Ch19 WXRG
تزداد الحانة ازدحامًا وحيوية كلما تأخر الوقت. وعلى المسرح، كان المغني الذي يرتدي قميصًا ممزقًا يغني بأقصى صوته عند وصوله إلى مقطع اللازمة. وبعد أن شرب تشي تشينغ تلك الرشفة، تجمدت أصابعه الموضوعة على جانب الكأس في الحال. وبدأت نكهة الكحول تنتشر شيئًا فشيئًا بين شفتيه وأسنانه
كان المشروب الذي طلبه جيه لين يبدو شاحب اللون، لكنه في الحقيقة كان عالي التركيز نسبيًا، ونزوله في الحلق كان أشبه بالنار
شعر تشي تشينغ أن الأمر لم يعد يقتصر على احتراق حلقه،
بل إن أذنيه انفجرت فجأة بضجيج هائل أيضًا
و انتشر الكحول في جميع أنحاء جسده ، حتى بدا وكأن دماغه يحترق ——
في الواقع، كان من الممكن ملاحظة اختلاف ما في الكأسين تحت الإضاءة العادية ، فمهما كان لون المشروب شاحبًا، من المستحيل أن يكون شفافًا كالماء النقي
لكن هذه الفروق الدقيقة لم تستطع الصمود أمام الأضواء المتغيرة باستمرار في الحانة
لاحظ النادل رد فعلهما، فأدرك ما حدث واعتذر من تلقاء نفسه: “ آسف، ربما لم أنتبه عندما كنت أمسح المنضدة، فوضعتهما في المكان الخطأ…”
لم يسمع تشي تشينغ شيئًا مما قاله، فقد كانت أذناه ممتلئتين بنوع آخر من الأصوات
[ ليت وقت العمل ينتهي بسرعة ، لقد عملت لأسبوعين متواصلين ... حتى حبيبتي تلومني لأنني لا أهتم بها بما يكفي ، لكن متى كان لدي وقت أصلًا ؟
لقد سألتني بالأمس أيضًا إن كنت فكرت في الزواج، لكنني الآن لا أملك مالًا ولا منزلًا… وفوق ذلك أولئك الأقارب الكبار والصغار …]
كان النادل الشاب يشعر بالملل الشديد في عمله، فكان يفكر بين الحين والآخر في أمور تافهة من هذا النوع
ولم يكن هذا النادل فقط ، ففي اللحظة التي ارتشف فيها تشي تشينغ تلك الرشفة ، هاجمته أعداد لا حصر لها من الأصوات المختلفة في أرجاء الحانة
على مسافة ليست بعيدة عن المنضدة، جلس رجل في منتصف العمر، و المرأة بجانبه صغيرة السن جدًا، ترتدي ملابس أنيقة
بدا الاثنان وكأنهما يتحدثان ويضحكان معًا، ولم يكن في مظهرهما ما يثير الشك
لكن وسط الأصوات التي لا حصر لها، كان هناك صوت مشوه لرجل في منتصف العمر يقول:
[…… لقد خدعتها وقلت لها إنني سأطلق زوجتي من أجلها، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ هي تريد المال وأنا أريد شبابها، إنها علاقة واضحة الثمن، فما علاقة الحب بالأمر ؟]
[…]
كانت الأصوات من هذا النوع كثيرة جدًا، فتداخل الواقع مع نوع آخر من ' الحقيقة' المدفونة عميقًا في قلوب الناس والتي يصعب عليهم البوح بها
اختلط الصوتان معًا ، حتى أصابهما الصداع من شدة الضجيج
وسط تبادل الكؤوس والضجيج، تحولت تعابير الوجوه إلى صور وهمية تحت أضواء الحانة، واكتست الابتسامات والأحزان بطبقة من الضباب يصعب فهمها، ولم يبقَ سوى أصوات لا حصر لها تهمس باستمرار
ثم جاء آخر صوت، وكان قريبًا جدًا منه، واضح بوضوح قوي
جيه لين: “ انتبه قليلًا أثناء العمل . هل يمكن أن تُوضع أكواب المشروبات في المكان الخطأ ؟ لو حدث شيء لشخص لا يستطيع شرب الكحول ، فمن سيتحمل المسؤولية ؟”
لاحظ النادل أن الزبون الذي كان يبتسم طوال الوقت أصبح فجأة صعب التعامل معه
أخفى قطعة القماش التي في يده، ثم مسح يديه بتوتر على مئزره : “ آسف، ماذا لو… أعددت لكما كوبين جديدين ؟”
تجاوزته نظرات جيه لين: “ لا داعي.”
ثم نظر جيه لين إلى الشخص المصاب بحساسية الكحول بجانبه
الحانة صاخبة جدًا، وللتحدث معه لم يكن أمامه سوى الاقتراب قدر الإمكان من أذنه
وبسبب قرب المسافة، غلب صوته في هذه اللحظة جميع الأصوات الأخرى
سمع تشي تشينغ سؤاله
: “ كم شربت؟ هذا المشروب عالي التركيز ، ولم أدرك الأمر في البداية ، فلم ألحق بمنعك .”
استغل جيه لين مرور الضوء من حين إلى آخر، واقترب ليرى كيف هي حال حساسية تشي تشينغ، وهل ظهرت أي علامات حمراء على رقبته
وفي النهاية وقعت عيناه على عنقه، فاكتشف أنه يرتدي اليوم السترة نفسها التي كان يرتديها عندما التقيا للمرة الأولى في العيادة ، وكانت عظمة الترقوة ظاهرة منه بشكل خافت
حتى وسط هذه الإضاءة الفوضوية ، كان من الواضح أنه أكثر بياضًا من الآخرين بدرجات عدة ، وكانت عظمة الترقوة غائرة إلى الداخل ، فتُلقي بظل صغير
أدار جيه لين عينيه بعيدًا فجأة ، ولم يعد ينظر إليه
اكتشف أن تشي تشينغ لم تظهر على جسده أي علامات طفح ، لكنه كان بالفعل في حالة غير طبيعية قليلًا —-
وما جعل الأمر غريبًا أن الشخص الذي كان من المفترض أن يقول له فورًا ألا يقترب منه كثيرًا ، لم ينطق بكلمة واحدة
اكتفى تشي تشينغ بإنزال عينيه ووضع الكأس من جديد، من دون أن يجيب عن كلامه
كانت الأصوات المشوهة تتجمع باستمرار من حوله
لم يستطع تشي تشينغ الرد
لم تعد الفتاة التي تعرضت للانفصال تبكي، لكن صوتًا مشوهًا يشبه نبرة صوتها كان يقول:
[ اللعنة له، سأجد رجلًا أفضل منه!]
[…]
جيه لين : “ أين تشعر بالألم؟”
“……”
سأل جيه لين مجدداً : “ تكلم — أين تشعر بالألم؟”
تشي تشينغ { مزعج
صاخب جدًا }
المرة الأولى التي شرب فيها الكحول عندما كان يصور أول عمل له
في إحدى الولائم، لم يطلب المنتج أي مشروبات أخرى، بل صب النبيذ الأحمر للجميع. وبصفته ممثلًا ثانويًا شريرًا لم يظهر في العمل بأكمله سوى ثلاث لقطات أو اثنتين، وله جملة واحدة فقط، كان تشي تشينغ من بين المدعوين أيضًا.
بعد أن شرب كأس النبيذ الأحمر، عاد إلى الحالة نفسها التي كان عليها عندما فقد سمعه، تمامًا كما يحدث الآن
و استمرت تلك الحالة لأكثر من نصف شهر، ثم جرب الكحول مرة أخرى، فاكتشف أن الكحول يؤثر فعلًا في قدرته
لم يجب تشي تشينغ، فالتفت جيه لين وسأل جي مينغروي الذي كان منشغلًا بمساعدة الفتاة المفجوعة بالانفصال على الوقوف : “ما الأعراض التي تظهر عليه عادةً عندما يصاب بالحساسية ؟”
تجمد جي مينغروي قليلًا : “ لقد شرب الكحول؟”
بحث جي مينغروي بعناية في ذاكرته عن أي معلومات تربط تشي تشينغ بالكحول: “هو لا يشرب الكحول، أما الحساسية فلا أعرف عنها الكثير ، لكنه قال ذات مرة على ما أظن إنه بعد شرب الكحول… يشعر بأن المكان يصبح صاخب .”
جيه لين: “ صاخب ؟”
لم يفهم جي مينغروي أيضًا ما الذي يعنيه تحديدًا بـ' صاخب' : “ ربما طنين في الأذن؟ بعض الناس يشعرون بأن رؤوسهم تطن بعد شرب الكحول .”
جيه لين: “ كم بقي لك حتى تنتهي؟”
كان جي مينغروي على وشك القول: ' سأنتهي حالًا '
لكن جيه لين لم يكن ينوي منحه فرصة للرد أصلًا. أخذ معطفه من جانبه، ثم قال مباشرةً : “يبدو أنك مشغول، لذا سأتولى أمره . بما أنه شرب من مشروبي ، فسأعيده إلى المنزل .”
————
عدد الناس خارج الحانة أقل بكثير ، وفي هذا الوقت نادر أحد يتجول في الشوارع
لكن حيث توجد الطرق توجد السيارات، وحيث توجد السيارات يوجد الناس
ولن تتوقف هذه الأصوات من حوله إلا إذا ذهب فورًا إلى مكان لا يوجد فيه أي شخص ضمن دائرة عشرة متر تقريبًا
راعى جيه لين أن هناك “مريضًا” مصابًا بحساسية الكحول في السيارة
ورغم أن أعراض هذا المريض في الوقت الحالي لم تكن سوى عدم رغبته في التحدث مع أحد، مما جعله يبدو وكأنه مصاب بحساسية تجاه البشر أكثر من حساسية الكحول،
طلب من سائق السيارة أن يخفف السرعة
فقد شرب الكحول الليلة أيضًا، لذا لا يستطيع القيادة
وللمرة النادرة ، جلس الاثنان معًا في المقعد الخلفي
أرسل جيه لين رسالة إلى وو تشي يخبره فيها بأنه سيغادر أولًا ، فرد وو تشي :
[ حسنًا حسنًا، لندعُ بعضنا في يوم آخر. أشعر أن حبي سيأتي إليّ قريبًا مرة أخرى .]
أطفأ جيه لين شاشة هاتفه وسأل تشي تشينغ: “هل ما زال المكان صاخب ؟”
كان تشي تشينغ نصف مغمض العينين : “ قليلًا .”
{ لو لم يكن سائق السيارة منشغلًا أثناء القيادة بالتخطيط لكيفية اتخاذ طرق ملتوية دون أن يلاحظ أحد ، لكان المكان أكثر هدوءًا الآن }
[ سألتف بعد قليل من طريق يانآن دون أن يلاحظ أحد .]
[ إذا استطعت تجنب الطريق السريع فلن أسلكه . وإذا اكتشفوا الأمر ، سأقول إنني أخطأت في الطريق ، فأنا لا أعرف هذا الجزء جيدًا لأنني أسلكه للمرة الأولى.]
[كسب المال ليس سهلًا، أنا أيضًا أكافح من أجل لقمة العيش.]
اعتاد جيه لين على ردود تشي تشينغ القاسية، حتى أصبحت طبيعية بالنسبة إليه. وبما أنه لم يكن هناك في السيارة تقريبًا أي صوت آخر سوى صوته، قال من تلقاء نفسه: “ أليس من المفترض أن تقول بعد ذلك إن عليّ أن أصمت؟”
لكنه أخطأ هذه المرة —- ففي وسط كل تلك الأصوات ، كان صوته في الحقيقة مريحًا إلى حد ما
{ …… لأني لا اسمع الصوت المشوه في أعماق قلب جيه لين }
كانت أصوات الآخرين مزدوجة، تختلط ببعضها وتسبب له الصداع، أما صوته فيكون واضح دائمًا عندما يتحدث
ومع ذلك قال تشي تشينغ: “ يكفي أنك تعرف ذلك بنفسك.”
[ لقد أخطأت التقدير ، طريق يانآن ليس بعيدًا بما يكفي. كيف لم أنتبه إلى وجود طريق أطول قبل قليل…]
لم يعد تشي تشينغ يحتمل، فشبك أصابعه المغطاة بالقفازات السوداء بشكل خفيف، واختفى نصف جسده في الظل ، ثم قال ببرود: “ لماذا لا تدور حول مدينة هوانان من الجنوب إلى الشمال؟ عندها ستتمكن من الدوران حتى شروق الشمس .”
"…….…" و كاد سائق السيارة يضغط على المكابح بدلًا من دواسة الوقود ، واختفت جميع الأفكار من رأسه
جيه لين: “يبدو أنك تعرف هذه المنطقة جيدًا.”
لاحظ تشي تشينغ أن جيه لين ينظر إليه: “ لقد غيّر نظام الملاحة الطريق ثلاث مرات، ولست أعمى .”
لم ينعم تشي تشينغ بالهدوء سوى بضع دقائق. وبما أن السائق قد حسب وقت الازدحام بعبقرية أثناء تخطيطه للطريق الملتوي، واختار عمدًا طريقًا يشهد ازدحامًا طوال العام، فقد علقت سيارتهم في الطريق كما كان متوقع
وبدأت السيارات من حولهم تزداد تدريجيًا
كانت عدة طرق مزدحمة بالسيارات، وأبواق السيارات لا تتوقف عن إطلاق أصواتها
كاد تشي تشينغ يصفق لهذا السائق
منذ خروجه من الحانة وحتى الآن، سمع تشي تشينغ أصواتًا أكثر مما يستطيع تحمله بكثير —- فتح عينيه ونظر إلى جيه لين الجالس بجانبه
مراعاةً لحالته الجسدية ، ظل جيه لين هادئًا طوال الطريق، ولم يزعجه كما فعل من قبل
و كانت يد جيه لين موضوعة إلى جانبه، وفجأة تذكر تشي تشينغ ما حدث في المرتين السابقتين عندما لمس يده بالخطأ
{ في وضعي الحالي ، إذا لمست يده الآن، فهل سيحدث الأمر نفسه ؟ }
بدأ تشي تشينغ يشك في أن جيه لين ليس مجرد مجنون، بل ربما يكون أيضًا جهازًا لحجب الأصوات
كان يريد بشدة أن يتأكد من صحة هذا التخمين، لكنه واجه مرة أخرى خيارًا صعبًا : إما أن تنتفض حساسيته من النظافة ، أو يُزعج حتى الموت
وكان من الصعب تحديد أي الخيارين أسوأ.
وفي النهاية، نزع تشي تشينغ نصف قفازه من دون أن يعرف كيف وجد نفسه يفعل ذلك.
و في اللحظة التي لمس فيها يده، اختفت جميع الأصوات دفعة واحدة
وكأن الأصوات المشوهة لم تكن موجودة من الأساس، ولم يبق في أذنيه سوى أبواق السيارات وصوت آخر كسول يحمل ابتسامة
جيه لين: “ ها أنت تنكزني مجددًا ، هل تحب نكز الناس عندما تشرب ؟”
“……”
بالنسبة لشخص مهووس بالنظافة، كان لمس الآخرين أمرًا يصعب تقبله مهما تكرر ، لكن اختلاق الأعذار يصبح أسهل مع الممارسة
فقال تشي تشينغ: “ يوجد شيء على يدك .”
جيه لين: “أين ؟”
تشي تشينغ: “رأيت خطأ .”
———
في النهاية ، نزل تشي تشينغ من السيارة بعدما أوصاه جيه لين: “ إذا حدث شيء، تواصل معي.”
استلقى تشي تشينغ في سريره، ولم يتمكن من النوم إلا بعد اقتراب منتصف الليل، حين كان معظم سكان المبنى قد ناموا بالفعل —- ومع ذلك، كان من الصعب أن يحافظ على ثماني ساعات من النوم
فالجيران من كبار السن في الطابق السفلي يستيقظون في الخامسة فجرًا دون تأخير ، وكأن الساعة لا تخطئ أبدًا
فتح تشي تشينغ عينيه في الخامسة فجرًا
كان العجوز والعجوزة قد بدآ يتشاجران منذ الصباح الباكر:
[ كنت في الماضي أجمل فتاة في المصنع، لكنني كنت عمياء حين تزوجتك أيها العجوز البائس !]
وبعد أن خرجت العجوزة إلى السوق، تغير الموضوع
فالسوق لا ينقصه الحديث أبدًا، وكل ما يحدث في المنطقة، وما جرى لعائلة فلان أو علان، يمكن سماعه في هذا المركز الكبير لتناقل الأخبار
وهكذا سمع تشي تشينغ بوضوح العجوزة تتنهد في سرها:
[مات شخص في الحي المجاور، فتاة مسكينة، وما زالت صغيرة في السن، يا إلهي. لقد رأيتها من قبل، لقد جاءت إلى هنا منذ فترة قصيرة ولم تستقر بعد، وكانت تبحث عن منزل في كل مكان .]
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق