ينال سو هوي حقه
بعد إنهاء المكالمة مع كارل، تواصل مع كيشا :
“ أنا حبيب إيدي . لقد التقينا سابقًا .”
فهمت كيشا الأمر فورًا :
“هل هو بخير؟ من فضلك أوصل له رسالة مني
أخبره ألا يقلق
أمور المقابلة تمت تسويتها، وآمل ألا تؤثر على مزاجه .”
لكن نينغ ييشياو لم يكن ينوي ترك الأمور تنتهي عند هذا الحد :
“أتذكر أن عدة صحفيين كانوا يصورون فيديوهات في ذلك الوقت هل يمكنك التواصل معهم من أجلي ؟
أحتاج إلى تسجيلاتهم الكاملة للحادثة .”
: “ تقصد التسجيلات التي التُقطت في موقع المعرض اليوم ؟”
: “ نعم.”
فكرت كيشا للحظة ثم وافقت : “ دعني أطلبها منهم "
————————
لم يمضِ وقت طويل حتى أرسلت له بيانات التواصل الخاصة بصحفيين اثنين
فاتصل نينغ ييشياو بأحدهما ، وقال له مباشرة وبكلمات مختصرة :
“أحتاج إلى الفيديو الذي صورته خلال مقابلة المعرض اليوم
سمِّ السعر الذي تريده ، فقط دعني أتصرف بالفيديو كما أشاء "
أما الصحفي على الطرف الآخر من الخط، فلم يتردد طويلًا
كانت صفقة لا يمكن أن تكون أفضل من ذلك
و قبل هذه المكالمة ، كان يظن أن العمل الذي أنجزه اليوم قد أفسده ذلك المحرّض ، وأنه لم يحصد منه سوى الخسائر — لكن الآن وُضعت أمامه صفقة أكثر ربحًا :
“ بالتأكيد ، سأرسله لك فور استلام الدفعة المقدمة.”
………
عندما أصبح الفيديو في يده ، طلب نينغ ييشياو من كارل التواصل مع الصحفي الذي أثار المتاعب وتسبب في تحفيز حالة سو هوي، ثم أرسل له التسجيل
وبما أن مجريات المؤتمر بأكملها كانت موثقة فيه كدليل قاطع لا يمكن دحضه ، لم يعد لدى ذلك الصحفي أي مجال للإنكار
: “ إذا لم تتمكن أنت وشركتك من تقديم اعتذار علني وإصدار بيان رسمي بشأن ما حدث، فسيُنشر هذا الفيديو عبر المؤسسة الإعلامية التي قامت بتصويره .”
لطالما كان الوسط الإعلامي ساحة يتنافس فيها الجميع بلا رحمة
ولحظة سماعه ذلك، أصيب الصحفي بالذعر ، غير مصدق أنه صادف شخصًا لا يساوم بهذه الدرجة
فقد كان يظن أن الأمر سينتهي بسهولة بعد مشادة صغيرة
ولم يجد أمامه خيارًا آخر سوى الاستسلام
فكتب رسالة اعتذار علنية باسمه الشخصي، ونُشرت على الموقع الرسمي للمؤسسة الإعلامية التي يعمل بها
——————-
بعد انتهاء جلسة الإرشاد النفسي التي استغرقت خمسين دقيقة ، خرج سو هوي من الغرفة ، وخلال هذا الوقت كان نينغ ييشياو يجري مكالمة هاتفية عند نهاية الممر
: “ شاو لقد استسلم ذلك الصحفي ،
بل واعترف بأنه لم يفعل ذلك برغبته الشخصية، وإنما تلقى مالًا من شخص آخر
أعتقد أن اسمه مايك ويكا — سأرسل لك معلوماته .”
جلس نينغ ييشياو في الخارج يتصفح المعلومات ، وسرعان ما اكتشف أن ذلك الشخص طالب في الجامعة التي يدرّس فيها سو هوي، و كان من كلية مختلفة
وهذا زاد من مصداقية المعلومات
فجأة شعر أن اسم العائلة مألوف —- وعندما رأى اسم والده ، تذكر الأمر فورًا
شركة والده هي نفسها شركة الهندسة الإنشائية التي تعاقد معها لإنشاء الحديقة التابعة لشركته في نيويورك
وقبل فترة قصيرة فقط، التقيا في مؤتمر للمناقصات،
حيث تنافست أربع شركات على المشروع
كاد ييشياو يضحك ضحكة باردة
{ لكل شخص نقطة ضعف ، وصادف أنني ممسك بهذه النقطة تمامًا }
لم يكن سو هوي يعلم شيئًا عن ذلك
وعندما رأى نينغ ييشياو لا يزال منشغلًا بالعمل،
ظن أنه مشغول للغاية، لذا لم يقترب منه،
واكتفى بالوقوف مطيعًا عند باب غرفة الاستشارة
وعندما انتهت المكالمة ، التفت نينغ ييشياو فرأى سو هوي واقفًا هناك بهدوء ، وعيناه نحو السوار في معصمه
في الحال لان قلبه، فتوجه إليه واحتضنه
: “ كيف تشعر ؟ هل تحسنت قليلًا ؟”
نظر سو هوي إلى عينيه ، وبعد لحظة قصيرة أومأ برأسه
داعب نينغ ييشياو خديه بلطف : “ لنعد إلى المنزل ،،
سأعد لك بيضًا مطهوًا على البخار عندما نصل .”
—————————-
قضى سو هوي معظم الأيام الثلاثة التالية مستلقيًا في المنزل نائم
وكانت ساعات استيقاظه قليلة جدًا
في أغلب الأوقات كان نينغ ييشياو يستلقي بجواره ،
يمنحه كتفه ليعتمد عليه وعناقه ليطمئن
وكان السرير واسع بما يكفي حتى إن شيويغاو كان يصعد إليهما ويزاحمهما،
حتى بدا وكأن الوحدة والفراغ داخل قلب سو هوي قد انضغطا إلى حجم صغير جدًا
من ثقب أسود هائل… إلى مجرد حصاة صغيرة تثقل قلبه
وعندما يكون مستيقظ ، كان نينغ ييشياو يشاهد التلفاز أو الرسوم المتحركة معه ، أو يجلسان معًا للرسم بأقلام الباستيل الزيتية
وفي كثير من اللحظات كان سو هوي يظن أن الشخص الجالس أمامه ليس سوى وهم من صنع خياله ، لكن في كل مرة تظهر فيها هذه الفكرة ، كان نينغ ييشياو يبددها بأفعاله — كأن يقبّله قبلة حقيقية على جبينه
: “ شارد الذهن هكذا… بماذا تفكر؟”
وكان يستطيع سماع الابتسامة في كلمات نينغ ييشياو
بدأت قدرة سو هوي على الكلام تتعافى تدريجيًا،
كما خرج شيئًا فشيئًا من حالة التبلد الذهني،
ولم يعد بطيئًا في الاستجابة كما كان
لكن عندما علم أن مايك ويكا وذلك الصحفي يخططان لزيارته والاعتذار منه شخصيًا، ظل ينفر من الفكرة بشدة
بل هرب من مواجهة الخبر ، وعاد مرة أخرى إلى استخدام النوم للاختباء من مشاعره السلبية
حتى إنه بدأ يكره نيويورك ، وبدأ يكره شوارعها الفوضوية وحشودها المكتظة وصيفها الخانق
وفي مثل هذه الفترات ، كان لدى سو هوي أشياء كثيرة يكرهها ، ولم يعد يجد أي متعة في الحياة
لكنه لم يُظهر ذلك
فعلى السطح، ظل يبدو هادئًا، بل وربما بدا مسترخيًا قليلًا أمام نينغ ييشياو، حتى لا يقلق عليه أكثر
لكن نينغ ييشياو لم يكن شخصًا يسهل خداعه
لقد فهم سو هوي أكثر من أي شخص آخر ، وكانت نظرة واحدة كافية ليعرف كل شيء
هذا هو اليوم التاسع الذي حبس فيه سو هوي نفسه داخل المنزل
وعلى طاولة الطعام— فطيرة تفاح بالكراميل قد خرجت للتو من الفرن ، تفوح منها رائحة حلوة شهية
لكن سو هوي لم تكن لديه أي شهية، واكتفى بتناول ملعقة من حشوة التفاح ببطء شديد
صبّ له نينغ ييشياو كوب من الماء، ثم قال فجأة دون أي تمهيد:
“ سو هوي أريد الذهاب إلى آيسلندا . هل ترافقني ؟”
كانت طريقة صياغته للجملة مقصودة — لم يقل ' لنذهب معًا ' ولم يقل ' سأرافقك ' بل طلب من سو هوي أن يرافقه
ومن الواضح أن سو هوي فوجئ بذلك
استغرق بعض الوقت قبل أن يجيب ، وعندما جاءت إجابته، كانت مترددة
“ حالتي الآن… سيئة جدًا "
أنزل عينيه ، وبدا جادًا للغاية ، وكأنه يخشى أن يفسد كل شيء :
“ حتى لو ذهبت… فستكون الرحلة هباءً .”
لم يكن يريد أن يفسد رحلة آيسلندا الخاصة به وبنينغ ييشياو
فهذا شيء كان كلاهما يتطلع إليه
لكن نينغ ييشياو قال:
“ كيف تكون هباءً ؟ حتى لو كان المنظر نفسه ، فالشعور الذي ستحصل عليه سيكون مختلف تمامًا بحسب حالتك النفسية
إذا ذهبنا هذه المرة ، فلن يكون من المؤسف أن نزوره مرة أخرى في حالة مختلفة
وستحصل على نوعين من التجارب — أليس ذلك رائع ؟”
لم يتوقع سو هوي أن يسمع منه مثل هذا الكلام
ارتجفت رموشه وتردد قليلًا :
“ أنت مشغول جدًا ، وتقضي أصلًا كل هذا الوقت معي في المنزل… وما زال لديك الكثير من العمل…”
أمسك نينغ ييشياو بيده وضغط عليه برفق : “ لأنني كنت مشغول لفترة طويلة ، أريد أن آخذ استراحة
هل ترافقني خلالها ؟”
في كل مرة كان نينغ ييشياو يتحدث معه بهذه الطريقة، كان سو هوي يفقد تمامًا قدرته على رفضه
رغم أنه يعلم جيدًا أن وجوده مزعج ، وأنه قد يجعل هذه الرحلة أسوأ تجربة ممكنة ، فإنه لم يستطع منع نفسه من الموافقة
“ إذًا… حسنًا "
ابتسم نينغ ييشياو ونقر جبينه بخفة :
“ شكرًا لك يا قطتي.”
بدا أن شيويغاو قد فهم كل شيء، فبدأ يدور حولهما بحماس
ولدهشته، حصل حتى على وجبة خفيفة، فازداد سعادة وبدأ ينبح بصوت عالٍ
أوقفه نينغ ييشياو :
“ اصمت .”
نبح شيويغاو مرة أخرى
ييشياو : “ إذا أخفت قطتي، فسأرسلك بعيدًا .”
سبق أن رأى سو هوي الجانب الطفولي من نينغ ييشياو،
لكنه ظل عاجزًا عن الكلام بعد سماع ذلك
فاكتفى باحتضان شيويغاو وطمأنته : “ إنه يخيفك فقط.”
جذبه نينغ ييشياو بذراعه نحوه :
“ سو هوي عانقني هكذا أيضًا .”
لذا لف سو هوي ذراعه حول عنقه مطيعًا
كان هذا التصرف في الأساس شيئًا لا يفعله إلا أثناء نوبات الهوس لديه
وفي تلك الأوقات ، كان يطلب عادة قبلة ، أو أكثر من ذلك
وعندما أصبحا وجهًا لوجه بهذه المسافة القريبة، شعر سو هوي لسبب ما بشيء من الخجل
فأبعد نظره
لكن نينغ ييشياو قال:
“ أنت جميل جدًا .”
كانت لدى سو هوي رغبة غريزية في أن يقول إنه ليس كذلك
لكن بعد أن صححه نينغ ييشياو مرات لا تحصى، تحولت الكلمات تلقائيًا إلى الإجابة المثالية التي علّمه إياها
“ شكرًا "
“ عفواً ”
———————-
وبفضل سرعة نينغ ييشياو المدهشة في التنفيذ ،
ما إن حصلا على التأشيرة حتى استقلا طائرة إلى آيسلندا، وكأنهما يهربان من كل الخطط السابقة.
وبسبب تناوله الدواء مسبقًا، أمضى سو هوي معظم الرحلة التي استمرت ست ساعات نائمًا.
لكن حتى أثناء نومه، ظلت يده متشابكة مع يد نينغ ييشياو.
عندما هبطت الطائرة، كانت الساعة التاسعة صباحًا.
وكان المطر قد هطل قبل وقت قصير، فغلف الضباب المكان.
وعند درجة حرارة خمس عشرة مئوية، لم يكن الجو يشبه بداية الصيف التي اعتادها سو هوي.
استأجر نينغ ييشياو سيارة، ثم اصطحب سو هوي الذي كان ينتظر مطيعًا، وانطلق نحو الفندق وفقًا للملاحة.
ييشياو : “ هذه أول مرة نسافر فيها إلى الخارج بمفردنا .”
كانت جملة عادية جدًا
لكن سو هوي شعر بشكل غريب بقدر من التوتر في صوت نينغ ييشياو ،،
لذا أبعد نظره من الأعشاب المتمايلة خارج النافذة إلى ييشياو
—- وبالفعل رأى يدا نينغ ييشياو ترتجفان قليلًا
كان من النادر أن يكون سو هوي بهذه الحدة خلال نوبة اكتئابه :
“ما الأمر؟” و وضع يده برفق على ساق ييشياو
“ هل تشعر بتوعك ؟”
ابتسم نينغ ييشياو وهز رأسه نفيًا
{ كل ما في الأمر أنه قبل قليل مرت في ذهني صورة ذهابي إلى آيسلندا بمفردي }
“ في آخر مرة زرتها فيها ، لم أقم بأي استعدادات مسبقة. وبما أنك تحتاج إلى القيادة هنا، كان عليّ استئجار سيارة. لكن في ذلك الوقت لم أكن قادرًا على الجلوس خلف المقود أصلًا، وكدت أتعرض لحادث مرة أخرى. لكن لحسن الحظ، كانت حظوظي جيدة ولم يحدث شيء.”
تحدث نينغ ييشياو عن ذلك بهدوء، وكأن الأمر لا يخصه.
استمع إليه سو هوي بصمت، وشعر بألم شديد في قلبه.
نظر إلى المرج الأخضر الصغير أمامه.
كانت الأعشاب تتمايل مع الرياح، وتتحرك طبقات فوق طبقات على امتداد سفوح الجبال.
وبدت كبحر أخضر لا نهاية له.
أمسك سو هوي بطرف ملابسه وقال بهدوء : “ ييشياو
لنتوقف هنا .”
: “ ما الأمر؟”
: “ أريد أن أبقى هنا قليلًا ” وأشار إلى الوادي خارج النافذة :
“ إنه جميل ”
: “ حسنًا "
أوقف نينغ ييشياو السيارة على جانب الطريق ونزل معه
كان المكان مغطى بالأعشاب الخضراء الممتدة عبر البراري والجبال، كثيفة ومورقة، تتناثر بينها أزهار برية صغيرة.
ومع ذلك، كانت الألوان مجتمعة تحمل برودة معينة، ذكّرته بالفيلم الذي عُرض في غرفة المسرح آنذاك
وبما أن المطر هطل قبل وقت قصير، ظلت روائح التراب والخشب والعشب واضحة في الهواء.
رافق نينغ ييشياو سو هوي وهما يسيران إلى الداخل.
بعثرت الرياح القوية شعرهما حتى بدا كالعش، وارتفعت أطراف ملابسهما وتشابكت معًا.
لم تكن يدا نينغ ييشياو قد تخلصتا بعد من ارتجافهما، لذا لم يمد يده للإمساك بيد سو هوي، بل حاول تهدئة نفسه أولًا
وهو واقف في هذا المكان وينظر إلى الوادي الجبلي أمامه، وجده مألوفًا وغريبًا في آن واحد.
في آخر مرة كان هنا، كان الشتاء لا يزال قائمًا، خلال الليل القطبي، في أبرد أوقات السنة.
وقد صادف حينها عاصفة، حيث اختلطت الرياح بالثلوج.
كان الطريق نفسه، لكن المكان كان مغطى بالكامل بالجليد والثلج، بلا أي أثر للحياة.
{ تمامًا مثل عالمي الداخلي في ذلك الوقت
في ذلك الوقت ، كنت أتمنى بشدة لو أن سو هوي كان هنا أيضًا
ربما حينها ، ما كان سيراه لن يكون مجرد برية متضخمة بالنباتات }
وعندما عاد ييشياو إلى وعيه، كان سو هوي قد ابتعد مسافة لا بأس بها بالفعل و كان يدير ظهره له، يمسك الأرض كما لو أنه يدرس النباتات ، لكن سرعان ما وقف مجددًا
وكرر ذلك مرات عديدة
تقدّم نينغ ييشياو نحوه بخطوات بطيئة : “ ما الذي تنظر إليه ؟”
كان سو هوي منشغلًا بشيء ما، لكنه استدار بسرعة
و بخطوة ثقيلة تتبعها خطوة خفيفة ، ثم أخرى ثقيلة ،
عاد إلى جانبه بهذه الطريقة ، وإن كان ببطء قليلًا
مرتديًا كنزة زرقاء فاتحة ، وإحدى يديه في جيبه، بدا كطفل صغير
وعندما اقترب ، تفاجأ نينغ ييشياو —- لأن سو هوي مدّ يده وقدم له زهرة بنفسجية
كانت الزهرة جميلة —- و وسط الرياح القوية ، بدت هشة بعض الشيء ، لكنها قوية أيضًا
ولما لم يرى منه أي رد فعل ، لم يتكلم سو هوي كذلك،
واكتفى بدفعها نحوه مرة أخرى
أفاق نينغ ييشياو أخيرًا من شروده وأخذ هديته :
“ شكرًا لك.”
هزّ سو هوي رأسه وظهر على وجهه الأنيق لمحة خفيفة من الخجل ،
أمسك بيد نينغ ييشياو وربّت بأصابعه برفق
حدّق نينغ ييشياو في الزهرة الصغيرة بين يديه
ثم أبعد بصره قليلًا ، فلاحظ عدة سيقان زهور تبرز من جيب كنزة سو هوي وتتأرجح مع كل خطوة يخطوها
: “ وما هذه؟” مدّ يده وسحب السيقان
كانت زهورًا أيضًا —- الكثير والكثير من الزهور
لكن ما فاجأه أن ذلك جعل سو هوي مرتبكًا قليلًا
أراد أن ينتزع تلك السيقان من يد نينغ ييشياو
وبحيرة ، رفع نينغ ييشياو يده إلى ارتفاع لا يستطيع سو هوي بلوغه حتى لو وقف على أطراف أصابعه ، وقال مازحًا :
“ تقطف سرًا كل هذه الزهور ، ومع ذلك أعطيتني واحدة فقط ؟
يا لك من بخيل .”
: “ ليس الأمر كذلك.” أنزل سو هوي عينيه ، وقد شعر بشيء من الإحراج
ولم يستطع سوى أن يشرح ببطء :
“ هذه… لا تبدو جميلة .”
و ألقى نظرة على الزهرة البنفسجية التي أهداها إلى نينغ ييشياو وجاء صوته هامسًا خافتًا :
“ هذه كانت الأجمل ، قضيت وقتًا طويلًا وأنا أقارن بينهم…”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق