Ch6 JM
: “ إذًا… الشخص الذي تنتظره، هل وجدته؟”
لم يقل تونشي نالين شيئًا
وكأنه شعر بالعطش ، تحركت تفاحة آدم في عنقه ،
رفع يده ، التقط الكأس النحاسي على الطاولة ،
وشرب من السائل القرمزي داخله
{… من الواضح أنه لا يريد الحديث عن هذا الشخص ،،
تمامًا كما لا أريد أنا التحدث عن مينغ لوو.}
بعد ما مررت به من خطر قبل قليل، لم أشعر بالبرد بسبب توتري ،
لكن الآن… مع الهدوء ، بدأ البرد يتسلل ببطء إلى ملابسي
ضوء الشموع من برج العظام لم يكن كافيًا لتدفئتي
شدَدت ياقة ملابسي، ونظرت إلى ردائه الخفيف والفخم
{ يرتدي القليل جدًا… ألا يشعر بالبرد ؟
أم أن أهل الجبال اعتادوا على هذه الحرارة ؟}
ارتجفت قليلًا ، ولم أستطع منع نفسي من تذكيره:
“ تونشي نالين ألا تريد ارتداء المزيد من الملابس؟
قد تُصاب بالبرد .”
: “ أنا… لا أشعر بالبرد.”
توقف لحظة ، ثم سأل :
“ هل أنت… تشعر بالبرد ؟”
: “ قليلًا…”
وقف تونشي نالين وأخذ اثنين من أكثر حوامل الشموع سطوعًا من برج العظام ، ووضعهما أمامي
تونشي نالين : “ ابقَ هنا وانتظر . لا تتجول .”
: “ اووه … حسنًا.”
تجمّدت لحظة ، وراقبته وهو يمرّ خلف برج العظام ويتجه أعمق داخل الكهف
بعد وقت قصير…
اختفى في الظلام
ساد الصمت
صمتٌ موحش…
كقبرٍ قديمٍ مهجور
هبّت نسمة باردة من الخلف،
وعوى الهواء في الظلام
قبض الخوف على قلبي، فغيّرت وضعيتي بسرعة،
وجلست على الأرض بدل الركوع،
خوفًا من أن يتسلل شيء من مدخل الكهف دون أن أستطيع الدفاع عن نفسي
وفجأة —
“ تعال…”
صوت خافت جاء من جانبي
بدا… كصوت رجل
استدرت نحو الصوت،
لكن خلف ضوء الشموع لم يكن هناك سوى الظلام
“ تعال…”
ناداني مجددًا
تشين ران : “ تونشي نالين هل هذا أنت؟”
شعرت أنه يناديني ،
فترددت لحظة ، ثم أمسكت بحامل الشمعة،
ونهضت متجهًا نحو الصوت
: “ تونشي نالين؟”
أضاءت الشمعة ما حولي—
لكن لا يوجد أحد
فقط صواعد حجرية ترتفع من الأرض ،
وأعمدة تمتد من الأرض إلى السقف ،
وجدران مزينة بتشكيلات حجرية كالشلالات
و في انعكاس ضوء الشمعة المرتجف ،
بدا كل شيء وكأنه يذوب ويتحرك
“ تعال…”
اقترب الصوت أكثر
قادِم من شق عميق
وخز الخوف فروة رأسي ، لكني أجبرت نفسي على التقدم
وبالفعل …
رأيت ظلّ شخص
: “ تونشي نالين!” ناديت، مسرعًا نحوه
لكن عندما كشف الضوء ذلك الظل—
تجمّد الدم في عروقي
لم يكن تونشي نالين…
بل تمثال
تمثال حجري و بدا أنه منحوت من صواعد طبيعية ،
ما زال يحتفظ بطبقاته الصخرية
لكن بفضل نحت لاحق ،
أصبح دقيقًا… كأنه حي
يرتدي قبعة مدببة غريبة ، وعلى كتفيه دروع زخرفية معقدة ،
يشبه مظهر شامان قديم من مناطق جيانغسو
لكن… تعبيره ووضعيته — كانا مرعبين
رأسه مرفوع للأعلى ، ومحجرا عينيه فارغين… يحدقان في العدم
أما عيناه— فموضوعتين في راحتي يديه ، مرفوعتين أمام وجهه
لم أستطع منع نفسي من رفع نظري للأعلى ، وشعري وقف من الرعب
عند طرف الصواعد المعلقة ، يوجد نسر ضخم منحوت في
الحجر ، كإله بارد لا مبالٍ يحدق من الأعلى، كأنه قادر على
الانقضاض وانتزاع العيون… لكنه متعالٍ عن بذل الجهد
بدا المشهد كله كأن الشامان يؤدي طقس تضحية…
أو يتعرض لعقاب قاسٍ
شدّت انتباهي هذه القطعة المرعبة والغريبة من ' الفن '
حتى نسيت خوفي للحظة
درت حول التمثال لأتأمله من كل الزوايا
لكن بطرف عيني، لمحت ظلًا على اليمين
وحين سقط ضوء الشمعة عليه ، انتفضت—
تمثال آخر
بعكس الأول ، هذا… ينتزع قلبه
القلب مرفوع بين يديه ،
وفوقه أيضًا نسر منحوت
{ ما هذا…؟}
رفعت الشمعة غريزيًا ، أحاول رؤية إن كان هناك المزيد
“ تعال…”
دوّى الصوت فجأة
التفت بسرعة ، ولمحت ظل التمثال على جدار الكهف
وبدون تفكير ، نظرت إلى التمثال نفسه—
فتجمّد فروة رأسي
التمثال أمامي يرفع يديه ممسكًا بالعينين — لكن الظل…
يُظهر راحتيه مقلوبتين للأسفل ،
وأصابعه ممدودة… كأنها تستعد للإمساك بشيء
ارتعبت ، واستدرت لأهرب—
لكن فجأة ، أمسكت يد باردة بمعصمي بإحكام
طَااااخ
سقطت الشمعة وتحطمت ،
وغرق كل شيء في ظلام دامس
سُحبت للخلف بقوة ،
واصطدم ظهري بجدار الكهف
شيء ثقيل وبارد غطى جسدي من الأعلى—
قماش سميك ، زلق
همس صوت بارد قرب أذني:
“ ألم أقل… لا تتجول ؟”
: “ تونشي نالين؟”
لم أرَ شيء
مددت يدي الحرة غريزيًا — لمست صدره
كان صلبًا… وباردًا كالجليد
{ كيف يتدرب هذا الشخص…؟
عضلاته صلبة بشكل غير معقول .}
“ سمعت صوت … هل كنت تناديني ؟”
كنت على وشك نزع القماش عن وجهي—
لكن مع صوت ووووش
تم تقييد ذراعيّ فجأة
تعثرّت بضع خطوات وأنا أُسحب ،
وعندها فقط أدركت—
أنه لفّني بقطعة قماش، وربطها بحزام
{لقد ذهب ليحضر ملابس لأنني قلت إنني أشعر بالبرد…
لكن هذا… ربما أغضبه .}
ضحكت بخفة، محاولًا التخفيف:
“ هيه تونشي نالين هل تلفّني كأنني زلابية؟
حسنًا، حسنًا كان يجب ألا أتجول في أرضك
أنا مخطئ .. حسناً ؟”
توقف السحب ،
لكن القيود لم تُفك
وقفت متصلبًا ، لا أرى شيئًا—
لكنني شعرت بنظرة
باردة… شبحية…
تزحف من قدمي صعودًا ،
تخترق القماش السميك ،
وتتفحص كل شبر من جسدي
{هذا الشعور… غريب جدًا…
تونشي نالين… أعمى أليس كذلك؟}
: “ تونشي نالين؟”
انتشرت القشعريرة في جلدي، لكنني أجبرت نفسي على الابتسام :
“ إذا واصلت ربطي هكذا… سأسيء الفهم .”
لم أكن متأكدًا إن كان يفهم التلميح أم لا—
و على الأرجح لا
{ أنا لست امرأة… وهذا الجبل… لا يبدو متحضرًا إلى هذا الحد .}
وبمجرد أن خرجت الكلمات من فمي— ندمت
{ هل… أهنته ؟}
بصوت خافت وووش — أُطلقت ذراعاي، وارتخت القيود
انزلق الرداء الثقيل عن جسدي ، وأمامـي وقف تونشي نالين، يتوهّج جسده بانعكاس الشموع
و تحت القماش الأسود ، ظلّ وجهه بلا تعبير ، دون أي أثر لمشاعر
ومع ذلك، استطعت أن أشعر بهالة باردة وخطِرة تقترب، كألسنة لهب شبحية وامضة تحترق في قبر
— { يبدو أنني قد أغضبت تونشي نالين حقًا
وحدسي أخبرني أنه ليس شخصًا بلا مزاج
و عواقب استفزازه… ليست شيئًا يمكنني تحمّله }
ابتسمت له باعتذار، لكن قبل أن أتمكن من الاعتذار مجددًا، استدار، والتقط شمعة من برج العظام
تونشي نالين : “ اتبعني "
تجمّدت : “ إلى أين؟”
مال تونشي نالين برأسه قليلًا : “ هل تريد أن… تنام في الخارج؟”
تشين ران { فهمت … رغم غرابة شخصية هذا الجميل
إلا أنه لطيف ومراعٍ
خشي أن أشعر بالبرد ، فأعطاني ملابس ،
والآن هو مستعد حتى للسماح لي بالبقاء
رغم أن هذا المكان مخيف حقًا … }
استدرت أنظر نحو التمثال الحجري الغريب،
التقطت الرداء الذي أعطاني إياه وارتديته ،
ثم أسرعت بخطوتين للحاق به
…..
بعد صعود درج حجري والدخول إلى عمق الكهف،
أضاء ضوء الشموع ظلًا أبيض ضخمًا
وعندما نظرت عن قرب، شعرت بالصدمة والرعب مجددًا
هذا أيضًا تمثالًا على هيئة إنسان ، لكنه أكبر بكثير من التماثيل التي رأيتها للتو
فاتح جداً وشفاف ، وكأنه منحوت من صدفة محار عملاقة أو من اليشم
وجهه مغطى بشرّابات ذهبية ، وجسده منقوش بتعاويذ حمراء داكنة كثيفة وغريبة
يجلس متربعًا على قاعدة ضخمة منحوتة على شكل بتلات حمراء
خلفه أربع من الأذرع ، بعضها يحمل أدوات غريبة ،
وبعضها يحمل جماجم ، وبعضها يطعم النسور
واثنين من الأيدي متقابل ظهرًا لظهر ، مشكّلًا هيئة ' قرص الزهرة ' المتجهة للأسفل
لاحظت أن التورما الموضوعة أمام هذا التمثال أكبر وأطول بكثير من تلك التي أمام برج العظام
لم تكن مصنوعة من العجين فقط، بل ممزوجة بأحجار كريمة بأحجام مختلفة
بنظرة واحدة استطعت تمييز العقيق، والملكيت، واللازورد، والعنبر، وحتى اليشم غير المصقول
و كان واضح أن هذه القرابين قُدمت بإجلال كبير
استنتجت الآن أن ما أراه هو تمثال لإله ، رغم أن مظهره شرير إلى حدّ ما
{ هل هذا هو… سيد إله الجثث الذي تحدثوا عنه ؟}
بدافع الفضول تجاه مظهر التمثال ، فكّرت أنه بما أن تونشي نالين لا يرى ، فلن يلاحظ إن ألقيت نظرة سريعة
لذا اقتربت من التمثال ، وأملت رأسي لأنظر داخل الشرّابات الذهبية
لكن في هذه اللحظة ، جاء صوت خافت من الأمام:
“ ماذا… تفعل ؟”
رفعت رأسي—
كان تونشي نالين لا يزال يواجه الأمام، لم يلتفت
ومع ذلك… بدا وكأن له عينين في مؤخرة رأسه،
يشعر بكل حركة أقوم بها
: “ لا شيء… علقت ملابسي.”
سحبت يدي بسرعة ، خوفًا أن يسيء الفهم ويظن أنني أراقب القرابين
لم أستطع منع نفسي من التساؤل إن كان سمعه حادًا إلى هذا الحد ،
يلتقط حتى أخف الأصوات التي قد يتجاهلها الآخرون، مثل احتكاك القماش…
وأنا أفكر ، نظرت إلى ملابسي ، ودهشت من فخامة الرداء الذي أعطاني إياه تونشي نالين
بدا مصنوعًا من جلد فاخر ، إما جلد حصان أو خروف ، ناعم للغاية
و تطريزه الذهبي الداكن يظهر بشكل ناعم وخافت تحت انعكاس ضوء الشموع ،
و كل أنواع الأحجار الكريمة التي رأيتها في أوعية القرابين متناثرة ضمن النقوش
أما الياقة والأكمام فكانتا أكثر تعقيدًا ، مزينتين بحواف مطرزة بالأحجار ، ومبطنتين بفرو ثعلب رمادي فضي
لم أستطع منع نفسي من لمس النقوش، وشعرت بدهشة شديدة
لقد قضيت سنوات في عالم الفن ، و زرت الكثير من دور المزادات ،
وتعاملت مع العديد من خبراء الآثار ،
ومن خلالهم رأيت الكثير من الملابس القديمة من مجموعات محلية وأجنبية
أستطيع أن أقول إن هذا التطريز هو تقنية 'تسوجين فولو'الأسطورية ،
حرفة مفقودة من جيانغسو القديمة
وهذا يعني بلا شك… أنه قطعة أثرية
القليل من أردية تسوجين فولو المتبقية في البلاد يُقال إنها
جاءت من قبر أحد النبلاء الأقوياء في جيانغسو القديمة
و القطعة التي رأيتها سابقًا لم تكن بهذا التعقيد ،
ومع ذلك ، كان يمكن أن يصل سعرها إلى مئات الملايين
أما هذا الرداء الذي أعطاني إياه تونشي نالين…
فهو يصلح للعرض في متحف وطني،
وسيكون بلا شك من كنوز المجموعة
{ أي نوع من الأشخاص هو تونشي نالين… ليَرْتدي بسهولة قطعة أثرية لا تُقدّر بثمن ؟
خلفيته… لا بد أنها استثنائية .}
وجدت الأمر صعب التصديق، وذهني شارد
قادني عبر المعبد الضخم ،
ودخلنا غابة من الصخور ،
ثم عبرنا جسرًا حجريًا
تحت الجسر ، نهر مظلم متعرج كأفعى عملاقة ،
لا يُرى له قاع
و ربما بسبب ما حدث الليلة،
لم أستطع التخلص من إحساس أن شيئًا ما يختبئ في الماء
كنت أريد النظر للأسفل…
لكن الخوف منعني
وفي حالتي المتوترة ،
لمحت بطرف عيني أشكال بيضاء تنجرف تحت الجسر ،
تشبه… جثث طافية
نظرت للأسفل—
فتجمّدت
أيدٍ هيكلية شاحبة تمسك بحواف الجسر ،
وجماجم متعفنة تطفو صعودًا وهبوطًا ،
تفتح أفواهها وتغلقها… كأنها تسخر مني بابتسامة شريرة
المشهد… كان كابوس الليلة الماضية
{ إيماني بالإلحاد… تحطم تمامًا هذه الليلة .}
“ تونشي نالين!”
تقدمت خطوتين وأمسكت بكتفيه
الغريب أنه في اللحظة التي لمسته فيها—
اختفت الأيدي الشبحية تمامًا،
لكن الظلال البيضاء في الماء بقيت،
كتمساح يسبح ذهابًا وإيابًا تحت السطح
“ هذا المكان…” اصطكت أسناني، وتلعثمت كلماتي :
“ تونشي نالين هل… نعود إلى القرية بأسرع وقت ؟
أظن أنني حقًا رأيت شبح .”
تونشي نالين : “ الخارج… أكثر خطورة… ليلًا.”
انحنى نصف ركعة ،
وأمسك كاحلي بيديه الباردة
“ هم… يحبون الغرباء .
إن اقتربت مني… لن يستطيعوا… شمّك .”
تجمّدت ، أحدق في ظهره المغطى بشعر أسود طويل
{ هو… يرى الأشباح ؟
لكن… أليس أعمى ؟
أم أنه يشعر بهم ؟ و معتاد على التعايش بين البشر والأشباح ؟
هل… هل سيحملني ليحميني منهم ؟
لقد التقينا للتو… ولم أبدأ حتى في التقرب من مُلهمي…
والآن سيظن أنني جبان لا أستطيع المشي… كرامتي …}
ابتسمت بتكلف :“ لا… لا داعي…”
ووووش—
في اللحظة التي ترددت فيها ،
شعرت بلمسة رطبة على مؤخرة عنقي… كأن شيئًا لعقني
قفزت فورًا على ظهر تونشي نالين
بل ولففت ذراعي حول عنقه بشكل جبان
جمعت شجاعتي والتفت —
لكن لم يكن هناك شيء خلفي
حتى الأشباح تحت الجسر اختفت في لحظة
{ اللعنة … هل أشباح هذا المكان لا تتنمر إلا على الغرباء ؟}
يتبع
الفصل التالي الفصل السابق
تعليقات: (0) إضافة تعليق