Ch3 ESST
كانت الكيلومترات الثلاثمئة التالية تقريبًا تسير بسلاسة غير معتادة، ولم يكن هناك أي ازدحام عند ممر كونلون.
وبعد عبور دامشونغ أصبح الوصول إلى لاسا قريبًا. وقبل أن تغرب الشمس كان شو نانهينغ قد بدأ يشعر بالنعاس.
كانت آخر مرة نام فيها في قولمود. لم يعد قادرًا حقًا على المتابعة الآن، خاصة بعد أن أكل باوزي مخبوزة وذلك الخبز المسطح المقرمش من الأسفل الذي لم يتذكر اسمه. ارتفاع السكر في الدم بسبب الكربوهيدرات، مع اهتزاز السيارة أثناء السير، جعله يغرق في نعاس لا يمكن مقاومته.
وعندما فتح شو نانهينغ عينيه مجددًا، كانوا قد وصلوا بالفعل إلى لاسا.
قال وهو ينظر من نافذة السيارة بصوت مبحوح من النعاس:
"هل حلّ الظلام؟"
وعندما رآه فانغ شي يو قد استيقظ قال:
"لا، لم يَحلّ الظلام. إنها غيوم. هكذا يكون الطقس في لاسا؛ لحظة تكون الشمس ساطعة بشدة، وفي اللحظة التالية تتكدس الغيوم الثقيلة فوق المدينة ويبدأ الريح بالعواء."
"أوه…" كان صوت شو نانهينغ ضعيفًا وخشنًا، وهو أمر معتاد بعد الاستيقاظ من نوم غير مريح.
تنحنح قليلًا، ثم مد يده إلى المقعد الخلفي ليأخذ زجاجة ماء معدني.
الرياح في الخارج قوية. وربما بسبب الارتفاع، شعر شو نانهينغ بأن الغيوم منخفضة جدًا، كأنها تضغط فعلًا على المدينة.
وعند أحد التقاطعات، كانت المظلة البلاستيكية بجانب كشك شرطة المرور ترفرف بعنف في الرياح، وكادت تُقتلع وتُقذف عبر ممر المشاة.
ركض أحد رجال المرور ليمسك عمودها، بينما أكياس البلاستيك من سلال القمامة تُسحب إلى الخارج وتطير في كل اتجاه.
ثم قال فانغ شي يو:
"انظر، قصر بوتالا."
"هم؟"
"مِن جِهَتي." قال فانغ شي يو وهو يُبقي عينيه على الطريق أمامه، ثم أشار نحو نافذة السائق.
النظر من نافذة السائق يعني بالضرورة أن يظهر السائق في مجال الرؤية. لذلك عندما أدار شو نانهينغ رأسه، فإن أول ما رآه هو خط الفك الحاد عند الطبيب فانغ، والخط الأملس لعنقه.
شو نانهينغ { إن فانغ دايفو وسيم حقًا ،
يشبه إلى حدٍّ ما ذلك الطالب الأكبر الوسيم في الجامعة
الذي تمرّ به مسرعًا ، فتلمح وجهه للحظة عابرة و يبقى في ذاكرتك سنوات }
بطبع شو نانهينغ يهتم كثيرًا بالوجوه الجميلة، ولهذا السبب تحديدًا سمح له بالصعود إلى السيارة منذ البداية. فالتقاط شخص غريب في منتصف الليل كان مخاطرة، أشبه بالمقامرة بحياته.
سأل فانغ شي يو:
"هل رأيته؟"
قال شو نانهينغ:
"هاه ؟ ..." و في الحقيقة لم يرَ شيئًا إطلاقًا. كان ذهنه مشتتًا. لذلك اعترف بصراحة:
"لا."
فانغ شي يو:
"لا بأس. ستكون لديك فرص كثيرة."
قطّب شو نانهينغ حاجبيه:
"لماذا تقول ذلك؟"
قال فانغ شي يو:
"أنت معلّم، والمدرسة ستبدأ قريبًا. وبما أنك جئت إلى التبت في هذا الوقت، فلا بد أنك هنا ضمن برنامج تعليم تطوعي، أليس كذلك؟ ستتاح لك فرص كثيرة لرؤيته حينها…
يا شو لاوشي أين تريدني أن أتوقف ؟
جهاز الملاحة لديك مضبوط على ساحة قصر بوتالا، لكن إن ذهبنا إلى هناك الآن فسنعلق في الازدحام، وأنا مستعجل قليلًا. هل يمكنك أن تنزلني في مكان آخر أولًا؟"
رد شو نانهينغ وهو يشرب رشفة ماء ويجلس معتدلًا قليلًا، ثم نظر إلى أماكن التوقف على جانب الطريق:
"أوه… لقد وضعت الموقع عشوائيًا فقط. يمكنك التوقف هناك."
"حسنًا." شغّل فانغ شي يو إشارة الانعطاف، وانتظر مرور السيارات ثم غيّر المسار، وأوقف السيارة في موقف عام على جانب الطريق.
بعد أن ثبّت السيارة، مدّ يده إلى الخلف وأخذ صندوق التبريد من أرضية المقعد الخلفي، ثم فكّ حزام الأمان وأخرج هاتفه. وقال:
"سأحوّل لك رسوم الطريق."
ذكرُ رسوم الطريق ذكّر شو نانهينغ فجأة بمحطة الوقود، فسأله:
"أنت من دفع ثمن الوقود قبل قليل، أليس كذلك؟"
لم يُجب فانغ شي يو.
مدّ شو نانهينغ يده وفتح صندوق القفازات أمام المقعد الأمامي. وبالفعل، اكتشف أنه تذكّر الأمر خطأ. لم تكن بطاقة الوقود في الحاجب الشمسي فوق المقود، بل كانت موضوعة في صندوق القفازات منذ المرة السابقة.
كانت هذه السيارة من طراز مرسيدس بنز جي-واغن، وسعة خزانها مئة لتر، وكان وقود ثمانية وتسعين الممتاز لا يقل عن تسعة يوانات للّتر. وعندما انحنى قليلًا ليتفقد لوحة العدادات، خمّن شو نانهينغ أن فانغ شي يو قد ملأ الخزان بالكامل.
قال شو نانهينغ:
"انسَ الأمر، لا داعي. يمكنك الذهاب."
قال فانغ شي يو:
"شو لاوشي كانت ليلة مظلمة عاصفة ، و أنا غريب تمامًا
التقيت به على الطريق السريع. ومع ذلك كنت مستعدًا
لتحمّل تلك المخاطرة من أجلي، فما قيمة هذا القدر من ثمن الوقود؟
لكن في المستقبل عليك أن تفكر جيدًا قبل الإقدام على مثل هذه الأمور. في هذه الأيام يمكن تزوير الكثير من المعلومات."
ضحك شو نانهينغ ضحكة خفيفة وقال:
"حسنًا، سأضع ذلك في ذهني."
بالطبع، لم يكن يستطيع أن يقول إن السبب كان لأنه وجد فانغ شي يو وسيماً. لذلك أضاف:
"فانغ دايفو محق. في المرة القادمة سأكون أكثر حذرًا."
قال فانغ شي يو وهو يرفع هاتفه المفتوح على صفحة مسح باركود الدفع :
" رمز الدفع لديك ."
هزّ شو نانهينغ رأسه :
" لا حاجة . أنت دفعت ثمن الوقود بالفعل ."
قال فانغ شي يو بإصرار :
" هذا لا يصح . رسوم الطريق شيء، وثمن الوقود شيء آخر ."
أجاب شو نانهينغ:
" حقًا لا بأس. ألست مستعجل ؟ انطلق."
وأثناء حديثه فكّ حزام الأمان، وفتح باب المقعد الأمامي ونزل. كانت الرياح قوية، تضرب سترته الرمادية المفتوحة وتجعلها ترفرف خلفه كأنها معطف بطل
دار شو نانهينغ حول مقدمة السيارة، وفتح باب السائق من الخارج وقال:
" فانغ دايفو ، انزل . إن شاء القدر ، سنلتقي مرة أخرى ."
لم يكن أمام الطبيب فانغ خيار
فسيارة شو نانهينغ ليست سيارة أجرة، وبالتالي لا يوجد داخلها رمز دفع
أعاد هاتفه إلى جيبه، بينما اندفع الهواء بقوة إلى داخل السيارة وجعله يضيّق عينيه
في الحقيقة، كان فانغ شي يو يعمل في المساعدة الطبية في التبت منذ قرابة عام، وقد ذهب إلى قرى وأرياف كثيرة، لذلك كان يحمل النقود دائمًا. أخرج محفظته من جيب سترته، وأخذ رزمة الأوراق النقدية كلها، ووضعها في صندوق القفازات ثم أغلقه بإحكام.
شو نانهينغ متفاجئًا:
" تسك… أنت…"
أعاد فانغ شي يو محفظته إلى جيبه، وحمل صندوق التبريد ونزل من السيارة، ثم قال:
"شكرًا لإيصالي شو لاوشي "
قال شو نانهينغ وهو يصافحه :
" على الرحب والسعة فانغ دايفو ."
فانغ شي يو:
" إلى اللقاء."
أومأ شو نانهينغ برأسه:
" مم… إلى اللقاء ."
بعد ذلك ركبَ شو نانهينغ إلى مقعد السائق، وعدّل المرآة الخلفية ومقعده ، ثم شغّل إشارة الانعطاف استعدادًا للاندماج في حركة المرور
وفي المرآة، بدا طول الطبيب فانغ يختفي سريعًا ؛ ابتلعته الرياح القوية واختفى بين الناس
ألقى شو نانهينغ نظرة أخرى على صندوق القفازات، فرأى أن الطبيب فانغ قد وضع فيه ألف ومئتي يوان —- تنهد بهدوء ثم أغلقه
وبعد أن ضبط جهاز الملاحة نحو الفندق، أدرك فجأة شيئًا. خلال تلك الرحلة التي تقاسماها، لم يكتفِ الطبيب فانغ بملء خزان سيارته بوقود ثمانية وتسعين ، بل أعطاه أيضًا كريم واقي الشمس ، ومع ذلك لم يتبادلا حتى حسابات التواصل
في الغالب، السبب أن فانغ شي يو غادر على عجل، ومع الرياح العاصفة والفوضى نسي شو نانهينغ الأمر تمامًا
لم يكن من النوع الذي يلفّ ويدور؛ لو أراد وسيلة تواصل مع شخص ما لطلبها مباشرة. لكن هذه المرة، نسي فعلًا
قاد شو نانهينغ نحو الفندق { لا بأس …. صحيح أن في الأمر
قليلًا من الأسف ، لكنه أسف بسيط فقط
فالغريب الوسيم قد يجذب الانتباه لحظة ،
لكنه بالتأكيد لن يبقى عالقًا في الذهن لسنوات }
بعد تسجيل الدخول في الفندق ، تمدد شو نانهينغ على السرير، باسطًا ذراعيه وساقيه. منذ مغادرته قولمود كان الارتفاع قد تجاوز أربعة آلاف متر، لكن لأنه كان جالسًا في السيارة معظم الوقت دون حركة، لم يشعر بأعراض داء المرتفعات، فظن نفسه محظوظًا لأنه لم يتأثر.
لكن قبل قليل، حين جرّ حقيبتين وحمل حقيبة ظهر في تلك المسافة القصيرة من موقف السيارات إلى بهو الفندق، بدأ يلهث
في المناطق المرتفعة، "المسافة القصيرة" لا تشبه المسافة العادية. جرّ الحقائب أمرٌ بحد ذاته، لكن مع حقيبة ظهر ثقيلة على الكتفين يصبح الأمر أسوأ.
فحاسوبه المحمول وحده يزن قرابة ثلاثة كيلوغرامات، وبحلول الوقت الذي دخل فيه بهو الفندق كان يلهث كما لو أنه مشى الطريق كله من بكين.
بعد أن استلقى قليلًا وشعر بتحسن بسيط، مدّ شو نانهينغ يده إلى هاتفه واتصل. وعندما تم الاتصال قال:
"أمي، لقد وصلت إلى لاسا."
سألته أمه:
"هل استقررت في مكانك؟"
قال:
"نعم، أرتاح الآن في الفندق. غدًا سأقود إلى شاننان "
استدار على جانبه
أمه:
" لابد أنك متعب جدًا. صوتك يبدو مرهقًا ."
أجاب شو نانهينغ:
" طبعًا . أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر ، وقدت أكثر من نصفها بنفسي ."
أمه :
" هم؟ وماذا عن أقل من النصف الباقي ؟"
أراد شو نانهينغ تجاوز هذا الجزء من الحديث، لكن عقله كان مشوشًا بسبب نقص الأكسجين، فخرج الكلام منه دون تفكير:
"آه… أخذت شخص في الطريق."
ارتفع صوت أمه فورًا :
" أيّ شخص! هذا خطير ! كيف تسمح لغريب أن يركب سيارتك ؟ ماذا لو كان شخصًا سيئًا ؟
ماذا لو ضربك وأغمي عليك ثم أخذك بعيدًا ، أو سرق كليتيك ، أو اقتلع قرنيتيك ؟
يجب أن تكون أكثر حذرًا يا شو نانهينغ!"
كان يتوقع ردّ فعلها هذا، وكان يفهمه أيضًا. لذلك قال:
"حسنًا… لن يحدث ذلك مرة أخرى. لن تكون هناك مرة قادمة."
استمرت أمه في توبيخه قليلًا، وكان شو نانهينغ يوافقها مطيعًا
فقد كانت دائمًا متساهلة معه بعض الشيء
وحتى قبل أن ينطلق في رحلته، أخبرته أنه يمكنه ببساطة أن يعود إلى المنزل إن شعر بالندم في منتصف الطريق، وأن أمر التدريس التطوعي ليس ضروريًا.
في الحقيقة، لم يفكر شو نانهينغ بالعودة إلا لحظة عابرة بدافع الضيق. كان يعلم جيدًا أن أمه تُدلـله كثيرًا فقط، ولا تريد له أن يعاني.
تنهدت ثم قالت:
"إذن تأكد من شراء حاجياتك اليومية من المدينة. آه، صحيح يا نانهينغ، هل رأيت قصر بوتالا؟ هل صعدت جبل ياووانغ؟ التقط الكثير من الصور!"
لم يتمالك شو نانهينغ نفسه فضحك:
"أمي… أنا لست هنا في رحلة سياحية."
وعندما أنهى المكالمة أخيرًا، شعر أن الحديث الكثير في المرتفعات أمر مرهق. لذلك بعد أن استلقى بضع دقائق أخرى، أجبر نفسه على النهوض وذهب ليستحم.
عندما خرج من الفندق مرة أخرى، الرياح العنيفة قد هدأت بالفعل، وخلّفت وراءها سماء صافية. وبما أن الليل يتأخر في التبت، ففي نحو الثامنة مساءً لازالت السماء مضيئة، ولونها يشبه بحيرة مقلوبة.
أخبره أحد العاملين في بهو الفندق أن السيّاح يحبون زيارة شارع بارخور، واقترح عليه أن يذهب إليه أيضًا. شكرهم شو نانهينغ، ثم رتّب مع خدمة الغسيل في الفندق لغسل الملابس التي ارتداها طوال رحلته، وبعد ذلك خرج إلى الشارع ليتجول قليلًا.
كان الشارع مليئًا باستوديوهات التصوير التي تقدم خدمات التجميل، وتأجير الأزياء التقليدية، والتصوير الفوتوغرافي.
شو نانهينغ وسيم وذا بنية جيدة ؛ طوله مئة وثلاثة وثمانون سنتيمترًا، خصره نحيل، وساقاه طويلتان، وملامحه دقيقة. لذلك ناداه عدد غير قليل من مساعدي المتاجر قائلين:
"يا وسيم، هل تريد التقاط بعض الصور؟"
{ هكذا إذن يكون الشعور في مكان غريب .
رغم تدفق الناس المستمر في الشارع ،
الإحساس بالفراغ واضحًا بطريقة غريبة }
لافتات المتاجر تحمل سطرين من الكتابة، أحدهما بالتبتية والآخر بالصينية. وكانت بعض المتاجر التابعة لماركات
معروفة تبيع شاي الحليب والوجبات السريعة
في النهاية دخل إلى مطعم ديكوس
كان شو نانهينغ عمليًا إلى حد كبير. فبما أنه سيبدأ التدريس في المقاطعة بعد غد، قرر أن يكون حذرًا في طعامه وشرابه خلال اليومين القادمين. لم يكن يريد أن يخاطر باضطراب في معدته بسبب التأقلم مع الارتفاع، فيعاني من القيء أو الإسهال، ويتسبب ذلك في تأخير أمور مهمة.
واصلت أمه إرسال الرسائل إليه عبر ويتشات، تسأله إن كان قد تناول العشاء. فأرسل لها صورة لبرغر وكأس كولا. فردّت عليه بعدة رموز تعبيرية [ 😓😓😓😓] في إشارة إلى الضيق.
ان أكثر من اثني عشر معلّمًا ممن عُيّنوا في برنامج التدريس التطوعي نفسه قد أنشؤوا قروب على ويتشات. وبما أن المدارس في التبت تبدأ مبكرًا نسبيًا في الخريف، غالبًا في منتصف أغسطس، فقد انطلق بعض المعلمين بالفعل، بينما بقي آخرون في بكين.
الجميع يعلم أن شو نانهينغ قد غادر قبل بضعة أيام. لكن بما أنه لم يقل شيئًا في محادثة القروب ، قام أحدهم أخيرًا بوسمه
تان شي: [@شو نانهينغ، شو لاوشي هل وصلت؟]
داي جيميَان: [ ربما لا يزال في الطريق ؟]
تان شي معلمة متدربة من الدفعة نفسها مع شو نانهينغ،
بينما داي جيميان قد ودّع للتو مجموعة من طلابه المتخرجين ثم انضم إلى البرنامج التطوعي لهذا العام
أخذ شو نانهينغ رشفة من الكولا ثم كتب:
[ وصلت للتو إلى لاسا . أشعر بقليل من ضيق التنفس ،
لذلك استرحت قليلًا في الفندق .]
ما إن علموا أنه وصل إلى لاسا حتى امتلأ القروب بالنشاط
ظهر عدد كبير من الأشخاص فجأة، يتحدثون في الوقت نفسه ويطلبون منه أن يرسل صورًا فورًا
عادةً يجد شو نانهينغ محادثات القروبات مزعجة، لكن كونه بعيد عن المنزل جعله يشعر فجأة أنها ليست سيئة إلى هذا الحد
كتب:
[ غدًا سأذهب لالتقاط صورة لقصر بوتالا .]
عند هذه النقطة فهم الجميع الأمر أيضًا، وطلبوا منه أن يحصل على قسط جيد من الراحة. ففي النهاية، لن يأتون هنا للسياحة
وببطء هدأت المحادثة. وبعد أن أنهى طعامه، جلس شو نانهينغ في المطعم قليلًا، شارداً لبعض الوقت.
في الخارج تزداد السماء ظلامًا. كثير من السيّاح لا يزالون يلتقطون الصور، مرتدين ملابس تبتيّة مع مساحيق تجميل ذات طابع قومي واضح. وعندما خرج شو نانهينغ من المطعم حاول أن يأخذ نفسًا عميقًا، ثم ضحك فجأة
{ … فانغ دايفو محق
فالهواء الخفيف يجعل الحركة صعبة ، ومن ثم يأتي الهدوء تلقائيًا }
شعر برغبة في التدخين مرة أخرى ، لكن اكتشف أن ولاعته اختفت
{ ربما فقدتها في إحدى محطات الاستراحة بعد ينشوان
أو ربما في الفندق في قولمود }
وهو يضع يده في جيبه ويتحسس علبة السجائر، رفع قدميه وتوجه نحو متجر صغير ليشتري ولاعة
——————
في اليوم التالي ——- قرر زيارة قصر بوتالا
ساحة قصر بوتالا واسعة ومزدحمة
أوقف شو نانهينغ أحد السيّاح وسأله عن المدخل.
أشار السائح إلى مكان بعيد جدًا وقال:
"ترى شباك التذاكر هناك؟ هذا هو مدخل قصر بوتالا."
قال شو نانهينغ متلعثمًا قليلًا:
"ذلك… بعيد إلى هذا الحد؟"
لوّح السائح بيده وهو يشرح:
"نعم! ذهبنا أمس. هذا مجرد المدخل فقط. للوصول إلى الأعلى عليك أن تصعد اثني عشر مستوى. لكن عندما تصل إلى القمة يمكنك أن ترى مدينة
لاسا كلها."
قصربوتالا ، لاسا :
أومأ — المعلم قليل الحركة وغير الرياضي — بأدب مبتسمًا وقال :
"فهمت، شكرًا لك."
لكنه في الحقيقة تراجع عن الفكرة
فقد ذكّره ذلك بقصص أشخاص يقررون إنهاء رحلتهم بمجرد وصولهم إلى شباك تذاكر جبل تاي ~
رفع شو نانهينغ هاتفه، والتقط صورة، ثم أرسلها إلى أمه، وبعد ذلك إلى القروب مع زملائه المعلّمين المتطوعين
—————-
في ظهر اليوم التالي، تواصل رئيس برنامج التدريس التطوعي في شانّان مع شو نانهينغ
أضافه على ويتشات، وأرسل له قائمة بالتنبيهات الهامة مع خريطة الطريق إلى المدينة الريفية
كان تعاملهم مع المدرّسين المتطوعين صادقًا جدًا، حتى أنهم سألوا إذا كان بحاجة لتعويض عن تكاليف الوقود، والتي يمكن تغطيتها بإيصالات من محطة البنزين.
رفض شو نانهينغ بسرعة. ولمنع الطرف الآخر من وضع النقود في سيارته كما فعل الطبيب فانغ، اضطر حتى للكذب، مدعيًا أن المدرسة قد قامت بالفعل بتعويضه. عندها فقط توقف الطرف الآخر عن الموضوع.
للوصول إلى المدينة الريفية، كان عليه أولًا المرور عبر شانّان. المسافة من لاسا إلى شانّان قصيرة، أكثر قليلًا من مئة كيلومتر. وبفضل الطريق السريع الخالي من الزحام، وصل شو نانهينغ هناك في ساعة ونصف تقريبًا.
بعد وصوله إلى شانّان، حضر مؤتمرًا للمدرّسين المتطوعين، إلى جانب العديد من المدرّسين الذين سيعملون في جنوب التبت. كان اليوم اجتماعًا كبيرًا.
جاء المدرّسون من جميع أنحاء البلاد. وبعد انتهاء المؤتمر، سيتفرقون مرة أخرى إلى القرى والمقاطعات التي تم تعيينهم فيها. بعد التقاط صورة جماعية، عاد شو نانهينغ إلى سيارته وتابع الطريق نحو المدينة الريفية.
بعد مغادرته شانّان، أصبح الطريق صعبًا.
قاد السيارة لمدة ساعة، وهو يتأرجحُ بلا رحمة على الطريق غير المعبد، حتى شعر وكأن كل أعضائه قد تفتّتت، لكنه نجح في الوصول إلى وجهته قبل غروب الشمس.
ومع ذلك، لم ينته الأمر بعد. المعلم الذي جاء لمقابلته أخبره أن المدرسة ليست في المدينة نفسها، بل في القرية أسفلها
تبع شو نانهينغ سيارة المعلم ، يقود يائسًا تمامًا
استغرقت رحلة قيادة ثلاث ساعات لمسافة تزيد قليلًا عن عشرين كيلومترًا في طريق جبلي متعرج
صُدم تمامًا { عشرون كيلومترًا تقريبًا ؟؟؟!
لو كان الطريق معبّدًا ، لكان بإمكاني ركوب الدراجة خلال ساعتين فقط ! }
وكان يقود مرسيدس-بنز جي-واغن ، ملك سيارات الطرق الوعرة
يمكن للمرء أن يتخيّل مدى وعورة الطريق الجبلي
بعد ثلاث ساعات، وقف أخيرًا داخل فناء المدرسة. فالساحة الأمامية تحتوي على ثلاثة أشياء فقط: المعلم الذي قاده إلى هنا ، و هو ، وسارية العلم
شرح المعلم أن المبنى كان سابقًا مدرسة ابتدائية ضمن مشروع الأمل — وبعد تخرج الأطفال، تم تنظيف المكان وتحويله إلى مدرسة متوسطة
شو نانهينغ قد رأى صور المبنى التعليمي مسبقًا
بدا أنيقًا، نظيفًا جدًا، مُبّلطًا، وقد أعيد طلاؤه خلال عطلة الصيف
قال المعلم : “ بالمناسبة ، اسمي داوا غياتسو.” ومد يده للمصافحة
عاد شو نانهينغ إلى واقعه، صافح يده وقال: “شو نانهينغ.”
بعد ذلك، أطلع داوا غياتسو شو نانهينغ على سكن المعلمين
السكن في الطابق الثاني من مبنى التعليم
الطابق الأول والثالث عبارة فصول ومكاتب على التوالي
أما الحمام وغرفة المياه الساخنة فموقعهما عند زاوية
الدرج ، والسطح يحتوي على مساحة لتعليق الغسيل
ابتسم داوا غياتسو وتبادل معلومات الاتصال معه، وقال: “ ارتح قليلًا . كافتيريا المدرسة لم تُفتح بعد،
ولكن إذا مشيت إلى القرية ، يوجد أماكن لتناول الطعام.”
أجاب شو نانهينغ: “ حسنًا، شكرًا لك. سأذهب لاستكشاف القرية .”
نزلا معًا إلى الأسفل
بدت سيارة شو نانهينغ، المتوقفة في فناء المدرسة، كبيرة جدًا في هذا المكان
أخرج نفسًا عميقًا، مذكّرًا نفسه بأنه قد اتخذ قراره بالفعل: { مهما كان الوضع هنا، عليّ تقبّله بهدوء }
المدرسة محاطة بسياج حديدي. أما الملعب الخلفي فكان جيدًا نسبيًا، يضم مضمارًا مطاطي وملعب كرة سلة
قاد داوا غياتسو شو نانهينغ عبر البوابة الجانبية ، قائلاً إن الطريق من هنا إلى القرية أقصر
وبمجرد خروجهم ، سمع شو نانهينغ همسات غير بعيدة
قال أحدهم: “ وصل المعلم المتطوع . سمعت أنهم سيقيمون حفل استقبال في مركز المقاطعة بعد يومين،
وقد دعونا أيضًا . هل ستذهب ؟”
أجاب الرجل الآخر : “ سنرى .”
بدى ذلك الصوت مألوف بشكل غريب —- التفت شو
نانهينغ فرأى رجلين يدخنان بجانب سياج المدرسة
أحدهما يرتدي معطف أبيض —- وما زال يراقبه —-
قال الرجل الأخر :
“ للتوجه كل هذا الطريق إلى مكان ناءٍ لتعليم الأطفال ،
لابد أنهم أشخاص ذو قلوب طيبة حقًا .”
ابتسم الرجل ذو المعطف الأبيض ، وظلّ نظره ثابتًا على شو نانهينغ وقال : “ بالفعل ، شخص ذو قلب طيب جدًا .”
يتبع

تعليقات: (0) إضافة تعليق