Ch4 WDCL
ما إن دخل جينغ تسان بوابة الفناء حتى أدار هيي بينغيي مقود الدرّاجة وتقدّم شبراً إلى الأمام
لم يعرف كيف نبت اللبلاب على السياج الحديديّ بهذه الطريقة — لكنّه ترك فجوة بحجم كفّ
شد هيي بينغيي عنقه وخفض رأسه ، ومن خلال تلك الفجوة رأى أضواء البيت في الداخل تشتعل
قبل قليل ، وهو يحلّ المسائل ، أثقل النعاس جفنيه حتى ما عاد يقوى على فتحهما
لكن ما إن أوصل جينغ تسان حتى تلاشى النعاس فجأة
لم يتعجّل هيي بينغيي الرحيل ، بل انحنى وألقى بجسده على المقود ، وبدأ يحدّق بدقة في تلك النافذة التي صبغها الضوء بالأصفر
شعر أنّ جينغ تسان ، منذ لقائهما الأوّل ، لم يكفّ عن إثارة فضوله
أوّلاً تساءل من يكون ، ثم تساءل لماذا لا يتكلّم أبداً ، ثم تساءل أيّ إنسان هو في الحقيقة
وجهه صغير الملامح بوضوح ، لكنّ الإحساس الذي تركه في هيي بينغيي كان إحساسَ من يحمل في صدره هموم عشرة أعوام كاملة
فجأة ظهر خيالٌ خلف النافذة ، فتجمّد هيي بينغيي
—— إنّه جينغ تسان
وقف هناك بلا حراك
المسافة بعيدة والضوء خلفه ، فلم يرى هيي بينغيي تعابير وجهه ، لكنّه متأكد أنّ جينغ تسان ينظر إليه
فأخذ نفساً عميقاً ، وأشعل مصباح الدرّاجة ، ولوّح مودّعاً للواقف في الداخل
وبعد أن غادر هيي بينغيي ، ظلّ جينغ تسان واقفاً أمام النافذة طويلاً
حتى بدأت ساقاه تؤلمانه ، أطفأ الضوء وجلس على الكرسيّ بجانب المكتب
——————
حين وصل هيي بينغيي إلى البيت ، نظر في ساعته : { من منزل جينغ تسان إلى منزله إحدى عشرة دقيقة بالدرّاجة الكهربائيّة }
أطلّ برأسه نحو الغرفة الداخليّة ، فرأى ضوء غرفة أمّه مطفأً ، فتسلّل في العتمة إلى الحمّام ، يخفّف خطواته ويديه ، وأسرع في غسل وجهه وتنظيف أسنانه ، ثم عاد إلى غرفته
استلقى على السرير ، ولسببٍ لم يفهمه ، امتلأ رأسه بصورة جينغ تسان وهو يخبره أنّه أخطأ في ترديد الجملة
فتح هيي بينغيي عينيه ، وشبك أصابعه خلف رأسه ،، وبدأ يحدّق في السقف مفكّراً
أعاد المشهد نفسه أمام عينيه مرّة أخرى ، فانقلب فجأة وجلس ، وشغّل الحاسوب
——————-
في اليوم التالي ،
انطلق هيي بينغيي قبل الموعد بعشرين دقيقة
ظلّ طوال الطريق يضع يداً في جيبه ويدندن بأغنية خفيفة
توقّف أمام باب بيت جينغ تسان ، وأطلق صافرة مسترخية ، ثم زفر زفيراً طويلاً
لم تكد الصافرة تخفت حتى انفتح الباب الكبير ، ووقف في الداخل شخص شعره مبعثر ، وعينان واسعتان تنظران إليه من خلف عدستي نظّارة وضبابٍ ناعم
: " باكراً جدّاً ؟ " ابتسم هيي بينغيي ، ولمّا رأى جينغ تسان واقفاً لا يتحرّك ، أشار إليه بإصبعه أن تعال : " اركب "
هذه المرّة لم ينطق هيي بينغيي بكلمة ——-
ما إن اقترب جينغ تسان منه حتى مدّ يده وانتزع حقيبته المدرسيّة من بين أصابعه
هيي بينغيي : " أسهرتَ بعد وصولك البارحة تُكمل المذاكرة ؟ وإلا لماذا أعدتَ الحقيبة معك ؟ "
مقارنةً بالبارحة ، اصبح جينغ تسان أكثر إتقاناً في الركوب
قبل المنعطفات يشدّ طرف ثياب هيي بينغيي مسبقاً ، وحين تستقيم الدرّاجة يفلته من تلقاء نفسه
: " لا ، فقط … " فكّر جينغ تسان لحظة ، ثم أجاب بصراحة : " فقط … لم أعتاد ألّا أحمل شيئاً في يدي ..."
سمعه هيي بينغيي ، فأمال رأسه قليلاً ، محاولاً أن يفهم أيّ عادة هذه
أمّا جينغ تسان فما إن نطق بتلك الجملة حتى ندم
خشي أن يراه هيي بينغيي غريب الأطوار
لكنّه رفع عينيه نحو رأس هيي بينغيي ، وفتح فمه ، فلم يجد كلمة تدارك يقولها ، فاكتفى بأن عضّ شفته بخفّة وأدار وجهه نحو الطريق الذي يمرّان به
مضى قرابة شهر على قدومه إلى مدينة هووهيي ، لكن حين أجال بصره اليوم ، بدا له أنّ على هذا الطريق الذي سلكه مراراً متاجر كثيرة لم يألفها بعد
ثبتت عيناه على محلّ لشرائح الدجاج المقليّ ، وكانت الدرّاجة قد تجاوزته بالفعل ، لكنّه ظلّ يدير رأسه ناظراً إليه
توقّف هيي بينغيي عند إشارة حمراء ، واستدار فجأة نحو جينغ تسان : " بالمناسبة أعدتُ مشاهدة ' Initial D' في المنزل .
أمس كنتَ أنتَ على حقّ "
كأنّه ضُبط متلبّساً بفعلٍ مشين ، أعاد جينغ تسان رأسه بسرعة ما إن سمع صوت هيي بينغيي
رأى هيي بينغيي الذعر المرتسم على وجهه فلم يتمالك نفسه وضحك : " ما الأمر ؟
تشتهي شرائح الدجاج المقليّ ؟ "
شعر جينغ تسان بحرارة تصعد إلى وجنتيه ، فأنكر بصوت خافت : " لا "
حدّق فيه هيي بينغيي حتى أدار وجهه إلى الجهة الأخرى ، ثم سمعه يقول : " هل قدتَ سيّارة من قبل ؟ "
{ قيادة ؟ } تسمّر جينغ تسان لحظة ، ثم أعاد نظره إلى هيي بينغيي : " لا يمكن الحصول على رخصة القيادة قبل الثامنة عشرة "
قال هيي بينغيي وهو يضحك : " أعرف ، لكن سيارات الكارتينغ ؟ جرّبتها ؟
أو على الأقلّ ، ألعاب سباق السيارات ؟ "
أبعد جينغ تسان بعينيه ، وعبس جبينه قليلاً
ثبت بصره على شقّ في الأرض ، وهزّ رأسه ببطء
اجابه تسان : " لا "
و لأنّه مطأطئ الرأس ، لم يرَ هيي بينغيي منه سوى شعره
رفع يده ، وقبل أن يستوعب ما يفعل ، كانت أصابعه على وشك لمس رأس جينغ تسان
أضاءت الإشارة الخضراء ، وتدفّقت السيارات من حولهما
توقّفت يد هيي بينغيي في الهواء
استفاق من غفلته ، وفوجئ بنفسه
استدار كأنّ شيئاً لم يكن ، وقبل أن تنطلق الدرّاجة ، قال بنبرة خفيفة عابرة : " إذن لنذهب مرّة ونلعب معاً "
——————
أمام بوّابة المدرسة ،
بدا طلاب بعيون نصف مغلقة — كـ آلات مذاكرة تمشي على قدمين — يتسلّلون مسرعين قبل أن يفوتهم الوقت
أوقف هيي بينغيي وجينغ تسان الدرّاجة في المرآب ، وما إن وصلا إلى الدرج حتى ناداه جينغ تسان فجأة
بدا أنّها المرّة الأولى التي يسمعه فيها يناديه — فتوقّفت يد هيي بينغيي عن إدارة المفتاح واستدار ينظر إليه : " نعم ؟ "
صعد جينغ تسان ببطء شديد ، وكلّما رفع قدمه إلى درجة أومأ رأسه إيماءة خفيفة
لم يمنح هيي بينغيي أيّ تفسير ، حتى وصلا إلى أعلى الدرج حيث يفترق كلّ منهما إلى فصله ، فقال أخيراً : " هل نستطيع فعلاً أن نذهب لقيادة سيارات السباق ؟ "
ظنّ هيي بينغيي أنّ كلّ هذا الصمت تحضير لأمر كبير ، و لمّا سمع السؤال أدرك أنّه بالغ في تقدير مهارات جينغ تسان الاجتماعيّة
هيي بينغيي : " وما الذي يمنع ؟ "
شدّ جينغ تسان قبضته على حزام الحقيبة ، وخفض رأسه ، وبدأ يدوس بطرف حذائه على النقش المحفور في الأرضيّة بخفّة
لمح هيي بينغيي زاوية فم تسان ترتفع ببطء ، فهربت منه ابتسامة حاول إخفاءها عمداً
توالى الطلاب صاعدين الدرج ، وسمع جينغ تسان أصواتهم تتداخل ، فتبدّل وجهه الذي أشرق قبل لحظة وصار أقلّ ارتياحاً
أومأ برأسه وقال : " سأذهب إذاً "
: " حسناً ، انتظرني وقت الغداء ، " قال هيي بينغيي ، ثم رفع ذقنه : " تفضّل"
في الثانوية السابعة لطلاب الصفّ الثاني عشر حصّتا مذاكرة صباحيّة : الأولى من السابعة حتى السابعة والنصف ،
ثم عشرون دقيقة للفطور ، وتبدأ الثانية في السابعة وخمسين دقيقة ، بينهما استراحة خمس دقائق ، ثم تبدأ الحصّة الأولى في الثامنة والنصف
ولكي لا يغلب النعاس الطلاب في حصّة المذاكرة الأولى ، خصّصت المدرسة هذا الوقت للقراءة الصباحيّة
أخرج جينغ تسان جريدة إنجليزيّة وفتحها ، وألقى نظرة سريعة على المقطع المطلوب حفظه ، ثم أنزل رأسه وبدأ يحدّق في الفراغ
—— لم ينم جيّداً البارحة
والحقيقة أنّه منذ قدومه إلى هووهيي لم يهنأ بليلة نوم هادئة واحدة
تذكّر حين سأل سونغ يينان إن كان يستطيع أن ينتقل للدراسة هنا — ارتسم على وجهها ارتباكٌ واضح ، وبعد صمتٍ قصير ابتسمت ابتسامة خفيفة ووعدته أنّها ستناقش الأمر مع جينغ تسايهانغ
لم يعرف جينغ تسان كيف أقنعت سونغ يينان والده ، لكنّه في يوم رحيله كانت سونغ يينان من ودّعه
قالت إنّ لدى جينغ تسايهانغ مشاغل في الشركة ولا يستطيع توصيله ، لكنّ جينغ تسان عرف أنّ أباه في غرفة المكتب
لم يدرك جينغ تسان متى شدّ قبضته ، حتى غاصت أظافره القصيرة في راحته ، فأوقفه الألم عن الغوص في الذكريات
كأنّه خرج من غرفة مغلقة لا يدخلها هواء — فلمّا عادت كلمات الجريدة الإنجليزيّة تتّضح أمام عينيه فجأة ، بدأ يتنفّس بسرعة واهتياج
ضجيج من حوله
رفع جينغ تسان عينيه ، فاكتشف أنّ الحصّة انتهت في وقتٍ ما لم ينتبه إليه
{ هيي بينغيي .. }
استيقظ ذهنه في لحظة ، وأسند ذراعه على المكتب يحاول النهوض
وفي اللحظة نفسها ، انفتحت النافذة بجانبه من الخارج فجأة ، مع صرير احتكاكٍ حادّ
: " مجتهدٌ إلى هذا الحدّ ؟ " أطلّ هيي بينغيي برأسه ، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة فيها عتبٌ رقيق : " لن تأكل ؟ "
: " سآكل ! " اندفعت الكلمة من فمه قبل أن يدرك ، فشعر كم بدت نبرته متوتّرة ،
ابتلع ريقه ، وثبّت اضطرابه ، وعاد إلى إيقاعه المعتاد :
" سأخرج حالاً "
في العجلة ندامة
اصطدمت ساق جينغ تسان بكرسيّ زميله في المقعد فسقط بضجّة مدوّية ، فرفع عدّة طلاب رؤوسهم من فوق مكاتبهم ونظروا إليه
راقب هيي بينغيي وجه جينغ تسان يحمرّ بسرعة ، فطمأنه بصوت خافت وهو ينحني ليرفع الكرسيّ : " لا بأس ، لا تتسرّع "
———-
جرّه هيي بينغيي حتى المرآب
بدأ جينغ تسان يراقبه وهو يفتح القفل ببطء ، ثم سأله أخيراً بنبرة متثاقلة : " ألن نحضر الحصّة ؟ "
: " بلى ، " ألقى هيي بينغيي قفل العجلة الخلفيّة في سلّة الدرّاجة : " سنأكل أوّلاً "
…….
تم أخذ جينغ تسان بعيداً عن المدرسة دون أن يفهم شيئاً ، على نفس الطريق الذي جاؤا منه
شمّ رائحة مألوفة ، فأدرك أخيراً ما الذي يفعله هيي بينغيي
…..
طلب هيي بينغيي حصّتين من شرائح الدجاج
وما إن سلّمهما صاحب المحلّ الطلب الأول المقلي حتى وضعها فوراً في يد تسان : " كل بسرعة "
نظر جينغ تسان إلى الأسفل : شرائح مقطّعة مربّعات ، ذهبيّة لامعة
لم تُغلَّف الشرائح سوى بكيس ورقيّ ، وكلّما أطال الإمساك بها لسعت الحرارة أطراف أصابعه
شهق جينغ تسان وأبعد أصابعه بسرعة
: " أحرقتك ؟ " ضحك هيي بينغيي من منظره ، ومدّ يده فمرّر كفّه على شعره : " يا لك من أبله "
لمّا لمس رأسه ، رفع جينغ تسان رأسه فجأة واتّسعت عيناه قليلاً
لم يسيطر هيي بينغيي على يده ، فلمّا رآه جينغ تسان يحدّق فيه شعر بشيء من الحرج
تنحنح بخفّة وحثّه : " كُل "
و أدار وجهه متظاهراً بانتظار طلبه ، لكنّ يده المختبأة في جيبه تحرّكت بتوتّر
عبس بحاجبيه وشد على تلك اليد { انتهى الأمر ، أخفتُ الفتى }
ظلّ جينغ تسان يرمش وينظر إليه لحظة ، ثم أخيراً ، أمام إغراء رائحة الدجاج المقليّ ، أنزل رأسه وأمسك بالعود الخشبيّ
ألقى هيي بينغيي نظرة خاطفة من طرف عينه ، فرأى جينغ تسان مركزاً على الأكل بجدّيّة — كأنّه فأر صغير
ما إن جهز الطلب الثاني حتى خرج الاثنان كتفاً لكتف من المحلّ
بعد بضع خطوات توقّف هيي بينغيي فجأة ونادى جينغ تسان
رفع جينغ تسان رأسه وفمه ممتلئ بالمضغ
: " لنتّفق على شيء ، " اقترب هيي بينغيي منه وخفض صوته : " أنا أدعوك لشرائح الدجاج ، وأنت تجيبني عن سؤال واحد — اتّفقنا ؟ "
توقّف جينغ تسان لحظة ، ثم واصل المضغ ،
ابتلع ما في فمه بلمح البصر ، وسأل بشيء من الغرابة :
" أيّ سؤال ؟ "
هيي بينغيي : " لماذا تسرح دائماً ؟ "
سمعه جينغ تسان ، وبدأ يحدّق فيه بعينين ثابتتين
أوضح هيي بينغيي : " طبعاً ، إن لم تُرد الإجابة فلا تجب
فقط أراك تحبّ السرحان كثيراً ، فضولي فقط .. "
مرّت ثوانٍ قليلة ، ثم أنزل جينغ تسان رأسه وغرز عوده بسرعة في قطعة أخرى ، ورفع عينيه نحو عيني هيي بينغيي وقال بصوتٍ أشبه بالتمتمة : " حتى السرحان ممنوع ؟ "
شكّ هيي بينغيي في أنّه يتوهّم ، لكنّ نبرة جينغ تسان هذه المرّة اختلفت حقّاً عن ذلك الخجول المرتجف الذي عرفه من قبل
بدا جينغ تسان الآن أكثر حيويّة بوضوح — حتى إنّ في هذه الجملة لمحة خفيفة من الدلال
نظر هيي بينغيي إليه مذهولاً وهو يمشي وحده نحو الدرّاجة الكهربائيّة ، ويضع في فمه قطعة أخرى وهو يمشي
توقّف جينغ تسان والتفت إليه:" إن لم نتحرّك الآن سنتأخّر "
{ يا للعجب … } تعجّب هيي بينغيي في داخله بدهشة غريبة : { الناس تشرب الخمر لتتجرّأ ، وهذا الفتى تجرّأ بشريحة دجاج ؟ }
هزّ رأسه ضاحكاً مرّتين ومشى نحوه { لو عرفتُ أنّ شرائح الدجاج تفعل هذا الفعل ، لاشتريتُ شريحة كبيرة في المرّة الثانية التي رأيته فيها ، ورفعتها أمام وجهه وقلت : ' نتعارف ؟ ' }
يتبع
الترجمة : أكيرا
التدقيق: Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق