القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

ch244 tgcf

 الفصل مئتان واربعة وأربعين : ببركة المسؤول السماوي، لا طريق يُقيد.







"مبارك! مبارك!"


"تهانينا، يا صاحب السمو!"


كان المعبد الجديد في بوتشي يعج بالحياة والضجيج، والناس يدخلون ويخرجون، فيما كان شي ليان يتنقّل بين الطاولات الطويلة المصفوفة بالأطباق. كان يوزّع أوعية الشعيرية الساخنة المتصاعدة بالبخار، والشوربات التي يلمع سطحها بالزيت كأنها الذهب، وأرزًا أبيض كالثلج يفتح الشهية.


كان منشغلاً بالحركة والعمل، لكنه رغم ذلك لم ينسى أن يبتسم ويحيّي الضيوف قائلاً: "شكرًا لكم، تفضلوا بالجلوس!"


المعبد الذي تهدّم سابقًا في شجار، أعيد بناؤه هذه المرة. وبعد إعادة الإعمار، لم يعد كوخًا متهالكًا كما كان، بل صار أكثر اتساعًا وفخامة، بل أضيفت إليه ساحات جديدة أيضًا. ولم يكن شي ليان ولا هوا تشينغ من تكفّل بالبناء، بل هم أهل قرية بوتشي أنفسهم. 


فحين غادر شي ليان ذات يوم ملاحَقًا بالعار، عثر القرويون بين الأنقاض على صندوق مليء بسبائك الذهب، وهو ما كان شوان يي تشين يضعه في صندوق التبرعات كل يوم.


ارتعب القرويون حين رأوا الذهب، إذ لم يسبق لهم أن شاهدوا مثل هذا من قبل. وبعد أن هدؤوا، أخذ شيخ القرية جزءًا يسيرًا منه لإعادة بناء المعبد، واحتفظ بالباقي دون أن يمسّه، ليعيده إلى شي ليان متى ما عاد.


ولذلك، حين عاد شي ليان ومعه هوا تشينغ، لم يقابلا فقط بالترحيب الحار من القرويين وهم ينادونه الداوزانغ وشياو هوا، بل وجدا أيضًا معبدًا جديدًا وصندوقًا مليئًا بالذهب ينتظرهما.


أراد شي ليان إعادة الذهب إلى شوان يي تشين، لكن الأخير رفض بشدة. ولم يهدأ إلا حين هدده هوا تشينغ قائلاً: "إن لم تأخذ السبائك، فانسى أن أعلّمك الطريقة الصحيحة لتغذية الأرواح." عندها فقط قبل، مقلعًا عن عادته السيئة في توزيع الذهب.


وبعد تبادل التحيات، دخل عدد من المسؤولين السماويين يتقدّمهم مو تشينغ. وما إن رفعوا رؤوسهم ورأوا المعبد، حتى جمدت الكلمات في حناجرهم.


إنه صارخ في ألوانه. مبالغ فيه إلى حد الشناعة!


الأحمر الفاقع والأخضر الساطع ملأ المكان، والتمثال الإلهي الملوّن بألوان قوس قزح بدا فاقعًا أكثر من اللازم. لكن الأسوأ كان اللوحة التأسيسية المعلّقة فوق المدخل، بما كُتب – أو رُسم – عليها.


كان من المفترض أن يكون افتتاح المعبد مناسبة للبهجة، لكن مظهره المبتذل جعل كلمات الثناء مستحيلة. بل حتى العبارات التي حضّروها للتهنئة نسوها تمامًا.


أما شي ليان فلم يأبه بذلك، بل وجد الأمر جيدًا: على الأقل لم يعد المعبد كوخًا يوشك أن ينهار.


ابتسم مجددًا وقال: "تفضلوا بالجلوس؟"


لكن المسؤولين لم يرغبوا بالجلوس، وجاؤوا على الأرجح فقط لأداء واجب الزيارة، فسارعوا إلى الانصراف بعد تقديم الهدايا.


التفت شي ليان إلى مو تشينغ متسائلًا: "لِمَ غادروا بهذه السرعة؟"


أجابه باقتضاب: "ألست تعلم السبب؟"


قال شي ليان: "آه، أحقًا؟"


فعقّب مو تشينغ بغيظ: "اسأل رفيقك العزيز، سان لانغ."


فمنذ أن عاد هوا تشينغ ، كان أول من علم بعودته هو شي ليان، وثاني من علم بها هي المحكمة العليا نفسها. ولم يكن السبب فقط أنه في مهرجان شانغيوان الأخير، دمّر هوا تشينغ بيده الواحدة مسابقة الفوانيس التي أعدّها المسؤولون السماويون بعناء، مطلقًا ثلاثة آلاف فانوس دفعة واحدة كما فعل في وليمة منتصف الخريف. بل أيضًا لأن جرس السماء بدأ منذ تلك الليلة يدق بلا انقطاع، يهزّ المحكمة العليا كلها بصوته، وكأنه يعلن: "كابوس السماء قد عاد!"


وبما أن الكابوس حاضر أمامهم، لم يجرؤ المسؤولون العاديون على الاقتراب. لكن في الوقت نفسه، كانت الشائعات عن علاقة هوا تشينغ وشي ليان قد بلغت حدًا لا يحتاج إلى مبالغة. فحاول الكثيرون التودد إلى شي ليان، عسى أن يُكسبهم حماية من هوا تشينغ في المستقبل.


حين علم شي ليان بذلك، تذكّر كيف أجبر هوا تشينغ المحكمة العليا قديمًا على إعلان بطولاته عامًا كاملًا، فضحك قائلاً: "وقح!"


فانفجر مو تشينغ: "بل تعدّى الوقاحة! اطلب منه أن يخفّف من تصرفاته، الوضع خرج عن السيطرة. الجرس يقرع ليل نهار حتى عطّل أعمال المحكمة العليا، بل يسقط أحيانًا فوق الناس! لقد أُعيد بناء العاصمة السماوية بشق الأنفس، فلا تدعها تنهار ثانية."


قال شي ليان: "حسنًا، سأحدّثه لاحقًا. لكن، هل تود أن تتذوّق شيئًا؟" وأشار إلى الأرز والمعكرونة والشوربات المصفوفة على الطاولات، ثم أضاف مبتسمًا: "أنا لم أطبخها."


تجهّم وجه مو تشينغ عند سماع الجزء الأول، لكن ملامحه هدأت قليلًا عند سماع الجزء الأخير.


في تلك الأثناء، دخل فنغ شين إلى الفناء، فصادف بعض المسؤولين الصغار المغادرين. تبادلوا التحية معه، ثم تمتموا فيما بينهم:


"إنه الجنرال نان يانغ."


"نعم، مسكين... زوجته وابنه هربا مع رجل آخر..."


انتفخت عروق الغضب على جبين فنغ شين، فصرخ بحدة: "تبا لكم!!! أما مللتم من هذه الأكاذيب؟! كم شهرًا وأنتم تلوكونها؟! ثم إنها 'هربت'، وليست 'هربت مع رجل'! كفّوا عن نشر هذه التفاهات!!!"


ارتعب المسؤولون الصغار وولّوا هاربين، فيما كان مو تشينغ يقف جانبًا ويداه في كمه، وقال ببرود: "لو أنك سكت لكان أكرم، تبريرك جعله أحرج."


استشاط فنغ شين غضبًا، أمسك مكنسة ورماها عليه، فالتقطها مو تشينغ بمهارة وهو يسخر: "قديمة، لم تعد تصلح ضدي."


كان فنغ شين على وشك الانفجار ثانية، لكن شي ليان جاء وأعطاه مكنسة أخرى، وقال: "حسنًا، إذن ما رأيكما أن تساعداني في كنس الفناء؟ لقد أطلقنا مفرقعات قبل قليل، والأرض امتلأت بالقصاصات الحمراء. شكرًا. وإن مللتما، فلتدرّبا بعض الأمثال معًا."


"...؟؟؟"


بعد ساعة، دوّى خارج المعبد صخب الأصوات، يقترب أكثر فأكثر. رفع الضيوف رؤوسهم نحو الباب، وإذا بجمع كبير يقتحم ساحة المعبد وهو يصيح:


"هل هو هنا؟!"


"نعم، ها هو! يبدو مدهشًا فعلًا!"


"هناك أرز، الكثير من الأرز!"


"ولحم أيضًا!"


عاد الفناء الذي كُنس للتو فامتلأ بالطين بفعل الأقدام. قبض مو تشينغ على مكنسته بامتعاض، وقال مذهولًا: "...من هؤلاء المتسولون؟"


كان يقودهم رجل ذو شعر مبعثر وملابس ملطخة بالعرق. إنه شي شينغ شوان. تقدم بخفة وهو يضم يديه بتحية قائلاً:


"سموك ، جئت أزعجك! فقل لي، هل ما اتفقنا عليه سابقًا ما زال قائمًا؟"


ضحك شي ليان قائلاً: "الجميع مرحّب بهم، بالطبع قائم! تفضلوا بالجلوس، تفضلوا."


قال مو تشينغ متذمرًا: "ألا تراهم كثيرين؟"


لكن شيشينغ شوان أجاب: "كلا! كل هؤلاء هم الأبطال الذين ساعدوا في حماية المصفوفة البشرية في العاصمة الملكية العام الماضي."


إذ كان قد وعدهم آنذاك، بعد انتهاء المهمة، أن يكرمهم بأفخاذ الدجاج جميعًا. لكنهم تفرّقوا بعد ذلك فلم ينفّذ وعده. واليوم، جاء الوقت للوفاء به، فبدأت أوعية الشعيرية بأفخاذ الدجاج تُوزّع تباعًا.


ثم صاح شي شينغ شوان بحماس: "أيها الجميع! لا داعي للتردد اليوم! كُلوا كما شئتم!"


اندفع الجمع ليملؤوا الطاولات والأرض، يهللون بفرح، وكل واحد منهم يحتضن وعاءه الكبير يلتهم ويشرب بشهية. وبينما كانوا يأكلون، ارتفع فجأة صوت أحدهم...


قال أحدهم فجأة: "انتظروا، هناك خطب ما. في الطعام جوهر شيطاني!"


التفت الجميع ينظرون، فإذا بصاحب الصوت ليس سوى "عين السماء" ورفاقه.


شعر شي ليان بصداع وقال بضيق: "لماذا أتيتم أنتم أيضًا؟"


فأجابه عين السماء: "لقد ساعدنا في المرة الماضية أيضًا، فلماذا لا نأتي؟" ثم رفع وعاءه عاليًا بجدية وقال بصوت عالٍ: "أيها الناس! استمعوا إليّ جيدًا، لست مخطئًا هذه المرة! في هذا الطعام جوهر شيطاني، لا بد أنه أمر مشبوه، ضعوا أوعيتكم حالًا!"


لكن لم يعره أحد اهتمامًا. فقد أنهى المتسولون جولة كاملة من الأكل، وكل واحد منهم رفع وعاءه الفارغ وهو يصيح: "واحد آخر!"


كان فنغ شين ومو تشينغ يستخدما المكانس ليقاتلا بها وهما يكنسان قصاصات الأوراق الحمراء المتبقية من المفرقعات، لكن عندما رأيا الآخرين يأكلون بفرح، جلسا بدورهما وأخذا وعاءً ليأكلا.


صرخ عين السماء بغضب: "لماذا لا ينصت أحد إلى العقل؟!" ثم نهض عازمًا على تفقد المطبخ، غير أن شي شينغ شوان أوقفه وقال: "حقًا أيها الداوزانغ، أنت تبالغ في التفكير. نحن في أراضي زهرة المطر القرمزي ، ومن الطبيعي أن تكون هناك هالات شياطين وأرواح. إن كنت قلقًا لهذه الدرجة، دعني أنا أذهب لأرى. اجلس أنت ولا تنفعل."


وفعلاً نهض، ومشى نحو المطبخ، ورفع الستار قائلًا: "أرأيت؟ لا شيء مثير للشبهة—"


لكن شي ليان قال على عجل: "انتظر، سأذهب أنا أيضًا..."


وحين أطلّ هو وشي شينغ شوان وفنغ شين ومو تشينغ برؤوسهم، أصابتهم الدهشة.


في داخل المطبخ، كان هناك جزار ضخم الجثة يقطع اللحم بجنون على لوح التقطيع، ولو لم يكن وراءه صف طويل من سيقان الخنازير المعلقة لظنّوا أنه يقطع سيقانًا بشرية. وعلى الجانب الآخر، اشتعلت نار تحت قدر ضخم، وكان في داخله ديك طويل العنق، يستحم بكل استمتاع. وما إن رآهم حتى صرخ مذعورًا وهو يغطي صدره بيديه.


تجمد شي ليان للحظة، ثم اندفع إلى الداخل هامسًا: "ألم أقل لكم إن هذا لا يجوز؟"


قهقه الديك وهو يضرب صدره قائلًا: "أيها الجد العظيم! لقد اغتسلنا قبل أن نأتي، نحن نظيفون جدًا! ثم إن أساس الحساء هذا يمنح طول العمر، أكله لا يضر أحدًا! لا خسارة! يمكن تناوله براحة بال!"


"...."


أنزل شي شينغ شوان الستارة بهدوء، فيما ألقى فنغ شين ومو تشينغ أوعيتهما بسرعة وتفلا بشدة وهما يقولان: "كُنتُ أفضّل أن تطبخ بنفسك!"


مسح شي ليان جبينه، حائرًا ان كان يجب عليه ان يضحك او يبكي، وقال: "لقد أصرّوا على المساعدة، فلم أستطع رفضهم. نواياهم كانت حسنة."


في تلك اللحظة، بدا أن عين السماء قد لاحظ حركتهم المريبة، فاقترب هو أيضًا.


سأله شي ليان سريعًا: "ماذا هناك؟"


كان يخشى إن رآهم عين السماء سيُحدث فوضى جديدة، لكن على غير المتوقع، لم يتوجه عين السماء إلى من في المطبخ، بل إلى شي ليان نفسه.


أخذ يطوف حوله مرات، ثم قال متعجبًا: "غريب..."


"ما الغريب؟" سأله شي ليان.


أجاب وهو في حيرة: "هذا غير صحيح، يا داوزانغ شي. لماذا ازدادت الهالة الشيطانية في جسدك عما كانت عليه سابقًا؟"


 "..." تنحنح شي ليان بخفة، فقال مو تشينغ ساخرًا: "وما الغريب؟ إنه يقضي كل وقته مع ملك شبح، فلا بد أن تسوء حالته."


لكن عين السماء قال: "لا. حتى في هذه الحالة، لم يكن ليتحول الأمر إلى ما هو عليه الآن."


"إلى ماذا تقصد؟" سأله فنغ شين.


تردد قليلًا، ثم قال بصراحة: "الهالة الشيطانية عنده صارت داخلية... تنبع من داخله هو، وتفيض إلى الخارج."


"...."


ثم أردف بجدية: "يبدو أنك ارتكبت خطأً جسيمًا هذه المرة. ماذا فعلت؟ ولماذا صرت مريضًا هكذا؟"


"...."


لم يستطع شي ليان حتى السعال من شدة الإحراج، وقد احمر وجهه حتى كاد ينفجر دمًا.


في البداية لم يستوعب فنغ شين ومو تشينغ، لكن بعد قليل من التفكير، التفتا إليه وصمتا بتهجم. 


"...."


أما شي شينغ شوان، فلم يفهم شيئًا وقال بجدية: "ما الأمر؟ ما الذي يجري؟ سموك، هل أنت مريض حقًا؟ هل يعلم زهرة المطر القرمزي ؟ ألم يعتني بك جيدًا؟"


لا لا لا! بل بسببه صار الوضع هكذا!


تمتم شي ليان بخجل: "أم... في الحقيقة... لا... لا داعي... أظن أن... ربما..."


وامتلأ ذهنه بصور مشوشة جعلته يهذي بكلمات غير مترابطة، إلى أن ارتطم ظهره فجأة بصدر شخص ما. طوقه ذراع مكسوّ بدرع فضي عند خصره، وارتفع صوت مألوف مبتسم:


"أظن أن من الأفضل أن تعودوا جميعًا إلى مقاعدكم، وتنهوا طعامكم، وتكفّوا عن القلق بشأن أي شيء آخر. ما رأيكم؟"


في هذا الموقف، لم يعرف شي ليان هل يشعر بالارتياح أم بالإحراج أكثر، فصاح: "سان لانغ!"


ظهور هوا تشينغ جعل وجهَي فنغ شين ومو تشينغ معقّدَين للغاية، لكن أمام شي ليان لم يجرؤا على قول شيء. وحده شي شينغ شوان سأل بجديّة: "أيها الزهرة المطر القرمزي ، هل فحصت جسد سموه؟"


ضرب شي ليان جبينه بكفه متمنيًا لو يتوقف عن السؤال. وفي تلك اللحظة علت أصوات المتسولين من الخارج:


"وعاء آخر!"


"زيدوا اللحم!"


"هذا حساء الدجاج بلا طعم، أضيفوا الملح!"


لم يحتمل مو تشينغ المشهد وقال بازدراء: "ألا تعلمون أن هذا معبد؟ إنه مكان لعبادة الآلهة، ألا تستطيعون التحلي ببعض الوقار؟"


لكن المتسولين لم يقبلوا كلامه. فهم الذين ساعدوا المسؤولين السماويين سابقًا في تثبيت المصفوفة البشرية، وقد رأوا بأعينهم كيف أن بعض المسؤولين السماويين ارتجفوا وفرّوا في اللحظات الحرجة، بينما هم صمدوا بشجاعة. بل إنهم يعرفون شي شينغ شوان شخصيًا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد المسؤولون في نظرهم سادة رفيعي القدر لا يُمَسّون، بل بشرًا عاديين لا يختلفون عنهم كثيرًا في مواجهة الموت.


وفجأة، دوّى صراخ من المطبخ: "مَن هناك؟!"


قفز قلب شي ليان واندفع إلى الداخل. كان الجزار والديك يصرخان مذعورَين، فسارع إلى تهدئتهما قائلًا: "اهدأا! ماذا حدث؟"


ارتجف الديك حتى انتشرت القشعريرة على جلده وقال: "أيها الجد العظيم! شبح! لقد كان هنا شبح! أفرغ كل الطعام الذي أعددناه! ما إن غمست رأسي في الحساء ورفعتُه، حتى اختفت جميع الأوعية! كلها! لم يبقَ شيء!"


فقال الجزار بازدراء: "ما الذي تخشاه؟ ألست شبحًا أنت أيضًا؟!"


قال شي ليان متعجبًا: "كيف ذلك؟ لقد رأيتكم تجهزون أكثر من خمسين وعاء للتو!"


أجابا معًا: "نعم!"


لكن حين نظر بنفسه، وجد الأوعية الخمسين كلها فارغة، بل إن المرق نفسه قد اختفى تمامًا!


ظل حائرًا للحظة، ثم خطر له اسم شخص. وعندما التفت، وجد هوا تشينغ مستندًا إلى الباب.


قال: "سان لانغ، هل يمكن أن يكون...؟"


فأجابه بهدوء: "على الأرجح."


قال شي ليان متفكرًا: "لا بد أنه جاء هو أيضًا ليباركنا. بالطبع هو مرحب به، لكن... لقد أكل كثيرًا... الآن وقد أنهى كل الطعام، ماذا سنفعل؟"


ابتسم هوا تشينغ وقال: "لا شيء. دعه يفعل ما يريد."


بدأت زمرة الأشباح القادمين من مدينة الأشباح ـ على مضض ـ في إعادة الطهي من جديد. وفي تلك اللحظة تحديدًا، ارتفعت أصوات صاخبة من القاعة الكبرى وساحة المعبد، وكأن شجارًا قد اندلع فجأة. كان شي ليان يوشك على التوجّه لفضّ النزاع، غير أنّ هوا تشينغ أمسك بيده بهدوء وقاده خارجًا عبر باب جانبي.


خرجا من معبد بوتشي متشابكي الأيدي. وعلى الطريق، اعترضت الأشجار طريقهما، وكان من الأيسر أن يترك كلٌّ منهما يد الآخر ليعبرا بسهولة. لكن، لا أحد منهما أراد الإفلات، فراحا يتعرجان ويلتفان حول العوائق وهما متمسكان ببعضهما.


وبينما كانا يسيران، سأل شي ليان:

"سان لانغ، إلى أين نذهب الآن؟"


ابتسم هوا تشينغ قائلًا:

"الأمر هنا صاخب للغاية. فليتركوا أنفسهم للفوضى، أمّا نحن فلنبتعد قليلًا."


أدار شي ليان رأسه للخلف بقلق:

"هل سنتركهم هكذا؟ المعبد بالكاد أُعيد بناؤه... ماذا لو انهار مجددًا بسبب الشجار؟"


ردّ هوا تشينغ ببرود خالٍ من أي اكتراث:

"إن انهار، فليكن. سنبني واحدًا آخر. وإن رغب غاغا، فيمكن أن يكون له معابد بعدد ما يشاء."


فانفجر شي ليان ضاحكًا طويلًا.

"هاهاهاهاها"



...


حلّ الليل في معبد شياندينغ. وبعد أن فرغ شي ليان من الاغتسال، ارتدى رداءً داخليًا أبيض ناصعًا، وجلس عند الطاولة اليشمية بجانب الفراش، يرسم بخطوط دقيقة وحركات رشيقة.


لقد كان يعدّ دفتر خطّ مخصصًا لهوا تشينغ . أما الأخير، فاستلقى على الفراش قريبًا منه، مرتديًا رداء داخليًا أيضًا، فتحة صدره مائلة قليلًا. راح يلهو بكسل وهو يحرّك حبة اللؤلؤ الحمراء المعلّقة في نهاية ضفيرة شعره، مظهرًا علامات ملل قاتلة.


تحت ضوء المصباح الدافئ، الذي كان يشبه صفاء اليشم، ظلّ هوا تشينغ يراقب شي ليان بتمعّن طويل. وبعد لحظات من التحديق، ضيّق عينيه بابتسامة راضية كأن قلبه امتلأ.


تنهد قائلًا:

"غاغا ... كفى. تعال واسترح قليلًا."


كان شي ليان قد عانى منذ قليل من ألاعيبه، فعزم ألّا ينخدع مرّة أخرى. لكن تلك النبرة الدافئة جعلت أطراف أذنيه تحمرّ، فأجبر نفسه على التماسك، وأكمل الكتابة بتركيز.


قال بحزم:

"لا. سان لانغ، لقد قالوا اليوم مجددًا إن خطك قبيح. يجب أن تتدرّب بجد، وإلا فلن أسمح أن يُقال إنك تلميذي."


رفع هوا تشينغ نصف جسده، ورفع حاجبيه بلهجة واثقة:

"لكنني أتذكّر أنك قلت يومًا إنك تحب خطي."


منذ عودة هوا تشينغ ، كان شي ليان مطيعًا، يلين لكل رغباته، حتى دلّـله وأفسده، فصار أكثر مكراً وجرأة. أنهى شي ليان كتابة السطر، ووضع الفرشاة بحزم، وقال بصرامة أكبر:

"كفى لعبًا. انتهيتُ أنا، وحان دورك."


اقترب هوا تشينغ ببطء من خلفه. احتضن خصره من الخلف، وأمال رأسه ليستند على كتفه. ثم نزع حبة اللؤلؤ الحمراء من شعره ووضعها على الورق، تدحرجت لتلاحق يد شي ليان، تعيق حركته عمدًا.


كان تصرفًا طفوليًا ماكرًا، وفي الوقت ذاته إعلانًا قويًا عن حضوره. تذكّر شي ليان كلمات عين السماء حين قال إن "الهالة الشيطانية تنبعث من جسده كله". لكنه كان يعرف أن هذا كله عبق هوا تشينغ ، فلم يستطع قلبه إلا أن يلين.


همس بصوت خافت متذمّر:

"...اكتب كما ينبغي."


ابتسم هوا تشينغ قائلًا:

ــ "حسنًا، سأطيع غاغا."


رفع الفرشاة، كتب سطرين فقط، ثم وضعها من جديد. ألقى شي ليان نظرة على ما خطّه، وهز رأسه متحسرًا للمرة الألف: "لا أمل..." ثم التقط فرشاته، وأكمل له البيتين الأخيرين بنفسه.


وحين انتهى، نفخ قليلًا على الورق ليثبّت الحبر، ثم رفعه هو وهوا تشينغ معًا، يتأملان القصيدة التي خطّاها.


على الورق ظهرت الأبيات الرقيقة التي انتشرت في الأرجاء:


    "من عبر البحر، لا ترويه أي مياه؛

ولا سحاب يبهج العين سوى ذاك الذي يتوّج القمم.

أمرّ بين الزهور فلا تستوقفني،

نصف من أجلك، ونصف لسبيل الزراعة."


حتى إي-مينغ، السيف المعلّق بجانب الطاولة، فتح عينه اللامعة وتطلّع إلى الأبيات بانبهار.


ضحك هوا تشينغ وقال:

"غاغا ، أسرع ووقّع اسمك. هذه الكلمات ستذهل الأجيال القادمة وتُخلّد إلى الأبد."


لكن شي ليان كان قد كتب اسم هوا تشينغ أسفلها منذ البداية، ولم يستطع أن يخطّ اسمه بجانبه. عندها تظاهر هوا تشينغ بالجدية وقال:

"أتستحي يا غاغا؟ دعني أساعدك."


أمسك بيده، وكتب معها بضع كلمات بخط خشن متشابك. ولولا أنهما معًا الآن، لما استطاع أحد أن يميّز أنّ ذلك كان اسم شي ليان.


أمعن شي ليان النظر فيما كُتب، شعر بالضحك يعتريه من العبثية، فأخفى وجهه في صدر هوا تشينغ . وفجأة، بدا له هذا الخط مألوفًا، كأنه رآه من قبل. عندها أشرق وجهه وصاح:

"سان لانغ! على ذراعك!"


أمسك بذراعه ورفع كمّه قائلًا بحماس:

"إنه هو بالضبط!"


منذ زمن طويل، حين عاشا معًا في معبد بوتشي، لاحظ شي ليان وشمًا غريبًا على ذراع هوا تشينغ ، بدا كحروف من لغة أجنبية. ظل حينها يتساءل عنها، لكنه لم يتخيّل أبدًا أنها لم تكن كتابة غريبة، بل كان اسمه هو!


نظر هوا تشينغ إلى ذراعه وضحك بخفة:

"هل تذكرت أخيرًا غاغا؟"


قال شي ليان:

"كان يجب أن أعرف منذ البداية... لكن خطك... لا يوصف."


فضحك هوا تشينغ بصوت عالٍ، وضم خصره وقبّل جبهته بلطف:

"لا بأس، يكفيني أن خط غاغا جميل. فهذا يسعدني ألف مرة أكثر من أن يكون خطي جميلًا."


مرّر شي ليان أصابعه على الوشم. كان الحبر غامقًا، واضح أنه وُشِم بألم شديد. سأل بهدوء:

"هل نقشته حين كنت صغيرًا؟"


أومأ هوا تشينغ وهو يعيد كمّه إلى مكانه:

"نعم."


لا شك أنه نقشه بنفسه. تخيّل ذلك الفتى الصغير ينقش اسم معشوقه سرًا؛ يا لها من براءة وشجاعة!


تشابكت أصابعهما بإحكام، والخيط الأحمر يربط بينهما. وفي لحظة، تراءت أمام عيني شي ليان صورة ذلك اليوم على جبل تونغ لو، حينما تلاشى هوا تشينغ إلى فراشات.


وفي اللحظة الأخيرة، تمتم هوا تشينغ بشيء بلا صوت. لكن شي ليان عرف ما قاله تمامًا.


كانت تلك الكلمات التي عاش هوا تشينغ من أجلها منذ طفولته، وحتى ما بعد موته:


"أنا إلى الأبد، أكثر المؤمنين إخلاصًا لك."





...


<الأسطورة>


يُروى في العالم البشري أن هناك "إله الخردة".

ورغم هذا الاسم الغريب، إلا أنّ بركاته لم تكن تخص جامعي الخردة، بل كانت تمتدّ إلى حماية سلامة العالم بأسره. فهو في الوقت نفسه أعظم مسؤول عسكري .


لا شرّ يعجز عن القضاء عليه، ولا شبح يفلت من قبضته. يملك القدرة على تدمير العالم، ومع ذلك، يحنو على زهرة صغيرة.


لكن لعبادة الآلهة قواعد ومحاذير. فمن دخل معبده، لا يجوز له أن يسجد بخفة أو بلا مبالاة.


ذلك لأن "إله الخردة" له طبيعة خاصة تجلب النحس. ألا تصدق؟ جرّب أن تفرك يد تمثاله ثم ترمي النرد؛ حتمًا سيلحقك أسوأ الحظوظ.


لذا، الصلاة لتمثاله الأبيض المغبر قد تجلب المزيد والمزيد من الشؤم، حتى يتعثر المرء بشربة ماء، أو يرى الأشباح إذا ارتدى ثوب طاوي.


ويُحكى أيضًا عن "ملك الأشباح ذي الثوب الأحمر".

رغم أنه غير بشري، إلا أن له عددًا لا يُحصى من العابدين. كثيرون ينصبون له مذابح سرية في بيوتهم، يسجدون ليلًا ونهارًا طلبًا للحظ.


فهو لم يُهزم يومًا، وحظه عظيم لا يُضاهى. ألا تصدق؟ قبل أن ترمي النرد، اسجد له. إن رضي عنك، نلت حظًا خارقًا.


لكن، الأشباح ليسوا كالمسؤولين ، ولهم محاذير أكثر. شخصيته متقلّبة متطرفة؛ إن سرّ، أعانك بلا دعاء، وإن غضب، فلن يرضيك ألف ذهب، وإن اشتد غضبه، فقد يسلب حياتك.


لذا، من الأفضل أن تُظهر له الاحترام... من بعيد.


لكن، إن اجتمع تمثال هذا المسؤول وذاك الشبح معًا في مكان واحد، يحدث العجب!


فالملك ذو الثوب الأحمر يبدّد كل النحس المحيط بـ "إله الخردة"، ويكشف عن حقيقته الباهرة.


حينها، سيدرك الناس بدهشة أن لونه لم يكن أبيض مغبرًّا، بل ذهبًا متلألئًا.


...


الأساطير عادة ما تحمل شيئًا من الحقيقة. لكن هذه الحكاية تحديدًا تعود إلى زمن بعيد جدًا... ربما إلى ثمانمائة عام مضت. قصة طويلة جدًا، قد لا يصبر الناس على سماعها حتى النهاية.


لكن المؤكد أمر واحد: أنّ أقصى قوى الاثنين لا تظهر إلا معًا.


وعندها، ينال الناس حظّين مضاعفين، وقوة لا تُقهر مرتين.


وببركة السماء، لا درب مسدود.






ــ النهاية ــ

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي