القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الاخبار

Ch52 BFIHTE

 Ch52 BFIHTE


تايلاند ——


فتح لين تشي النافذة ، فاندفعت رائحة النباتات المبتلّة إلى رئتيه ، 

فتنفّس بعمق وتنهد تنهيدة خفيفة خرجت من أعماقه


شهر يوليو في تشيانغ ماي شديد الحرارة ، لكن في الساعة 

السادسة صباحًا ، وقد هطل المطر لتوّه ، فبقي في الهواء شيء من برودة رطبة


نزل لين تشي الدرج الخشبي إلى الأسفل ، وطلب فنجان قهوة في الردهة

وبينما يجلس تحت الممر يحتسي قهوته ، كان قو ييوان قد 

استيقظ أيضًا ، دخل الردهة ، وجلس بلا أي تكلّف إلى 

جواره ، ثم مدّ يده وأخذ موزة من طبقه


لين تشي: “…”


تمنّى في هذه اللحظة لو ترى هوو يونينغ هذا المشهد ؛ 

ذاك المخرج البارد الذكي الأنيق في نظرها ، كيف يكون على 

حقيقته في الحياة اليومية


أكل قو ييوان الموزة التي سرقها وسأل:

“ لماذا استيقظت مبكرًا هكذا ؟ 

أظن أن مشهدك اليوم بعد الظهر "


: “ صحيح لكنني لم أنم جيدًا

و فكّرت أن أخرج قليلًا هذا الصباح .”


لين تشي يشرب قهوته جالسًا في الحديقة ، وشعر بلا سبب 

واضح بأن مزاجه جيّد


هذا اليوم هو السابع عشر منذ انضمامه لتصوير فيلم قو ييوان الجديد —-

و أولى محطات التصوير كانت في تايلاند 


الفندق بأكمله كان محجوز لصالح طاقم العمل


وبعد أكثر من نصف شهر من الاحتكاك اليومي ، 

ورغم أن قو ييوان كان سيّئ المزاج في موقع التصوير ، 

قاسي كزوجة أب في سنو وايت ، إلا أنه في الأوقات العادية كان مقبولًا ، 

كما أن الطاقم خالٍ من الشخصيات المزعجة ، لذا عاش 

لين تشي هذه الفترة بارتياح نسبي


طبعًا —لو قلّ عدد مرّات صراخ قو ييوان عليه، لكان أفضل


وصلت قهوة قو ييوان، فشرب نصفها دفعة واحدة ، 

سأل : “ إلى أين تنوي الذهاب ؟

هل أرتّب لك من يوصلك ؟”


: “ لا حاجة ...” هزّ لين تشي رأسه، ونظر إلى الساعة ثم نهض :

“ سأتمشّى فقط ، أزور السوق .”


أومأ قو ييوان، ولم يتدخّل أكثر ، فهو سيتوجّه لاحقًا إلى موقع التصوير


: “ تذكّر ألا تتأخّر عن التصوير بعد الظهر .” قالها على سبيل التذكير


أشار لين تشي بعلامة “👌🏼 ”، ثم حمل قهوته وخرج


لم يكن لديه أي هدف محدّد


تعامل مع نفسه كسائح يتجوّل


يرتدي تيشيرت قطني أبيض فضفاض ، وحذاء خفيف ، ونظّارة شمسية


ساوم الباعة بالإنجليزية على جانب الطريق ، واشترى بطاقة 

بريدية مميّزة مصنوعة من أوراق نباتية ، وبعض العطور 

ذات الرائحة الزكيّة، وكيس من الفاكهة


لكن حين همّ بالمغادرة ، اصطدم كيس الفاكهة الخاص به 

بعربة مجاورة ، فسقطت بعض القطع الزجاجية من عليها


و تحطّم عدد من زجاجات العطر على الأرض بصوت حاد ، وتناثرت شظاياها


تجمّد لين تشي في مكانه


كان صاحب العربة المجاورة رجلًا مسنًّا


أمسك به فورًا وبدأ يتحدّث بانفعال بلغة تايلاندية لم يفهم 

منها شيئ ، محدّقًا فيه بغضب


أدرك لين تشي أن الخطأ خطؤه ، فبدأ يشير بيديه محاولًا 

حلّ الأمر بالمال ، لكن المشكلة أنه لم يحمل معه اليوم 

سوى مبلغ زهيد من النقد


فكّر في الدفع عبر الهاتف ، وحاول الشرح بالإنجليزية ، إلا أن 

الرجل لم يفهم شيئ


البائع الذي اشترى منه قبل قليل حاول المساعدة في الترجمة ،

 لكن للأسف ، هذه الأكشاك الصغيرة لا تقبل إلا النقد


مأزق حقيقي ——


وقف لين تشي تحت الشمس الحارقة ، وقد بدأ يشعر بالدوار

بدأ ينظر حوله باحثًا عن شخص صيني لعلّه يستطيع تبديل بعض المال


لكن قبل أن يعثر على أحد، اقترب منه شخص طويل القامة


سمع لين تشي صوتًا مألوفًا للغاية… لكنه كان يتحدّث بلغة تايلاندية غريبة عنه


ارتجفت أصابعه التي تمسك كيس الفاكهة لا إراديًا


استدار لين تشي ، فرأى رجلًا يرتدي قميص أزرق ، 

و يخرج بضع أوراق نقدية تايلاندية ويضعها على عربة الرجل العجوز ، ويتحدّث معه لبضع جُمل 

أخذ العجوز المال ، وبدا راضيًا ، ولوّح بيده بسخاء معلنًا 

انتهاء الأمر ، بل وأهداه طائر زجاجي صغير مصنوع يدويًا


ضحك الرجل وقال كلمة شكر ، ثم رفع نظره أخيرًا نحو لين تشي


توقّف نفس لين تشي للحظة


السوق مكتظ بالسياح —-

لغات العالم كلّها بدت وكأنها تختلط هنا

و المكان صاخب ، و رائحة عصير الفاكهة الحلوة تمتزج بعطر الزهور ، 

والشمس تسكب حرارتها على الأرض وعلى الأجساد


كلّ شيء من حوله كان يصرخ بكلمة واحدة: الصيف —-


أما الشخص الواقف أمامه ، فقد جعله يشعر بدوار خفيف


لم يستعد صوته إلا عندما وقف لي تينغيان أمامه تمامًا


بصوت خافت :

“ ماذا تفعل هنا ؟” رفع رأسه ، فسقط ضوء النهار الساطع 

على وجه لي تينغيان، كاشفًا كلّ تفصيل فيه بوضوح


ذلك الإحساس بالدوار لم يزل عن لين تشي، وجعله يبدو شاردًا


خمسة أشهر كاملة ….

منذ تلك الليلة في هلسنكي، لم يلتقيا منذ خمسة أشهر


لم يتغيّر لي تينغيان عمّا كان عليه في ذلك اليوم ، سوى أن 

الخلفية انتقلت من الجليد والثلج إلى صيف ملتهب


و لا يزال يظهر ويختفي بالطريقة نفسها


{ دائمًا…

يظهر في حياتي ، بأسلوب لا يمكن أن أتوقّعه أبدًا … }


لي تينغيان في الحقيقة كان يتبّع لين تشي منذ لحظة 

خروجه من الفندق


وصل إلى تشيانغ ماي ليلة البارحة ، وكان يريد لقاء لين 

تشي ، لكنه لم يجد أي عذر مناسب للظهور أمامه

و اليوم حين رأى لين تشي يغادر الفندق ، تبعه مثل ظل، 

قريب بما يكفي و بعيد بما يكفي 

وكأنه سائح يريد أن يحدّثه ، لكنه عاجز عن إيجاد أي بداية ذكية للمحادثة


حتى وقع لين تشي في المأزق ، عندها ظهر لي تينغيان، لكنه 

شعر أن ظهوره كان مفاجئًا جدًا


لكن عندما تقابلا بعينَيْهما، وعندما التقى بعيون لين تشي، لم يعد لديه مجال للتفكير،

 فالعينان وحدهما أشعلت 

داخله شعور بالحرارة


قال مبتسمًا بعجز :

“ تظن أنك ستصدق لو قلت إنني مجرد مارّ ؟”


رد لين تشي بسرعة، بلا تردد : “ لا أصدق "


ضحك لي تينغيان ضحكة خفيفة ، لكن هذه المرة لم تكن 

مشدودة كما في هلسنكي، ولم يعد يبدو كوحش محاصر ، بل ضحكته صادقة ، صادرة من داخله


أثناء تجوله في السوق أعطته فتاة تبيع الحلويات بعض الزهور ، —- 

عدة زهور ياسمين صغيرة مربوطة معًا وقد لاحظ أنه يمكن تثبيتها في الشعر 

فقلّد ذلك ، وثبّت زهرة ياسمين بلطف بجوار الزر الثاني في 

قميص لين تشي ، كدبوس صدر جميل


و انتشرت رائحة الياسمين العطرة على يديه ، وعلى جسد لين تشي أيضًا

و همس قائلاً :

“ لأنني أردت رؤيتك ، جئت "


لا أسباب مزخرفة ولا أعذار معقّدة ، 

لم يحاول التظاهر أو التزييف —-

كل ما أراده هو رؤية لين تشي، والآن تحقق ذلك، فظهر هنا



السوق مزدحم جدًا ، فلم يتوقفا طويلًا 


أعاد لي تينغيان لين تشي إلى الفندق ، فبعد الظهر لديه 

تصوير ، والعمل لا يمكن تأجيله ، لذا حتى مع وجود ألف 

كلام في قلبه ، لم يكن هذا وقتًا مناسبًا للحديث الطويل


لم يمنعه لي تينغيان من النزول من السيارة ، لكنه أمسك بمعصمه قائلاً 


: “ هل يمكنني مرافقتك لتناول العشاء الليلة ؟”


سأل لي تينغيان بهدوء —- محدّقًا في لين تشي بعينين لا 

ترمشان ، حرارة تلك النظرة جعلت جسد لين تشي يرتجف قليلًا


تراجع لين تشي قليلاً ، دماغه مشوش ، وكأن ألف صفير يصدح في رأسه ، 

مما جعله يشعر ببعض الخوف أمام لي تينغيان …


لم يكن لين تشي قادرًا على تحديد ما الذي يخشاه تحديدًا ...

و في النهاية اكتفى بالإيماء بلا وعي ، وقال بصوت جاف:

“ حسنًا "

حاول جمع ذهنه من فوضى الأفكار ، وأضاف:

“ أنا سأنتهي من عملي اليوم حوالي التاسعة تقريبًا، 

إن لم تحدث أي مفاجآت، وإذا استطعت أن تنتظرني…”


قاطع لي تينغيان كلامه قبل أن ينهي جملته : “ أستطيع ...”

أكد بحزم:

“ سأنتظرك دائمًا "


شعر لين تشي وكأن أذنيه قد احمرّت أيضًا

شد شفتيه ، ولم يقل شيئ آخر ، وانفلت من قبضته ، 

ثم استدار ونزل من السيارة



بسبب هذه الحادثة ، كان أداء لين تشي بعد الظهر مشتتًا بعض الشيء 

لكن هذا بالضبط ما كان يريده منه قو ييوان: أن يبدو غامضًا ، غير بشري ، مرتديًا قميصًا أبيض ناصعًا، 

واقف بين النباتات الخضراء، محصور في فناء عميق، 

بحيث تمر البطلة من الباب، وتلقي نظرة خاطفة من خلال 

شبك النوافذ ، ولا تنسى المشهد أبدًا


وعند انتهاء التصوير ، الساعة قد اقتربت من التاسعة مساءً، 

وأشاد به قو ييوان وقال مبتسمًا :

“ أداؤك اليوم ممتاز ، إذا استمريت هكذا كل يوم ، سأوفر وقتًا كثيرًا .”


لين تشي كان مشغولًا بأفكاره ، ولم يهتم كثيرًا بكلامه ، 

اكتفى بابتسامة سطحية ، وجمع أغراضه استعدادًا للمغادرة 


أخبر مساعدته مسبقًا أن تغادر ، وأنه سيرجع بمفرده ، 

والمساعدة وافقت بسعادة دون تفكير


في الساعة التاسعة والنصف مساءً ، وقف لين تشي مترددًا 

في زقاق صغير بجانب متجر 7-11 وأرسل موقعه


بعد لحظات ، توقفت سيارة سوداء أمامه ، ونزل نافذة السيارة جزئيًا ، وكان لي تينغيان جالسًا على المقعد الأمامي، 

ينظر إليه بنظرة دافئة



نظرًا لشهرة لين تشي حتى في تايلاند ، قرر لي تينغيان حجز المطعم بأكمله


مطعم صغير على طراز فيروزي وأبيض ، وصعدا الدرج الخشبي الذي يصدر أصوات صرير ، 

و المنيو عبارة عن أطباق محلية تقليدية


لين تشي وجّه نظره إلى المنيو بتظاهر ، لكن عقله مشتت تمامًا ،،

شكَّ في أن حرارة اليوم قد سببت له ضربة شمس 

تصفح الصفحات بلا هدف ، دون أن يقرأ كلمة واحدة

و سأل تينغيان بهدوء :

“ متى وصلت إلى تايلاند ؟”

مرر لين تشي أصابعه على حواف القائمة بلا وعي، وطواها قليلًا



لي تينغيان : “ ليلة البارحة "


لي تينغيان لم يكن ينظر إلى المنيو أصلاً ، بل إلى لين تشي مباشرةً ، 

وبسبب هذا — شعر لين تشي بثقل في عنقه كأنه يحمل 

ألف كيلو ، حتى أنه بالكاد استطاع رفع رأسه


لي تينغيان : “ كنت أرغب في البحث عنك فور وصولي ، 

لكن خشيت أن أفزعك ، فاضطررت للبقاء في الفندق

في الحقيقة كنت منذ الصباح أراقب الفندق ، لأرى إذا حظي 

يجلبني لرؤيتك بالخارج ، والحمد للإله لقد وفقني القدر.”


تفاجأ لين تشي — ورفع رأسه لينظر إليه، وسأل بتردد:

“ كيف عرفت أين أقيم ؟”


لي تينغيان لم يظهر أي شعور بالحرج ، وأجاب بهدوء وحزم:

“ بالتأكيد لديّ مصادري — هذه الأشهر الستة ، كل مكان ذهبت لتصويره ، كنت أعلم به "

و أضاف ببطء :

“ حتى أي حفلة حضرت…”

وأراد أن يضيف ' ومع من كنت على الشرفة ' لكنه اكتفى بالابتلاع ، 

لأنه يعلم أن لين تشي لم يفعل شيء مع ذلك الفرنسي ذو العيون الزرقاء ،،،


لم يكن هناك داعي لأن يذكر ذلك صراحة —-

وبالإضافة إلى ذلك ، لم يكن هناك بينهما أي وعد حقيقي ، 

ولم يكن على لين تشي أي التزام بأن يبقى مخلصًا له —-

و إذا أراد لين تشي ، يمكنه في أي وقت أن يتركه ويختار شخص آخر


لكن المعرفة بهذا لا تخفف من شعور الغيرة …

فالحسد ليس شيئًا يمكن التخلص منه بسهولة ——


أصابع لي تينغيان تمر على النقوش على الكوب الزجاجي، وعينيه منخفضة قليلًا ليخفي المشاعر 


لين تشي — من رد لي تينغيان الواثق بنفسه — أدرك شيئ 

فهم لماذا دائمًا يستطيع لي تينغيان معرفة مكانه في أي وقت


لأن في هلسنكي تلك المرة ، و تشيانغ ماي هذه المرة أيضًا 


{ كيف يحدث ذلك ؟ 

كيف يعرف لي تينغيان كل تحركاتي ؟ }

“ أنت…”

ازداد غضب لين تشي ، وكاد أن يستخدم المنيو ليضرب بها رأس تينغيان 

لكنه عند مواجهة تلك النظرة الهادئة ، بل والمُصممة ، شعر بالإحباط

صرخ بلا حدة ، ولا لطف :

“ مريض عقليًا !”


و في النهاية طلب لين تشي بعض الأطباق التي اعتاد على 

تناولها في تايلاند ، وعند إغلاقه للمنيو ، نادى النادل ليطلب مشروبين خاصين بالمكان ، أحدهما بلا كحول 

و قدم كوب للي تينغيان


رفع كوبه وصدمه بخفة مع كوب لي تينغيان


كان لديه الكثير ليقوله منذ اللحظة التي رأى فيها لي 

تينغيان، لكن الجلوس أمامه وجهاً لوجه جعل الكلمات تختنق في حلقه


فقال فقط بهدوء :

“ بغض النظر عن السبب الذي جاء بك إلى هنا ، لقاء الأصدقاء القدامى في بلاد غريبة دائمًا شيء سعيد ،،

هذه الكأس ، دعنا نحتسيها احتفالًا بلقائنا من جديد .”


يتبع

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Fojo team

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي