Ch106 AD
ساد الصمت في الساحة المركزية ———
لم يهتف الناس، بل اكتفوا بالتحديق في الشاشات بذهول. كان ثقل الأمل الذي يحملونه في هذه اللحظة عظيماً إلى حد أنهم لم يعودوا يجرؤون حتى على التفكير في النجاة، خشية أن يُلقوا مرة أخرى في الهاوية. وظلوا ينظرون إلى تشو يانتشن على الشاشة، منتظرين أن يواصل حديثه.
ومن داخل مركز القيادة، كان تشو شنغ يرى كل ما يحدث في الساحة. نهض ببطء من مقعده، وقد ارتسمت على وجهه ملامح معقدة—فهو يعلم أكثر من أي شخص آخر أن ما يجري ليس من تدبير مركز القيادة { لكن تشو يانتشن كان حياً ، فأين كان طوال هذه المدة ؟ وماذا كان يفعل ؟
… وفقاً للبيانات الواردة في تلك الأبحاث ، فإن تشو يانتشن بصفته باحث ، لم يكن يُفترض أن يعيش طويلاً
لكن الشخص الظاهر على الشاشة بدا مفعماً بالحيوية ،
ويتمتع بصحة جيدة مهما نظر إليه المرء }
: “ اذهبوا وتتبعوا مصدر الإشارة ! ” لوّح تشو شنغ لأحد مساعديه ، ثم واصل التحديق بالشخص على الشاشة
أما يي نينغ — فعلى عكس تشو شنغ، فقد كان يدير البنية التحتية للمدينة تحت ضغط هائل خلال الأيام الأخيرة
وعندما رأى تشو يانتشن، كاد يعجز عن السيطرة على مشاعره
شرب كوباً من الماء المثلج، ومسح وجهه بقوة، ثم جلس أمام شاشة البث
ظل صوت تشو يانتشن على حاله ، ولم يضيع الوقت في المقدمات ، بل دخل في صلب الموضوع مباشرةً .
وخلال دقائق معدودة ، شرح بإيجاز عدة أمور —— :
لقد اكتشف ثغرات في نظام اللاعبين ، وبسبب افتقاره إلى الأدلة ، خرج من المدينة مع متعاونين للبحث عنها .
وفي ذلك الوقت قد تعرض لمادة التآكل مدة طويلة ، ولم يكن يتبقى له سوى وقت قصير ، لذا لم يكن ينوي العودة حياً أصلاً —-
لكن في طريقه ، توصل إلى اكتشافات مهمة —-
وهو الآن يمتلك أدوية قصيرة الأمد مضادة للتآكل ،
كما أن هناك مختصين يعملون على تطويرها وتحسينها —
أما الأدلة ، فقد عثروا عليها بالفعل — لكن عندما اكتشف الوحش ' سيغما ' كان سيغما قد بدأ بالفعل يضمر نية مهاجمة مدينة Y
لكن سيغما قوي للغاية ، ولم يكن بوسعه الاحتفاظ بأي تسجيلات مرئية له
والاعتماد على الرسومات والروايات الشفوية وحدها لن يقنع كثير من الناس — وحتى لو نجح في أن يصبح القائد ،
ثم بادر فوراً إلى تعزيز القوة العسكرية ، لواجه عقبات لا تُحصى — لذا قرر الجنرال تشو أن يساير مجرى الأحداث،
وألا يتدخل في صراعات السلطة داخل مدينة Y
وكان مختبئ خارج المدينة طوال هذا الوقت ، مركزاً على أبحاث أسلحة التنقية ، وتطوير الأدوية التي ترفع معدل بقاء الجنود البشر على قيد الحياة —-
كان الشرح بسيط وسهل الفهم ، وسرده دفعة واحدة ، حتى أصاب الناس بالذهول
ولو أرادوا التشكيك فيه ، لما وجدوا أي ثغرة يمكن الطعن فيها
تابع يانتشن : “ بدلاً من انتظار غزوه ، أرى أن اتخاذ الترتيبات الاستباقية أفضل —- يتمتع سيغما بذكاء عالٍ ، وقبل أن يشن هجومه رسمياً ، سيمكث بلا شك عدة أيام بالقرب من مدينة Y ،،
أحد الأسباب هو جس النبض ، والآخر هو تراكم الخوف .”
وأثناء حديث تشو يانتشن، ظل محافظاً على بروده المعتاد
ولحسن الحظ، كان “الهدوء” في هذه اللحظة شيئاً نادراً،
وكان الناس يتوقون لشخص ان يبقى متماسك
“ وللأسف ، حتى في غياب حرب رسمية ، فقد غادر عدد قليل من الناس هذا العالم بسبب الخوف أو المرض أو الإصابات ...
لقد توقعت مثل هذه الحالات ، ولا أنوي التنصل من مسؤوليتي … أعتذر لهم بصدق
وبعد انتهاء الحرب، سأقدم التعويضات والمساعدات المناسبة لهذه العائلات .” و أنزل رأسه وانحنى بهدوء معتذراً
في هذه اللحظة ، لم يعد لدى الناس طاقة لإثارة المتاعب؛
فقد انصب اهتمامهم بالكامل على عبارة ' بعد انتهاء الحرب '
تحدث الجنرال تشو بنبرة واثقة ، وهي بالضبط ما كانوا بحاجة إليه
بدأ الناس يكبحون غريزة النجاة الجامحة ، وظهرت في الحشد بارقة حياة خافتة — فعندما تكون نهاية العالم على بعد خطوة ، لا يبقى أمام المرء سوى خيارات قليلة
وسواء كان كلامه صادقاً أم لا، فقد تحدث بوضوح وثقة إلى درجة أنه لا بد أن يكون يملك ما يستند إليه
“ وأخيراً ، أعلم ما الذي تريدون السؤال عنه . أما عن حقيقة سيغما—فببساطة ، لا يزال مستنقع تآكل تعرفونه جيداً،
لكنه طور قدراً من الذكاء
أما الذئب الأسود الموجود هناك ، فهو في جوهره كائن مشابه ، لكنه حليفي ، لذا لا داعي للقلق .”
كان الجميع يدركون بوضوح أنه ليس إنسان ، لكن لا أحد لم على السؤال ، وحتى لو سألوا ، فلن يسمعهم أحد
“ ثلاثة أيام ... خلال ثلاثة أيام على الأكثر ، ستنتهي هذه الحرب . وهذا هو ضماني لكم .”
ومع هذا التصريح الحازم ، تقبل الحشد ، الذي ظل راكداً كالمياه الراكدة ، أخيراً هذا الأمل المغري
وبدأ الناس يهتفون ؛ واجتمع الشباب من تلقاء أنفسهم ، وانتشرت في الساحة بأسرها روح الاستعداد للموت
وبعد شهر كامل تقريباً من الكبت ، أضاء هذا الحراك المفاجئ المدينة بأكملها ببريق ساطع
وفي الوقت نفسه، دخل أحد المساعدين مسرعاً إلى مكتب تشو شنغ : “ تقرير ، لقد تعقبنا مصدر الإرسال .
وهو يتحرك الآن… خارج مركز القيادة مباشرةً .”
أغلق تشو شنغ عينيه، ثم أصدر أوامره بحزم : “ جهزوا جهاز فحص الحمض النووي للتأكد من هويته .
ورتبوا أيضاً قاعة للاجتماع .”
وما إن وصل تشو يانتشن إلى مدخل مركز القيادة ، حتى تم ايقافه لإجراء التحقق من هويته ، ثم اقتيد مباشرة إلى قاعة الاجتماعات
ولم يتفاجأ بهذا إطلاقاً ؛ بل إن أكثر المتحمسين كانوا القادة المسؤولين عن الأبحاث ،
حتى إنهم كادوا يذرفون الدموع عندما رأوا السيد الشاب لعائلة تشو حياً يرزق
“ أليست مادة التآكل غير قابلة للعكس ؟
كيف تمكنت من البقاء حياً حتى الآن ؟”
“ هل لديك أي معلومات عن الأدوية المضادة للتآكل؟”
“ بخصوص رسالتك البحثية ، لدي سؤال—”
قاطعهم تشو شنغ ببرود : “ اصمتوا .” فأسكتت هيبته الباحثين على الفور
ثم التفت إلى تشو يانتشن : “ ما الذي يجري؟”
يانتشن : “ الآن ليس وقت الشرح. صديقي لا يزال يتعامل مع مستنقع التآكل .”
تنهد تشو شنغ بعمق : “ هل هو شو جون؟”
ظل تشو يانتشن صامت
صاح كبير الباحثين الأقرب إلى تشو شنغ فوراً : “ كيف يعقل ذلك ؟! ألم يُقتل شو جون في الحال بمدفع التنقية ؟
تصميم السيد تانغ لم يكن فيه أي خطأ ، والنظرية أيضاً صحيحة !”
تشو شنغ : “ وماذا لو لم يكن شو جون داخل صدر ذلك الكائن؟
لقد أثار فضولي هذا الأمر منذ البداية—فشو جون استراتيجي بارع، ولن يكشف عن ' جسده الرئيسي' بسهولة
وخلال أيام الصراع الماضية ، كان عدد الضحايا منخفضاً بصورة غير طبيعية ... ومن المفهوم أن البشر الاصطناعيين لم يرغبوا في استفزاز عامة الناس . لكن حتى مع أخذ ذلك في الاعتبار ، ظل عدد الضحايا منخفض أكثر مما ينبغي .”
أثناء حديثه ، لم ينظر إلى تشو يانتشن :
“ منذ تمرد البشر الاصطناعيين وحتى انكشاف شيا يوفينغ،
كان كل ذلك جزءاً من خطتك المشتركة مع البشر الاصطناعيين —- أليس كذلك؟
إن استدراج ذلك الوحش إلى هنا وكشف ' نقطة ضعفه القاتلة' هو أسرع وسيلة .”
جلس تشو يانتشن بأدب أمام مقعده : “ من دون اختراق، لن يكون هناك تقدم .
السيد تشو ووفقاً لقوانين الحكومة المتحدة ، فأنا الآن القائد الجديد للحكومة المتحدة . وحتى إن لم تنتهي فترة تسليم السلطة بعد ، فإنني أمتلك صلاحيات القيادة الطارئة ، تماماً مثلك . لكن دعنا نتجاوز المجاملات.
سأذكر نقطتين فقط
أولاً، لقد طورنا أسلحة قادرة على مواجهة مستنقع التآكل،
وسيُعلن لاحقاً عن مواقع نشرها .
كما أن تصميم مدفع التنقية سلمني إياه السيد تانغ ، لكن الخطة لم تكن مكتملة .
وقد استُخدم لخداع سيغما ودفعه إلى التحرك .
لا يختلف سيغما عن وحش بري ذكي ، لكنني أخفيت عنه شيئاً واحداً— ولسوء الحظ ، يوجد إلى جانبه بشري اصطناعي خبير يوجّهه . لا تستهينوا به "
حاول يي نينغ استيعاب هذه المعلومات : “ ألم يكن البشر الاصطناعيون متعاونين معك ؟”
نظر تشو يانتشن إلى تشو شنغ : “ لقد حصلت فقط على تعاون الأغلبية . وما إن عرفوا الحقيقة ، حتى لم يترددوا في التحرك ضدي .”
ظل تشو شنغ صامت
: “ ثانياً، الدواء المقاوم للتآكل موجود بالفعل . وفي الوقت الحالي ، يستطيع تعزيز مقاومة البشر لمادة التآكل مؤقتاً .
أما علاج التآكل والوقاية منه على المدى الطويل ، فما زالا بحاجة إلى مزيد من الأبحاث .
وبالنسبة للأدوية قصيرة الأمد ، فإضافة إلى الكمية الاحتياطية اللازمة ، فقد وزعتها بالفعل على السكان المحيطين بالمستوطنات .
وفي الوقت الحالي، احتمى سكان المستوطنات مؤقتاً في الجزء الشرقي من المدينة ، لذا لا ينبغي أن تكون هناك أي مشكلة في الوقت الراهن .
وما إن تُسلَّم التركيبة ، فأعتقد أنه يمكن مواصلة إنتاجها داخل المدينة لتزويد الجيش بها.”
: “ أتقصد أن تلك المجازر أيضاً كانت…”
: “ لقد استخدمنا بعض الحيل الصغيرة . ففي النهاية ، لدى سيغما جواسيس داخل المدينة ، ولخداعه كان علينا أولاً أن نخدع أهلنا .
وبالنظر إلى مدى اهتمام الحكومة المتحدة بالمستوطنات،
فلا أعتقد أن أحداً سيشكك في ذلك .”
غطى يي نينغ وجهه ببطء ، وتنهد تنهيدة طويلة من الارتياح
وخيم الصمت على قاعة الاجتماع—يمكن وصف هذه الخطة بأنها بعيدة الاحتمال إلى حد السخافة ، لكنها في الوقت نفسه واقعية إلى درجة مرعبة
تحدث أحد الجالسين على طاولة الاجتماع بحذر :
“ بما أنكم وصلتم إلى هذا المستوى من التعاون مع البشر الاصطناعيين ، ألا يمكنكم جعلهم ينضمون إلى القتال ضد سيغما؟
يبدو أنه لا يوجد سوى شو جون…”
رفع تشو يانتشن نظره إليه على الفور ، وكانت عيناه باردتين على نحو غير معتاد —- سأله باختصار :
“ ولماذا ؟
شو جون مستعد لمساعدتي بدافع الصداقة الشخصية ،
أما بقية البشر الاصطناعيين ، أفلم يمتنعوا عن إحداث الدمار داخل المدينة ؟ أليس هذا كافياً ؟
لماذا تظن أنهم مستعدون للتعاون معي ؟
هل لأنهم وجدوا حماية البشر أمراً ممتع ؟
أم لأنهم لم يعودوا يريدون العيش ؟”
أغرقت سلسلة الأسئلة تلك الرجل ، فلم يستطع أن ينطق بكلمة
: “ والآن لنبدأ اجتماع العمليات — خلال الأيام الثلاثة القادمة ، سيتولى شو جون إيقاف سيغما ، بينما يقوم فريق الحراسة بالقضاء على مستنقعات التآكل المحيطة
وبعد تطهير ساحة المعركة ، سنركز جميع قواتنا للتعامل مع سيغما ،
أما بالنسبة للترتيبات التفصيلية…”
قاطعه يي نينغ فجأة، وكان صوته مبحوح من شدة الإرهاق :
“ سأذهب إلى فريق الحراسة "
نظر إليه تشو يانتشن، وظل تعبيره خالياً من المشاعر
ابتسم يي نينغ بمرارة : “ أعرف أنك ستذهب بالتأكيد إلى الخطوط الأمامية — لا بد أن يبقى أحد داخل المدينة ، ووجود عجوز واحد من عائلة تشو يكفي …
أريد أن أذهب لدعم فريق الحراسة .”
“……..…”
يي نينغ : “ في الواقع ، وعلى عكسي ، يمكنك تولي الأمر بمفردك .
وحتى في أسوأ الأحوال، لا يزال لديك لاو دونغ … اقصد الآنسة شيا إلى جانبك
لكنني لا أريد أن أواصل الاختباء هنا و أتدرب على ترتيبات الطوارئ داخل المدينة
أريد أن أرى بعيني نوع الكارثة التي جلبناها على أنفسنا .”
لم يتأثر تشو يانتشن بانفعاله : “ توجد ساحة معركة حقيقية ، السيد يي— وهي تختلف عما كانت عليه عندما قدت فريق غراندواتر
هذه المرة لا يوجد لوو دوان ليضع الخطط التكتيكية،
وموهبتك تكمن في الإدارة الاجتماعية
سأكون صريح —قدرتك على القيادة الميدانية لا تتجاوز المستوى المتوسط ، وخبرتك مع مستنقع التآكل لا تزال نظرية ،
وهذا لا يجعلك مناسب للخطوط الأمامية .
عندما يحين الوقت، سأحدد موقعك وفقاً لقدراتك، ولن أمنحك صلاحيات قيادة كبيرة…
لكن هل أنت مستعد لاحتمال الإصابة أو حتى الموت؟”
: “ نعم.”
: “ أما بالنسبة لعائلة تانغ…”
: “ لا يهمني . هذا طلبي بصفتي ' إنسان '
أنت محق ، لقد بقيت زمناً طويلاً حبيس النظريات ،
وكنت واثقاً من نفسي أكثر مما ينبغي .”
لم يضيع تشو يانتشن المزيد من الوقت : “ حسناً.
والآن، فيما يتعلق بتكتيكات مواجهة مستنقع التآكل،
فهذه هي أفكاري الحالية…”
لم يستمر الاجتماع طويلاً
فقد أنهى تشو يانتشن كل الأسئلة والاستفسارات والآراء التي انحرفت عن الموضوع الرئيسي
أما تشو شنغ، الذي نادراً يتحدث، فقد ظل جالساً في المقعد الرئيسي، يراقب قرارات تشو يانتشن الحاسمة، ثم غرق في صمت طويل
ولم يُبدِ أي اعتراض على تكليفه بقيادة الفريق الاخير . ولا بد من القول إن كثيرين ممن كانوا على طاولة الاجتماع ما زالوا يحملون في قلوبهم بعض الخلافات العائلية ، لكن بعد رؤية موقف تشو شنغ ، لم يكن أمامهم سوى كبت مشاعرهم والانصياع للأوامر
: “ من المؤكد أن هذه المعركة ستكون خطيرة ، ولا يمكن أن تستمر طويلاً .
ستكون الأيام الثلاثة القادمة ذروة حماس سكان المدينة .
وبعد انقضاء هذه الفترة ، ستنهار معنويات مدينة Y بالكامل ، وسيصبح من الصعب إنقاذ الوضع .
هذه فرصتنا الوحيدة لهزيمة سيغما ، ولا أريد أن أرى أي تصرف لا يخدم الصورة العامة .”
لقد قال السيد الشاب لعائلة تشو الكثير بعد عودته من حافة الموت
وبالمقارنة مع الجيل الأصغر الذي كان يشعر بالاختناق تحت هذا الضغط الهائل، بدأ الناس يشتاقون إلى ' الجنرال تشو' السابق الذي كان يلازم الغرف ويظل صامت
لكن من ذا الذي يرغب في معاداة حياته ؟
لم ينتظر الذئب الأسود العملاق طويلاً — ففي هذه الليلة،
كان الجيش البشري قد استعد بكامل عتاده —
وبدأت الحرب الحقيقية رسمياً ——-
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق