القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch9 برج الأبروش

 Ch9 برج الأبروش



كان من المقرر أن تُقام حفلة وداع لو يان في مطعم ' شيانغيوان ' وهو مطعم هوناني قريب من المطار


كانت لو يان ترتاد هذا المكان كثيرًا ، وحتى في العطل 

والمناسبات الخاصة كانت تطلب منه وجبات جاهزة للمراقبين الجويين


وبما أن مسقط رأسها في هونان ، فمن الطبيعي أن تختار 

شيئًا تحبه في حفلة وداعها


تركيبة هذا التجمع كانت مميزة جدًا


عادةً لا تجد مراقبين جويين ضمن مجموعة من العاملين 

في مجال الطيران، لأنهم يكونون منشغلين بالحديث عن 

تأخيرات الرحلات ومشاكل المراقبة


وعلى العكس، في مجموعة مراقبين جويين، ستجدهم 

يتذمرون من عمليات الطيران، ولن ترى بينهم طيارًا واحدًا


لكن لو يان كانت صاحبة شبكة واسعة من العلاقات ، 

بدءًا من الطيران المدني وحتى زملائها الذين عملت معهم 

في مطار داشينغ ببكين


أما قائمة المدعوين النهائية فقد ضمت حوالي عشرة 

أشخاص ، مقسّمين تقريبًا بين نصف طيارين ونصف مراقبين جويين


من بين المراقبين كان وانغ يوان، مراقب منطقة ودود، 

وتشو ييرو التي دربتها لو يان في برج المراقبة قبل ثلاث 

سنوات، وأصبحت الآن مراقبة بارعة ومستقلة


كما دعت أيضًا فانغ هاو الذي يحتل مكانة خاصة في قلبها


أما الطيارون الذين حضروا ، فكانوا جميعًا من الطراز الرفيع 

في شركات الطيران الكبرى


من بينهم تشن جيايو — الذي تربطه صداقة وثيقة بلو يان، 

وتشنغ شياوشو — زميله في شركة إير تشاينا ،

أيضًا مساعد طيار نشيط يُدعى تشو تشيتشن من خطوط هاينان ،

 والكابتن وو يوي من خطوط سيتشوان الجوية ، 

وكذلك طيارة حادة الذكاء و كفؤة تُدعى سو لي من خطوط 

شاندونغ الجوية ، والتي كانت زميلة دراسة قديمة للو يان


ما إن جلس تشن جيايو حتى ضحك قائلًا :

“ يان إير مع وجود إير تشاينا و شاندونغ إيرلاينز و هاينان إيرلاينز و وسيتشوان إيرلاينز هنا، 

صار بإمكاننا نلعب الماهجونغ على الجهات الأربعة .”


فانفجر بقية الكباتن بالضحك ….

فمع جداولهم المزدحمة ، كان تنظيم لقاء يجمع أكثر من 

عشرة مراقبين جويين وطيارين أمرًا ليس سهلًا


حتى إنهم أجروا عدة تصويتات في القروب قبل أن يستقروا 

أخيرًا على ليلة الجمعة كأنسب وقت للجميع


تشن جيايو وتشنغ شياوشو كانا قد اندفعا إلى المطعم مباشرةً بعد رحلاتهما في المطار


كان جدول تشن جيايو مزدحمًا جدًا هذا الأسبوع—رحلات 

يوم الاثنين ، الثلاثاء ، الجمعة ، والسبت —لذا عليه العودة 

إلى المطار باكرًا في صباح اليوم التالي


نهض تشنغ شياوشو ليصب الشاي لتشن جيايو وقال مازحًا:

“ أخ جيا نحن نعمل في نفس الشركة ، لكننا لم نلتقِ منذ أكثر من شهر .”


تشنغ شياوشو يطير بشكل أساسي على الخطوط الدولية الطويلة ، 

وقد سبق أن شارك مع تشن جيايو عدة رحلات ، 

مؤخرًا ، كان يعمل على خط بكين – لوس أنجلوس


أقرَّ تشن جيايو بأنهما بالفعل زميلان في نفس الشركة، فقال:

“ أنت تعود كل أسبوع ، ولكني لم أتمكن من اللحاق بك.” 

ثم شكره بابتسامة


تشنغ شياوشو: “ حسنًا، ليس بالأمر اليسير أن نلتقي أخيرًا 

هذه المرة، فلنشرب كأسًا معًا .”


رفع تشن جيايو كوب الشاي في يده وابتسم قائلاً :

“ لدي رحلة مبكرة غدًا صباحًا ، لذا سأكتفي بالشاي بدلًا من الكحول .”


فالطيران المدني يتبع قواعد صارمة تمنع شرب الكحول ، 

ويجب على الطيارين الامتناع عنه لمدة اثنتي عشرة ساعة قبل الإقلاع ، 

وكان جميع الحاضرين على الطاولة على دراية تامة بهذا الأمر ،


وعند سماع ذلك ، التفتت لو يان إليه وقالت:

“ لديك رحلة غدًا ؟ لو كنت أعلم ، لكنا أجلنا الحفل إلى يوم 

السبت ، حينها كنت لتشاركنا دون أن تقلق بشأن الإفراط في الشراب الليلة .”


ابتسم تشن جيايو وهز رأسه بلطف ثم مازحها قائلاً:

“ حفلتك أنت وقواعدك أنت – فقط لا تفرطي في السهر من دوني .”



عندما دخل فانغ هاو ، وجد نفسه في أجواء مريحة تجمع 

الطيارين بالمراقبين الجويين


في البداية ، بدا وكأن لا أحد قد لاحظه ، وللحظة عابرة 

خطرت بباله فكرة العودة إلى المنزل


فمن بين الحاضرين ، كان يعرف فقط لو يان ، وتشو ييرو ، 

والشاب الممتلئ قليلًا ذو النظارات وانغ يوان من مراقبي المنطقة


كما التقى من قبل بتشو تشيتشن من خطوط هاينان ، 

وإذا بالغنا قليلًا يمكن القول إنه يعرف تشن جيايو بدرجة ما


أما البقية، فلم يكن له أدنى معرفة بهم


لكن تشو ييرو سرعان ما لمحته ولوّحت له بيدها قائلة:

“ ها هو فانغ هاو ! تعال واجلس معنا !”


أشارت له لو يان أيضًا لتقريب الكرسي، قائلة:

“ تعال ، قرّب كرسيك هنا قليلًا .”


كانت لو يان تجلس وإلى يمينها صديقتها الطيارة المقربة سو لي، وإلى يسارها جلس تشن جيايو


وعندما وصلت تشو ييرو، جلست بشكل طبيعي إلى يسار لو يان


فلم يتبق أمام فانغ هاو سوى مقعدين: إمّا على يسار تشو ييرو أو على يمين تشن جيايو


ألقى فانغ هاو نظرة سريعة على الطيارين بزيهم الرسمي، 

بينما هو يرتدي ملابس عادية لأنه ليس في مناوبة—تيشيرت 

أبيض مع سترة صوفية زرقاء وبنطال جينز داكن—فشعر 

قليلاً بعدم الانتماء إلى الأجواء الرسمية


لكن لو يان لم تبدُ منزعجة ، بل أثنت على سترته وهو يجلس


حيّاها فانغ هاو قائلاً :

“ مساء الخير الأخت يان ، أعتذر عن التأخير ، كان هناك بعض الازدحام في الطريق .”


لم تتعامل لو يان معه برسمية ، بل ردّت بمازحة:

“ منزلك يبعد خمس عشرة دقيقة فقط بالسيارة ، المفروض 

أن تعاقب نفسك بكأس مشروب لتأخرك ، ههههههه .”


وكان فانغ هاو مطيعًا هذه المرة ، فأومأ بالموافقة:

“ حسناً .”


وما إن قال ذلك حتى ملأ تشن جيايو كأسه بالشراب


تفاجأ تشو تشيتشن وقال بدهشة :

“ واو ، بدأت مباشرةً ؟ يجب أن نراقب الجنرال فانغ الليلة "


رفع فانغ هاو كأسه وأشار نحو تشو تشيتشن قائلاً:

“ لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتك أخ تشو "


بعد أن ارتشف فانغ هاو رشفة من كأسه ، وضعه على الطاولة


أما تشو تشيتشن، فبالمعدة الفارغة لم يتمكن من احتساء 

الشراب فورًا ، حتى لو أراد ممازحة فانغ هاو


وبينما استقرّ فانغ هاو في مقعده ، ألقى نظرة إلى يساره 

فوجد تشن جيايو يبدو مسترخياً وبسيطًا ، متكئًا على ظهر 

الكرسي وذراعيه متشابكتان، وهو يراقبه بعينين ثابتتين


لم يتوقع فانغ هاو أن يكون تشن جيايو صريحًا إلى هذا 

الحد في مراقبته له، فشعر ببعض الإحراج

فقرر أن يحييه فقال :

“ يا لها من صدفة كابتن تشن ”


ابتسم تشن جيايو بابتسامة ماكرة قليلًا :

“ لا تكن رسميًا هكذا ؛ نحن في النهاية إخوة دراسة ، 

ونجلس على نفس الطاولة لتناول العشاء .”


فهم فانغ هاو ما يقصده على الفور


فمهما كانت نوعية الخلافات ، لم يرغب في تعكير صفو 

حفلة لو يان بأي جدال، فوافق وقال:

“ حسنًا جيا غا ”


شعر تشن جيايو بالرضا هذه المرة ،،،

ثم نظر إلى فانغ هاو وفجأة سأل :

“ متى علمت ؟” وكان يقصد بطبيعة الحال خبر مغادرة لو يان


أجاب فانغ هاو :

“ منذ يومين ” ثم ارتشف رشفة أخرى من مشروبه ، 

وأضاف وهو يتذكر شيئًا :

“ لقد كان الأمر مفاجئًا بعض الشيء ...” ثم نظر إلى تشن جيايو مجدداً وقال :

“ ربما علمت أنت بالخبر قبلنا ”


أومأ تشن جيايو دون نفي الأمر


فهم فانغ هاو، فبعد كل شيء، كان تشن جيايو أقرب أصدقاء لو يان ، 

وعلاقتهما لم تكن قائمة على العمل فقط ، 

فكان من الطبيعي أن يتلقى الخبر قبل الآخرين ، 

وبعد لحظة من التفكير ، أضاف :

“ بالنسبة لكم ، ستظل لكم الفرصة لملاقاتها بانتظام إذا كانت مقرّها في بودونغ.”


شارك تشو تشيتشن في الحديث قائلاً :

“ صحيح ، يان إير سنتواصل معك على تردد برج بودونغ من الآن فصاعدًا . 

ربما أطير إلى بودونغ أكثر ، لذا سأعتمد على دعمك .”


كانت لو يان تعرف تشو تشيتشن جيدًا ، ولم تمانع أن تمازحه :

“ لقد اعتنيت بك في بكين ، والآن سأواكبك حتى شنغهاي .”


تشو تشيتشن مبتسمًا:

“ بالضبط ، لا يمكننا الإقلاع أو الهبوط قبل أن نتأكد من مزاجك أولًا .”


كان تشو تشيتشن شخصية مرحة جدًا ، سريع البديهة ، 

ودائمًا يطلق تعليقًا طريفًا ، 

و في الحقيقة لم يكن زميل دراسة جامعية لكل من لو يان أو تشن جيايو ، 

لكن تكوّنت بينه وبين لو يان صداقة قوية خلال العامين 

الماضية في مطار داشينغ، وأصبح جزءًا من دائرة معارفهما الاجتماعية


من لا يعرفه جيدًا لم يكن ليخمن أنه كان طيارًا بارعًا في البحرية ، 

مختصًا بالطائرات الحاملة على السفن الحربية، 

وكان من أفضلهم على الإطلاق


قبل ثلاث سنوات، انتقل إلى الطيران المدني، وكان أحد آخر 

من حصلوا على توصية عسكرية ممتازة للانتقال


ومنذ ذلك الحين ، أصبح من النجوم البارزين في شركة هاينان الجوية ، 

مسجلاً أحد أعلى أعداد ساعات الطيران بين الطيارين في منطقة بكين سنويًا ، 

ومع مرور عام آخر ، من المرجح أن يُرقى إلى رتبة كابتن 


وعندما تحوّل الحديث إلى مراقبة الحركة الجوية ، أشار وو يوي فجأة قائلاً :

“ بالمناسبة ، ألم تتعرض خطوط KLM لانفجار إطار يوم الجمعة الماضي؟ 

كانت رحلة الكابتن لانغ فنغ على طائرة A330 أولى رحلاته .”



شعر فانغ هاو ببعض الصداع عند سماع هذا الموضوع ، 

إذ ذكّره بالحادثة التي واجهه فيها تشن جيايو داخل برج المراقبة ، 

ولحسن الحظ ، باستثناء لو يان التي كانت تعلم شيئًا من 

تفاصيل ما جرى ، لم يكن أحد من الحاضرين يعرف شيئًا 

عن تلك المواجهة ، وخلال الشهرين الماضية ، لم تقع أي 

حوادث كبيرة في مطار داشينغ، لذا لم يكن هناك الكثير للحديث عنه ، 

الخبر الأبرز الوحيد كان انفجار إطار طائرة الخطوط الملكية الهولندية (KLM)


أما تشو تشيتشن، فلم يمرّ على مطار داشينغ في الأيام الماضية ، 

فكانت هذه أول مرة يسمع فيها بالحادثة


وما إن سمع باسم لانغ فنغ ، حتى انتبه على الفور قائلاً:

“ هل وقع الحادث أثناء الإقلاع أم الهبوط ؟ 

آمل ألا يكون هناك حريق… هذا خبر كبير .”


ساد صمت للحظة في القاعة ؛ فلم يكن أيٌّ منهم حاضرًا وقت الحادث ، 

وكل ما يعرفونه كان من خلال الشائعات ، 

عندها قال فانغ هاو:

“ وقع أثناء الإقلاع ، ولحسن الحظ لم يُصَب المحرك ولا 

جهاز الهبوط بأذى ، ما زلنا لا نعرف السبب الدقيق. 

لم يُعثر على أي أجسام غريبة على المدرج ، ومن المقرر أن 

ترسل KLM محققين خلال الأسبوعين القادمين .”


رفعت لو يان حاجبها ممازحةً وهي تنظر نحو فانغ هاو :

“ علينا أن نشكر فانغ هاو بعيونه الثاقبة . 

لقد رصدها بالمنظار أثناء جولته في برج المراقبة .”


عندها فهمت تشو ييرو القصة كاملة ، والتفتت إلى فانغ هاو بنظرة ذات معنى :

“ إذن هذا ما حدث …. حين جاء لانغ فنغ لرؤيتك ذلك 

اليوم ، كان عليك أن تدعه يعزمنا جميعًا على العشاء .”


قال تشو تشيتشن وقد بدت الدهشة على وجهه:

“ آه، إذن لانغ فنغ يتكلم الصينية ؟”


رد فانغ هاو:

“ نعم، يتقنها جيدًا .”


فقال تشو تشيتشن ممازحًا :

“ يا الجنرال فانغ بعد أن ننهي هذا العشاء ، هل يمكنك أن تعرّفني إليه ؟ 

كنت دائمًا أخشى حاجز اللغة ، لكن الآن وقد عرفت أنه 

يتحدث الصينية ، فالأمر سهل .”


كان أصدقاؤه يعرفون ميوله ، فضحكوا جميعًا ، ولم تفوّت لو يان الفرصة لتمازحه قائلة :

“ ألم تكن تتمرن على الإنجليزية في خطوط هاينان الجوية؟ 

هل ضيّعت العامين الماضيين هباءً ؟ 

وأيضاً لماذا على فانغ هاو أن يعرّفك إليه ؟ 

أنتم في هاينان تركزون على الرحلات الدولية ، ويُلزم على 

الكباتن استخدام الإنجليزية في الرحلات والاتصالات الجوية ،

أنت أصلاً دائم الاحتكاك بأطقم أجنبية هناك .”


ضحك تشو تشيتشن بدوره ورفع كأسه قائلاً:

“ حسنًا، لنشرب نخبًا آخر . إلى الجنرال فانغ على بطولته في إنقاذ زهرة الوطن .”


وكان واضحًا أن “زهرة الوطن” يقصد بها لانغ فنغ


الكل أخذ الأمر بروح الدعابة ، أما تشو تشيتشن فلم يضره المزاح ، إذ كان صاحب جلد سميك


ابتسمت لو يان وأخرجت سيجارة رفيعة ، تدلّت خصلات 

شعرها المموج الطويل على كتفيها، 

فبدت فاتنة بملامحها البارزة ، 

بادر فانغ هاو على الفور بإشعالها لها

وبعد لحظة صمت، سألها:

“ هل لديك واحدة أخرى ؟”


أومأت لو يان وأعطته سيجارة “نانجينغ”، فأشعلها لنفسه أيضًا


أخذ فانغ هاو نفسًا عميقًا ، ثم أعاد مسار الحديث قائلاً:

“ انفجار الإطار في الحقيقة حادث بسيط ؛ كل ما يتطلبه 

الأمر تقرير ينتهي الأمر به ،، 

المشكلة الحقيقية تكمن في سوء التعامل معه .”


نظر إليه تشو تشيتشن وقال:

“ رائع يا جنرال فانغ . أنا وأنت سنكوّن ثنائيًا مميزًا .”


ابتسم فانغ هاو ساخرًا :

“ حسنًا ، ابدأ أنت أولاً إذن .”


فانتهز تشن جيايو الفرصة ليغمز تشو تشيتشن قائلاً :

“ أنت مشغول بالترحيب بالجميع منذ قليل ، لكنك لم تتذوق شيئًا بعد .”


ابتسم تشو تشيتشن وتذرّع بعذر :

“ لم أتذوق المقبلات الباردة حتى . لا يجوز أن أبدو شرهًا .”


قال تشن جيايو وهو لا يزال متشبّثًا بالموضوع بصوت منخفض :

“ إنها بالفعل ضربة حظ في وسط وضع سيئ . 

الحمد للإله أنها لم تُصِب أي مكوّن آخر .”


إذ تختلف إطارات الطائرات عن إطارات السيارات ، فهي 

تتحمّل ضغط عشرات آلاف الأطنان من وزن الطائرة ، 

ولهذا تُصنع من مواد خاصة ، 

وعندما ينفجر إطار أثناء الإقلاع ، يمكن أن تنطلق الأجزاء 

التالفة بسرعة هائلة ، 

ولو أصابت المحرك أو خزان الوقود ، لكانت النتائج كارثية


سأل تشو تشيتشن باهتمام:

“ وماذا عنك يا جيايو هل سبق أن واجهت انفجار إطار ؟”


أجاب تشن جيايو بهدوء :

“ لم يحدث أن انفجر إطار لدي ، لكنني واجهت مشاكلي الخاصة .”


عندها نظرت إليه لو يان نظرة عميقة وتنهّدت قائلة:

“ في السنوات الأخيرة… لقد مررت حقًا بـ… حسنًا، أنت تفهم قصدي .”


لم تُصرّح بالكلام مباشرةً ، لكن أغلب الحاضرين أدركوا ما تعنيه


فحين يتعلق الأمر بالأعطال والحوادث الجوية ، كان لتشن جيايو نصيب أوفر من غيره


ففي حين أن بعض طياري الطيران المدني يقضون 

مسيرتهم كاملة بلا حادث يُذكر ، واجه تشن في السنوات 

الأخيرة مشكلات شتى : أعطال في مؤشرات جهاز الهبوط ، 

أعطال في المحركات اضطرته لتحويل الرحلات إلى مطارات أخرى ، 

حالات طوارئ لركاب أصيبوا بنوبات ربو ، 

أعطال في أجهزة الاتصال اللاسلكي ، وغير ذلك كثير —— .


ولذا عندما تعطّل المحرك في الرحلة من جاكرتا إلى 

شنغهاي ، ارتبك للحظة ، لكنه سرعان ما بدأ بإجراءات 

الطوارئ وكأن الأمر غريزي بالنسبة له


ولمّا انقضى الوقت وهدأت الأحداث ، أدرك تدريجيًا أن ما 

واجهه ربما كان أخطر مشكلة طيران تعرض لها في حياته


تردّد طويلًا بين أن يعتبر نفسه سيئ الحظ أو أن يشكر القدر 

لأنه اعتاد دائمًا على الاستعداد لأسوأ الاحتمالات


قال تشنغ شياوشو وهو يتدخل:

“ لقد واجهت انفجار إطار في مطار هونغتشياو

بل واشتعل المحرك ، 

وقتها لم يكن أمامك خيار سوى الإقلاع ،،  تلك الحادثة 

وصلت للأخبار الوطنية .”


ضحك تشن جيايو:

“ صحيح ، أحد الركاب صوّر الموقف كاملًا ، وقالوا إن الأمر أشبه بركوب صاروخ .”


عقّب تشو تشيتشن ممازحًا :

“ يبدو أنك أصبحت نجمًا على الأخبار الوطنية يا جيايو "


وأضافت لو يان :

“ في هذه الأيام لا يوجد ما يمكن أن يُعجز السيد تشن الشاب .”


وبينما الجميع يتبادلون قصصهم ، غيّر تشن جيايو 

الموضوع قليلًا والتفت نحو تشو تشيتشن:

“ ألم تواجه أنت أيضًا حادثة اصطدام بطائر ، وكانت قوية 

لدرجة أنك اضطررت للقفز بالمظلة ؟”


ابتسم تشو تشيتشن ابتسامة عريضة :

“ حسنًا ، هذا موضوع لا أستطيع التحدث عنه .”


فقد وقع الأمر أثناء تدريب عسكري ، ولذلك لم يُنشَر في وسائل الإعلام


لكن الكسور المتعددة والعمليات الجراحية التي استدعت 

تثبيت العظام بمسامير معدنية كانت دليلًا لا يمكن إنكاره


ولم تدع لو يان الفرصة تفوتها ، إذ باغتت تشن جيايو قائلة:

“ سمعت إشاعة أن أحد المخرجين يرغب في تصوير فيلم 

وثائقي عن هبوطك الاضطراري في هونغ كونغ قبل أيام .”


أومأ تشن جيايو برأسه :

“ نعم، صحيح . لكنني لم أوافق بعد .”


اقترحت لو يان قائلة:

“ ولمَ لا نصنع فيلمًا وثائقيًا ؟ 

قد يساهم في الترويج للطيران المدني . بل أراهن أن فيلمًا 

سينمائيًا عنه سيكون ناجحًا أيضًا .”


لكن تشن جيايو قال:

“ وقتي ضيّق جدًا ، وأيضاً الطيارين ينالون الكثير من الاهتمام ...”

ثم التفت نحو مراقبي الحركة الجوية الجالسين وأضاف:

“ إن أردتِ رأيي ، فأنتم الأجدر بالاحتفاء ،، 

أنتم حُمَاة سمائنا الزرقاء أليس كذلك ؟”


ابتسم وهو ينطق جملته الأخيرة بنبرة بدت أشبه بشعار 

دعائي ، مما جعل لو يان تشعر ببعض الإحراج


وبهذا انتقل الحديث من موضوع الطيران إلى مراقبة الحركة الجوية


وقد شجّع بعض القادة المراقبين على سرد مواقف 

استثنائية مرّت بهم أثناء عملهم


فقال وانغ يوان، مراقب المنطقة في بكين، إن نشاطات 

عسكرية لم يُبلَّغ عنها بشكل صحيح كادت تؤدي إلى 

اصطدام جوي بين طائرتين عسكريتين


وأومأ فانغ هاو، الذي كان وقتها في مطار العاصمة بكين، موافقًا


فقد كانت بالفعل حادثة خطيرة ، ولو أن طائرات مدنية 

ارتكبت خطأ مشابهًا، لكان الطيارون المعنيون قد فُصِلوا خلال دقائق


وحين جاء دور فانغ هاو تنحنح قليلًا وبدأ قصته:

“ قبل بضعة أشهر ، كنت أوجّه طائرة شحن متجهة من 

بكين إلى هاينان ،، 

أخبرتهم أن هناك طائرات في انتظارهم ، وأن عليهم 

الصعود بسرعة إلى ارتفاع 6000 متر ،، 

لكنهم ردّوا أن الارتفاع شديد الاضطراب ، وسألوا إن كان 

ممكنًا أن يصعدوا إلى 6200 أو يهبطوا إلى 5800

كان ذلك في موسم العطلة الصيفية ، حيث تزدحم الرحلات 

بالركاب ، فأجبتهم بأن الأمر غير ممكن ، وعليهم التحمّل . 

وكلا الارتفاعين يسبّب مشاكل ….”

توقف لحظة ، وأخذ نفسًا بطيئًا من سيجارته ، ثم تابع:

“ عندها قالوا : ’ بكين ، نحن نحمل طائرة ممتلئة بخنازير للتربية . إذا اهتزّت أكثر من اللازم واضطربت ، سندفع تعويض للزبائن .‘”


فانفجرت تشو ييرو ضاحكة ، وكان الأمر مفهومًا ، إذ إن 

الطائرات تنقل شتى أنواع البضائع ، بما فيها الحيوانات والنباتات


توقعت لو يان النتيجة سلفًا ، لكنها سألت بخفة :

“ وماذا حصل إذن ؟ هل غيّرت لهم الارتفاع ؟”


حافظ فانغ هاو على ملامح صارمة وهو يكمل :

“ بالطبع لا. قلت لهم: ’ أنتم والخنازير ستتجاوزون الأمر معًا ' " 


فانفجر الجميع ضاحكين ، وسرعان ما أضاف فانغ هاو بابتسامة:

“ دعوني أوضح… في النهاية غيّرت مسارهم فعلًا وجعلتهم 

يهبطون إلى ارتفاع أقل ،، 

وإلا فربما حمّلوني المسؤولية لو ارتفعت أسعار لحم الخنزير في هاينان مستقبلًا .”


شارك تشن جيايو في الضحك ، وقد فوجئ برؤية فانغ هاو 

يلقي النكات بملامح جادة إلى هذا الحد


فقد كان انطباعه الأول عنه أنه شخص صارم للغاية ، 

كأنه يودّ أن ينقش على جبينه عبارة [ قوانين وأنظمة ] ~

لكن بعد هذه الجلسة ، بدأ يدرك أن الأمر لم يكن كذلك تمامًا


ومع اقتراب نهاية الوليمة ، ظلّ الجو مفعمًا بالبهجة


وكان فانغ هاو قد شرب ثلاث كؤوس بالفعل ، لكنه تناول 

طعامًا كافيًا ، فبقي في حالة جيدة ،

عندها اقترحت لو يان :

“ ما رأيكم أن نغيّر المكان ونشرب بضع كؤوس أخرى ؟”


أجاب فانغ هاو مبتسمًا:

“ الأخت يان أي مكان تختارينه سنرافقك إليه .”


أما بعض القادة المتزوجين ومراقبي الحركة الجوية فقد 

فضّلوا العودة إلى منازلهم


وكان تشن جيايو قد قرر منذ البداية أن يمتنع عن شرب 

الكحول اليوم ، لكنه وجد نفسه يوافق على مضض عندما 

طلبت لو يان ذلك


وبالنظر إلى أن بعضهم لديه عمل في اليوم التالي ، أنهوا 

جلستهم قبل منتصف الليل


وكان فانغ هاو قد شرب ما يقارب خمس كؤوس ، لكنه لم 

يُبدُ مخمور بشكل واضح ، بل بدت عليه حالة من الانتشاء 

الخفيف الذي يزول بعد نوم جيد


وعند المغادرة ، عانق فانغ هاو لو يان وقال:

“ الأخت يان علينا أن نخطط لرحلة إلى شنغهاي لزيارتك أنت و الأخ لي في وقت ما.”


فردّت لو يان بجدية :

“ فانغ هاو اعتنِ بنفسك ، ليس فقط في قيادة الطائرات 

بل بما هو أبعد من ذلك ، أنت تفهم قصدي .”


كانت كلماتها صريحة ، فهي تعرف أن فانغ هاو لم يكن 

حساسًا كثيرًا للسياسات الداخلية ، وقد دخل في خلافات 

مع بعض رؤسائه بسبب صراحته وصرامته في العمل ، 

ورغم أن كفاءته سرّعت ترقياته ، إلا أن الكثيرين في برج 

المراقبة لم يكونوا يقدّرونه ، و لو يان بخبرتها الواسعة 

وصلاتها الكثيرة ، كانت دومًا تدافع عنه


أما بعد رحيلها ، فسيتعيّن عليه الاعتماد على نفسه


وفانغ هاو أدرك جيدًا ما قصدته بكلامها


أما تشو تشيتشن، فقد بلغ من السكر حدّ فقدان الوعي، 

وكان تشنغ شياوشو والبقية يسندونه خارج المكان


وبعد أن ودّع لو يان ، أخرج فانغ هاو هاتفه واستدعى سيارة أجرة


ومن طرف عينه لمح تشن جيايو وهو يودّع لو يان


قالت له لو يان:

“ جيايو هناك أمر لم أشأ أن أسألك عنه أمام الآخرين… 

ما الذي حدث فعلًا بينك وبين يان يو في ذلك الوقت ؟”


يان يو كانت حبيبته السابقة ،،، تشن جيايو مزدوج الميول ، 

ينجذب إلى النساء والرجال على حد سواء ، 

وهو ما جعل الشائعات تكثر حوله في أوساطهم ، 

كثير من المضيفين والمضيفات زعموا أنهم ارتبطوا به عاطفيًا ، 

لكن معظم تلك الأقاويل لم تكن صحيحة ، 

لم يكن على علاقة حقيقية إلا بشخصين فقط ، 

وكانت يان يو واحدة منهما


عملت سابقًا مضيفة في نفس الشركة ، لكن علاقتهما 

انتهت بعد فترة قصيرة من حادثة الهبوط الاضطراري في هونغ كونغ


وجد تشن جيايو صعوبة في الإجابة ، وقال:

“ لم أكن أخفي الأمر عنك ، لكن دعينا نؤجل الحديث في 

وقت آخر… لا أدري من أين أبدأ حقاً .”


أومأت لو يان بتفهّم ولم تُلحّ أكثر ، ثم قالت بهدوء :

“ أنا لا أريد نبش الماضي ، لكن إحدى صديقاتها سألتني 

عنك في الأيام الماضية ، فقلت من الأفضل أن تعرف .”


تفاجأ تشن جيايو ولم يكن يتوقع ذلك :

“ حسنًا… فهمت .”


 يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي