Ch61 AD
كانت هذه الأرض قاحلة على نحوٍ خاص، حتى إنه لم يكن هناك أي أثر للنباتات المتحولة. اجتاحها مستنقع التآكل الكرمي، ولم يترك خلفه سوى أرضٍ مغطاة بالطين الأسود المتعفن.
السماء مغطاة دائماً بالغيوم الكثيفة، فيبدو النهار معتماً كالشفق أثناء عاصفة مطرية، أما الليل فيكون حالك السواد، تنعدم فيه الرؤية
ومع انحسار ضوء النهار ببطء، بدا الكوكب بأكمله، عند النظر إلى ما حوله من هذا المكان، وكأنه قد مات، ويتحلل بصمت.
بين السماء والأرض، لم يكن هناك سوى كرة عملاقة واحدة غير طبيعية. كان مستنقع التآكل الكرمي يمتص كل الضوء، بينما يواصل التموج على سطحه بلا توقف.
بعد أن رمى شو جون مونداي خارج مستنقع التآكل الكرمي
صرخ مونداي صرخة طويلة يائسة ، ثم انغرس في الأرض الطينية خارج مستنقع التآكل. و انقلب التراب الرطب ، ثم ذاب وعاد إلى الأرض كالكريمة
منذ اللحظة التي دخل فيها شو جون كرة مستنقع التآكل، لم يرخِ تشو يانتشن حذره ولو للحظة — وما إن رأى مونداي حتى أسرع نحوه
“شو… خطـ… ـر "
قالها مونداي بصعوبة ، متوقفاً بين كل كلمة وأخرى
كان بسيط العقل، لكنه يمتلك حساسية فطرية تجاه العداء
منذ أن تبع شو جون، لم ينقصه طعام ولا شراب، وعاش حياة مريحة إلى حد كبير
ورغم أنه لم يكن قادراً على الحركة ، فقد أمضى أيامه بلا هموم
أما إذا فقد حماية شو جون، ذلك الفرد القوي من بني جنسه، فسيعود إلى بيئة لا يبقى فيها إلا الأقوى
لم يكن مونداي يريد أن يُلتهم إطلاقاً
صرخ في وجه تشو يانتشن، محاولاً بكل جهده إيصال ما رآه : “ يد… يد!”
حاول تشو يانتشن الإمساك بمقبض سيفه
لكن مادة التآكل تفادت لمسته ، فلم يستطع سوى رفعه بصعوبة
ومهما حاول، لم يتمكن من الإمساك بالسيف بإحكام
“ تشو — أنقذ ! أنقذ… شو !”
واصل مونداي حديثه بصعوبة
أجاب تشو يانتشن بهدوء : “ مم "
{ اعرف قدرات شو جون جيداً — فقد امتلك شو جون قدرة ' الصنع' التي حصل عليها من سويت إيدج ،
إلى جانب قدرة ' الكبح' الفطرية ، لذا لم تكن الهجمات الجسدية التقليدية ذات جدوى ضده
وفي المقابل ، لقد رمى سلاحه الوحيد كتحذير ،
بدلاً من محاولة حل الموقف بنفسه ، مما يعني أنه توصل إلى حكمٍ معين بشأن الوضع
داخل مستنقع التآكل الكرمي … من المرجح جداً وجود فخ
فمستنقع التآكل لا يمكن أن يمتلك قدرتين مختلفتين،
لذا لا بد أنه أخفى مستنقع تآكل آخر ، مستنقعاً صغيراً يحمل كماً هائلاً من المعلومات السلبية
سواء حوّل شو جون إلى لوو دوان ثانٍ ، أو دفعه ببساطة إلى الانهيار النفسي ، فإن سيغما سيستفيد من ذلك
وما إن يفقد شو جون السيطرة على نفسه ، سواء استطاع التعافي لاحقاً أم لا — فسأصبح أنا ' تشو يانتشن ' بصفتي بشر ، أول تضحية
وربما كانت نية شو جون هي تحذيري من أجل أن اغادر سريعاً ، وطلب الدعم وابحث عن وسيلة لمواجهة الموقف }
ارتسمت ابتسامة على وجه تشو يانتشن ،،
رفع مونداي ووضعه في مكان آمن، ثم بدأ ينزع أسلحته واحداً تلو الآخر
كانت الأحزمة الكثيرة تلتف حول جسد الجنرال تشو ، ففكها بعناية وعلّقها على مونداي حتى لا تلامس الأسلحة التربة المشبعة بمادة التآكل — كانت حركاته سريعة وحاسمة
وأخيراً ، شد قناع وجهه بإحكام ، فغطى عينيه وأنفه وأذنيه وفمه
في هذه اللحظة ، لم يبق معه سوى زيه المرتب ، وبندقية التطهير ، وخنجر مطلي بمادة مضادة للتآكل
وقف تشو يانتشن بصمت أمام مستنقع التآكل، وتمهل للحظة ثم خطى إلى الأمام — وعلى الفور ، اندفعت عدة كروم لتلتف حول جسده ، لكنها انزلقت مبتعدة بسبب المقاومة الغريزية التي أبدتها مادة التآكل تجاه تآكله
كانت العوائق داخل مستنقع التآكل الكرمي كثيرة جداً،
فلم تستطع الكروم طعنه بالسرعة المعتادة، وبقيت عاجزة مؤقتاً عن التعامل معه
ومع ذلك ، وبرغم مقاومة مادة التآكل ، بدأت الكروم تتحرك بصعوبة ، وتبذل قوة هائلة للضغط عليه، محاولةً دفع هذا الدخيل خارج جسدها
لقد أصبح مستنقع التآكل بالفعل مستنقع تآكل حقيقياً،
حتى إن التقدم داخله كان بالغ الصعوبة
ولحسن الحظ، تركت بنية الكروم فراغات كافية، مما أتاح لتشو يانتشن أن يضبط تنفسه ويمسك خنجره بإحكام
قطع كرمة التآكل التي اندفعت نحوه ، وتركها تنساب فوق قماش زيه العسكري وتلامس جلده ببرود
: “ شو جون!”
رفع تشو يانتشن صوته ، لكن داخل مستنقع التآكل ، كان الضوء خافت ، ولا يوجد سوى صوت الاحتكاك الرطب
لم يصله أي رد
اندفعت الكروم نحوه بجنون ، تستنزف قوته تدريجياً
رفع تشو يانتشن يده آلياً، يقطع الكروم بلا توقف
تحول إلى إسفينٍ بشري ، يشق طريقه إلى الداخل بالقوة
تمزق حذاؤه، وغاصت قدماه في مادة التآكل المتلوية. وعندما أدركت الكروم أن الطعن لا يجدي نفعاً، تجمعت في كتل بحجم قبضة اليد، وبدأت ترتطم به مستغلة قوة اندفاعها
حسب تشو يانتشن المسافة ، وتقدم خطوة بعد أخرى
{ ولكي يتمكن مستنقع التآكل من تقييد شو جون بالكامل،
فعلى الأقل خلال هذه الفترة ، لن يتصرف دماغه بتهور
كان يريد أن يعيد ذلك الشخص معه } و اجتاحه ألم حاد آخر ، بعدما تحطم أحد أضلاعه
سعل الجنرال تشو دماً، لكن حركاته أصبحت أكثر شراسة
بدأت عضلاته تضعف تدريجياً ، وانتشر من صدره ألم نافذ كطعنة في القلب ، بينما فقدت قدماه الإحساس
ولسوء الحظ كان قد اعتاد هذا القدر من الألم منذ زمن بعيد
واصل هذا الإسفين البشري التوغل ببطء ، دون أن يظهر على سرعته أي تباطؤ
{ ربما سيكون رفيقي الفاقد للوعي أمامي ، أو ربما سيكون حاصد أرواح مجنون — اعلم جيداً أنني أخذ قرار بالغ الخطورة ،،
إن كان رهاني صحيح ، فسأجد طريقة لأعيد شو جون إلى المنزل
وإن كنت مخطئ ، فسينتهي العالم في النهاية ، وسأكون أنا من أوائل الضحايا }
مر الوقت ،
وبدأ تشو يانتشن يشعر أن الخنجر بطيء للغاية
فمد يده الأخرى أيضاً
اخترقت الكروم قفازيه ، وجرحت أصابعه ، فصبغ الدم القفازات البيضاء بالأحمر القاتم
وأخيراً —— أمسك بيدٍ بشرية —- وكادت الدماء الزلقة على كفه أن تجعله يفلتها
كانت تلك اليد باردة مثل كروم مستنقع التآكل ، وملوثة بالمادة الدماغية الرمادية البيضاء لمادة التآكل
“ شو جون " سعل قليلاً من الدم ، لكن صوته بقي هادئاً كما كان دائماً
بقيت تلك اليد ساكنة — غيّر تشو يانتشن طريقة إمساكه، وشد على معصم شو جون ، يتأكد من وجود النبض
شعر بنبض خافت جداً — رفع خنجره بذراعه المنهكة،
محاولاً أن يحفر طريقه لإخراجه بالقوة
طوال هذا الوقت ، ظل تشو يانتشن ممسكاً بتلك اليد الباردة بإحكام ، وضاغطاً إياها على صدره
{ لم يكن لديّ أي سبب لتركه مجدداً }
وكأن شو جون استشعر دفء إنسان ، تحركت يده قليلاً
وفي الثانية التالية ، توقفت جميع كروم مستنقع التآكل المحيطة بهما عن الحركة ———
تجمدت حركات تشو يانتشن لنصف ثانية بسبب هذا التغير المفاجئ ، لكنه في اللحظة التالية عاد يقطع الكروم ، حتى ظهرت ذراعا شو جون العاريتان
مسح تشو يانتشن الدم عن فمه ، وأمسك بالذراع المغطاة بمادة التآكل : “ سنعود "
وبحسب بنية كروم التآكل ، كان ينبغي أن يتمكن من سحب شو جون إلى الخارج
لكن شو جون بدا وكأنه اندمج مع كروم التآكل
سحبه تشو يانتشن بكل قوته ، إلا أن جسد شو جون لم يتحرك
وخشية أن يؤذيه ، مد يده مرة أخرى ليتعامل مع الكروم التي بدت بلا نهاية
أصبح الألم والبرد شيئاً بعيداً ، ولم تعد عيناه تريان سوى هدفٍ واحد
كم ساعة مضت منذ دخوله ؟
لم يبق أي أثر للضوء بين شقوق الكروم
كانت مادة التآكل الكثيفة تضغط عليه من جميع الجهات،
كما لو أنه غارق تحت الماء
وقد تآكل الطلاء المقاوم للتآكل على الخنجر ، فأصبح نصله مليئاً بالحفر ، وصار يحتاج إلى ضعف الجهد ليقطع الكروم السوداء
وبدا أن يد شو جون أصبحت أكثر دفئاً قليلاً ، ولم يدرك تشو يانتشن إلا بعد ثوانٍ أن السبب لم يكن تعافي حرارة جسد شو جون ، بل لأن حرارة جسده كانت تنخفض تدريجياً ——-
تخيل دفء الشمس ، والمدفأة في الغرفة ، والبخار المتصاعد من إبريق الشاي —- وتخيل وجه شو جون، الذي كان قريباً من وجهه قبل وقتٍ ليس ببعيد ، وذلك النفس الذي كان أكثر شيء حميمي لامسه في حياته
{ إن تركته ، ولم يستيقظ شو جون في الوقت المناسب … فسيُؤخذ شو جون بعيداً
وسيُسلب أمل الآخرين ، وسيختفي أملي أيضاً
لا أريد أن اختبر مثل هذا الفراق للمرة الثانية }
وأخيراً ، بدأت مادة التآكل المحيطة بهما تتحرك من جديد،
لكن هذه المرة حركتها غير طبيعية إلى حد بعيد، إذ بدأت كروم التآكل تنهار
سحب تشو يانتشن الذراع مرة أخرى
لكن هذه المرة لم يحاول سحب شو جون نحوه ، بل جر نفسه إليه
وبين مادة التآكل المنهارة ، لف ذراعه حول خصر شو جون وعانقه إلى صدره
ثم سحب مسدسه وأطلق النار بجنون فوق رأسيهما، مطهراً مادة التآكل حتى لا تسحقهما الكتل المنهارة منها
وسط الظلام المتداعي ، بدا شو جون كتمثال جليدي
تشابكت كروم التآكل وكانت لينة على نحو مدهش ، مما خفف من سقوطهما
وأضاءهما الضوء المتبقي ، فتمكن تشو يانتشن أخيراً من رؤية هيئة الشخص بين ذراعيه
خلف شو جون تمتد أجزاء من عظام سوداء حالكة ، تشبه أطراف الحشرات أو بقايا أجنحة متعفنة
وكانت تستقر برفق على الأرض ، وتتخلل الكروم المنهارة، مطلقة صوت امتصاص يبعث على القشعريرة
أما جلد ظهر شو جون — فقد تلون بالسواد الحالك ، وتحولت أطرافه إلى نسيج يشبه مادة التآكل
عانقه تشو يانتشن بإحكام ، وشعر بمزيد من مادة التآكل تنزلق من صدره ، وتمتزج بدمه ، ثم تتدفق إلى مستنقع التآكل أسفلهما
{ لا، لم يكن ظهر شو جون فقط … بل إن جسده كله تحول إلى ظلامٍ خالص … من شعره حتى أطرافه ، ابتلع السواد الدامس لمادة التآكل كل الضوء —— وكأنني احتضن ظل }
بدأ هذا الظل يتشوه — اندمجت الأطراف والجذع تدريجياً،
ليتحول إلى مخلوق مرعب لا ينبغي أن يوجد إلا في الكوابيس
كان يتلوى برفق ، أشبه بحركاتٍ يجرب بها السيطرة على جسده قبل الفقس ، وليس بحركات مقاومة
لم يكن تشو يانتشن يعلم كيف انتصر شو جون، ولم يكن يعلم حتى إن كان ما بين ذراعيه لا يزال يمكن تسميته ' شو جون ' وبينما يحتضن هذا الكيان الغريب ، اجتاحه خوف لم يعرف له مثيل — وصرخت غرائزه البدائية في داخله طالبةً منه الهرب
لكنه لم يذرف الدموع ، ولم يرتجف ، ولم ينادِ اسم الطرف الآخر بذعر — جلس تشو يانتشن بهدوء لعدة دقائق ، وهو يشد الكيان بين ذراعيه أكثر
تمتم بهدوء: “… حتى لو كانت أمنية من قبل ستة عشر عاماً …
لا ينبغي أبداً أن تُقال أمنيات عيد الميلاد بصوتٍ عالٍ .”
وفي اللحظة التالية ، بدأ المخلوق بين ذراعيه يتلوى بعنف
ولم يمهله الوقت ليفعل شيئاً، إذ تحول إلى سائل وانساب خارج ذراعيه
أصبحت ذراعاه فارغتين ، ولم يبق تحت ركبتيه سوى مستنقع تآكل نقي… أو بالأحرى ، مستنقع تآكل تشكل حديثاً ولم يستيقظ بعد
سقط جهاز الرصد الذي كان على معصم شو جون فوق ساق تشو يانتشن
وبعد بقائه مغموراً في مادة التآكل فترة طويلة ، كان قد توقف عن العمل منذ نصف ساعة
وكانت الكلمات الظاهرة عليه تومض بخفوت ، وكأنها قد تختفي في أي لحظة
[ مستوى الاندماج: 100%؛ لا توجد أي علامات حياة .]
بقيت كمية صغيرة من مادة التآكل في كف تشو يانتشن
حدق فيها بشرود، ثم أغلق كفه محاولاً الاحتفاظ بها
لكنها زحفت على خطوط راحة يده، وفي النهاية سقطت في الظلام
التف شيء بارد حوله ، فأنزل تشو يانتشن نظره ، ليرى أيدي سوداء ذابلة ، واحدة تلو الأخرى ، تشبه نسخاً مصغرة من سيغما ، تلتف حول خصره وساقيه، وكأنها تستهدف صدره وعنقه
غمره إرهاق لا حدود له
وانفجر نوع آخر من الألم من أعماق جسده ، ثم تحول إلى خدر
جثا في مكانه كشجرة ميتة
أغمض تشو يانتشن عينيه
————-
قبل عدة ساعات ——-
شو جون تألم بشدة حتى فقد وعيه —— نُبشت الذكريات من أعماق عقله ، وأُقحمت فيه بالقوة ذكريات من مصادر مجهولة
كانت كل قطعة منها مشبعة بالدم ، ومليئة بيأس عميق
رأى وجوه رفاقه الذين ماتوا ، وعُرضت أمام عينيه تفاصيل لا تُحصى
من ضحكاتهم المعتادة ، إلى اللحظات التي ماتوا فيها دون أن يدركوا ما يحدث
انهال عليه ذلك الألم واليأس الهائل ، مصحوباً بمعلومات خارجية أشد رعباً ، إذ جمعت يأس عدد لا يحصى من الموتى ، ونسجت منظوري الأحياء والأموات معاً ليشكلا حبل مشنقة يلتف حول روحه
همس مليارات الموتى في أذنيه ،
وتحولت الذكريات المملوءة بالكراهية إلى دوامة
لم يعد شو جون قادراً على التفكير إلا بالكاد ، وكان وعيه كقطعة خشب مكسورة وسط عاصفة ، على وشك أن تغرق في أعماق البحر
أمام ذلك اليأس الساحق، بدت آماله هشة كالورق
{ هل بالإمكان حقاً إنقاذ هذا الوضع ؟
حتى لو لم يخوني آ-يان — هل كان بإمكاننا حقاً إيجاد طريقة لإطالة عمر البشر الاصطناعيين؟
وحتى لو نجحنا ، فهل سيدعمنا البشر حقاً مهما كان الثمن
في ظل الموارد الشحيحة الحالية ؟ }
كانت هذه خطة لوو دوان، وفهم شو جون ما أراد لوو دوان إيصاله —
لقد تجاهل تلك الصرخات ، وتلك الضغائن ، وذلك الغضب ، وترك التوازن بين البشر والبشر الاصطناعيين، سعياً وراء معجزة تكاد تكون مستحيلة
وبدلاً من منح رفاقهم أملاً غير واقعي ، كان من الأفضل احتضان رغبة الموت منذ البداية ، والسعي إلى أقسى انتقام ممكن
كان شو جون هو الأوفر حظاً بين البشر الاصطناعيين ، لكن قلبه الآن احترق بغضب ويأس لا حدود لهما
وماذا لو دُمّر العالم ؟ وماذا لو فنيت البشرية ؟
كان مصير البشر الاصطناعيين محسوماً منذ البداية ، أما البشر فلم يكونوا حتى من النوع نفسه
لم يختلفوا عن مستنقع التآكل… بل ربما كانوا أشد قسوة منه
كانت أعصابه تُنشر ذهاباً وإياباً بالكراهية ، وكان شو جون على وشك أن يصرخ من شدة الألم
وتحولت المشاعر العكرة الثقيلة إلى وحوش ، تجر إرادته وتمزقها بالقوة ، وكادت تحطم وعيه إلى أشلاء
التقط شو جون أنفاسه بصعوبة ، وفي وعيه الضبابي، سمع إنذار حاد يصدر من معصمه
{ … صحيح ، لقد أخبرني آ-يان
بمجرد أن يتجاوز مستوى الاندماج 95%، عليّ أن اهرب
لكنني … لا أستطيع الحركة }
كان كل ما حوله بارداً ككهف جليدي، وشعر أن دماغه أشبه ببالون منتفخ أوشك أن ينفجر من السم
{ انا .. بحاجة إلى متنفس ، و أي شيء سيكفي
فقط ليتوقف هذا الألم } شد شو جون على أسنانه ، وفقد السيطرة على أطرافه تماماً
كما تحررت نية القتل والجنون من قيودهما
كان يشعر بشيء يخرج من داخله ، ويتبع غرائزه ، ويدمر كل شيء بلا تمييز ( مثل كذا تقريباً : )
سحقت تلك الزوائد السوداء مستنقع التآكل الصغير داخل قبضتها ، وحطمت بسهولة دماغ مستنقع التآكل الكرمي
كانت حركات تلك الزوائد الغريبة عنيفة ، وكان شو جون يشعر بها، وحشية ومدمرة إلى درجة أن هذه المذبحة فاقت حتى مشاركته المباشرة فيها
كان جسده يخرج عن السيطرة ، بينما بدأ عقله يغرق في الضباب شيئاً فشيئاً
إلى أن شعر بلمسة دافئة ——-
لم يعد شو جون يرى شيئاً —- لم يكن يشعر إلا بإحساس تمزيق الأعداء ، وما يرافقه من ضغط وألم
لكن وسط هذا الكهف الجليدي ، ظهر فجأة أثر صغير من الدفء ، فأوقف حركته دون وعي
{ من هذا ؟ }
كان عقله ممتلئاً بصراخ الموتى ، وكانت يداه مغطاتين بالأطراف المبتورة ، ومع ذلك تمكن دماغه النابض بالألم من لفظ هذا السؤال
قال ذلك الشخص : “ سنعود "
{ إلى أين سأعود ؟ مسقط رأسي مزيف — وأيضاً عائلتي }
لكن صوت ذلك الشخص حمل معه شعوراً بالطمأنينة،
كجرعة دواء مثلجة
بدا الزمن وكأنه تجمد ، وتوقفت الذكريات المتشابكة،
مبتعدة مؤقتاً عن الجنون
وظهر في ذهنه شيء جديد ، لم يُغرس فيه بالقوة ، ولم يُستخرج بالقوة
كان أشبه برؤية زهرة صغيرة وسط عاصفة لا نهاية لها
تحامل على نفسه بعناد حتى وصل إليها، ثم حماها بعناية
…ذكره ذلك بشيء من الماضي
قبل ستة عشر عاماً ، بعد مهرجان لمّ الشمل ——-
قال شو جون بغموض ، وهو يحمل عصابةً للعين بكل جدية : “ كان عيد ميلادك قبل المهرجان ، لكن مصروفي الإضافي لم يصل وقتها — اليوم أخيراً وصل!
واخترت لك شيئاً رائعاً "
تفحص يانتشن عصابة العين للحظة ، ثم أخذها بطاعة :
“ شكراً. أعجبتني كثيراً "
: “ هاه ؟ … بماذا تفكر ؟!” انتزع شو جون عصابة العين بسرعة : “ هدايا عيد الميلاد يجب أن يكون عليها شريط!”
ابتسم يانتشن ابتسامة خفيفة على مضض ، وترك شو جون يضع العصابة على عينيه ، ثم يديره في مكانه عدة مرات
و قاد شو جون يانتشن إلى الشرفة ، ثم نزع العصابة بحماس : “ هذا… انظر !”
أمام الشابان وقف صندوق هدايا ضخم ، يعلوه شريط أحمر مبالغ في حجمه ، إلا أن العقدة مربوطة بشكل سيئ ومائلة،
مما جعلها تبدو قبيحة إلى حد ما
قال يانتشن بجدية : “ أنت من لفه ، فلماذا عصبت عيني ؟”
تمتم شو جون بانزعاج : “… أنت كثير الكلام
هيا، افتحه ، افتحه بسرعة !”
بعد مهرجان لمّ الشمل ، كانت هذه أول مرة يرى فيها شو جون يانتشن يبتسم ——- ابتسم يانتشن و أومأ برأسه ثم بدأ يفك الصندوق الكبير أمامه
داخل الصندوق يوجد أصيصان صغيران من زهور الجريس ، تتفتح فيهما الأزهار بالكامل
و الأصص أنيقة وجميلة ، وبدت باهظة الثمن من النظرة الأولى
رفع شو جون رأسه بفخر : “ سألت صاحب محل الزهور ، وقال إن هذه أجمل واحدة عنده ،
وهي تختلف عن العادية ، لأنها تتوهج ليلاً بشكل جميل ،
طالما تعتني بها، فستبقى حية وتتفتح كل سنة
المرة الماضية لاحظت أنك أعجبت بها كثيراً ،
لكن لأنك مميز جداً ، لم أشتري لك النوع العادي…
آ-يان؟!”
وضع يانتشن الزهور جانباً ، ثم عانق شو جون بصمت
ظل يعانقه طويلاً ، وعندما أرخى ذراعيه ، كانت عيناه محمرتين قليلاً
عبث شو جون رأسه بخجل : “ لهذه الدرجة تأثرت ؟
في الحقيقة كنت أنوي أن يكون لكل واحد منا أصيص.
نعتني بهما معاً، ونتبادل خبرات زراعة الزهور وما إلى ذلك…”
فرك يانتشن عينيه ، وتعمد أن يتحدث بنبرة أكثر خفة :
“ لا أستطيع الاحتفاظ بالزهور في المنزل
هل يمكنك أن تعتني بها نيابةً عني… في الوقت الحالي؟”
: “ هاه ؟ آسف ، لم أكن أعرف ... إذاً انس الأمر وسأشتري لك هدية أخرى…”
: “ لا، أريد هذا فقط. أعجبني حقاً ...” استنشق يانتشن أنفه :
“ عندما… عندما أكبر ويصبح لدي منزل خاص بي،
سأحملها معي بالتأكيد
لكن حتى ذلك الحين ، هل يمكنك أن تعتني بها من أجلي؟ هل توافق ؟”
{ هل كان هذا يعني أننا سنبقى صديقين لفترة طويلة ؟
لقد كنت عبقرياً حقاً في اختيار الهدايا } لان قلب شو جون فوراً : “ حسناً، حسناً، لا مشكلة!”
بعد مهرجان لمّ الشمل استطاع شو جون أن يشعر بأن يانتشن قد تغير
و أصبحت هيئته كـ”أخٍ أكبر”، التي لم تكن تتناسب مع عمره الحقيقي ، أكثر ثباتاً بكثير
لم يعد يحمل توتر الماضي وقلقه، بل أصبح كسيفٍ مصقول
وفي المقابل ، أصبح يانتشن أكثر صرامة في تدريب شو جون على التكتيكات — وكانت هناك عدة مرات فقد فيها أعصابه فعلاً ، حتى إنه كاد يرعب شو جون
ورغم أنهما واصلا الضحك والجري في تلك الشقة الصغيرة،
فإن شو جون كان يشعر بشكل غامض أن شيئاً ما قد تغير إلى الأبد
في إحدى الليالي ، تمسك شو جون ببطانيته بإحكام ،
وابتلع بتوتر : “ آ-يان … هل هناك شيء يشغل بالك؟”
“…” كان يانتشن مستلقياً وظهره موجهاً إلى شو جون، وظل صامت
تابع شو جون بحذر : “ مزاجك سيئ ،، إذا كانت لديك أي متاعب…”
بعد صمت طويل ، تحدث يانتشن بصوت خافت : “ أمي… لم يعد بإمكانها الصمود طويلاً .”
: “ ماذا ؟!” قفز شو جون من السرير مذعوراً : “ إذاً اذهب وابقَ معها حالاً !”
: “ فكرت في ذلك، لكن غرفتها تحتوي على جهاز علاج مخصص ، ولا أستطيع الدخول… لا يمكنني إلا أن أحرص على البقاء معها خلال الوقت الذي لا تتلقى فيه العلاج، لكن…”
صعد شو جون السرير بهدوء من جديد ، وفكر قليلاً ، ثم احتضن يانتشن من الخلف
لم يقاوم يانتشن : “ أعرف أن مرضها خطير جداً ، وقد هيأت نفسي لهذا منذ عدة سنوات
لكن الآن… ما زلت… لا أستطيع تقبل الأمر تماماً .”
: “ آ-يان…”
: “ قد تكون غريبة أحياناً ، لكنها أم جيدة ، وأنا أعرف ذلك.
كنا قد خططنا للخروج معاً في نهاية هذا العام
قالت إنها تريد أن تراني أبلغ السادسة عشرة .”
لم يعرف شو جون ماذا يقول
لم يكن لديه والدان، لذا لم يستطع أن يفهم ألم يانتشن بالكامل
و كل ما استطاع فعله هو أن يحتضنه بقوة ، آملاً أن يخفف تلك الارتجافات
قال شو جون بتلعثم ، محاولاً مواساته : “ لا أعرف كيف أواسيك ، لكن… لكن إذا كنت حزيناً جداً،
فسأخصص وقتاً أكبر لأبقى معك مستقبلاً …
آ-يان، أنا مستعد لأن أكون صديقك إلى الأبد .”
ولسببٍ ما، ارتجف يانتشن بعنفٍ أكبر
سواء أرخى شو جون ذراعيه أم واصل احتضانه ، بقي جسده متصلباً كتمثال
قال يانتشن بعدما استعاد شيئاً من هدوئه ، وكان صوته يرتجف بالبكاء : “ أنت لا تفهم "
: “ أنا…” أجهد شو جون عقله محاولاً معرفة إن كان قد قال شيئاً غير لائق
وقبل أن يصل إلى إجابة ، استدار يانتشن وعانقه بكل قوته ،
كغريقٍ يتمسك بآخر شيء يطفو على سطح الماء
و قال يانتشن بصوت مبحوح : “ نم "
: “ لكن أنت…”
كرر يانتشن : “ نم "
….
بعد ذلك ظل شو جون متوتراً طوال أسبوع كامل
لكن يانتشن أثبت أنه أقوى بكثير مما تخيل
لم يغرق في الاكتئاب ، ولم يتعامل مع شو جون بشرود
بل بدا من تصرفاته أنه أصبح يقدر الوقت الذي يقضيه معه أكثر من أي وقت مضى
ولم يكن يانتشن يتجنب الحديث عن حالة والدته
كان يشاركه تفاصيلها بحزن ، بينما شو جون ينصت إليه بصبر، مستعداً دائماً لأن يمنحه كتفاً يستند إليه،
أو ذراعاً، أو عناق
وفي المقابل، بدأ شو جون هو الآخر ينفتح عليه تماماً،
يشاركه أفراحه وأحزانه اليومية، وكان يانتشن أول من يخبره بكل شيء
ورغم أن شو جون كان يشعر بشكل غامض أن يانتشن يخفي عنه شيئاً ، فإنه لم يهتم بذلك
فقد كان يؤمن أن يانتشن لن يؤذيه أبداً
لم يعد الاثنان يتشاجران ، وأصبحا يقدّران كل يوم يقضيانه معاً
ومضى الوقت ببطء ، حتى أدرك شو جون تدريجياً أمراً مرعب —
{ لقد اعتدت الحياة مع يانتشن ، ولم أعد اعلم إن كنت سأستطيع تقبل رحيله }
اعتنى شو جون بعناية بأصيصي زهور الجريس ، ووضعهما في أكثر مكان يلفت الأنظار ، وتمنى بصمت
{ حتى إن لم نستطع أن نكون صديقين مدى الحياة ، فقد اتمنى أن نبقى معاً حتى نبلغ سن الرشد }
….. لكن زهور الجريس لم تكن سحرية في النهاية ، ولم تتحقق أمنيته ……
وفي النهاية ، افترقا ، ولم يكن ذلك الوداع الهادئ الذي تخيله شو جون
لقد تصور احتمالات كثيرة لفراقهما، لكن النتيجة كانت دائماً واحدة ؛ سيخبره يانتشن بالأمر ، وسيبكيان حتى تدمع أعينهما ، ثم يتبادلان وسائل التواصل ، ويواصلان الحديث عبر الإنترنت
لكن الواقع كان أشد قسوة بكثير —-
يتبع
.jpeg)
.webp)
تعليقات: (0) إضافة تعليق