الفصل مئتان وثلاثة وأربعين : كيف يشتاق سيدي للزهرة؛ وكيف أشتاق أنا لسيدي .
أخفى شي ليان اللؤلؤة جانبًا ونظر إلى الأمام، فرأى عددًا من المسؤولين السماويين يخرجون من الكوخ الكبير البدائي.
قال متسائلًا:
"ما الذي يجري مع الجنرال نان فنغ؟"
لكنهم سمعوا فجأة صوت فنغ شين وهو يهتف:
"انظروا مَن أمسكتُ به!"
خرج مسرعًا من بين الأشجار وهو يجرّ بيده شخصًا يرتدي السواد، فتفاجأ جميع المسؤولين السماويين.
"لينغ وين!"
فالشخص الذي كان ممسوكًا بيد فنغ شين لم يكن سوى لينغ وين نفسها. التفت فنغ شين إلى شي ليان وقال:
"كما توقعتَ تمامًا، لينغ وين جاءت لتسرق الديباج الخالد!"
بعد أن أزيلت القيود الملعونة عن شي ليان، انفجرت طاقته الروحية حتى كادت تعادل قوة جون وو نفسه، لذلك لم يكن لذلك الديباج الخالد أي تأثير عليه. أمّا لينغ وين، فقد حوّلها هوا تشينغ في المعركة العظمى إلى دمية داروما ثم اختفت. وبعد انقضاء المدة المحددة، زالت التعويذ عنها تلقائيًا فلم يُعثر عليها. ومع ذلك توقّع شي ليان أنّها ستأتي لتسرق الديباج الخالد ، فخلع هو نفسه تلك الملابس، وطلب من مدينة الأشباح أن تنشر الخبر، وبالفعل وقعت لينغ وين في الفخ.
ورغم أنّها أصبحت مطلوبة، حين أُحضرت إلى قاعة الاجتماع لم تظهر عليها علامات الذعر. وما إن دخل باي مينغ حتى ضغط على كتفيها وأجلسها أمام الطاولة.
قال بصوت مظلم وهو يوبّخها:
"أخيرًا وجدناكِ! يا لينغ وين، عليكِ أن تدفعي ثمن خطاياك!"
"...."
تجمّع العشرات من المسؤولين السماويين حولها، وبدت عيونهم كعيون الذئاب والنمور، ووجوههم متعطشة وشرسة، حتى أنّ لينغ وين شعرت لأول مرة ببعض القلق.
قالت متحفظة:
"...ما الذي تخطّطون لفعله؟"
دُووم!
أُلقيت أمامها كومة من التقارير والملفات بارتفاع رجل كامل، حتى اهتزّت الطاولة والكراسي.
صفع باي مينغ يده فوقها وقال:
"هذه، اعتني بها."
"...."
تنفّست لينغ وين بارتياح خفيف، لكنها ما لبثت أن ارتبكت. وما إن أتمّت زفيرها حتى تتابعت الضربات:
دوم! دوم! دوم! دوم! دوم!
عشرات الكومات الأخرى من الملفات والتقارير، أطول من قامة رجل، انهارت حولها وأحاطتها من كل جانب. وبدأ المسؤولون السماويون يتكلمون من بين الفجوات:
"لقد انتظرناكِ أيّامًا! أسرعي وساعدينا على حلّ هذا!"
"اعتني بهذه أيضًا."
"لا تنسي أن تملئي الأجزاء الناقصة!"
"يجب أن تنجزي هذا خلال ساعة واحدة!"
لينغ ون: "..."
وبعد يومٍ وليلة كاملين، خرجت لينغ وين أخيرًا من قاعة الاجتماع المؤقتة. بعد معركة شاقة استمرت طوال ذلك الوقت، تمّ تصنيف وفرز كل الوثائق والملفات بدقة ونظام. ابتهج المسؤولون السماويون، وأخذ كل واحدٍ منهم حسابات قصره الخاص ليقوم بمراجعتها. أمّا لينغ وين، فقد بدا وجهها شاحبًا أزرق كالحديد، وعادت الهالات السوداء تحت عينيها التي كانت قد اختفت سابقًا.
في الجهة الأخرى، وبعدما أنهى الجميع مراجعة حساباتهم، علت وجوههم الفرحة.
أثنى باي مينغ:
"لا عجب أنّ النبيلة جي هي الأكثر كفاءة! كل شيء الآن متطابق!"
وقال آخرون:
"تمّ حلّها بالكامل! شكرًا للسيدة لينغ وين!"
أما لينغ وين، التي كانت تُعامل كمجرمة، فلم يسعها سوى أن تضحك ضحكة جافة بين المدائح:
"لا شيء، لا شيء..."
وبينما رآها المسؤولون الآخرون، الذين لم يسلموها حساباتهم بعد، يجلسون مترددين، لم يعودوا قادرين على التماسك، فتقدّموا واحدًا تلو الآخر يحيطون بها:
"في الحقيقة... لدي بعض الدفاتر التي نسيت أن أسلّمها لسيادتك، فهل يمكن أن تنظري فيها؟"
لينغ ون: "..."
في تلك اللحظة، كان شي ليان جالسًا خارج القاعة يأكل كعكة مطهوة على البخار. وحين أنهى طعامه، مسح يديه ونفض فتات الطعام، ثم تدخّل أخيرًا لينقذ لينغ وين من عذابها.
قال:
"أيها الجميع، يمكننا أن نرتب هذا لاحقًا. دعوا لينغ وين تلتقط أنفاسها أولًا."
سابقًا لو قال ذلك ما كان أحد ليأبه، لكن الآن الوضع تغيّر. فأجابه الكثيرون:
"سموّك محق."
وغادروا دون أن يجرؤوا على الاعتراض. جلست لينغ وين على كرسيها، وضعت يدها على جبينها وأغمضت عينيها، تنتظر خروج الآخرين. وبعد أن خلت القاعة التفتت إلى شي ليان.
قالت بابتسامة باهتة:
"مبارك لك يا صاحب السمو؛ لقد عادت قواك الروحية. خطة ممتازة حقًا؛ حتى الأشباح الآن تطيعك وتأتمر بأمرك. شيء لا يُصدّق."
أجاب شي ليان:
"إنهم ليسوا أتباعي، إنهم فقط أصدقاء من مدينة الأشباح. طلبت منهم المساعدة فحسب."
هزّت لينغ وين رأسها وكأنها تفهم.
وبعد لحظة، قال شي ليان:
"لينغ وين، هناك أمر أردت أن أسألك عنه."
"تفضل سموك ."
"سان لانغ — أعني ملك الاشباح هوا تشينغ ، ارتدى الديباج الخالد، لكنها لم تؤثر فيه. هل تعرفين السبب؟"
أجابت لينغ وين:
"آه، هذا السؤال. ظننت أنك تعلم بالفعل."
رمش شي ليان متفاجئًا:
"أخبِريني."
رتبت لينغ وين أكمامها وجلست باعتدال وقالت:
"سموك ، لقد سمعت أسطورة الديباج الخالد ، أليس كذلك؟"
"سمعتُ أنها من صنعك."
"يمكنك أن تقول ذلك. صحيح أنني لم أتوقع أن تتحول نقمة هذه الديباج إلى وحش، لكنني قتلت باي جينغ لتسريع سقوط مملكة شولي، وهذا صحيح."
أصغى شي ليان بانتباه، فأكملت:
"هذه الديباج دار بين أيدي البشر، مرّت من شخص إلى آخر، وكل من امتلكها استعملها للقتل والإيذاء والخداع. هذا يُخفّف من نقمتها بعض الشيء. لكن باي جينغ لم يكن كهؤلاء. لقد كره أن يُستغل، وأبغض أولئك الناس. لذلك، حين يقابل أشخاصًا يشبهونه في قلبه، فإن نقمته لا تستثار، بل يشعر بالارتياح."
سأل شي ليان:
"ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين يعتبرهم مثلَه؟"
أجابت:
"حين ألبستَ الديباج الخالد لزهرة المطر القرمزي ، لم تكن في قلبك ذرة شر أو نية أذى. كنت تثق به ثقة كاملة، وهو بالنسبة لك أكثر من ذلك. ما جعل الديباج يتناغم معه هو أنه حتى لو ارتداها، فإنه سيطيعك بلا تردد، حتى لو طلبتَ منه أن يموت من أجلك."
"...."
ثم أضافت:
"ولهذا خمّنت أنّ ذلك الفتى الذي بجوارك هو زهرة المطر القرمزي نفسه. ورغم أنني لا أعرف تفاصيل ما بينكما، فإني أشك أن أحدًا غيره يمكن أن يكون هكذا."
سأل شي ليان:
"ولِمَ ذلك؟"
فأشارت لينغ وين بيدها:
"سموك ، ما ذلك الذي حول عنقك؟"
تفاجأ شي ليان ووضع يده لا شعوريًا ليغطيه.
قالت:
"لقد رأيت من قبل أشياء كهذه؛ إنّه الرماد الذي يهديه بعض الأشباح المميّزين لأحبّائهم."
لم يكن غريبًا أن تكون قد رأت مثل هذا، فكمّ هائل من الملفات مرّ بين يديها. ومع أنّ شي ليان كان قد خمّن ذلك بنفسه، إلا أنّ سماعه منها مباشرة جعله يقبض على ذلك الخاتم البلوري الصافي بقوة.
قالت:
"إنه شيء نادر جدًا. لكنه بسبب جماله الفائق، غالبًا ما ينتهي بمأساة، ولهذا علِق في ذاكرتي."
سأل شي ليان:
"ماذا تقصدين بانتهائه بمأساة؟"
قالت:
"أن يُعميك الحب فتعطي شيئًا مربوطًا بروح حياتك لشخص آخر، هذا يقود إلى نهايات مأساوية ومروّعة. قلبٌ صادق كهذا مآله أن يُداس. معظم تلك التذكارات المصنوعة من الرماد: سُرقت، أو كُسرت، أو أُهملت. لم ينجوا منها شيء تقريبًا. لكنك يا صاحب السمو حالة استثنائية، لقد حفظته جيدًا، كأن لا شيء يمكن أن يمسّه."
وبعد صمت طويل، قال شي ليان:
"قلتِ 'أشخاصًا مثله'... إذن كان الجنرال باي جينغ كذلك أيضًا؟"
ابتسمت لينغ وين ابتسامة خفيفة:
"وإلا فكيف خدعته؟"
قال شي ليان:
"ليس خداعًا تمامًا، أليس كذلك؟ لقد علمتِ أنني تعمدت نشر الخبر، ومع ذلك جئتِ لتأخذيها."
أجابت ببرود:
"إنها أداة دفاع جيدة."
قال شي ليان:
"لو كانت للدفاع فقط، ما كنتِ لتجازفي إلى هذه الدرجة. وحتى بعد أن فشلتِ، أخذتِها معكِ إلى جبل تونغ لو."
قالت بلا مبالاة:
"وماذا كان بوسعي أن أفعل؟ كنت قد كُشفت بالفعل. لقد قبضتَ عليّ متلبسة."
قال شي ليان:
"لكن بصراحة، لو أردتِ عذرًا للتغطية لكان كافيًا. بالقليل من الرشاوى، في أسوأ الأحوال كنت ستُعاقبين بتخفيض رتبة أو خصم بعض الاستحقاقات، لكنك ما كنت ستصبحين مطلوبة. النقطة الحقيقية... أنّك أردتِ مساعدة الجنرال باي جينغ ليصبح سامي ويستعيد وعيه، أليس كذلك؟"
ضحكت لينغ وين ضحكة صغيرة:
"سموك ، لا تقلها وكأنني كنت لأفعل أي شيء من أجله. فأنا باردة الدم لا أعترف بأحد، فلماذا أفعل ذلك؟"
قال شي ليان بهدوء:
"أهكذا إذن؟"
قالت:
"دَع الأمر."
بعدها، أعاد شي ليان ترتيب ما حول الجروف المهدّمة عند جناح الملك المقدس، وأقام كوخًا بسيطًا كمسكن مؤقت. كان المكان بعيدًا ومنعزلًا، فإن احتاجه أحد ذهب إلى قاعة الاجتماع، وإن لم يكن هناك ما يشغله، بقي في كوخه بهدوء.
وبعد عدة أيام، جاء مو تشينغ بعدما أصلح رويي ليسلّمه لشي ليان. وما إن فتح الأخير الباب حتى انقضّ عليه شيء أبيض وغطّى بصره. رفع يده ليمسك به، فإذا برويي يلتف ويدور وكأنه يستعرض جماله بعد أن وُلد من جديد.
قال شي ليان محذرًا:
"لا تلتف هكذا بعد أن تم إصلاحك للتو، قد تتمزق مجددًا."
وما إن سمع مو تشينغ هذا حتى رفع حاجبيه معترضًا:
"كيف يكون ذلك ممكنًا؟ هل تمزقت أرديتك يومًا بعد أن خطتها لك؟"
أجاب شي ليان بابتسامة:
"هذا صحيح."
ثم أمسك برويي، الذي كان يتلوى مثل طحلب البحر، ليتفحصه بعناية. وبالفعل، كان مخيطًا بإتقان شديد، حتى إنه لم يعد يظهر عليه أثر التمزق أبدًا. فقال مادحًا:
"مهارتك ما تزال مذهلة."
قال مو تشينغ:
"مديح كهذا لا يُسعدني. أنا أصلحتها هذه المرة فقط، لكن لن تكون هناك مرة ثانية. لن أفعلها مجددًا."
فكّر شي ليان في نفسه:
"لكن من الواضح أنك فخور جدًا بهذا..."
ظل مو تشينغ يثرثر قليلًا، ثم قال:
"حسنًا، لقد أنجزت عملي. سأغادر الآن. أنا منشغل بترتيب بعض الأمور والأشخاص في قصر شوان تشن."
فقال شي ليان:
"ستغادر أنت أيضًا؟ حسنًا، سأمر لمساعدتك لاحقًا. تذكّر أن تناديني حين ترحل، سأودعك."
بعد القبض على لينغ وين، وملء كل الثغرات، وحلّ أكوام الحسابات الفوضوية، قرر المسؤولون السماويون أخيرًا إعادة بناء العاصمة السماوية. وهذا يعني أن قاعة المؤتمرات المؤقتة في جبل تايسانغ يمكن أن تُترك خلفهم الآن. لوّح مو تشينغ بيده، لا رافضًا ولا موافقًا، ثم خطا بضع خطوات قبل أن يتوقف ويلتفت.
سأل مترددًا:
"هل... ستبقى في جبل تايسانغ؟"
أومأ شي ليان:
"نعم."
وبعد لحظة تردد، قال مو تشينغ:
"لماذا لا تأتي معنا بعد كل شيء؟"
ابتسم شي ليان وقال:
"لا، عليّ أن أبقى وأنتظر شخصًا."
جادل مو تشينغ:
"يمكنك أن تنتظر في البلاط الأعلى للعاصمة السماوية الجديدة أيضًا."
لكن شي ليان هز رأسه:
"أظن أنه حين يعود، سيأتي إلى هنا أولًا؛ عندها سأستطيع لقاءه في اللحظة التي يعود فيها. وإن لم يأتِ إلى هنا، فقد يعود إلى معبد شياندينغ في مدينة الأشباح، ومدينة الأشباح ليست بعيدة من هنا، وهي أكثر ملاءمة من العاصمة السماوية الجديدة."
"...أأنت حقًا تؤمن بأنه سيعود؟" سأل مو تشينغ بنظرة معقدة.
أجاب شي ليان وكأنه أمر بديهي:
"بالطبع."
كان الناس يأتون كالمدّ ويرحلون كالجزر. فعاد جبل تايسانغ إلى عزلته المقفرة.
في أعلى جبل تايسانغ، كانت هناك في الماضي غابة ضخمة من أشجار القيقب. احترقت جميعها في تلك النار العظيمة، لكنها وُلدت من جديد بعد ألف عام. لم تكن الأشجار نفسها التي كان شي ليان يقفز بينها ليتدرّب قديمًا، لكن المشهد ظل كما هو.
كان شي ليان يتنزه كثيرًا بمفرده في غابة القيقب. ذلك البحر الأحمر المشتعل الذي بدا مثل نار متوحشة مليئة بالشغف، جعله يشعر وكأنه في حضن دافئ عظيم.
لقد قضى أكثر من ثمانمائة عام من حياته يمرر الأيام وحده، فاعتاد ذلك. إن وُجد عمل، ينزل الجبل ليستجيب للصلوات أو يجمع بعض الخردة؛ وإن لم يكن هناك شيء، يزرع الخضروات ويطبخ الطعام.
لكن ما كان غريبًا هو أن أيام الوحدة هذه، التي كانت يومًا الأكثر اعتيادًا له، أصبحت الآن صعبة المرور. استغرق الأمر وقتًا طويلًا ليعتادها مجددًا.
ربما، حين لا يذوق المرء سوى المرارة، يعتاد طعمها. لكن إن تذوّق ذات يوم طعم الحلاوة، فإن تناول المرارة بعدها مع ذكرى الحلاوة يجعل مذاقها أكثر قسوة.
في الماضي، كان شي ليان يعيش بهدوء، لكنه كان يأمل في سره أن يأتي أحد لزيارته: ليتحدث معه أو يطلب مساعدته؛ على الأقل ليكون هناك أثر للحياة. لكن الآن، لم يعد يحب ذلك.
لأنه، في كل مرة يسمع طرقًا على الباب، كان قلبه يقفز فرحًا وأملًا. لكنه حين يفتح الباب مسرعًا، لا يجد الشخص الذي ينتظره أبدًا.
أحيانًا يكون فنغ شين، وأحيانًا مو تشينغ، وأحيانًا شي شينغ شوان. وأحيانًا أخرى، أشباح مدينة الأشباح، يأتون "لتقديم الاحترام إلى كبيرهم".
كانوا جميعًا جيدين، لكن أياً منهم لم يكن هو من كان ينتظره.
في الشهر الأول، جرّ شي ليان بعض أشجار الزهور ليزرعها عند المدخل، ليجمّل المكان قليلًا ويخفي بساطة الكوخ المتداعي. فكّر أنه ربما حين يعود هوا تشينغ ، ستكون قد أزهرت.
في الشهر الثاني، هدم الكوخ بأكمله وأعاد بناءه، كما أزال الأعشاب من جميع أنحاء جبل تايسانغ. وإلا، إن عاد هوا تشينغ ورأى الفوضى، فسيُرسل بالتأكيد من يساعده في التنظيف.
في الشهر الثالث، أزهرت أشجار الزهور. تفتحت أزهار حمراء كاليَاقوت، فوقف شي ليان تحتها رافعًا رأسه يتأمل. وبينما كان يستمتع بالزهور، فكّر: لقد أزهرت، لا بد أنه سيعود قريبًا.
في الشهر الرابع، أعاد بناء مسارات الجبل كلها. فبهذا، حين يعود هوا تشينغ للبحث عنه، سيكون تسلق الجبل أسرع.
في الشهر الخامس، جاء فنغ شين ومو تشينغ لزيارته مجددًا. سألاه إن كان يريد الخروج قليلًا ليتنزه. دعاهم شي ليان إلى وليمة صغيرة، ثم رحلوا.
في الشهر السادس، انتهى موسم الإزهار.
انتظر وانتظر... لم يشعر شي ليان بالقلق، ولم ينهار، ولم يبكي من اليأس. بل ازداد هدوءًا وصبرًا.
فكّر: مَن لم يعش وحده عصورًا طويلة؟
لقد انتظره هوا تشينغ أكثر من ثمانمائة عام، فما المشكلة إن انتظره هو ثمانمائة عام أخرى؟
قد تكون ألف سنة، أو عشرة آلاف، وسينتظر... وسيظل ينتظر.
فما المشكلة إن كان قد مر عام واحد فقط؟
في يوم من الأيام، جمع شي ليان كومة كبيرة من الخردة كعادته، وحمّلها على عربة يجرها ثور – وهي أشياء ادخر واشترى مؤخرًا – وسحبها صاعدًا إلى الجبل.
وبينما كان يعبر غابة القيقب، وفي منتصف الطريق، التفت لا شعوريًا إلى الخلف، فرأى أضواء متلألئة في السماء.
تأملها مليًا، فاكتشف أنها فوانيس البركة الأبدية. وعندها أدرك فجأة:
"إذن، إنه مهرجان شانغيوان اليوم."
في تلك اللحظة، كان المسؤولون السماويون في البلاط الأعلى على الأرجح يتبارزون في إطلاق الفوانيس مجددًا. جذب شي ليان اللجام، وتوقف حيث كان، يحدق بتلك الفوانيس في ذهول.
تذكر فجأة أن لقاؤه الأول مع هوا تشينغ كان في مهرجان شانغيوان.
في ذلك العام، صعد طفل صغير ذو وجه مغطى بالقذارة والجروح بين الحشود، ونظر من أسوار المدينة؛ كان ولي عهد شيان لي في السابعة عشرة يتألق كالضياء، وفي اللحظة التي رفع رأسه فيها، رأى ظلًا لشخص يسقط. ومن دون تردد، قفز لإنقاذه.
مهرجان شانغيوان المبارك، على جادة المحارب الأعظم. ذلك اللقاء المهيب الأول الذي أدى إلى قرون من العار.
ارتسمت ابتسامة على وجه شي ليان وهو يفكر: لم أكن الوحيد الذي سقط.
استدار، وخفض رأسه، واستعد لمواصلة صعود الجبل. والعربة تواصل صرير عجلاتها على الطريق، حين أضاء شيء بعيد أمامه فجأة.
رفع شي ليان رأسه، واتسعت عيناه.
كان ذلك نور الفوانيس.
مثل ملايين الأسماك تسبح عبر الوديان نحو البحر، ارتفعت من قمة الجبل آلاف الفوانيس المضيئة، تشع وتتلألأ في ليل حالك. حلم رائع مهيب أنار دربه.
لقد رأى هذا المشهد من قبل، وها هو يراه ثانية. حتى أنفاسه وقلبه كادا يتوقفان. التفت الطريق، ودارت عجلات العربة. ورأى شي ليان ذلك الكوخ البسيط الذي بناه.
وكان هناك شخص يقف أمامه!
أمام الكوخ المائل، وقف رجل بملابس حمراء، قامته طويلة ونحيلة، وعلى خصره معلّق سيف منحنٍ فضي. كان ظهره مواجهًا لشي ليان، بينما كان يرفع آخر فانوس بركة أبدية، يرسله ليطير في السماء.
تجمّد شي ليان في مكانه، غير واثق هل كان في حلم أم وهم. ومع دوران العجلات، اقترب أكثر فأكثر. التفت الرجل، فأصبح يراه أوضح فأوضح.
خلفه ارتفعت ثلاثة آلاف فانوس في السماء الليلية، وبينما التفت، ألقى نظرة على شي ليان.
ثوب أحمر كأوراق القيقب، بشرة بيضاء كالثلج؛ وبين حاجبيه على وجه وسيم حد الإبهار، بقيت تلك الوحشية وذلك الكبرياء الذي لا يُقهر.
رغم أنه كان يضع عصابة سوداء على إحدى عينيه، فإن عينه الأخرى كانت لامعة كنجمة، تحدق بثبات في شي ليان.
قفز شي ليان من العربة.
لم تكن هناك كلمات. بدأ الاثنان يمشيان نحو بعضهما.
خطوة، ثم أخرى، وأخرى أسرع من التي قبلها... حتى أخيرًا، أخذا يركضان.
ركض وهو يبكي، والدموع تتساقط وراءه. وفي قلبه، نطق شي ليان: لقد آمنت.
لقد آمن أن هذا الرجل سيفديه مرارًا وتكرارًا، وسيُبعث من أجله مرة بعد أخرى. حتى لو سقط في أعماق الجحيم، فسيخترق الهاوية من أجله، من أجل هذا "الإيمان".
في المرة السابقة، استغرق الأمر ثمانمائة عام ليركضا نحو بعضهما.
أما هذه المرة، فلم يستغرق سوى لحظة ليقعا في حضن بعضهما.
يتبع...
تعليقات: (0) إضافة تعليق