Ch40 CP
الفصل 40: حساء الفطر
لم يسبق لسوي تشانغ أن شعر بأن حياته صعبة إلى هذا الحد ….
فعلى الرغم من أنه الطرف الذي يحاول الآخر التقرب منه،
فإن مهمته كانت الأصعب على الإطلاق، لأنه أصبح مطالباً الآن بأن «يجعل جي لينغ يشعر بأنه نجح في ملاحقته»
و منذ أن علم أن جي لينغ لم تراوده ابداً أفكار بشأن إنهاء حياته، شعر سوي تشانغ براحة كبيرة من أعماق قلبه
و وحده الإله يعلم كم ليلة قضاها قبل ذلك يتقلب في سريره عاجزاً عن النوم
لكن رغم أن القلق الذي كان يمزق قلبه قد خفّ الآن ، لم يشعر سوي تشانغ براحة تامة أيضاً
فهو الطرف الذي يحاول الآخر التقرب منه بوضوح ، وجي لينغ قام بالفعل ببعض التصرفات التي تشبه … محاولات الملاحقة — مثلاً ، أصبح يبادر إلى إعداد الطعام لسوي تشانغ ،
واشترى أيضاً بعض الزهور الجميلة ووضعها في غرفة نومه ،
لكنه مع ذلك لم ينتقل إلى غرفة نوم سوي تشانغ —-
كان جي لينغ يحافظ على مسافة مناسبة بينهما —- ففي بعض الأحيان ، كانت الأجواء بينهما تصبح مشحونة بالتلميحات إلى أقصى حد، لكنه يتوقف فجأة قبل الخطوة الأخيرة —- وكان هذا يجعل سوي تشانغ يشعر بتوتر شديد ، وكأن قلبه يُخدش من الداخل
شعر بأنه أصبح الطرف السلبي ، وأن جي لينغ يتحكم بمشاعره تمامًا —
أدرك سوي تشانغ أنه بدلًا من الانتظار بسلبية حتى يلاحقه جي لينغ ، عليه الآن أن يبادر ويتخذ الخطوة الأولى
ففكر سوي تشانغ قليلًا ، ثم طلب بسرعة عدد كبير من أصص الفطر عبر الإنترنت —- وقد تعمد فعل شيء ما ، فلم يضع عنوان المنزل للتوصيل، بل اختار المدرسة
و عندما حمل أصيص كبير جديد يحتوي على أكياس زراعة الفطر إلى فصل جي لينغ ، بدت على وجه جي لينغ علامات تردد واضحة
سوي تشانغ : “ أسرع، ساعدني قليلًا… لم أعد أستطيع حمله .”
ساعده جي لينغ على وضع كيس زراعة الفطر جانبًا، وعندها قال سوي تشانغ وهو يلهث : “ الفطر الموجود في قاعة درسي… أوشك كله على النمو ، أليس كذلك؟ لذا اشتريت بضعة أصص جديدة .
هذه المرة، الأنواع أكثر تنوعًا . كما أنني لم أشترها من أجل الطلاب ، ولا لأي سبب آخر .
اشتريتها فقط لأنني أعرف أنك تحب الفطر، لذا أردت إهداءه لك.” نظر إلى عيني جي :
“ لذا سأترك هذا الفطر في فصلك ، وسآتي كل يوم لسقيه. ما رأيك ؟”
ظل جي لينغ يحدق في وجه سوي تشانغ لبعض الوقت، ثم همهم خافتة وقال : “ مم لا بأس.”
ساد الصمت بينهما قليلًا ، ثم قال سوي تشانغ بتلعثم : “ إذًا… سأذهب الآن ؟”
جي لينغ : “انتظر قليلًا.”
نهض جي لينغ ومشى نحو سوي تشانغ، ثم رفع وجهه قليلًا ومد يديه ، وأحاط عنق سوي تشانغ برفق
تعلق جي لينغ بعنقه هكذا ، فتقلصت المسافة بينهما فجأة حتى صارت قريبة جدًا ، وكأنهما يتعانقان
تصلب جسد سوي تشانغ، لكن ملامح جي لينغ كانت جادة للغاية
بعد لحظات ، أنزل جي لينغ يديه و عينيه وأمال رأسه، ثم قاس بأصابعه طول تقريبي ، ثم رفع رأسه مجددًا
جي لينغ : “ الطقس بارد قليلًا هذه الأيام، لذا أريد أن أحوك لك وشاح . لكنني لست متأكدًا من الطول الأنسب لك.”
فكر قليلًا، ثم أضاف : “ كما أنني لا أعرف… إن كنت تحتاج إلى وشاح أصلًا .”
تقلبت مشاعر سوي تشانغ بشدة خلال ثوانٍ قصيرة
انتبه على الفور وقال : “ أحتاج إليه! أحتاج إليه بشدة . كنت أفتقر إلى وشاح أصلًا ! والرياح قوية جدًا هذه الأيام، وفي كل مرة تتسلل فيها إلى داخل ياقة ملابسي وتضرب عنقي …”
أومأ جي لينغ
ثم بدت عليه الحيرة مجددًا، وقال : “لكنني أشعر أن حياكة القفازات ستكون فكرة جيدة أيضًا.”
سوي تشانغ : " هااه !! "
فكر جي لينغ بجدية قليلًا، ثم قال : “ما رأيك أن أحوك لك الاثنين ؟”
وبعد لحظة ، أجاب سوي تشانغ بصوت مبحوح : “… بالتأكيد .”
شعر سوي تشانغ أن جي لينغ قد تغير بطريقة ما
لم يعرف ما الذي أصابه، فجي لينغ في الحقيقة لم يفعل شيئًا مميزًا، بل إنه كان أحيانًا يتعمد إبعاد المسافة بينهما بطريقة غير مباشرة
لكن كلما عجز سوي تشانغ عن الوصول إليه، شعر أكثر… وكأن شيئًا ما قد تعلق بقلبه وجذبه إليه
———
وسرعان ما حلّ شهر فبراير
يقع المقر الرئيسي للمدرسة الدولية التي يعمل فيها سوي تشانغ في بريطانيا، وفي مثل هذا الوقت من كل عام، يأتي بعض المعلمين من المقر الرئيسي إلى الفرع لإجراء بعض اللقاءات وتبادل الخبرات، وهو نوع من التعلم المتبادل بمعنى ما.
مع ذلك، كان سوي تشانغ يشعر دائمًا بأن هذا مجرد مضيعة للوقت، وكأن معلمي المقر الرئيسي يأتون إلى الصين للسياحة على نفقة المدرسة.
و هذا العام سوي تشانغ وتوماس مسؤولين عن التنسيق مع معلمة أحياء من المقر الرئيسي. وبعد تبادل بضع كلمات معها، اكتشفا أنها من مسقط رأس توماس أيضًا
بدأ توماس يغمز بعينيه ويحرك حاجبيه بجنون، ففهم سوي تشانغ قصده، واقترح أن يتناولوا الغداء معًا
في طريقهم إلى المقصف، كان توماس والمعلمة يسيران في المقدمة ويتحدثان، بينما سار سوي تشانغ خلفهما بملل، متعمدًا إبقاء مسافة صغيرة بينه وبينهما
وبسبب زيارة معلمي المقر الرئيسي، أعد قسم الطعام الصيني في المقصف الزلابية خصيصًا لهم، وهي من الأطعمة النادرة التي يمكن تناولها هنا دون أن يشعر المرء وكأنه يأكل طعامًا من العالم السفلي.
لكن بعد أن أخذوا طعامهم، استدعى بعض المعلمين الذين كانوا برفقة المعلمة تلك المعلمة فجأة، فبدا توماس وكأن روحه قد غادرت جسده.
كاد سوي تشانغ يضحك، لكن ما إن رفع عينيه حتى رأى جي لينغ يدخل المقصف برفقة رجل ذو شعر بني ووسيم الملامح ، يبلغ طوله مترًا وخمسة وتسعين سنتيمترًا تقريبًا
تجمد سوي تشانغ للحظة
كان وجه الرجل البريطاني غريبًا عنه، مما يعني أنه على الأرجح أحد المعلمين القادمين من المقر الرئيسي، لكنه بدا وكأنه يتحدث مع جي لينغ بألفة شديدة
وكأن جي لينغ شعر بنظراته، رفع عينيه في اللحظة نفسها
—- اخترقت نظراته الحشود، والتقت بنظرات سوي تشانغ للحظة قصيرة
وبعد لحظة ، رأى سوي تشانغ جي لينغ يرفع عينيه مجددًا ويتابع حديثه مع الرجل، ثم وقف الاثنان معًا في الطابور
سأل سوي تشانغ توماس : “ من الرجل الذي يقف بجانب جي لينغ؟”
كان توماس دائمًا واسع الاطلاع، فأجاب : “إنه آدم من المقر الرئيسي ، يدرّس حساب التفاضل والتكامل . في الواقع، جاء إلى فرعنا لتبادل الخبرات قبل بضع سنوات، لكن جي لم يكن قد بدأ العمل هنا في ذلك الوقت ...”
ثم قال وهو يمضغ قطعتين من الزلابية ويتحدث وفمه ممتلئ : “ لكن يُقال إنه زميل جي في الجامعة، وقد درسا في الجامعة نفسها .”
لم يرد سوي تشانغ
لم يلاحظ توماس أن هناك شيئًا غريبًا، فواصل التهام قطعتين أخريين من الزلابية، ثم عقد حاجبيه وقال : “آه، نسيت إحضار الخل! أرى أنك أخذت كمية لا بأس بها، دعني أغمس قطعة في خلّك …”
———
جي لينغ : “ في اتجاه الساعة التاسعة، الرجل الطويل. لا تنظر إليه مباشرةً .”
أجابه آدم " فهمت " وبعد قليل ألقى نظرة خاطفة عليه دون أن يلفت الانتباه ، ثم قال : “ واو ؟؟؟ ، إنه وسيم فعلًا.”
وافقه جي لينغ الرأي وقال : “ بالفعل .”
كان آدم واحدًا من الأصدقاء القلائل الذين حظي بهم جي لينغ في بريطانيا.
عندما كان جي لينغ يدرس في بريطانيا، كان من الواضح جدًا أنه يضع عبارة ' لا أختلط بالآخرين، لا تقتربوا مني' على وجهه، ومع ذلك، ظل آدم يبادر إلى التقرب منه
وعندما لاحظ جي لينغ أن هناك شيئًا غير طبيعي، أوضح له فورًا وبصراحة أنه يشعر بالانزعاج من تصرفاته
عندها فقط قال آدم باعتذار شديد : “ آسف، في الحقيقة، السبب هو أن كل سترة صوفية ترتديها جميلة جدًا .
و تبدو وكأنها من تصميم أحد المصممين ، لذا أردت دائمًا أن أسألك من أين تشتريها ، لكنني شعرت أن سؤالك مباشرة قد يكون غير مهذب بعض الشيء…”
عندها أدرك جي لينغ أن حدسه لم يخطئ ، فهذا الرجل الضخم الذي يبلغ طوله مترًا وخمسة وتسعين سنتيمترًا كان من الفئة نفسها التي ينتمي إليها ( مثلي الجنس ) —-
كان يملك قلبًا ورديًا رقيقًا كقلب فتاة ، ويحب تنسيق الملابس، لكنه لم يكن التوب في علاقاته ابداً
و أصبح الاثنان صديقين مقربين فيما بعد، وبعد تخرج جي لينغ، أخبره آدم عن فرصة العمل هذه أيضًا
و ألقى آدم نظرة أخرى على ظهر سوي ، ثم قال ضاحكًا : “ إذًا، بسببه لم تكن ترغب في الانتقال إلى المقر الرئيسي معي طوال هذا الوقت ؟”
فكر جي لينغ قليلًا، ثم قال : “ في ذلك الوقت، كان قراري يعتمد أساسًا على عدة عوامل ، منها المناخ والطعام وتأشيرة العمل ...”
توقف قليلًا، ثم أضاف : “ لكن في الوقت الحالي، نعم، السبب الرئيسي هو ك فعلًا .”
انفجر آدم ضاحكًا
المقصف مكتظ بالناس، والتقت نظرات جي لينغ وسوي تشانغ من جديد، مصادفةً، من بعيد
وبعد قليل ، استدار سوي تشانغ أخيرًا واتجه نحو الدرج
لاحظ آدم هذا المشهد بدقة ، وقال : “يبدو أنكما تهتمان ببعضكما كثيرًا. إذًا ، إلى أين وصلت الأمور بينكما؟ ما طبيعة علاقتكما الآن ؟”
أومأ جي لينغ وقال : “ أنا أحاول ملاحقته .”
آدم بشكل مبالغ فيه : “ ووواااااه !!!!!؟ ظننت أنكما تعيشان قصة حب بالفعل !”
تجمد جي لينغ للحظة، لكنه لم يرد في النهاية
——-
بعد انتهاء الغداء، اصطحب جي لينغ آدم في جولة داخل فصله
ولفتت انتباه آدم على الفور صفوف أصص الفطر الممتدة على الشرفة ، فهتف : “ يا له من شيء لطيف! لم أكن أعرف أنك تهتم بزراعة هذه الأشياء أيضًا.”
جي لينغ : “في الحقيقة، هو من أهداني إياها.”
تجمد آدم للحظة، ثم هز رأسه مبتسمًا —- لم يقل شيئًا، لكن جي لينغ كان يعرف بالفعل ما يريد قوله
أخرج آدم هاتفه وبدأ يلتقط الصور ، قائلًا إن الفطر لطيف جدًا ، وإنه يريد تصويره ونشر الصور على إنستغرام
جي لينغ قد اعتاد على تصرفاته هذه، فاستدار وبدأ يرتب سطح مكتبه — لكن عندما رفع عينيه، رأى سوي تشانغ واقفًا عند باب فصله
ظل سوي تشانغ واقفًا في مكانه دون حراك، يراقبه بهدوء
تبادلا النظرات لثانية واحدة، ثم أومأ سوي تشانغ برأسه وقال : “ أتيت لسقي الفطر .”
تجمد جي لينغ للحظة
كان يشعر ببعض الحيرة ، لأن سوي تشانغ اعتاد المجيء لسقي الفطر بعد انتهاء الدوام ، لكنه اختار هذه المرة أن يأتي خلال استراحة الظهيرة —-
لم ينتبه آدم إلى ما يحدث خلفه ، بل واصل التقاط الصور من زوايا مختلفة للفطر ، وقال لجي لينغ : “ جي هذا الفطر لطيف جدًا حقًا ! هل يمكنني اقتطاف بضع حبات منه لأخذها معي لاحقًا ؟…”
و قبل أن يتمكن جي لينغ من الرد، قال آدم بشيء من الإحباط : “ آه، لكن لن أستفيد كثيرًا من أخذه ، فأنا أقيم في فندق ولا أستطيع الطهي… واو لحظة يا جي! هل هذه الملصقات من صنع طلابك؟…”
قبل أن يتمكن جي لينغ من قول ' نعم ' سمع فجأة صوتًا غريبًا يأتي من خلفه
استدار جي لينغ بحيرة ، فرأى أن وجه سوي تشانغ كان خاليًا من أي تعبير. كان يحمل مقصًا ويقص به الفطر الناضج
المقص حاد ، لذا فإن قص الفطر به أسرع بكثير من قطافه باليد — تحرك سوي تشانغ بخفة ومهارة، ومع كل قصّة يصدر صوت طقطقة من سقوط مجموعة كبيرة من الفطر
عندها فقط لاحظ آدم وجود سوي تشانغ خلفه
أطلق صوت تعجب، ثم نظر إلى جي لينغ، وبعدها إلى سوي تشانغ، ومد يده إليه بحرارة ليصافحه قائلًا : “مرحبًا، أنا آدم.”
صافحه سوي تشانغ، وابتسم قليلًا ثم ذكر اسمه ايضاً
قال سوي تشانغ مبتسمًا : “ آسف، ربما أحدثت بعض الضجيج . لا بأس، لا تكترثا بي، تابعا حديثكما فحسب .”
تردد آدم للحظة ، ثم قال : “ اووه ، حسنًا…”
: “ اووه ، انتظر قليلًا، أريد أن أضيف شيئًا آخر…” استدار سوي تشانغ مجددًا ، ونظر إلى جي لينغ وسأله بنبرة لا مبالاة : “ هل يناسبك أن أعد لك حساء الفطر الليلة ؟”
كان صوته لطيفًا للغاية — لكن الغريب أنه رغم حديثه مع جي لينغ، اختار أن يطرح سؤاله باللغة الإنجليزية ، كما بدا أنه تعمد رفع صوته قليلًا
ثبت سوي تشانغ عينيه على عيني جي لينغ وقال : “ لكن هناك أنواع مختلفة من حساء الفطر…
أستطيع إعداد حساء الفطر بالكريمة أو حساء الفطر بالبيض ...إذًا أيهما تفضل يا أستاذ جي ؟”
يتبع
تعليقات: (0) إضافة تعليق