Ch7 WDCL
الحصة الثالثة من الدراسة المسائية كل يوم اثنين مخصّصة لاجتماع الصفّ ، وبسبب ذاك الخطاب الصادم الذي ألقته وون شيانغيينغ في الصباح ، ساد توتّر استثنائيّ بين الطلاب قبل هذا الاجتماع
في الاستراحة ، جلس جينغ تسان سارحًا أمام أوراق موضوع التعبير على مكتبه ، وعيناه من دون أن يشعر تنجرفان نحو الدرج
مرّ القلم المائيّ بين أطراف أصابعه وذهابًا وأيابًا ، وما إن مدّ يده ليلمس ما في الدرج حتى سمع طرقات على النافذة
رفع رأسه ، فرأى هيي بينغيي يبتسم له بعينين ضاحكتين من فوق أصيص نبات البوتس
وما إن التقت نظراتهما حتى رفع هيي بينغيي يده وأشار إليه أن يأتي
قفز جينغ تسان من مقعده في لمح البصر ، واستدار بغريزته نحو جهة هيي بينغيي
لكن أصابعه ارتطمت بجدار صلب بارد ، فأدرك أنه أخطأ الاتجاه
رأى تسان ابتسامة هيي بينغيي تتّسع أمام عينيه — لذا لأنه قلق ومحرج ، لم يهتم لركبته التي ارتطمت بالجدار ، بل استغلّ نحافته وانسلّ من خلف زميله في المقعد ، ثم خرج من الصفّ مسرعًا
ظنّ أنّ هيي بينغيي لا يزال في مكانه ، لكن ما إن اندفع إلى باب الصفّ وهمّ بالانعطاف حتى اعترضته ذراع
ارتطم أنفه بكتف هذا الشخص فشعر بألم حادّ
مرّة أخرى ——
لو كان الارتطام بظهره على تلك الدرّاجة الكهربائيّة الصغيرة أمرًا يمكن تجاوزه ' بحجّة أنه كان مختبئًا خلفه ' فإنّ ما حدث الآن جعل جينغ تسان يشبه قطًّا مذعورًا حرفيًّا : كفّاه مستقرّتان على خصر هيي بينغيي ، ظهره مشدود كالوتر ، حتى أنفاسه تجمّدت من الفزع
وقبل أن يستعيد جينغ تسان وعيه ، دوّى صوت هيي بينغيي فوق رأسه :
" لماذا تركض ؟ "
حجب كتف هيي بينغيي مجال رؤيته تمامًا ، ولم يُتح له أن يرفع رأسه إلّا حين أفلته الآخر قليلًا وهو يلفظ كلماته
رياح المساء جامحة بعض الشيء ، فتبعثر شعر هيي بينغيي ولامست خصلاته جبين تسان
وليُراعي قصر قامة جينغ تسان ، انحنى هيي بينغيي قليلًا ، فبدت ملامحه أوضح
كان له حاجبان يحسدهما جينغ تسان — كثيفان بلون داكن ، ونهاية كلّ منهما حادّة كحدّ السيف — وحين تمتزج خصلات الشعر المتناثرة بهما ، يُخيَّل إليك أنّك ترى تضاريس عالم بأكمله
أول مرّة رأى فيها جينغ تسان تلك الملامح كانت في مشهد يشبه هذا
صحّح لنفسه في سرّه { لا ... بل كانت أجمل آنذاك }
أدار جينغ تسان رأسه وألقى نظرة نحو الخارج
رأى هلال خافتٌ ناعم يتدلّى في الأفق الليلة — مختلفًا عن تلك الليلة
يتذكّر بوضوح أنّ الأفق كان قريبًا جدًّا ، والقمر كبيرًا مستديرًا ، وضوؤه يشبه وشاحًا أبيض ينسدل ببطء من القبّة السماويّة ، كأنّه يعلن أنّ لكلّ إنسان حقًّا في السكينة في تلك اللحظة
كان يرتدي قبّعة ، فلم يصل ضوء القمر عينيه ، لكنّه تسلّل إلى طرف ملابسه
زميل : " أوه ، ما الذي أتى بك إلى هنا ؟ "
أحد زملاء الصفّ القى التحيّة على هيي بينغيي ، فرمش جينغ تسان عدّة مرّات متتالية ، وظلّ الهلال يتلاشى شيئًا فشيئًا
أفاق من شروده وتسلل مسرعًا من بين ذراعي هيي بينغيي
لكن ما إن استقام واقفًا حتى أدرك أنّ جسده يرتجف ارتجافًا خفيفًا ، وكفّيه باردتان كالثلج
لحسن الحظّ أنّ الزي المدرسيّ فضفاض ، فلم يلحظ من حوله شيئًا
حدّق جينغ تسان في الممرّ ، وتشابكت الذكريات مع الواقع
و حجَبَت عنه وضوح ما أمامه مجدداً
وما إن شعر تسان أنّ هيي بينغيي أنهى تبادل المجاملات مع زميله حتى شد قبضتيه وغرز أظافره في راحتيه بقوّة ، مجبرًا نفسه على الخروج من دوّامة أفكاره المشوّشة
تناثرت أنفاس هيي بينغيي بجانب أذنه وقال : " سارح مجدّدًا ؟ "
رفع جينغ تسان رأسه ، لكن الفكّ الذي رآه ظلّ مشوّشًا
وقبل أن ينطق بكلمة ، سحبته ذراع نحو الدرَج دون أن يكون لإرادته رأي في الأمر
أرخى جينغ تسان قبضتيه وسأل : " إلى أين ؟ " ، بضع خطوات فقط كانت كافية لتتسرّب تلك الأنفاس المحبوسة قسرًا
: " نتجوّل قليلًا فقط ، النعاس يقتلني " وفي منتصف كلامه توقّف هيي بينغيي فجأة ، ثمّ أحنى رأسه ونظر إلى تسان وانفجر ضاحكًا : " لماذا تسحب رقبتك إلى الداخل ؟ "
{ اسحب رقبتي ؟ } لم ينتبه جينغ تسان لذلك أصلًا
: " تعال ، " سحبت يد هيي بينغيي المستقرّة على كتف جينغ تسان ذقنه بلمسة خفيفة نحو الداخل : " لا تسحبها ، أبقِها ممدودة "
ما إن لمسه حتى ازداد الإحساس بالوخز اللذيذ ، فحاول جينغ تسان التراجع إلى الخلف
لكن ذراع قويّة نسبيًّا كانت تسدّ الطريق خلف رقبته ، فلم يجد مفرًّا ، واضطرّ إلى تنفيذ ما طلبه هيي بينغيي — التأقلم مع الوضع ببطء
أدار عنقه يمينًا ويسارًا حركة خفيفة ، ثمّ مدّه بتمهّل حتى استقام
تغيّرت زاوية الرؤية تبعًا لذلك ، وما إن شعر أنّه واقف بشكل طبيعيّ حتى نظر إلى هيي بينغيي بنظرة للأعلى
رأى ابتسامة بينغيي الواضحة المشرقة
وما إن التقط هيي بينغيي هذه النظرة حتى بدا وكأنّه فقد السيطرة تمامًا ، فأبعد وجهه جانبًا وجسده يهتزّ من الضحك
تمايل جينغ تسان من دون أن يفهم السبب ، وتمتم بصوت خافت : " لماذا تضحك ؟ "
كبح هيي بينغيي ضحكته بصعوبة وسأل : " أتدري بماذا كنتَ تشبه قبل لحظات ؟ "
لم يردّ جينغ تسان ، واكتفى بالتحديق فيه ورمش عينيه
: " كنتَ تشبه سلحفاة صغيرة تخرج رأسها من قوقعتها " وكأنّ الوصف بالكلمات لم يكفِ ، لذا سحب هيي بينغيي رقبته إلى الداخل وهو يتكلّم و قلّد حركة تسان قبل قليل ومدّ رأسه شيئًا فشيئًا إلى الخارج
تابع جينغ تسان العرض حتى نهايته من دون أن يدري أذلك التشبيه بالسلحفاة مدح أم ذمّ ؟
وما إن عبس جبينه قليلًا — من انعدام الثقة — حتى مرّر هيي بينغيي يده على شعره مرّة أخرى
: " أنتَ لطيفٌ جدًّا ~"
رغم أنّ الأرض كانت مستوية تمامًا ، تعثّر جينغ تسان فجأة ، وقبل أن يُصدر أيّ صوت —- جسده هوى إلى الأمام
ولأنّ المسافة بينه وبين هيي بينغيي كانت شبه معدومة ، أمسك به لا إراديًّا وهو يميل — فتشوّهت ملابس هيي بينغيي تحت قبضة تسان وهو يمسكه
و امتلأ أنفه برائحة الصابون الخاصة ببينغيي ، والدنيا دارت من حوله — { كلّ هذا بسبب رياح المساء }
: " يا إلهي ، ما الذي جرى ؟ " التقط هيي بينغيي ردّ فعله بسرعة وأمسك به ليثبّته واقفًا : " كيف تتعثّر والأرض مستوية ؟ "
انحرفت نظّارته عن مكانها ، وقِصَر نظره الشديد دفعه فورًا لرفع يده نحو الإطار ، لكنّ هيي بينغيي سبقه واعترض طريق أصابعه
وتحت نظرة جينغ تسان المذهولة ، خلع هيي بينغيي النظّارة المائلة
غامت الملامح أمامه ، وسمع جينغ تسان صوت هيي بينغيي يقول
: " أنتَ أجمل من دون نظّارة "
و انحنى هيي بينغيي حتى التقيا عينيه بعيني جينغ تسان ، ثمّ رفع ذراع النظّارة وعلّقها برفق على أذنه
لم يلحظ تلك النظرة الثابتة التي لم تفارقه ،، بل تصلب واقفًا ببساطة وتابع سيره ويده على كتف جينغ تسان
خطا جينغ تسان خطوتين صامتتين
النظّارة التي دفعها هيي بينغيي استقرّت أعلى من مكانها قليلًا ، فرمش — فلامست أهدابه العدسة ، إحساس لم يكن مريحًا تمامًا
تلك المانغو التي رسم عليها هيي بينغيي — لم يطاوع جينغ تسان قلبُه على أكلها
لذا خبأها في حقيبته المدرسيّة وأخذها إلى البيت ، وخوفًا من أن تفسد ، لفّها بكيس بلاستيكيّ ووضعها في الثلاجة في قسم التجميد
———
في الليل ، قبل النوم ،
وقف جينغ تسان أمام مرآة خزانة الملابس وخلع نظّارته ، ثمّ أعادها ، ثمّ خلعها مجدّدًا ...
كرّر ذلك مرارًا حتى أنهكه التعب فأسند جبينه إلى سطح المرآة
أنفاسه الدافئة تكثّفت على الزجاج بلا قصد صانعةً طبقة من البخار الخفيف فحدّق فيها جينغ تسان مذهولًا قليلًا ، ثمّ هزّ رأسه وزفر زفرة طويلة
عالَمان أحدهما أمام المرآة والآخر خلفها فصل بينهما البخار
مدّ جينغ تسان سبّابته ، وطرف إصبعه يتنقّل على سطح الضباب بتوقّف وتأنٍّ ، فرسم ثلاثة أحرف
ثلاثة أحرف اخترقت البخار وصارت الشيء الوحيد الحاضر في العالمين معًا
نظر جينغ تسان إلى ما خطّه وفتح فمه
لكن حتى في غياب أيّ أحد ، حتى في جوف الليل — عجز عن إصدار أيّ صوت
وأخيرًا تلاشى البخار شيئًا فشيئًا ، وتلك الأحرف الثلاثة كأنّها لم تكن موجودة ابداً و مُحيت من أمام ناظري جينغ تسان
————-
مدرسة الثانوية السابعة تُقيم كلّ عام يومًا رياضيًّا خريفيًّا ، لكنّ هذه الفعاليّات لم تكن تعني طلاب السنة الثالثة
إلّا أنّ مديريّة التعليم — لسبب مجهول هذا العام — رفعت شعار ' دراسة صحيّة واستعداد مريح للامتحانات ' ، وطالبوا بتنظيم أنشطة جماعيّة مناسبة حتى لطلاب السنة الأخيرة
وهكذا بلغ جينغ تسان خبر أنّ حصّة الرياضة ستشهد اختبارًا لقياس مستويات الجري
حصّة الرياضة كابوس جينغ تسان الأزليّ
ولولا أنّ المسؤول الرياضيّ في الصفّ كان يجبر الجميع للذهاب للمضمار ، لما وطئت قدمه هذا الدرس أصلًا ، حتى لو كان هيي بينغيي هناك
صفّهم سيُختبر في سباق الخمسين مترًا
بعد اكتمال التجمّع ، سار جينغ تسان مع المجموعة نحو خطّ الانطلاق
أجال بصره في الأرجاء — فرأى بهيي بينغيي يحمل كرة السلّة وقد سبقهم مع زملاء صفّه إلى الملعب
استدار جينغ تسان وتنهد ارتياحًا في صمت
……
عرق جينغ تسان لم يتوقّف منذ أخرج مدرّس الرياضة ساعة التوقيت
راقب بعينين واسعتين زملاءه وهم ينطلقون مجموعة تلو الأخرى ، وحين جاء دوره ليقف أمام خطّ الانطلاق ، شد أسنانه من شدّة التوتّر
انطلق الصفير ، فانطلق جينغ تسان وعقله فارغ تمامًا
وكما في كلّ مرّة يركض فيها ، مهما بذل من جهد في تحريك ساقيه ، لم يرَ إلّا ظهور زملائه تبتعد عنه أكثر فأكثر
لحسن الحظّ أنّ الخمسين مترًا لا تستغرق وقتًا طويلًا ، فلم يتعذّب جينغ تسان على المضمار كثيرًا
وصل إلى خطّ النهاية في آخر مجموعته ، فتنحّى جانبًا وانحنى قليلًا يلتقط أنفاسه
لكن ظلًّا فاجأه من الأعلى — رفع رأسه فرأى هيي بينغيي يميل برأسه مبتسمًا
حين كان تسان في الطابور ، بسبب توتّره لم يلقي نظرة على هيي بينغيي ، لذا لم يعلم أنّ بينغيي ، وقبل أن يحين دوره بقليل قد مشى بخطوات هادئة بطيئة نحوه ، وشهد كلّ شيء : من لحظة الانطلاق حتى لحظة الوصول
تسان : " أنتَ ... "
و كأنّ يدًا سدّدت لكمة قاسية بين كتفيه — انحنى جينغ تسان أكثر
الكلمات خانته
و كلّ ما أراده أن يعود بالزمن ويغطّي عيني هيي بينغيي
حاول جاهدًا أن يُقنع نفسه : لا بأس ، ضعفه في الرياضة أمر لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد
المعلم : " جينغ تسان ! "
وكأنّ عيوبه لم تنكشف بما يكفي ، وكأنّه لم يعرف نفسه جيّدًا بعد ، لوّح معلم الرياضة بساعة التوقيت في يده وصاح فيه ، وعلى وجهه عبارة واحدة واضحة : خيبة أمل مريرة
: " هذا زمن مئة متر ، وليس خمسين متر ! "
تمامًا كما حدث يوم التسلّق ، ضحك الصفّ بأكمله بصوت واحد
وتحت أنظار هيي بينغيي ، احمرّ وجه جينغ تسان دفعة واحدة
يتبع
الترجمة : أكيرا
التدقيق: Erenyibo
تعليقات: (0) إضافة تعليق