Ch22 WXRG
أرسل جي مينغروي رسالة :
[ كيف الوضع ؟ ]
رد تشي تشينغ: [ وضع ماذا ؟ ]
[ أسألك عن المنزل ، كيف وجدته؟ يفترض أنك بدأت نقل أغراضك ، أليس كذلك ؟ ]
[ قال قدوة جيانغ يو إن لديه منزلًا شاغرًا يبحث عن مستأجر ، وعندما سمعت بذلك قلت في نفسي: يا لها من مصادفة !
فطلبت منه أن يذهب إليك بسرعة ، واتفقا على أن تتحدثا. أليس هذا مناسبًا تمامًا ؟ أنت تستأجر وهو يؤجر ]
كان تشي تشينغ يفكر كثيرًا في قطع علاقته بجي مينغروي لأسباب مختلفة ، لكنه لم يكن جادًا بشأن الأمر كما كان في هذه اللحظة
نزع أحد قفازيه ، ووضع إصبعه على الشاشة وكتب:
[ كم سنة مرت منذ أن تعرفنا ؟ ]
جي مينغروي: [ منذ وقت طويل جدًا، منذ المرحلة الثانوية… ]
توقف إصبع تشي تشينغ الشاحب للحظة، ثم تابع الكتابة:
[ أعتقد أن صداقتنا يمكن أن تنتهي هنا ]
جي مينغروي: [ ؟ ]
————
في الوقت نفسه، كان جيه لين لا يزال متكئًا عند الباب ينظر إليه: “هل تحتاج إلى مساعدة؟ أعددت فطورًا إضافيًا، هل تريد الدخول والجلوس قليلًا؟”
أغلق تشي تشينغ هاتفه وقال: “لم تقل إن الشخص الذي يسكن أمامي هو أنت.”
بدا أن جيه لين كان يعرف أنه سيقول ذلك، فلم يشعر بأي حرج، بل قال بكل صراحة: “لو أخبرتك، هل كنت ستستأجر المنزل؟”
قال تشي تشينغ: “لا.”
قال جيه لين: “إذن، انتهى الأمر.”
“……”
جيه لين: “نحن رجال أعمال، وأحيانًا علينا استخدام بعض الوسائل الضرورية لتحقيق هدفنا.
وفوق ذلك، أنا لم أخدعك. فالجار المقابل شخص جيد فعلًا، والجيران أولى ببعضهم من الأقارب البعيدين، ويمكننا أن نعتني ببعضنا عند الحاجة.”
تذكر تشي تشينغ أن جي مينغروي ذكر ذات مرة أن عائلة جيه لين تعمل في مجال التجارة، لكنه يبدو أنه لم يكن مهتمًا بذلك. فهناك أشخاص مختصون يتولون أعمال عائلته، بينما يقود هو سيارات فاخرة ويقضي وقته بلا مبالاة، ويذهب أحيانًا إلى الطبيب النفسي، كما يحب التجول في مواقع جرائم القتل.
كان الطبيب النفسي قد نصحه بأن يختلط بالناس أكثر
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الإنسان والمجنون
والمجنون لا يُعد إنسانًا، ولأجل حالته، من الأفضل له ألا يقترب كثيرًا من المجانين.
قال تشي تشينغ: “لا تطرق بابي، لا أحتاج إلى جار. الجار الجيد يجب أن يكون مثل الميت.”
ومع أنه لم يعد بحاجة إلى لمس الآخرين حتى يسمع تلك الأصوات الفوضوية، فإنه ارتدى قفازه من جديد بدافع العادة، ثم قال: “وإلا فسأفكر جديًا في فسخ عقد الإيجار.”
في هذه اللحظة، كان عمال النقل قد انتهوا من نقل آخر صندوق. وقبل أن يدخل تشي تشينغ، قال: “احتفظ بالفطور لنفسك.”
دخل تشي تشينغ، وظل ينظر لبعض الوقت إلى الأجهزة المنزلية التي لمسها الآخرون، وكانت موضوعة بشكل عشوائي داخل الشاحنة — ثم خلع قفازه الأسود، وارتدى بعناية القفازات المطاطية الطبية، وأخرج مطهر قد جهزه مسبقًا
لكن كمية المطهر المتبقية في العبوة لم تكن كبيرة. هز تشي تشينغ العبوة التي تكاد تكون فارغة، ولم يجد أمامه خيارًا سوى البحث عن أقرب متجر.
كانت المنطقة السكنية هادئة فعلًا، لكن هدوءها يعني أيضًا أن مختلف الخدمات والمرافق المحيطة بها تبعد مسافة معينة عن المجمع. وحتى المتاجر القليلة المتاحة لم يكن المطهر موجودًا ضمن خيارات التوصيل عبر الإنترنت.
استسلم تشي تشينغ للأمر الواقع، ولم يجد بدًا من الخروج مرة أخرى.
أظهر تطبيق الملاحة أن أقرب متجر كبير متعدد الأقسام يقع على بعد كيلومترين تقريبًا، وبجوار المتجر مباشرة يوجد حمام عام.
—————-
لم يكن جي مينغروي يعرف ما الذي يحدث مع تشي تشينغ، فقد كان منشغلًا مؤخرًا بالتحقيق في تحركات تشو بو هاو
و هذه أول مرة يشارك فيها في قضية تتعلق بحياة شخص، ورغم أن مشاركته كانت محدودة، فإنه كان يتعامل معها بمنتهى الجدية
وضع هاتفه جانبًا، ورفع كوب المعكرونة سريعة التحضير الذي في يده وبدأ يأكل داخل السيارة، وفي الوقت نفسه بدأ يقرأ معلومات تشو بو هاو الشخصية: “إنه من سكان المدينة الأصليين. قالت حبيبته الجديدة التي استجوبناها بالأمس إنه ذهب إلى شياجينغ، لكنني أشعر أن هناك شيئًا غير صحيح.”
وكانت تلك الحبيبة الجديدة هي في الأصل صديقة الضحية المقربة
في الليلة الماضية جلسَت في غرفة الاستجواب تتلعثم طويلًا ، وفي البداية قالت إنها لا تعرف شيئًا: “لقد انفصلنا بالفعل، في الحقيقة، كنت أشعر بالذنب تجاه جين جين منذ أن كنت معه…”
“إذا كنت تشعرين بالذنب تجاهها، فلماذا سرقتِ حبيبها؟”
خفضت رأسها وقالت: “ لقد عانيت كثيرًا أيضًا.عندما جئت إلى مدينة هوانان، لم أكن أعرف أحد ولا شيئًا عن المكان، وكان ضغط العمل كبير. قال إنه بما أنني صديقة جين جين المقربة، فيمكنه الاعتناء بي. لكنني لم أتمكن من السيطرة على نفسي.”
: “ أنت لا تعرفين إلى أين ذهب، إذًا في تلك المكالمة الصوتية عند الخامسة فجرًا ، كنتما صامتين ؟”
“……”
: “ بل صمتما لمدة خمس عشرة دقيقة ، أجدتما الصمت فعلًا .”
نظر جي مينغروي من نافذة السيارة إلى الناس المتدفقين في الشوارع والتقاطعات المتشابكة، ثم تنهد طويلًا: “إلى أين يمكن أن يكون قد ذهب إذًا ؟”
————
وقف وو تشي بيين بجوار النافذة، يتحدث مع جيه لين عبر الهاتف : “ لم نعثر على المشتبه به بعد.”
كان جيه لين وحده أمام وجبتي إفطار ، فاختار إحداهما عشوائيًا ، وقال لوو تشي بيين بنبرة عادية وكأنهما يتحدثان عن أمور الحياة اليومية : “عندما يهرب شخص في مثل هذه الظروف ، فإما أن يختار مدينة يعرفها جيدًا، أو يختار وسيلة نقل يكون موعد انطلاقها أقرب ما يمكن إلى وقت هروبه في ذلك اليوم ،،،
لكن لا ينطبق عليه أي من الأمرين — ليس لديه أحد يعرفه في مدينة شياجينغ، وأقرب رحلة إلى شياجينغ في تلك الليلة كانت تتطلب الانتظار أربع أو خمس ساعات كاملة .”
وو تشي بيين : “ ماذا تقصد؟”
فتح جيه لين الخبز بيديه وقال تخمينه: “أعتقد أن مدينة شياجينغ كانت مجرد قصة اتفقا عليها معًا في تلك الليلة، وأظن أنه لم يغادر —-
كلما كان الشخص مذعورًا، زاد احتمال بقائه داخل نطاق الأمان النفسي الخاص به. عندما يختبئ في مكان يعرفه جيدًا، يمكنه أن يعرف أي المتاجر لا تطلب إبراز بطاقة الهوية، وأين يمكنه قضاء الليل مجانًا. أما الاختباء في مكان غريب، فيزيد الأمر صعوبة. لذا ، إذا لم يغادر، فمن المفترض أن يظهر في أماكن لا تكشف هويته وتكون مناسبة لقضاء الليل.
مقاهي الإنترنت، وصالات ألعاب الورق، وصالونات الحلاقة…” حمل جيه لين الإفطار واتجه إلى الشرفة. كان الطقس جميلًا اليوم، وأشرقت الشمس عليه فأضفت على جسده طبقة خفيفة من الضوء، لكن في هذه اللحظة كان يضع نفسه في مكان المشتبه به ويفكر بعقليته. جاءت أشعة الشمس من الجانب، فغطت نصف وجهه بظل، فضيق عينيه وقال: “ أو ربما… الحمّام العام .”
————
“إلى أين يمكن أن يكون قد ذهب…” وبينما جي مينغروي يفكر، طُرقت نافذة السيارة من الخارج
كانت سو شياو لان تحمل في يدها الخبز الذي اشترته للتو، بينما يدها الأخرى لا تزال في طريقها إلى جيبها لوضع الهاتف. وبعد أن أنزل جي مينغروي النافذة، قالت: “قال الأخ بيين إن علينا تضييق نطاق البحث. سنبحث عن مقاهي الإنترنت والحمّامات العامة القريبة، باختصار، نبحث عن أماكن لا تحتاج إلى إبراز بطاقة الهوية ويمكن قضاء الليل فيها .”
————
متجر البقالة الذي ذهب إليه تشي تشينغ متجر متوسط الحجم، و مساحته الداخلية واسعة ومقسمة إلى عدة أقسام. وعلى عكس المتجر المزدحم بالناس، كان الحمّام العام المجاور يبدو هادئًا إلى حد كبير في وضح النهار
حتى لوحة الإضاءة عند مدخله ، التي بدت مبتذلة قليلًا، كانت مطفأة، ولا يوجد أحد تقريبًا يدخل أو يخرج
و من الواضح أن هذا لم يكن وقت عمل الحمّام العام الرئيسي
كان المتجر مزدحمًا بالناس، وفجأة بدا الصوت في أذني تشي تشينغ وكأن أحدهم ضغط زر خفض الصوت بقوة، ثم بدأت أصوات شتى تتدافع إلى أذنيه.
“آه، أنت تشترين هذا؟” قالت سيدة مسنة. “إنه مستورد، وأنا أستخدمه في منزلي.”
“آه، وهل هو جيد؟” جاء صوت آخر.
[ تفووو لا تكف عن التباهي طوال اليوم. لا تتحدث إلا عن استخدامها للمنتجات المستوردة ، وكأن الجميع لا يعرف أن حياتها في الحقيقة في فوضى عارمة .]
بالقرب منهما ، زوجان شابان يقفان أمام أحد الرفوف
ناداهما شخص من بعيد : “ لم أركما منذ وقت طويل. خرجت لشراء بعض الأشياء مع زوجتك؟ أنا أحسدك حقًا، تستطيع التركيز على عملك خارج المنزل، بينما تعتني زوجتك بالبيت وترتبه جيدًا .”
: “ بما أنك تحسدني، فلماذا لا تبحث لك عن واحدة ؟”
[ ما الذي يدعو للحسد ؟ لم تعد تهتم بمظهرها كما كانت من قبل ، وكل ما تتحدث عنه طوال اليوم أمور الحياة اليومية، أو الأطفال . العيش معها أصبح مملًا أكثر فأكثر.]
رفع تشي تشينغ سحاب سترته العالق أسفل عظمة الترقوة حتى يغطيه، وتظاهر بأنه لم يسمع شيئًا، ثم تنهد وواصل السير إلى الأمام
كانت هذه الأصوات تضعف تدريجيًا كلما ابتعد عنها، ثم تبدأ أصوات جديدة في الظهور
“أمي، أمي!” كان صوتًا طفوليًا واضح
عند نهاية الرفوف قسم الوجبات الخفيفة ، و طفلة صغيرة ترتدي ملابس بلون أصفر مائل إلى البني ، تقفز أمام الرف بكل قوتها ، لكنها مع ذلك لم تستطع الوصول إلى علبة الجيلي الموضوعة عليه
كانت والدتها تتحدث مع شخص آخر ولم تنتبه إليها: “ العبِي وحدك قليلًا ، حسنًا ؟ أمك لديها أمر تتحدث عنه مع الخالة وانغ .”
[ لكنني أريد حقًا جيلي الفراولة ذاك…]
كان صوت الطفلة مليئًا بالأسى، وحتى بعد تشوهه بدا واضح ما فيه من شعور بالظلم، وكأنها ستبكي في اللحظة التالية
لم ينظر تشي تشينغ إلى الطفلة طوال الوقت، لكن عندما مر بجانب الرف توقف للحظة، وأفلت يده التي كانت تمسك بسحاب سترته، ثم مد يده وأخذ كيس الجيلي الوردي من الرف ووضعه على رف منخفض.
تفاجأت الطفلة، وأصبحت أصابعها الصغيرة الممتلئة قادرة على الإمساك بكيس الجيلي الذي صار في مستوى يدها
احتضنت الطفلة الجيلي أمام صدرها، ولم تستطع رؤية سوى خصلات الشعر السوداء الداكنة أمام جبين ذلك الأخ الأكبر، والقفاز الأسود الذي مر فوق رأسها قبل لحظات.
“شكرًا لك يا أخي.”
“لا تشكريني.” واصل تشي تشينغ السير إلى الأمام. “ساعدتك فقط لأنك كنت مزعجة جدًا.”
….
وسط هذه الأصوات المتواصلة، عثر تشي تشينغ أخيرًا على الرف الذي تُعرض عليه سوائل التعقيم، فأخذ زجاجتين. وعند الدفع، سمع صفارات شرطة مسرعة تقترب من بعيد، ثم ظهر صوت مألوف جدًا له:
[هذا الحمّام العام لا يطلب بطاقة الهوية. ادخلوا وابحثوا، وعندما أمسك به فسوف ينتهي أمره. أنا جي مينغروي، وحتى لو اضطررت إلى قلب الأرض شبرًا شبرًا اليوم فسوف أخرجه من مخبئه.]
تشي تشينغ: “……”
أغلق جي مينغروي باب السيارة بحماس، ثم استدار ليرى صديقه الذي خرج للتو من المتجر بعد أن دفع الحساب، ويحمل كيسًا بلاستيكيًا وظهر بجوار الحمّام العام: “……”
ثم اقتربت سيارة سوداء من الخلف ببطء، وتوقفت بجوار سيارته، وانخفضت النافذة ببطء.
كان جيه لين يرتدي نظارة شمسية اليوم، فحيّاهم من بعيد: “يا لها من مصادفة، أنتم هنا أيضًا؟ اكتمل العدد تقريبًا.”
كان جي مينغروي يريد أن يسأله الشيء نفسه
نظر إلى تشي تشينغ، ثم إلى جيه لين { لماذا أراكما دائمًا في أماكن تثير الشبهات إلى هذا الحد ؟
هل تتعمدان التجول بين المشتبه بهم ؟
هل تعلمان أن مظهركما يثير الشبهات أكثر بكثير من المشتبه بهم؟ }
فقال : “هل أنتما… أتيتما معًا للاستحمام ؟”
أوقف جيه لين السيارة ، ثم ضحك وقال: “ أنا لا أمانع، اسأله إن كان يوافق .”
رفع تشي تشينغ الكيس البلاستيكي الذي يحمله: “هل تظن أن هذا ممكن ؟”
ثم سأله: “لماذا تقف وتنظر إليّ؟ ألن تدخل للقبض عليه؟”
جي مينغروي: “ سأقبض عليه، بالتأكيد سأقبض عليه.”
دخل جيه لين معه، وقبل أن يدخل، توقف عندما مر بجانب تشي تشينغ — لم يلمسه، لكنه مد يده وأمسك بالكيس البلاستيكي الذي يحمله تشي تشينغ بإصبعين، وسحبه معه: “ بما أنك أتيت إلى هنا، فلندخل ونلقي نظرة . لم آخذك من قبل في جولة حول المرافق الموجودة بالقرب من المجمع .”
كان وضع إصبعين على الكيس، بهذه الطريقة التي يفعلها الرجل، يحمل في يده شيئًا من الخفة والاستفزاز
كان تشي تشينغ يقف الآن بعيدًا عن المتجر وبالقرب من مركز الحمّام، فبدأت بعض الأصوات التي كان يسمعها قبل قليل تخفت تدريجيًا ، بينما ظهرت أصوات أخرى جديدة في أذنه
كان يريد المغادرة مباشرةً ، لكن وسط هذه الأصوات ظهر صوت مذعور :
[ اللعنة ، لماذا جاء رجال الشرطة ؟ كنت أريد فقط أن أنفصل عنها ، لم أكن أقصد قتلها .]
[…]
وفجأة ظهرت أمام عيني تشي تشينغ صورة الفتاة التي كانت في الحانة ، وتلك الكلمة التي لن تتاح لها فرصة تحقيقها أبدًا: ' في المستقبل'
في النهاية، تحمّل تشي تشينغ الأصوات التي لا تنفك تظهر في أذنيه ، ولم يطلب من جيه لين أن يترك يده
…….
كان الحمّام العام يشبه مراكز الاستحمام المنتشرة في كل مكان على جوانب الطرق، ويتكون من طابقين
الطابق الأول يضم الردهة ومرافق الاستحمام، إلى جانب عدة غرف للساونا. لكن في هذا الوقت لم يكن هنا أحد يأتي للاستحمام ، وكان المكان فارغًا تمامًا ، ولا يُسمع سوى صوت صنبور لم يُغلق بإحكام ، يقطر الماء منه قطرة تلو الأخرى . وكانت بلاطات الجدران والأرضية قديمة، وقد تركت المكانس عليها آثار واضحة
أبعد جي مينغروي الستارة القماشية وخرج : “ لا أحد هنا.”
سو شياو لان: “والحمّام النسائي فارغ أيضًا.”
: “ سأصعد إلى الطابق العلوي وألقي نظرة، وأنتِ اسألي عن الصورة .”
أخرجت سو شياو لان الصورة ، وقبل أن تتحدث ، بادر مدير الحمّام ، الذي ظل يراقبهم منذ دخولهم، قائلًا: “حمّامنا يعمل بشكل قانوني تمامًا، ولا توجد لدينا أي مشكلة .”
ك سو شياو لان: “نحن نبحث عن شخص. هل ظهر هنا خلال الأيام الماضية؟ هل سبق أن رأيته؟”
ألقى مدير الحمّام نظرة سريعة على الصورة: “لم أره. هل انتهيتم من الأسئلة؟ يمكنكم المغادرة الآن.”
نزل جي مينغروي من الطابق الثاني بعد أن أنهى تفتيشه، وأشار لسو شياو لان بهز رأسه
فهمت سو شياو لان الإشارة، فأعادت الصورة إلى مكانها: “ نشتبه في أن له علاقة بإحدى القضايا…
إذا حصلتم على أي معلومات عنه، يمكنكم الاتصال بنا .”
وبعد أن أنهت سو شياو لان كلامها، لاحظت أن جيه لين وتشي تشينغ كانا ينظران إلى مكان آخر
كان من الممكن رؤية المدخل الأمامي للحمّام فقط، ولم يكن هناك ما يشير إلى وجود باب خلفي، لكن كلما عبرا الردهة ، أصبح الصوت أكثر وضوحًا:
[ لم أقصد قتلها…]
[لم أقصد…]
سأل تشي تشينغ فجأة: “هل يوجد باب آخر هنا؟”
لم ينظر مدير الحمّام إلى تشي تشينغ، وقد أصبح عقله فارغًا من شدة التوتر: “ لا يوجد . ألا ترون بأنفسكم أنه لا يوجد سوى هذا الباب في الحمّام ؟”
أما جيه لين، فكان ينظر إلى غرفة استراحة صغيرة للموظفين في الجانب. كانت فيها صفّان من خزائن التخزين، وفي المنتصف طاولة وحولها عدة كراسٍ بلاستيكية : “ الإفطار على الطاولة لا يزال ساخنًا ، ولم يأكل منه أحد ، لكن لا يوجد أحد هنا. هل يمكنني أن أسأل أين ذهب هؤلاء الأشخاص ؟”
مدير الحمّام: “……”
كان من الطبيعي جدًا أن يوظف حمّام من هذا النوع عدة فتيات شابات وجميلات للعمل في التدليك، لذا يرغب المدير التخلص منهم بأسرع ما يمكن. فإذا واصلوا التفتيش، فستصبح الأمور مزعجة جدًا
وقف مدير الحمّام خلف مكتب الاستقبال، وخلفه هناك قطعة كبيرة من قماش مخملي أصفر مائل إلى البني، مزينة بزخارف ذهبية، ومعلقة عاليًا على الجدار، حتى بدت كأنها خلفية للزينة
وأثناء حديثه، مال بجسده قليلًا محاولًا حجبها : “ ربما خرجن… هن جميعًا موظفات نظاميات .”
كان مدير الحمّام متوترًا للغاية ، لدرجة أن تشي تشينغ لم يسمع في البداية أي صوت آخر — لكن ما إن انتهى من كلامه حتى ظهر صوت آخر أخيرًا
[ لن يكتشف الباب السري خلفي ، أليس كذلك…]
قال جيه لين، وقد لاحظ القماش أيضًا: “ سيدي تنحَّ قليلًا من فضلك ، وارفع القماش .”
المدير: “هذه مجرد قطعة قماش للزينة. هذا هو أسلوب الديكور في متجرنا، طراز قديم، ولا يوجد خلفها أي شيء…”
وقبل أن يكمل كلامه، كان جيه لين قد رفع القماش بالفعل، فظهر خلفه باب حديدي مخفي. أطلق المدير صوتًا: “آه—”
رفع جيه لين حاجبه: “طراز قديم؟”
المدير: “ماذا لو قلت إن هذا الباب وُضع هنا لأن خبيرًا في الفنغشوي قال إن وضع باب في هذا المكان يرمز إلى امتلاء المكان بالضيوف ، لجلب الحظ، لكنه في الحقيقة لا يمكن فتحه أصلًا… هل ستصدقونني؟”
ابتسم جيه لين : “ أما إذا كنت سأصدق أم لا، فمن الصعب قول ذلك قبل أن نحاول فتحه . لكن بصراحة، موهبتك في الكلام وأنت تعمل مديرًا لحمّام عام تبدو مهدرة قليلًا .”
كان الباب السري يؤدي إلى الزقاق الخلفي، حيث مجموعة من الفتيات يرتدين تنانير قصيرة رغم برد الشتاء، ويستندن على جدار خشن من الجبس ، بعضهن جاثيات وأخريات واقفات
لا يعرفن ما يحدث في الداخل، وعندما رأين الباب يُفتح، لم يكن لديهن أي استعداد ، فلم يجدن سوى الوقوف في مكانهن مرتبكات
جي مينغروي: “ ألم يخرج شخص من هنا قبل قليل ؟”
أومأت إحدى الفتيات برأسها
: “ إلى أين ذهب ؟”
مدّت الفتاة أصابعها المتجمدة وأشارت إلى مدخل الزقاق: “ لقد غادر للتو "
لم يكن تشي تشينغ ولا جي مينغروي يعرفان هذه المنطقة جيدًا، أما جيه لين، وهو الوحيد بينهم الذي عاش في هذه المنطقة لسنوات طويلة، فلم يبدُ عليه أي قلق عندما سمع أن الرجل قد هرب: “ لا يوجد سوى طريقين للخروج من الزقاق، لن يذهب بعيدًا .”
جي مينغروي: “حسنًا، لننفصل ونبحث عنه.”
—————
كان تشو بو هاو يركض في الشارع بأقصى سرعته، مرتديًا ملابس الحمّام وحذاءً بلاستيكيًا للاستخدام مرة واحدة. وفي هذا الشتاء لم يكن يرتدي سوى هذه الملابس القليلة، فكان الهواء البارد يتسلل بلا عائق من فتحة ياقة الملابس الواسعة إلى جسده
كان يظن أنه لم يترك أي معلومات عن هويته، وأن الشرطة لن تتمكن من العثور عليه هنا في وقت قريب، لكنه نسي أن عدم ترك أي معلومات عن هويته كان بحد ذاته معلومة مهمة جدًا.
توجد أكشاك كثيرة على جانبي الزقاق، تشبه سوقًا صباحية صغيرة.
كان الناس يتدافعون في كل مكان، والباعة يواصلون المناداة على بضائعهم.
لكن الرجل الذي اندفع من زاوية الشارع أفسد النظام القائم فيه
لم يهتم هذا الرجل القادم بالأكشاك التي تعترض طريقه، وكل ما كان يشغله هو الهرب
وفجأة انقلبت عدة صناديق من البضائع الموضوعة على عربة أحد الباعة بصوت “طااااخ”، بعدما أسقطها في ارتباكه
كان جي مينغروي يلاحقه عن كثب : “ لا تهرب!”
لم يكن تشو بو هاو يفكر سوى في الهرب ، ولم ينتبه أصلًا إلى المارة في الشارع و غادر الطريق الذي كان يسلكه واتجه إلى طريق آخر ، وبينما يستعد للدخول إلى مدخل أحد المباني السكنية على يمينه ، اصطدم بشخص عن طريق الخطأ
جيه لين : “ اللعنة ...”
وبما أنه كان مطأطئ الرأس، لم يستطع سوى رؤية الشخص الذي اصطدم به من خلال خيوط قليلة من ضوء الشمس
حتى عند القبض على شخص، لم يكن جيه لين يبدو متوترًا على الإطلاق، بل بدا وكأنه تمشى حتى وصل إلى هنا: “ لا تهرب . بدلًا من إضاعة طاقتك هكذا، عد معنا وتحدث قليلًا، وأخبرنا ما الذي حدث في تلك الليلة.”
كان تشو بو هاو يلهث بشدة. وبعد أن زال عنه تأثير البرد، بدأ يشعر بالحرارة في جسده كله. تراجع خطوتين بحذر، لكن المسافة بينه وبين جي مينغروي وسو شياو لان لم تكن سوى شارع واحد و قد أمضى هذه الأيام في حالة يرثى لها أصلًا ، والآن انفجرت كل المشاعر التي تراكمت داخله طوال الأيام الماضية ، مثل وحش محاصر في طريق مسدود
قبض يده، وكتم صرخته في حلقه، ثم اندفعت قبضته بعنف نحو تشي تشينغ
كان السبب الرئيسي هو أن تشي تشينغ وقف في مكان يسهل اختراقه ، فقد كان يسد مدخل الدرج تمامًا
لم يرمش تشي تشينغ حتى، وكان على وشك صد الضربة، لكن القبضة توقفت فجأة في الهواء
قال جيه لين، وهو يمسك بمعصم تشو بو هاو، وبنفس النبرة الهادئة التي توحي بأنه مستعد للتفاهم، بل وابتسم بأدب أثناء حديثه، بينما لم تخفف يده من قوتها قيد أنملة: “ قاتلني أنا فقط ، ولا تلمسه .”
حاول تشو بو هاو الإفلات، لكنه اكتشف أنه مقيد تمامًا ولا يستطيع الحركة.
جيه لين: “ هذا الرجل يعاني من هوس النظافة، لذا راعِ حالته قليلًا .”
أراد تشي تشينغ الاعتراض، لكنه اكتشف أنه لا يملك ما يقوله: “……”
من الواضح أن هوس النظافة لا يمنح صاحبه أفضلية في القتال
انتهى الأمر بسرعة — وصل جي مينغروي بعده بقليل، وأخرج الأصفاد من خلف ظهره، ثم أمسك بتشو بو هاو وثبته بالحائط خلال لحظات ، وقيد يديه من الخلف
أُغلقت الأصفاد الفضية بصوت “كليك”
نظر جي مينغروي إلى تشي تشينغ: “هل أنت بخير؟”
كانت المباني السكنية القريبة صاخبة جدًا. وسط الطنين الذي ملأ أذنيه، اكتشف تشي تشينغ أنه، باستثناء الصداع الذي سببه له الضجيج، كان يشعر أيضًا بشيء من عدم الارتياح.
كان هذا شعورًا غريبًا جدًا عليه
لم يستطع تحديد سبب شعوره بعدم الارتياح، وربما كان بسبب جملة جيه لين قبل قليل: “ لا تلمسه "
رد تشي تشينغ أخيرًا: “ أنا بخير "
قال جي مينغروي في طريق العودة ، دون تردد ، وهو ينبش في ماضي تشي تشينغ القديم: “ لقد أخفتني فعلًا . قبل قليل كنت أخشى أن يوجّه لك لكمة ، فتشعر أن ضربه سيجعل يديك متسختين.”
لم يرد تشي تشينغ، لكن جيه لين سأله أولًا: “هل سبق أن تشاجر ؟”
قال جي مينغروي: “ نعم. عندما كنا في المدرسة، كان كثير من الناس يظنون أنه لا يهتم بأحد ، ومغرور جدًا ، فأرادوا تلقينه درسًا . كانوا يقولون له: لا تذهب بعد انتهاء الدوام .”
: “ همم؟” أشار جيه لين إليه بأن يكمل
: “ ثم كان يغادر مباشرة بعد انتهاء الدوام.”
لم يتذكر تشي تشينغ الأمر إطلاقًا : “ هل حدث ذلك فعلًا؟”
: “ اووه . و في اليوم التالي جاء أولئك الأشخاص غاضبين وسألوك : ماذا تقصد؟ ألم نقل لك ألا تذهب بعد انتهاء الدوام ؟”
قلّد جي مينغروي نبرة تشي تشينغ، ورفع عينيه ببرود : “ قلت لك أن تبتعد عني الآن ، هل ستبتعد ؟”
تشي تشينغ: “……”
جي مينغروي: “ثم رفع ذلك الشخص قبضته وضربك، هل تعرف ماذا قلت له؟” توقف جي مينغروي لحظة، ثم أخذ نفسًا طويلًا، وتوقف بطريقة غامضة قبل أن يقول: “قلت له: انتظر قليلًا ، سأرتدي قفازًا .”
“…………”
————
في مركز شرطة يونغآن —-
لم يشارك جيانغ يو في عملية الخروج، فقد أبقاه وو تشي بيين لكتابة التقرير. وعندما سمع أنهم ألقوا القبض على المشتبه به، ترك عمله على الفور واتجه مسرعًا إلى غرفة الاستجواب، لكنه ما إن خرج حتى اصطدم بتشي تشينغ وجيه لين، هذين الشخصين اللذين لا علاقة لهما بالقضية، لكنهما دائمًا يجدان طريقة للمشاركة فيها بشكل أو بآخر
جيانغ يو : “ هاه ؟ هل أتيتما مجددًا لأخذ الإفادة ؟”
الإفادة المألوفة ، والمشهد المألوف… والشخص المألوف
فتح جيانغ يو دفتر الملاحظات ، واستعد لتسجيل إفادة بسيطة لهما
لكنه لم يتوقع أن تشو بو هاو، بعد أن أُدخل إلى المركز، اعترف بكل شيء قبل أن يصل حتى إلى غرفة الاستجواب
لقد اعتنى بمظهره كثيرًا عندما كان في الحانة ، فكان يرتدي أقراطه وقلادته وجميع إكسسواراته ، أما الآن فكان يرتدي ملابس الحمّام العام ، وبدا مختلفًا تمامًا عن مظهره في الحانة
و طرف أنف تشو بو هاو و أطرافه حمراء من شدة البرد، وقال وهو يخفض رأسه : “أيها الشرطي، سأعترف، سأعترف بكل شيء. لم أكن أتوقع أصلًا أن أتمكن من الهرب حقًا .
عندما تعرفت إلى جين جين، كنت صادقًا معها فعلًا، لكن ظهرت مسافة بيننا، وكانت غالبًا لا تكون بجانبي… ما حدث لم يكن شيئًا أستطيع التحكم فيه. أعرف أن ما فعلته ليس صحيح … لكنني في النهاية ارتكبت الخطأ نفسه الذي يرتكبه الرجال في كل أنحاء العالم .”
جي مينغروي: “لا تتحدث باسم الرجال جميعًا. أمثالك مكانهم سلة المهملات، ولا ينتمون إلى فئة البشر أصلًا.”
تشو بو هاو: “هل يمكن أن تعطوني كوبًا من الماء؟”
ثم أمسك بالماء الساخن، وقال وهو يمسح أنفه بين حين وآخر: “ في تلك الليلة ، جاءت جين جين للبحث عني، وأثارت ضجة كبيرة في الحانة ، وبما أنني كنت أملك خلافات مع المدير أصلًا ، فقد طلب مني المدير أن أغادر فورًا .
خسرت عملي، ورغم أنني كنت أشعر ببعض الذنب تجاهها،
كنت في الوقت نفسه أفكر: كيف يمكنها أن تأتي وتثير المشاكل في مكان عملي ؟”
لم يقرأ تشي تشينغ في ذهن هذا الرجل أي أفكار أخرى
وبدا أنه يقول الحقيقة كلها
تابع تشو بو هاو: “كنت ألومها فعلًا في داخلي، وبالطبع كانت لدي أشياء كثيرة أريد قولها لها. لا يزال لدي بعض الضمير ، لذا أردت الاعتذار لها.”
قالت سو شياو لان ببرود : “ لديك ضمير؟ لم ألاحظ ذلك حقًا"
رفع تشو بو هاو عينيه بسرعة ونظر إليها للحظة: “رأيتك تعيدينها إلى المنزل، وبعد أن غادرت سيارتك، تبعتها سرًا إلى الطابق العلوي. عندما فتحت الباب كانت غاضبة جدًا، لكنها سمحت لي بالدخول. لكننا لم نتوصل إلى اتفاق، وكانت حالتها العاطفية غير مستقرة، فبدأت ترمي الأشياء عليّ وتطلب مني أن أخرج ، وقالت إنها ستأتي لإثارة المشاكل أينما ذهبت للعمل في المستقبل، ولن تدعني أعيش بسلام.”
كان من الواضح أن هناك آثارًا للعراك في موقع الجريمة.
لكن كلما استمع جيه لين أكثر ، أصبحت تعابير وجهه أكثر غرابة
جيه لين: “ برأيك ، في مثل هذه الظروف، حتى لو راودته نية قتل امرأة لم يعد يحبها،
لكنها تهدده بأنها ستلاحقه وتضايقه ، فلماذا يختار اغتصابها ثم قتلها ؟”
لم يكن تشي تشينغ يعرف الكثير من تفاصيل القضية، وكل ما يعرفه هو أن تلك الفتاة ماتت : “ ماذا ؟”
: “ لا توجد فيه أي سمة من سمات هذا النوع من المجرمين. حبيبته لم تخنه مع شخص آخر ، كما أنه لم يكن يعاني من عدم إشباع طويل الأمد بسبب كرامته كرجل. وهناك أمثلة أخرى كثيرة بالطبع . باختصار، ليس بحاجة إلى استخدام هذا النوع من أساليب القتل للحصول على نوع من المتعة . إنها مجرد مشكلة انفصال عادية ، وفي أسوأ الأحوال كان سيقتلها عن طريق الخطأ ، أو يقتلها بدافع الانفعال …” عند هذه النقطة نظر جيه لين إلى تشي تشينغ وقال: “ ألم تكن تعرف أن الفتاة تعرضت للاغتصاب قبل موتها ؟”
تذكر تشي تشينغ الجملة التي سمعها عدة مرات في الحمّام العام:
{ [ لم أقصد قتلها .]
' لم أقصد '
لو كان قد اغتصبها أولًا ثم قتلها، فلماذا قال إنه لم يقصد ذلك؟
كلمة “أقصد” تبدو أقرب إلى أنها كانت حادثة وقعت عن طريق الخطأ ، وخارجة عن السيطرة }
———
عند باب المكتب، خرج تشو بو هاو عن الموضوع في منتصف كلامه : “بعد أن فعلت شيئًا كهذا، لم يعد لدي وجه لأقابل عائلتي . سأعترف بكل شيء ، وأتمنى أن يراعي القانون أنني اعترفت بأخطائي من تلقاء نفسي…”
طرقت سو شياو لان القلم على الطاولة : “ ادخل في صلب الموضوع.”
“آه، أعترف أن موقفي وقتها لم يكن جيدًا أيضًا.” قال تشو بو هاو: “فقدت أعصابي تمامًا،
ولم أكن أقصد ذلك حقًا، ولم أفكر في ضربها، لكنها ظلت تضغط عليّ…”
قالت سو شياو لان وعيناها محمرتان : “ إذًا اغتصبتها وقتلتها.”
“أنا…” أطال تشو بو هاو كلمة “أنا” طويلًا، ثم توقف فجأة، وحدق فيها مذهولًا: “ اغتصاب ماذا ؟ اغتصاب ؟”
كان تشو بو هاو قد أمضى هذه الأيام والليالي هاربًا من مكان إلى آخر حتى أنهكه التعب، وبعد أن أُلقي القبض عليه وأُدخل إلى مركز الشرطة ، لقد تخيل بالفعل كيف سيقضي بقية حياته في السجن ، وكيف سيواجه والديه وهما يبكيان بحرقة
لذا رفع تشو بو هاو صوته فجأة، واتسعت عيناه : “ لقد دفعتها فقط ، فاصطدم رأسها بزاوية الخزانة وفقدت الوعي مباشرةً . وفي اليوم التالي سمعت من الناس أنها ماتت . ما الذي تتحدثون عنه بشأن الاغتصاب ؟
… أنا لم أغتصبها .”
تجمد الثلاثة أيضًا
سو شياو لان: “؟”
جيانغ يو: “ هاه ؟ ”
جي مينغروي: “ ماذا قلت؟”
: “ أعيدوا حبيبته الجديدة إلى هنا .”
—————
بعد نصف ساعة
جلست فتاة ذات شعر طويل منسدل على كتفيها مجددًا في المقعد الذي جلست فيه المرة الماضية.
قالت الفتاة: “عندما اتصل بي ليلًا، كان صوته مذعورًا جدًا. قال إنه دفع جين جين، وفي اليوم التالي أُغلق المجمع من قبل الشرطة، وكانت جين جين قد ماتت. قال إنه قتلها عن طريق الخطأ، وطلب مني ألا أخبر أحد ، ثم سألني ماذا يفعل .”
“……”
——————
وبناءً على شهادة تشو بو هاو ، أصدر قسم الطب الشرعي تقريرًا آخر سريعًا : “ ما قاله صحيح . تعرض رأسها لاصطدام قبل وفاتها ، لكن لم تكن إصابة قاتلة . من المفترض أنها استعادت وعيها بعد فترة .”
جي مينغروي صفحات التقرير. “ كان يظن أنه قتلها، إذًا القاتل ليس شخصًا تعرفه الضحية .
هذا غير منطقي . لماذا لا توجد أي آثار لاقتحام المنزل بالقوة ؟
الضحية لم تطلب طعام ، ولم تستلم أي طرود، وليس لديها أي شخص آخر تعرفه في المدينة . فكيف دخل إلى المنزل ؟”
في هذه اللحظة أدرك الجميع أن طبيعة قضية القتل التي بدت بسيطة في البداية قد تغيرت تمامًا
و كل استنتاجاتهم السابقة انهارت بالكامل
وبصفتها امرأة ، تخيلت سو شياو لان نفسها تعيش وحدها، ثم يدخل شخص إلى غرفتها دون أن يترك أي أثر ، فشعرت بقشعريرة تسري في ظهرها
—————
لم يتوقع تشي تشينغ أن شراء زجاجتين من سائل التعقيم يمكن أن يستغرق يومًا كاملًا
حمل الكيس البلاستيكي وتوجه إلى تقاطع الطريق، فقام شخص ما بإطلاق بوق السيارة مرتين نحوه
وبعد تجربة حادثة “السائق” السابقة، اكتشف تشي تشينغ أنه بدلًا من إضاعة الوقت في مجادلته، من الأفضل أن يتصرف وفقًا للأمر ويوفر على نفسه الوقت والجهد.
وفوق ذلك، كان الطريق هذه المرة يمر فعلًا من هناك.
قال تشي تشينغ بلهجة رسمية: “أقبل الطلب.”
أخرج جيه لين هاتفه وقبل الطلب الثاني في مسيرته كسائق: “…حسنًا.”
لم يتحدث الاثنان كثيرًا هذه المرة أثناء الطريق. تحمل تشي تشينغ مختلف الأصوات التي لم تتوقف طوال الأيام الماضية، وصمد حتى وصلا إلى موقف السيارات تحت الأرض في المجمع.
بعد أن أوقفا السيارة، وأثناء انتظارهما المصعد، قال جيه لين فجأة وهو ينظر إلى أرقام الطوابق التي تتغير باستمرار على الشاشة: “عند مدخل الحمّام العام قبل قليل، صديقك لم يقل إنه جاء للقبض على شخص.”
كان تشي تشينغ متكئًا على جدار الممر أمام المصعد، وذراعه التي تمسك بالكيس البلاستيكي متدلية إلى جانبه. كان لون عينيه داكنًا، يكاد يندمج مع خصلات شعره السوداء أمام جبينه. وعندما سمع كلامه، أمال رأسه قليلًا.
فكر تشي تشينغ: { ألم يقل جي مينغروي ذلك؟ }
كانت الأصوات التي سمعها في الآونة الأخيرة كثيرة جدًا، لدرجة أنه يجد صعوبة في تذكر كل جملة. وأحيانًا كان ينسى أي جملة جاءت من العالم الحقيقي، وأيها خرجت من تلك الأصوات المشوشة والمضطربة التي فقدت وضوحها
“ خمّنت .”
لم يتوقع تشي تشينغ أن ينتبه جيه لين إلى هذه التفاصيل. ومنذ قضية قتل القطط، أدرك أن هذا الرجل، رغم ابتسامته التي تجعل التعامل معه يبدو سهلًا، كان في الحقيقة أصعب شخص يمكن خداعه
وتابع: “ أعرف أنه يحقق في قضية، وفي هذا الوقت، باستثناء البحث عن شخص، يصعب التفكير في احتمال آخر .”
انخفض المصعد من الطابق العلوي ، طابقًا تلو الآخر
جاء اختبار جيه لين سريعًا واختفى بالسرعة نفسها : “ تخمين دقيق جدًا ...”
وبعد أن قال هذا ، غيّر الموضوع دون أن يترك أثرًا، وكأنه لم يكن يريد أصلًا الحصول على أي إجابة من تشي ، وقال: “ وصل المصعد.”
دينغ
وصل المصعد إلى الطابق المطلوب، وانفتح بابه ببطء
عاد تشي تشينغ إلى منزله المستأجر حديثًا ، وبدأ بتعقيم جميع قطع الأثاث واحدة تلو الأخرى
وكعادته، لم يشعل الكثير من الأضواء، لكنه ترك التلفاز مفتوح فكان كامل صالة المعيشة يغلب عليها اللون البارد، بينما تتداخل أضواء التلفاز الزرقاء الباردة وتتغير باستمرار
حتى بعد تغيير مكان سكنه ، ظل يشعر بأن المكان صاخب جدًا
ربما لأن الأصوات التي سمعها خلال النهار كانت كثيرة للغاية ، فبقيت عالقة في أذنيه تدور ذهابًا وإيابًا ، حتى سببت له صداع
وباحتساب اليوم ، فقد استمر صداعه لعدة أيام
بعد أن انتهى تشي تشينغ من التعقيم، خلع القفازات المطاطية، ثم وضع ظهر يده على جبهته دون أن ينتبه إلا متأخرًا ، فاكتشف أن نزلة البرد التي أصابته بعد تعرضه للمطر في المرة السابقة لم تُشفَ تمامًا ، ومع انشغاله هذه الأيام وقضائه وقتًا طويلًا في الخارج، أصيب بالبرد مجددًا
أخرج حقيبة الأدوية من صندوق الأغراض، وضيق عينيه أمام ضوء التلفاز ليرى تاريخ انتهاء صلاحية دواء الزكام
{ لقد انتهت صلاحيته منذ وقت طويل }
في النهاية، نام تشي تشينغ على الأريكة قليلًا، وفي حالة بين النوم واليقظة، أيقظه اهتزاز الهاتف
[جيه لين يطلب إجراء مكالمة صوتية معك]
بعد أن تم الرد على المكالمة ، بدا صوت جيه لين المميز أكثر انخفاضًا عبر موجات الاتصال، وكان يمد نهايات كلماته ببطء قليلًا وهو يتحدث : “ قال الشرطي جي إن عليّ أن أعيد لك الملابس التي استعارها منك في المرة الماضية .
نسيت أن أعطيك إياها عندما نزلت من السيارة قبل قليل. هل أنت في المنزل الآن ؟”
مجرد أن يقول الرجل بضع كلمات، كان ذلك الشعور بـ”عدم الانضباط” يندفع نحوك على الفور
لكن تشي تشينغ لم يكن لديه مزاج للاستمتاع بذلك الآن
فالمرض يجعل حواس الإنسان أكثر حساسية عادةً، ورغم أن وعيه ببعض الأمور قد أصبح أضعف، شعر تشي تشينغ أن تلك الأصوات من حوله لم تتوقف منذ عدة أيام، بل أصبحت أسوأ مع مرور الوقت.
عدد سكان هذا المبنى قليلًا، لكنه لم يكن خاليًا من السكان
ولم تكن لديه طاقة إضافية لتمييز ما الذي تثرثر به كل تلك الأصوات ، بما فيها المكالمة التي في أذنه الآن
قال جيه لين بضع جمل أخرى من الطرف الآخر، ثم لاحظ أن تشي تشينغ لم يرد منذ وقت طويل
“ هل تسمعني؟ تحدث .”
“……”
“ هل شربت الكحول ؟”
“……”
وفي النهاية ظل جيه لين صامتًا لعشرات الثواني، وعندما تحدث مجددًا كان قد وصل بالفعل إلى باب منزل تشي تشينغ: “ افتح الباب .
أخشى أن يصيبك مكروه. انهض وافتح الباب، سأطمئن عليك فقط، ثم أعطيك الملابس وأغادر .”
أراد تشي تشينغ أن يقول له: ارمِ الملابس فقط
لكن عندما فكر أن الطرف الآخر قد يستمر في إزعاجه إذا قال ذلك، انتظر قليلًا ثم قال أخيرًا كلمتين: “نظرة واحدة؟”
عندما سمع جيه لين صوتًا منه أخيرًا، تنفس الصعداء: “ إذا كنت لا تمانع، يمكنني أن أنظر إليك عدة مرات .”
“……” { إذًا لا تنظر }
عندما فتح تشي تشينغ الباب، كان جيه لين لا يزال ممسكًا بالهاتف، وقد بدل ملابسه إلى سترة صوفية خفيفة ، وبدا مختلف تمامًا عن مظهره في النهار
كان هذا الرجل يملك أصلًا وجهًا يسهل أن يمنح الآخرين شعورًا بالخطر ، لكن بعد أن غيّر ملابسه ، بدا بشكل نادر مألوفًا وكأنه في منزله
وكما توقع تشي تشينغ، أعطاه نظرة واحدة فقط — أخذ الملابس من خلال فتحة الباب وأراد إغلاقه
: “ انتظر ...” وضع جيه لين يده على الباب ومنعه من الإغلاق : “ هل تشعر بتوعك؟”
[ لولا أنك ابنة المدير ، لما تزوجتك… وبمزاجك المدلل هذا ، من يستطيع تحملك ؟]
لم يعرف تشي تشينغ أي منزل في المبنى كان يعرض مجددًا تلك الدراما العائلية الغريبة داخل رأسه
وقد أزعجته الأصوات إلى درجة أن ردود أفعاله أصبحت أبطأ بنصف نبضة
ولم يرد على كلام جيه لين إلا بعد أن استوعبه: “ مزعج .”
“ مزعج ؟”
أدرك جيه لين أنه على الأرجح لم يكن يقصد أنه هو المزعج
لم تكن هناك أصوات أخرى في المبنى أيضًا، وبالاستماع جيدًا، لم يكن يُسمع سوى أصوات أسرة في الطابق العلوي تقوم بتركيب شيء ما، حيث طرقاتهم تأتي عبر السقف. ويمكن اعتبارها مزعجة بالكاد
نسي جيه لين للحظة أن تشي تشينغ يعاني من هوس النظافة — فأبعد يده عن الباب، ووضعها بشكل طبيعي على أذن تشي تشينغ، بحيث كانت راحة يده إلى الداخل، ثم غطى أذنه برفق: “ ربما يقومون بتركيب شيء في الطابق العلوي . إذا كنت ترى أن الأمر مزعج ، سأصعد لاحقًا وألقي نظرة .”
تجمد تشي تشينغ للحظة
لم يكن يرتدي قفازين في المنزل، وكعادته مد يده محاولًا إبعاد يد جيه لين، لكن في اللحظة التي لمسه فيها، أدرك أن حركة تغطية أذنه نجحت فعلًا في إحداث تأثيرها
“……”
تبددت تلك الدراما العائلية العبثية المجهولة التي كانت تدور في أحد أركان المبنى، وتبددت معها الكلمات التي تراكمت في أذنيه طوال الأيام الماضية وظلت تتردد بلا توقف —- اختفت جميع الأصوات المشوهة تمامًا ...
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق